Indexed OCR Text
Pages 361-380
إهداء الديباجة بشرح سنن ابن ماجة
٣٦١
٧- كتاب الصيام
ثم قال : وقال ابن قدامة " وإن قبل فأنزل أفطر بلا خلاف "
ثم تعقبه بالمشهور عن ابن حزم أنه لا يفطر وإن أنزل .
(٢١) باب ما جاء في الغيبة والرفث للصائم
١٦٨٩ - حَدَّثْنَا عَمْرُو بْنُ رَافِعٍ حَدَّثَنَا عَبْدُ اللّهِ بْنُ الْمُبَارَكِ عَنْ ابْنِ أَبِي ذِئْبٍ عَنْ
سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيِّ عَنْ أَبِهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللّهِ لَّ مَنْ لَمْ يَدَعْ قَوْلَ
الزُّورِ وَالْجَهْلَ وَالْعَمَلَ بِهِ فَلَا حَاجَةً لِلْهِ فِي أَنْ يَدَعَ طَعَامَهُ وَشَرَابَهُ .
صبيع
١٦٩٠ - حَدَّثْنَا عَمْرُو بْنُ رَافِعٍ حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُبَارَكِ عَنْ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ عَنْ
سَعِيدٍ الْمَقْبرِيِّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةً قَالَ قَالَ رَسُولُ اللّهِ لَّ رُبِّ صَائِمٍ لَيْسَ لَهُ مِنْ
صِيَامِهِ إِلَّا الْجُوعُ وَرُبَّ قَائِمٍ لَيْسَ لَهُ مِنْ قِيَامِهِ إِلَّ السَّهَرُ. حسن صحيح
١٦٩١ - حَدَّثْنَا مُحَمَّدُ بْنُ الصََّّاحِ أَثْبَأَنَا حَرِيرٌ عَنْ الْأَعْمَشِ عَنْ أَبِي صَالِحٍ عَنْ أَبِي
هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا كَانَ يَوْمُ صَوْمٍ أَحَدِكُمْ فَلَا بَرْفُثْ
وَلَا يَجْهَلْ وَإِنْ جَهِلَ عَلَيْهِ أَحَدٌ فَلْقُلْ إِنِّي امْرُؤٌ صَائِمٌ. صحيح
الغريب :
الرفث : الكلام الفاحش ، ويطلق أيضا على الجماع ، وعلى مقدماته ، وعلى
ذكر ذلك مع النساء أو مطلقا .
الشرح : دلت الأحاديث في الباب على أن الصائم منهي عن قول الزور وقبيح
الكلام من الخنا والشتم واللعن وذلك ليسلم له صومه ، فإن الصائم إذا أطلق لنفسه.
العنان للمخاصمة والصخب والسباب ، وغير ذلك من جنايات اللسان ورديء
الأخلاق فإنه يكون قد تعرض لما ينقص أجره على صيامه ، بل ربما أدى ذلك إلى
ضياع كامل أجره ، فلا يكون له من صيامه إلا الجوع والعطش .
إهداء الديباجة بشرح سنن ابن ماجة
٣٦٢
٧- كتاب الصيام
فالله تعالى كتب الصيام على عباده لتحصل لهم التقوى التي تكفهم عن الرذائل
وتدنيهم من الفضائل قال الله تعالى { يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام كما
كتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون }
قال ابن كثير في تفسيرها (٢١٩/١): يقول تعالى مخاطبا للمؤمنين من هذه
الأمة وآمرا لهم بالصيام وهو الإمساك عن الطعام والشراب والوقاع بنية خالصة لله
عز وجل لما فيه من زكاة النفوس وطهارتها وتنقيتها من الأخلاط الرديئة والأخلاق
الرذيلة اهـ
فإذا لم يثمر الصيام للعبد هذه الثمرة ؛ وهي التقوى والأخلاق الحسنة فإنه
معرض لعدم القبول ، إذ لا حاجة لله تعالى في امتناع عبده عن طعام وشراب مع
ولوغه في سيء الأخلاق، من الزور والكذب والغيبة والسفه ، والله تعالى لا يحتاج
إلى شيء بل خلقه جميعا لهم المحتاجون إليه أبدا ، وإنما خرج الكلام مخرج التغليظ
والكراهية.
كما أشار إليه ابن عبد البر في التمهيد (٢٨٥/٧): قال : "من لم يدع قول
الزور والعمل به فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه " فمعناه الكراهية
والتغليظ كما جاء في الحديث " من شرب الخمر فليشقص الخنازير أي يذبحها أو
ينحرها أو يقتلها بالمشقص " وليس هذا على الأمر بشقص الخنازير ولكنه على
تعظيم إثم شارب الخمر ، فكذلك من اغتاب أو شهد زورا أو منكرا لم يؤمر أن
يدع صيامه ولكنه يؤمر باجتناب ذلك ليتم له أجر صومه فاتقى عبد ربه ، وأمسك
عن الخنا والغيبة والباطل بلسانه ، صائما کان أو غير صائم، فإنما یکب الناس في
النار على وجوههم حصائد ألسنتهم.اهـ
إهداء الديباجة بشرح سنن ابن ماجة
٣٦٣
٧- كتاب الصيام
قال النووي في شرح مسلم (٢٨٥/٤) : واعلم أن نهي الصائم عن الرفث
والجهل والمخاصمة والمشائمة ليس مختصا به بل كل أحد مثله في أصل النهى عن ذلك
لكن الصائم أكد اهـ
وقوله " فليقل إني صائم " أي فليذكر نفسه بأن الصيام ينافيه المشائمة والمخاصمة
والجهل فيكفها بذلك عن الانتصار ويحثها على الصفح والتسامح ، وفيه كذلك تنبيه
للمخاصِم الذي شاتمه بما ينبغي أن يكون عليه الصائم من تجنب المشائمة ، وكأنه
يقول له : إني صائم فلن أقابل سبّك بسب مثله ؛ صيانة لصيامي فهل أنت منته عن
ذلك .
