Indexed OCR Text
Pages 381-400
وكان تقريره صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ لمذاهب أئمة السنة ، واستبشاره بعقيدة الغزالي وتقريرها .. نعمة من الله عظيمة ، ومنة جسيمة ، نسأل الله تعالى أن يحيينا على سنته ، ويتوفانا على ملته ، آمين . ٣٨١ فَضَ جـ ٠ [في ثناء العلماء على ( الإحياء))] أثنى على «الإحياء)) عالَمٌ من علماء الإسلام ، وغير واحد من عارفي الأنام ، بل جمع أفراد وأقطاب . فقال فيه الحافظ الإمام الفقيه أبو الفضل العراقي في تخريجه : إنه من أجلِّ كتب الإِسلام في معرفة الحلال والحرام ؛ جمع فيه بين ظواهر الأحكام ، ونزع إلى سرائر دقت عن الأفهام . لم يقتصر فيه على مجرد الفروع والمسائل ، ولم يتبحر في اللجة بحيث يتعذر الرجوع إلى الساحل ، بل مزج فيه علمي الظاهر والباطن ، ومزج معانيهما في أحسن المواطن ، وسبك فيه نفائس اللفظ وضبطه ، وسلك فيه من النمط أوسطه ، مقتدياً بقول علي كرم الله وجهه : ( خير هذه الأمة النمط الأوسط ، يلحق بهم التالي، ويرجع إليهم العالي ... ) (١) إلى آخر ما ذكره مما الأولى بنا في هذا المحل طيه ، ثم الانتقال إلى نشر محاسن (( الإِحياء)) ليظهر للمحب والمبغض رشده وغيه . مكن. (١) رواه ابن أبي شيبة في ((المصنف)) ( ٣٥٦٣٩). ٣٨٢ وقال عبد الغافر الفارسي في مثال (( الإحياء)) : إنه من تصانيفه المشهورة التي لم يسبق إليها(١) . وقال فيه النووي: كاد ((الإحياء)) أن يكون قرآناً . وقال الشيخ أبو محمد الكازروني : لو محيت جميع العلوم .. لاستُخْرجت من ((الإِحياء)). وقال بعض علماء المالكية : الناس في فضلة علوم الغزالي ؛ أي : و(( الإحياء)) جماعها، كما سيأتي أنه البحر المحيط (٢). وكان السيد الجليل كبير الشأن ، تاج العارفين وقطب الأولياء الشيخ عبد الله العيدروس رضي الله عنه يكاد يحفظه نقلاً ، وروي عنه أنه قال : مكثت سنين أطالع كتاب (( الإحياء)) كل فصل وحرف منه ، وأعاوده وأتدبره ، فيظهر لي منه في كل يوم علوم وأسرار عظيمة ، ومفهومات عزيزة غير التي قبلها . (١) انظر ((طبقات الشافعية الكبرى)" (٢٠٦/٦). (٢) انظر ((مرآة الجنان)) (١٩١/٣). ٣٨٣ ولم يسبقه رضي الله عنه أحد ، ولم يلحقه أحد أثنى على كتاب ((الإِحياء )) بما أثنى عليه، ودعا الناس بقوله وفعله إِليه، وحث على التزام مطالعته والعمل بما فيه . ومن كلامه رضي الله عنه فيه : عليكم يا إخواني بمتابعة الكتاب والسنة ؛ أعني الشريعة المشروحة في الكتب الغزالية، خصوصاً (كتاب ذكر الموت)، و( كتاب الفقر والزهد )، و(كتاب التوبة )، و(كتاب رياضة النفس ) . ومن كلامه : عليكم بالكتاب والسنة أولاً وآخراً ، وظاهراً وباطناً ، وفكراً واعتباراً