وفي الحديث تدريب للمرء على ضبط نفسه ، وكفّها عن الغضب ، وحملها
على الصبر ، وتعويدها عليه ، ولا غرو فإن من أسماء شهر رمضان شهر الصبر كما
جاء في حديث أبي هريرة عند أحمد والنسائي ومن حديث أبي مجيبة الباهلي عن أبيه
أو عمه عند أبي داود وابن ماجة .
(٢٢) باب ما جاء في السحور
١٦٩٢ - حَدَّثْنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدَةَ أَتْبَأَنَا حَمَّدُ بْنُ زَيْدٍ عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ صُهَيْبٍ عَنْ
أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَسَخَّرُوا فَإِنّ فِي السُّحُورِ
صحیع
تَرَكَةً .
١٦٩٣ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارِ حَدَّثَنَا أَبُو عَامِرٍ حَدَّثَنَا زَمْعَةُ بْنُ صَالِحٍ عَنْ سَلَمَةَ عَنْ
عِكْرِمَةَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ عَنْ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلْمَ قَالَ اسْتَعِنُوا بِطَعَامِ السَّحَرِ عَلَى
صِيَامِ النَّهَارِ وَبِالْقَيْلُولَةِ عَلَى فِيَامِ الْلَيْلِ .
ضعيف
إهداء الديباجة بشرح سنن ابن ماجة
٣٦٤
٧- كتاب الصيام
٢٣) باب ما جاء في تأخير السحور
١٠٦٩٤ - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدٍ حَدَّثَنَا وَكِيعٌ عَنْ هِشَامِ الدَّسْتُوَائِيِّ عَنْ قَتَادَةً عَنْ أَنَسٍ
بْنِ مَالِكٍ عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِثٍُ قَالَ تَسَخَّرْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثُمَّ قُمْنَا
إِلَى الصَّلَاةِ قُلْتُ كَمْ بَيْنَهُمَّا قَالَ قَدْرُ قِرَاءَةٍ خَمْسِينَ آيَةً . حسن
١٦٩٥ - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدٍ حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ عَّاشِ عَنْ عَاصِمٍ عَنْ زِرْ عَبِنْ
حُذَيْفَةً قَالَ تَسَخَّرْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هُوَ النَّهَارُ إِلَّا أَنَّ الشَّمْسَ
لَمْ تَطْلُعْ .
صحيح
١٦٩٦ - حَدَّثْنَا يَحْتَى بْنُ حَكِيمٍ حَدَّثْنَا يَحْبَى بْنُ سَعِيدٍ وَابْنُ أَبِي عَدِيِّ عَنْ سُلَيْمَانَ
:
التَّيْمِيِّ عَنْ أَبِي عُثْمَانَ النَّهْدِيِّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﴿ قَالَ لَا
يَمْنَعَنَّ أَحَدَكُمْ أَذَانُ بِّالِ مِنْ سُحُورِهِ فَإِنَّهُ يُؤَذِّنُ لِيْتِهَ نَائِمُكُمْ وَلِيَرْجِعَ قَائِمُكُمْ وَلَيْسَ
الْفَجْرُ أَنْ يَقُولَ مَكَذَا وَلَكِنْ هَكَذَا يَعْتَرِضُ فِي أُفُقِ السَّمَاءِ . صحيح
الغريب :
السحور : بفتح السين هو الطعام الذي يُتناول في وقت السحر ، وبضم السين
هو الفعل أي الأكل في هذا الوقت .
الشرح : دل حديث أنس في الباب على فضل السجور ، فلا خلاف في
استحبابه، قال ابن المنذر في الإجماع (ص ٥٢): وأجمعوا على أن السحور مندوب
1
إليه.اهـ
ونصه في الإشراف على ما نقله النووي في المجموع (٣٦٠/٦): أجمعت الأمة
على أن السحور مندوب إليه مستحب لا إثم على من تركه .
إهداء الديباجة بشرح سنن ابن ماجة
٣٦٥
٧- كتاب الصيام
وقوله " فإن في السحور بركة" المراد بالبركة ما يحصل للعبد من الأجر
والثواب على اتباعه للسنة في استيقاظه في هذا الوقت لأجل السحور ، ولما كان
تأخير السحور مستحبا ، كان هذا الوقت واقعا في الثلث الأخير من الليل وهو وقت
الابتهال والدعاء وطلب المغفرة والرحمة وسائر ما يرجوه العبد من ربه عز وجل
حيث ينزل سبحانه وتعالى إلى السماء الدنيا وينادي من يدعوني فأستجيب له ، من
يسألني فأعطيه من يستغفرني فأغفر له ، حتى يضيء الفجر " رواه البخاري ومسلم
وأحمد والترمذي من حديث أبي هريرة وراه النسائي من حديث مالك بن صعصعة ،
ورواه ابن ماجة من حديث عائشة .
فإذا قام المرء للسحور ، فإنه يكون قد دنا من الخير ، وتأهب له واستشرف
للرحمات والمغفرة ، فيأكل طعام السحور ، ويدرك بعده ما شاء الله له من الخير في
هذا الوقت ، فيصلي أو يذكر الله أو يدعوه سبحانه بما أحب من خيري الدنيا
والآخرة ومن هنا كانت هذه الأكلة المقربة للعبد من هذا الخير ، بركة ، ويحضرني
معنى آخر وهو أن المرء إذا تعود طوال شهر رمضان الاستيقاظ في هذا الوقت لأجل
السحور وما يوفقه الله إليه من الذكر والصلاة ، ربما لزمته هذه العادة الطيبة بعد
رمضان ، فيصبح من القائمين لله في الليل ، وما أعظمه من شرف للمؤمن ، فتلك
أيضا من معاني بركة السحور ، هذا فوق أنها تقوِّي الصائم على الصيام وتخفف عنه
مشقته ، وتعينه على القيام بوظائفه ومصالحه الدنيوية والأخروية والله أعلم .
قال ابن دقيق العيد في شرح عمدة الأحكام (٢٠٨/٢): ومما علل به
استحباب السحور ، المخالفة لأهل الكتاب ، فإنه يمتنع عندهم السحور : وهذا أحد
الوجوه المقتضية للزيادة في الأمور الأخروية . اهـ
إهداء الدیباجة بشرح سنن ابن ماجة
٣٦٦
٧- كتاب الصيام
قال الحافظ في الفتح (١٤٠/٤) : يحصل السحور بأقل ما يتناوله المرء من
مأكول ومشروب ، وقد أخرج هذا الحديث أحمد من حديث أبي سعيد الخدري
بلفظ "السحور بركة فلا تدعوه، ولو أن يجرع أحدكم جرعة من ماء؛ فإن الله
وملائكته يصلون على المتسحرين" اهــ
وفي حديث زيد بن ثابت في الباب دليل على استحباب تأخير السحور قال أبو
عيسى الترمذي: حديث زيد بن ثابت حديث حسن صحيح ، وبه يقول الشافعي
وأحمد وإسحق ؛ استحبوا تأخير السحور . وقال النووي في شرح حديث زيد بن
ثابت : قوله : "قدر قراءة خمسين آية": فيه الحث على تأخير السحور إلى قبيل
الفجر.اهـ
وقال القرطبي : فيه دلالة على أن الفراغ من السحور كان قبل طلوع
الفجر.اهـ
وهو معارض لقول حذيفة " هو النهار إلا أن الشمس لم تطلع" قال الحافظ في الفتح
(١٣٩/٤): والجواب أن لا معارضة بل تحمل على اختلاف الحال فليس في رواية
واحد منهما ما يشعر بالمواظبة فتكون قصة حذيفة سابقة . اهـ
وقال أبو جعفر الطحاوي رحمه الله في شرح معاني الآثار (٥٣/٢): وقد
يحتمل حديث حذيفة عندنا والله أعلم أن يكون كان قبل نزول قوله تعالى {وكلوا
واشربوا حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر ثم أتموا الصيام إلى
الليل } قال : فلما أنزل الله وَ تلك الآية أحكم ذلك ورد الحكم إلى ما بين فيها.
ثم استنكر رحمه الله ترك آية من كتاب الله نصاً، وأحاديث عن رسول الله
متواترة، قد قبلتها الأمة وعملت بها من لدن رسول الله { ﴿ إلى اليوم، إلى
إهداء الديباجة بشرح سنن ابن ماجة
٣٦٧
٧- كتاب الصيام
حديث قد يجوز أن يكون منسوخاً بما ذكر في الباب . وقال : وهذا قول أبي حنيفة
وأبي يوسف ومحمد رحمهم الله تعالى . اهـ
وقوله " لينتبه نائمكم ولیرجع قائمكم "
قال النووي في شرح مسلم (٢٢٠/٤): ومعناه أنه إنما يؤذن بليل ليعلمكم
بأن الفجر ليس ببعيد ، فيرد القائم المتهجد إلى راحته لينام غفوة ، ليصبح نشيطا أو
يوتر إن لم يكن أوتر ، أو يتأهب للصبح إن احتاج إلى طهارة أخرى أو نحو ذلك من
مصالحه المترتبة على علمه بقرب الصبح.
وقوله محلّ " ويوقظ نائمكم" أي ليتأهب للصبح أيضا بفعل ما أراد من تحد
قليل أو إيتار إن لم يكن أوتر ، أو سحور إن أراد الصوم أو اغتسال أو وضوء أو غير
ذلك مما يحتاج إليه قبل الفجر. اهـ
وقوله " ليس الفجر أن يقول هكذا .. " قال رحمه الله في هذا الأحاديث بيان
الفجر الذي يتعلق به الأحكام وهو الفجر الثاني الصادق والمستطير. اهـ
(٢٤) باب ما جاء في تعجيل الإفطار
١٦٩٧- حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ عَمَّرٍ وَمُحَمَّدُ بْنُ الصَّبَّاحِ قَالَا حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ أَبِي
حَازِمٍ عَنْ أَبِهِ عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ أَنْ النَِّيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلْمَ قَالَ لَا يَزَالُ النَّاسُ
بِخَيْرٍ مَا عَجْلُوا الْإِفْطَارَ
إهداء الديباجة بشرح سنن ابن ماجة
٣٦٨
٧- كتاب الصيام
١٦٩٨ - حَدَّثَنَا أَبُو بَكْر بْنُ أَبِي شَيْبَةً حَدَّثْنَا مُحَمَّدُ بْنُ بِشْرِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِوٍ عَنْ
أَبِي سَلَمَةَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةً قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَا يَزَالُ النَّاسُ
بِخَيْرِ مَا عَجَّلُوا الْفِطْرَ عَجِّلُوا الْفِطْرَ فَإِنّ الْيَهُودَ يُؤَخِّرُونَ حسن صحيح
الشرح: السنة في الفطر تعجيله متى تيقن غروب الشمس ، ولا يزال الناس على
خير ما داموا محافظين على السنة وهذه منها .
قال البغوي في شرح السنة (٢٥٤/٦): والعمل على هذا عند أهل العلم
استحبوا تعجيل الفطر بعدما تيقن غروب الشمس ، قال عبد الكريم بن المخارق :
من عمل النبوة تعجيل الفطر والاستيناء بالسحور. اهـ
قال المناوي في فيض القدير (ح/٩٩٧٠): أي ما داموا على هذه السنة لأنّ
تعجيله بعد تيقن الغروب من سنن المرسلين فمن حافظ عليه ، تخلق بأخلاقهم ولأن
فيه مخالفة أهل الكتاب في تأخيره إلى اشتباك النجوم ، وفي ملتنا شعار أهل البدع ،
فمن خالفهم واتبع السنة لم يزل بخير ، فإن أخّر غير معتقد وجوب التأخير ولا ندبه
، فلا ضير فيه كما قال الطيبي أن متابعة الرسول مُحَ لّ هي الطريق المستقيم ومن
تعوج عنها فقد ارتكب المعوج من الضلال ولو في العبادة. اهـ
قلت إن أخر غير معتقد ما ذكر وبغير عذر فاته الفضل فالتعجيل هدي النبي
◌َّ والموفق من اتبع وسار على السَّن.
وقال الشيخ تقي الدين بن دقيق العيد في شرح عمدة الأحكام (٢٣٢/٢)
تعجيل الفطر بعد تيقن الغروب مستحب باتفاق العلماء ودليله هذا الحديث ، وفيه
دليل على الرد على المتشيعة الذين يؤخرون إلى ظهور النجم ، ولعل هذا هو السبب
إهداء الديباجة بشرح سنن ابن ماجة
٣٦٩
٧- كتاب الصيام
في كون الناس لا يزالون بخير ما عجلوا الفطر، لأنهم إذا أخروه كانوا داخلين في
فعل خلاف السنة ، ولا يزالون بخير ما فعلوا السنة. اهـ
(لطيفة) من معاني الحديث : لا يزال العاملون بالسنة على الخير ؛ يرجى
لأعمالهم القبول والمثوبة ، ولا يزال العاملون بالبدعة في خسار ، ولا يرجى لهم قبول
ولا مثوبة .
(٢٥) باب ما جاء علام يستحب الفطر
١٦٩٩ - حَدَّثْنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ حَدَّثْنَا عَبْدُ الرَّحِيمِ بْنُ سُلَيْمَانَ وَمُحَمَّدُ بْنُ
فُضَيْلٍ ح و حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْئَةَ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ فُضَيْلٍ عَنْ عَاصِمِ الْأَحْوَلِ
عَنْ خَفْصَةً بِنْتِ سِيرِينَ عَنْ الرَّبَابِ أُمِّ الرَّائِحِ بِنْتِ صُلَيْعِ عَنْ عَمِّهَا سَلْمَانَ بْنِ عَامِرٍ
قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا أَفْطَرَ أَحَدُكُمْ فَلْيُفْطِرْ عَلَى تَمْرِ فَإِنْ لَمْ
يَجِدْ فَلْيُفْطِرْ عَلَى الْمَاءِ فَإِنَّهُ طَهُورٌ .
ضعيف
الشرح : يستحب الفطر على التمر إن وجد ، وإلا فعلى الماء .
وترجم ابن خزيمة في صحيحه (٢٧٨/٣): باب استحباب الفطر على الماء إذا
أعوز الصائم الرطب والتمر جميعا "
وأورد فيه حديث أنس بن مالك قال قال رسول الله { " من وجد تمرا
فليفطر عليه ومن لا فليفطر على ماء فإنه طهور " وصححه ابن خزيمة
وترجم أيضاً "باب الدليل على أن الأمر بالفطر على التمر إذا كان موجودا أمر
اختيار واستحباب ، طلبا للبركة إذ التمر بركة وأن الأمر بالفطر على الماء إذا أعوز
التمر أمر استحباب واختيار إذ الماء طهور لا أن الأمر بذلك أمر فرض وإيجاب "
إهداء الديباجة بشرح سنن ابن ماجة
٣٧٠
٧- كتاب الصيام
ثم ساق بسنده حديث سلمان بن عامر الضبي في الباب وفيه زيادة " فإنه
بركة" وهو ضعيف لجهالة الرباب ، لكن حسنه الشيخ الألباني بشواهده .
وترجم البخاري في صحيحه باب "يفطر بما تيسر من الماء أو غيره" .
قال الحافظ في الفتح (١٩٨/٤): لعله أشار إلى أن الأمر في قوله من وجد تمرا
فليفطر عليه ومن لا فليفطر على الماء ليس على الوجوب .
ثم قال : وقد شذ ابن حزم فأوجب الفطر على التمر وإلا فعلى الماء. اهـ
وقال ابن القيم في زاد المعاد (٥١/٢): وكان ﴿ يفطر قبل أن يصلي، وكان
فطره على رطبات إن وجدها فإن لم يجدها فعلى تمرات فإن لم يجد فعلى حسوات
من ماء.اهـ
(٢٦) باب ما جاء في فرض الصوم من الليل والخيار في الصوم
١٧٠٠ - حَدَّثَّنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةً حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ مَخْلَدِ الْقَطَوَانِيُّ عَنْ إِسْحَقَ بْفٍ
حَازِمٍ عَنْ عَبْدِ اللّهِ بْنِ أَبِي بَّكْرِ بْنِ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ عَنْ سَالِمٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ عَنْ حَقْصَةً
قَالَتْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﴿ لَا صِيَامَ لِمَنْ لَمْ يَفْرِضْهُ مِنْ اللّيْلِ. صحيح
١٧٠١ - حَدَّثَنَا إسْمَعِيْلُ بْنُ مُوسَى حَدَّثَنَا شَرِيكٌ عَنْ طَلْحَةَ بْنِ يَحْتَى عَنْ مُحَاهِدٍ
عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ دَخَلَ عَلَىَّ رَسُولُ اللّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلْمَ فَقَالَ هَلْ عِنْدَكُمْ شَيْءٌ
فَقُولُ لَا فَيَقُولُ إِنِّي صَائِمٌ فَيُقِيمُ عَلَى صَوْمِهِ ثُمَّ يُهْدَى لَنَا شَيْءٌ فَيَفْطِرُ قَالَتْ وَرُبَّمَا
صَامَ وَأَفْطَرَ قُلْتُ كَيْفَ ذَا قَالَتْ إِنَّمَا مَثَلُ هَذَا مَثَلُ الْذِي يَخْرُجُ بِصَدَقَةٍ فَيُعْطِي بَعْضًا
وَيُمْسِكُ بَعْضًا .
حسن صحيح
الغريب :
يفرضه من الليل : بمعنى يجمع الصيام من الليل أي يعزم وينوي.
إهداء الديباجة بشرح سنن ابن ماجة
٣٧١
٧- كتاب الصيام
الشرح : حديث حفصة في الباب دليل على وجوب تبييت النية في الصيام
المفروض.
قال الخرقي في مسائله: ولا يجزئه صيام فرض حتى ينويه أي وقت كان من
الليل .
وقال الموفق بن قدامة (المغني ٢٢/٣): وجملته أنه لا يصح صوم إلا بنية
إجماعا فرضا كان أو تطوعا لأنه عبادة محضة فافتقر إلى النية كالصلاة ، ثم إن كان
فرضا كصيام رمضان في أدائه أو قضائه والنذر والكفارة اشترط أن ينويه من الليل
عند إمامنا ومالك والشافعي وقال أبو حنيفة : يجزىء صيام رمضان وكل صوم
متعين بنية من النهار. اهـ
أما التطوع فيجوز بنية في النهار وبه قال الجمهور ، الشافعي وأحمد والأحناف
، وقيد الحنفية الجواز بما إذا بدا له الصوم قبل الزوال وهو المعتمد من قولي الشافعية .
والمتطوع بالصيام يجوز له قطعه والأكل أثناء النهار ويبطل الصوم ، وممن قال
بجواز ذلك الشافعي وأحمد ، وقال مالك وأبو حنيفة لا يجوز قطعه ويأثم بذلك
وأوجبوا عليه القضاء إذا أفطر بغير عذر .
قال أبو عيسى الترمذي في سننه عند حديث حفصة هذا : معنى هذا عند بعض
أهل العلم لا صيام لمن لم يجمع الصيام قبل طلوع الفجر في رمضان أو في قضاء
رمضان أو في صيام نذر إذا لم ينوه من الليل لم يجزه وأما صيام التطوع فمباح له أن
ينويه بعد ما أصبح وهو قول الشافعي وأحمد وإسحق. اهـ
وأما قضاء النافلة إذا أفطرها فقال به بعض أهل العلم كأهل الرأي والمالكية ،
وقال الشافعي وأحمد : يستحب له ألا يفطر ، فإن أفطر فلا قضاء عليه .
إهداء الديباجة بشرخ سنن ابن ماجة
٣٧٢
٠٠
٧- كتاب الصيام
ولا خلاف بين أهل العلم في أن من أفطر من صيام النافلة بعذر أنه لا قضاء
عليه .
وقال ابن قدامة في المغني (٢٥/٣): وتعتبر النية لكل يوم - يعني من أيام شهر
رمضان - وبهذا قال أبو حنيفة والشافعي وابن المنذر وعن أحمد أنه تجزئه نية
واحدة لجميع الشهر إذا نوى صوم جميعه، وهذا مذهب مالك وإسحاق. اهـ
(٢٧) باب الرجل يصبح جنبا وهو يريد الصيام.
١٧٠٢٠ - حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ وَمُحَمَّدُ بْنُ الصََّّاحِ قَالَا حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةً
عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ عَنْ يَحْمَى بْنِ حَعْدَةَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو الْقَارِيِّ قَالَ سَمِعْتُ
أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ لَا وَرَبِ الْكَعْبَةِ مَا أَنَا قُلْتُ مَنْ أَصْبَحَ وَهُوَ حْنُبٌّ فَيُغْطِرْ مُحَمَّدْ صَلَّى
اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلْمَ قَالَهُ .
صبيع
١٧٠٣ - حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ فُضَيْلٍ عَنْ مُطَرِّفٍ عَنْ الشَّعْبِيِّ
عَنْ مَسْرُوقٍ عَنْ عَائِشَةً قَالَتْ كَانَ النَِّيُّ لِ﴿ّ ◌َبِتُ حُبًا فَيَأْتِيِهِ بِلَّالٌ فَيُؤْذِتُهُ بِالصََّةِ
فَيَقُومُ فَيَعْتَسِلُ فَأَنْظُرُ إِلَى تَحَدُّرِ الْمَاءِ مِنْ رَأْسِهِ ثُمَّ يَخْرُجُ فَأَسْمَعُ صَوْتَهُ فِي صَلَاةٍ
الْفَجْرِ قَالَ مُطَرِّفٌ فَقُلْتُ لِعَامِرٍ أَفِي رَمَضَانَ قَالَ رَمَضَانُ وَغَيْرُهُ سَوَاءٌ .
صحيح
١٧٠٤ - حَدَّثْنَا عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدٍ حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ ثُمَيْرٍ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ عَنْ نَافِعِ قَالَ
سَأَلْتُ أُمِّ سَلَمَةَ عَنْ الرَّجُلِ يُصْبِحُ وَهُوَ حُتُبٌ يُرِيدُ الصَّوْمَ قَالَتْ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ
﴿ يُ تْبِعُ حُبًا مِنْ الْوِقَاعِ لَا مِنْ احْلَامٍ ثُمَّ يَعْتَسِلُ وَيُّ صَوْمَهُ. صحيح
الغريب :
الوقاع : أي الجماع .
إهداء الديباجة بشرح سنن ابن ماجة
٣٧٣
٧- كتاب الصيام
الشرح : استقر الإجماع على صحة صوم من أصبح جنبا من جماع أو احتلام ،
فإذا جامع في الليل وتأخر غسله إلى ما بعد الفجر فليتم صومه ولا قضاء عليه .
أما حديث أبي هريرة في الباب ورواه مسلم فليس عليه العمل عند أهل العلم
وذلك لثبوت رجوع أبي هريرة رضيالله عنه حين بلغه حديث عائشة وأم سلمة رضي
الله عنهما في أن النبي # كان يصبح جنبا من جماع ثم يغتسل ويتم صومه فرجع
◌ُّه واعتذر بأنه كان سمعه من الفضل بن العباس ، وكان تسليمه بخبر عائشة وأم
سلمة، اعتمادا منه على أن أزواج النبي ﴿ أعلم بمثل هذه الأحوال من غيرهن .
واستحسن الخطابي في معالم السنن (١١٥/٢): حمل قول أبي هريرة الأول
على النسخ فقال رحمه الله : فأحسن ما سمعت في تأويل ما رواه أبو هريرة في هذا
أن يكون ذلك محمولا على النسخ. اهـ
واعتمد الحازميُّ في الاعتبار (ص/٢١٠) قولَ الخطابي بالنسخ .
وسبقهما أبو بكر بن خزيمة رحمه الله في القول بنسخ قول أبي هريرة بفطر
من أصبح جنبا فقال في صحيحه (٢٤٩/٣) : باب ذكر خبر روي في الزجر عن
الصوم إذا أدرك الجنب الصبح قبل أن يغتسل لم يفهم معناه بعض العلماء
فأنكر الخبر وتوهم أن أبا هريرة مع جلالته ومكانه من العلم غلط في روايته
، والخبر ثابت صحيح من جهة النقل إلا أنه منسوخ لا أن أبا هريرة غلط في رواية
هذا الخبر .
وقال رحمه الله في الباب الذي يليه " باب الدليل على أن الصوم جائز لكل
من أصبح جنبا واغتسل بعد طلوع الفجر والزجر عن أن يقال كان هذا خاصا للنبي
إهداء الديباجة بشرح سنن ابن ماجة
٣٧٤
٧- كتاب الصيام
وِّ مما لم يجز أنه خاص له فعلى الناس
مع الدليل على أن كل ما فعله النبي
التأسي به واتباعه منَّ اهم
وقال الخطابي في المعالم (١١٥/٢): قد أجمع عامة العلماء على أنه إذا أصبح
جنبا في رمضان فإنه يتم صومه ويجزئه .اهـ
ومن بديع الاستنباط ما قاله ابن عبد البر في التمهيد (٣٢٥/٧) ، ودل
كتاب الله وَّت على مثل ما ثبت عن النبي ﴿ ﴿ في ذلك قال الله وَّ {فالآن
· باشروهن وابتغوا ما كتب الله لكم وكلوا واشربوا حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من
الخيط الأسود من الفحر} وإذا أبيح الجماع والأكل والشرب حتى يتبين الفجر.
فمعلوم أن الغسل لا يكون حينئذ إلا بعد الفجر. اهــ
وتبعه ابن دقيق العيد فأوضح المعنى في شرح العمدة (٢١١/٢) فقال: وقد
يدل كتاب الله أيضا على صحة صيام من أصبح جنبا فإن قوله تعالى { أجل لكم
ليلة الصيام الرفث إلى نسائكم } يقتضي إباحة الوطء في ليلة الصوم مطلقا : ومن
جملته الوقت المقارب لطلوع الفجر بحيث لا يسع الغسل فمقتضى الآية الإباحة في
ذلك الوقت ومن ضرورته الإصباح جنبا اهـ
(٢٨) باب ما جاء في صيام الدهر:
١٧٠٥ - حَدَّثْنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْئَةَ حَدَّثَنَا عُبَيْدُ بْنُ سَعِيدٍ حَ وَ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ
بَشَّارِ حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ وَأَبُو دَاوُدَ قَالُوا حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ قَتَادَةً عَنْ مُطَرِّفٍ بِّ
عَبْدِ اللّهِ بْنِ الشِّخِّرِ عَنْ أَبِ قَالَ قَالَ النَِّيُّ صِّلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَنْ صَامَ الْأَبَدَ فَلَا
صَامَ وَلَا أَفْطَرَ ..
صبيع .
إهداء الديباجة بشرح سنن ابن ماجة
٣٧٥
٧- كتاب الصيام
١٧٠٦ - حَذَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدٍ حَدَّثَنَا وَكِيعٌ عَنْ مِسْعَرِ وَسُفْيَانَ عَنْ حَبِيبِ بْنِ أَبي
تَّابِتٍ عَنْ أَبِي الْعَّاسِ الْمَكِىِّ عَنْ عَبْدِ اللّهِ بْنِ عَمْرٍو قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللّهُ
عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَا صَامَ مَنْ صَامَ الْأَبَدَ .
صبيع
الشرح : دل الحديثان في الباب على كراهة صوم الدهر حتى وإن أفطر
الأيام المنهي عن صيامها ، وهي يوما العيدين وأيام التشريق الثلاثة ، إذ إن سرد
الصيام على هذا النحو يفضي بصاحبه في الغالب إلى الضعف والإنهاك ، ويسبب
عجزه عن القيام بسائر الواجبات عليه ، وسائر ما يلزم أداؤه من الوظائف الدنيوية
والأخروية.
قال ابن قدامة في المغني (٩٩/٣) والذي يقوى عندي أن صوم الدهر مكروه
وإن لم يصم هذه الأيام ، فإن صامها قد فعل محرما ، وإنما كره صوم الدهر لما فيه
من المشقة والضعف وشبه التبتل المنهي عنه، بدليل أن النبي ◌ّ قال لعبد الله بن
عمرو إنك لتصوم الدهر وتقوم الليل فقلت نعم ، قال إنك إذا فعلت ذلك هجمت
له عينك ونقهت له النفس ، لا صام من صام الدهر صوم ثلاثة أيام صوم الدهر كله
، قلت فإني أطيق أکثر من ذلك قال فصم صوم داود كان يصوم يوماً ويفطر يوما
ولا يفر إذا لاقى" ، وفي رواية وهو أفضل الصيام فقلت : إني أطيق أفضل من ذلك ،
قال لا أفضل من ذلك" رواه البخاري .
وقوله " لا صام من صام الأبد " فسره بعض أهل العلم بأنه دعاء بمعنى لا
أجر له ، وقصة الحديث أن عبد الله بن عمرو بن العاص أخذ نفسه في أمر الصيام بما
يشق عليها فنهاه النبي ◌ُ ◌ّ عن سرد الصيام وبين و﴿ له أن "أفضل الصيام صيام داود
إهداء الديباجة بشرح سنن ابن ماجة
٣٧٦
٧- كتاب الصيام
كان يصوم يوما ويفطر يوما وكان لا يفر إذا لاقى" كما روى البخاري ومسلم.
أي أن داود عليه السلام كان يتقوى بالأيام التي يفطرها على الجهاد .
وقال البغوي في شرح السنة (٣٦٣/٦): تبعا للخطابي: وقوله " وكان لا
يفر إذا لاقى " قيل : معناه أنه كان لا يستفرغ مجهوده في الصوم والصلاة بل
يستبقي بعض القوة للجهاد وغيره من الأعمال. اهـ
قال الحافظ في الفتح (٢٢٢/٤): وذهب آخرون إلى استحباب صيام الدهر
لمن قوي عليه ، ولم يفوت فيه حقا ، وإلى ذلك ذهب الجمهور .
وقال : وإلى كراهة صوم الدهر مطلقا ذهب إسحق وأهل الظاهر ، وهي
رواية عن أحمد وشد ابن حزم فقال يحرم . اهـ.
وقوله " لا صام ولا أفطر " قال أبو بكر بن العربي في العارضة (٢١٨/٢):
أما إنه لم يفطر فلأنه امتنع عن الطعام والشراب في النهار وأما إنه لن يصم فيبقى لم
يكتب له ثواب الصيام ، وأما قوله " لا صام من صام الأبد " فمعناه الدعاء في قول
قوم ، ويا بؤس من أصابه دعاء النبي عليه السلام وأما من قال إنه خبر ، فيا بؤس من
أخبر عنه النبي عليه السلام إنه لم يصم فقد علم أنه لا يكتب له ثواب لوجود الصدق
في خبره ، وقد نفى الفضل عنه ، فكيف يطلب ما نفاه النبي عليه السلام. اهـ
وقال البغوي في شرح السنة (٣٦٥/٦) :: قوله لا صام من صام الأبد " قال
قوم من أهل العلم : معناه : إذا لم يفطر يومي العيد ولا أيام التشريق ، فإن أفطر هذه
الأيام خرج عن حد الكراهية وهو قول مالك والشافعي فأن أبا طلحة الأنصاري
كان يسرد الصوم ولا يفطر في سفر ولا حضر وكذلك حمزة بن عمرو الأسلمي
كان يسرد الصوم ولم ينكر عليه السلام اهـ
إهداء الديباجة بشرح سنن ابن ماجة
٣٧٧
٧- كتاب الصيام
(٢٩) باب ما جاء في صيام ثلاثة أيام من كل شهر
١٧٠٧ - حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ أَنْبَأَنَا شُعْبَةُ عَنْ أَنَسِ بْنِ
سِيرِينَ عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ الْمِنْهَالِ عَنْ أَبِيهِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ
كَانَ يَأْمُرُ بِصِيَامِ الْبِيضِ ثَلَاثَ عَشْرَةً وَأَرْبَعَ عَشْرَةَ وَخَمْسَ عَشْرَةً وَيَقُولُ هُوَ كَصَوْمٍ
الدَّهْرِ أَوْ كَهَيْئَةِ صَوْمِ الدَّهْرِ حَدَّثَنَا إِسْحَقُ بْنُ مَنْصُورٍ أَثْبَأَنَا حَّانُ بْنُ هِلَالِ حَدَّثْنَا
هَمَّامٌ عَنْ أَنَسِ بْنِ سِبِينَ حَدَّثَنِي عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ قَتَادَّةً بْنِ مَّلْحَانَ الْقَيْسِيُّ عَنْ أَبِهِ عَنْ
النَّبِيِّ بَّ نَحْوَهُ قَالَ ابْنِ مَاجَةَ أَخْطَأَ شُعْبَةُ وَأَصَابَ هَمَّامٌ .
ضعيف
١٧٠٨ - حَدَّثَنَا سَهْلُ بْنُ أَبِي سَهْلٍ حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ عَنْ عَاصِمِ الْأَحْوَلِ عَنْ أَبي
عُثْمَانَ عَنْ أَبِي ذَرِّ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَنْ صَامَ ثَلَاثَةً أَيَّامٍ مِنْ
كُلِّ شَهْرٍ فَذَلِكَ صَوْمُ الدَّهْرِ فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلْ تَصْدِيقَ ذَلِكَ فِي كِتَابِهِ مَنْ جَاءَ
بالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا فَالْيَوْمُ بِعَشْرَةِ أَيَّامٍ .
صبيع
١٧٠٩ - حَدَّثْنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْئَةَ حَدَّثَنَا غُنْدَرٌ عَنْ شُعْبَةَ عَنْ يَزِيدَ الرِّشْكِ عَنْ
مُعَاذَةَ الْعَدَوِيَّةِ عَنْ عَائِشَةَ أَنَّهَا قَالَتْ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَصُومُ ثَلَاثَةً
أَيَّامٍ مِنْ كُلِّ شَهْرٍ قُلْتُ مِنْ أَيَّهِ قَالَتْ لَمْ يَكُنْ يَُّلِي مِنْ أَيَّهِ كَانَ. صديح
الشرح: حث النبي ◌َّ أمته على التطوع بصيام ثلاثة أيام من كل شهر
وبيّن حديث ابن المنهال عن أبيه في الباب ، وكذا عند النسائي من حديث أبي ذر
أنها أيام البيض ؛ ثلاثة عشر وأربعة عشر وخمسة عشر ، وصرحت عائشة في حديثها
في الباب وهو عند مسلم أنه ﴿ّ كان يصوم ثلاثة أيام من كل شهر أي سواء كانت
في أول الشهر أو في وسطه أو في آخره ، وعلّق الحافظ على ذلك في الفتح
(٢٢٧/٤) فقال: والذي يظهر أن الذي أمر به وحث عليه ووصّى به أولى من غيره
٣٧٨
إهداء الديباجة بشرح سنن ابن ماجة
٧- كتاب الصيام
وأما هو فلعله كان يعرض له ما يشغله عن مراعاة ذلك أو كان يفعل ذلك لبيان
الجواز وكل ذلك في حقه أفضل وتترجح البيض بكونها وسط الشهر ووسط الشيء
أعدله. اهـ
قلت وتترجح البيض بما رجحه به من جهة الدليل ، فهو المعتمد ، أمنا
الترجيح بالنظر بكونها وسط الشهر ووسط الشيء أعدله ، فيؤيد هذا الترجيح والله
أعلم
٠
قال ابن الأثير في النهاية (١٧٣/١): وفيه "كان يأمُرنا أن نَصُومِ الأَيَّام
البيضَ هذا على حذف المضاف يريد أيَّام اللّيالي البيض , وهي الثالث عشر والرابع
عشر والخامس عشر. وسُمّيت لياليها بيضاً لأن القمر يَطْلُع فيها من أولها إلى
١
آخرها.اهـ
وقال الخرقي في مختصره (المغني (١١٨/٣): وأيام البيض التي حض رسول
الله ◌َّ على صيامها هي الثالث عشر والرابع عشر والخامس عشر. اهـ
-
وقال المناوي في فيض القدير (ح/٢٧٩٤): ويسن كون تلك الثلاث هى
البيض وهي الثالث عشر وتالياه . اهـ
وترجم ابن خزيمة في صحيحه باب الأمر بصوم ثلاثة أيام من كل شهر
استحباباً لا إيجاباً. اهـ
والله
(٣٠) باب ما جاء في صيام النبي
١٧١٠ - حَذََّنَا أَبُو بَكْرِ بْنُّ أَبِي شَيْبَةَ حَدَّثْنَا سُفْيَانُ بْنُ عُبَيْنَةَ عَنْ ابْنِ أَبِي لَّبِيدٍ عَنْ أَبِّي
سَلَمَةَ قَالَ سَأَلْتُ عَائِشَةَ عَنْ صَوْمِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَتْ كَانَ يَصُومُ
إهداء الديباجة بشرح سنن ابن ماجة
٣٧٩
٧- كتاب الصيام
حَتَّى نَقُولَ قَدْ صَامَ وَيُفْطِرُ حَتَّى نَقُولَ قَدْ أَفْطَرَ وَلَمْ أَرَهُ صَامَ مِنْ شَهْرِ قَطُ أَكْثَرَ مِنْ
صِيَامِهِ مِنْ شَعْبَانَ كَانَ يَصُومُ شَعْبَانَ كُلُّهُ كَانَ يَصُومُ شَعْبَانَ إلَّا قَلِيلًا .
صحيح
١٧١١ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارِ حَدَّثْنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرِ حَدَّثْنَا شُعْبَهُ عَنْ أَبِي بِشْرِ
عَنْ سَعِيدٍ بْنِ جُبَيْرٍ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﴿ّ يَصُومُ حَتَّى تَقُولَ لَا
يُفْطِرُ وَيُفْطِرُ حَتَّى نَقُولَ لَا يَصُومُ وَمَا صَامَ شَهْرًا مُتَتَابِعًا إِلَّا رَمَضَانَ مُنْذُ قَدِمَ الْمَدِينَةَ.
صبيع
الغريب :
ما جاء في صيام النبي ◌ُّ: أي التطوع .
الشرح : مقصود الحديثين في الباب بيان حال النبي ◌َ ◌ّ في تطوعه بالصيام
وإكثاره منه لا سيما في شهر شعبان إذا كان مُّ يصوم معظمه
قال النووي في شرح مسلم ( ٢٩٥/٤) : في هذه الأحاديث أنه يستحب أن
لا يخلي شهرا من صيام ، وفيها أن صوم النفل غير مختص بزمان معين بل كل السنة
صالحة له إلا رمضان والعيد والتشريق .
ثم قال رحمه الله : وقوله "كان يصوم شعبان كله" كان يصومه إلا قليلا
الثاني تفسير للأول وبيان أن قولها كله أي غالبه . اهـ
وفي تخصيص شعبان بكثرة الصوم وبيان وجه الحكمة في ذلك قال : لكونه
ترفع فيه أعمال العباد ، وتبعه الحافظ فقال (٢١٥/٤): والأولى في ذلك ما جاء في
حديث أصح مما مضى أخرجه النسائي وأبو داود وصححه ابن خزيمة عن أسامة بن
زيد "قال قلت يا رسول الله لم أرك تصوم من شهر من الشهور ما تصوم من شعبان
إهداء الديباجة بشرح سنن ابن ماجة
٣٨٠
٧- كتاب الصيام
قال ذلك شهر يغفل الناس عنه بين رجب ورمضان وهو شهر ترفع فيه الأعمال إلى
رب العالمين فأحب أن يرفع عملي وأنا صائم" اهـ
وقال ابن عبد البر في التمهيد (٤٢٨/٧) : ليس في هذا الحديث معنى يشكل
ولا للعلماء فيه تنازع وصيام غير شهر رمضان نافلة وتطوع والصيام سنة وفعل خير
وعمل بر فمن شاء استقل ومن شاء استكثر.اهـ
(٣١) باب ما جاء في صيام داود عليه السلام
١٧١٢ - حَدَّثَنَا أَبُو إِسْحَقَ الشَّافِعِيُّ إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُحَمَّدٍ بْنِ الْعَبَّاسِ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ
عُبَيْنَةَ عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ قَالَ سَمِعْتُ عَمْرَو بْنَ أَوْسٍ قَالَ سَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمْرِو
يَقُولُ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَّلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلْمَ أَحَبُّ الصِّيَامِ إِلَى اللَّهِ صِيَامُ دَاوُدَ فَإِنَّهُ كَّانَ
يَصُومُ يَوْمًا وَيُفْطِرُ يَوْمًا وَأَحَبُّ الصَّلَاةِ إِلَى اللّهِ عَزَّ وَجَلَّ صَلَاةُ دَاوُدَ كَانَ يَنَامُ نِصْفَ
اللّيْلِ وَيُصَلّى تُلُنَهُ وَيَنَامُ سُدُّسَهُ .
صحيح
١٧١٣ - حَدَّثْنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدَةَ حَدَّثْنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ حَدَّثْنَا غَيْلَانُ بْنُ جَرِيرٍ عَنْ عَبْدٍ
اللَّهِ بْنٍ مَعْبَدٍ الزَّمَّانِيِّ عَنْ أَبِي قَتَادَةَ قَالَ قَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ يَا
رَسُولَ اللَّهِ كَيْفَ بِمَنْ يَصُومُ يَوْمَيْنِ وَيُفْطِرُ يَوْمًا قَالَ وَيُطِيقُ ذَلِكَ أَحَدٌ قَالَ يَا رَسُولَ
اللّهِ كَيْفَ بِمَنْ يَصُومُ يَوْمًا وَيُفْطِرُ يَوْمًا قَالَ ذَلِكَ صَوْمُ دَاوُدَ قَالَ كَيْفَ بِمَّنْ يَصُومُ
يَوْمًا وَيُفْطِرُ يَوْمَيْنِ قَالَ وَدِدْتُ أَنِّي طُوَّقْتُ ذَلِكَ .
صبيع
الشرح : دل حديث عبد الله بن عمرو في الباب على أن صيام يوم وإفطار
يوم وهو صيام داود أفضل الصيام في التطوع وأشده، وقد نصح به رسول الله: 45م
عبد الله بن عمرو حين رغب أن يسرد الصيام سردا، ويصوم الدهر ، وبيّن للنه أن
أفضل الصيام صيام داود ، كان يصوم يوما ويفطر يوما ولا يفر إذا لاقى " منبها عبد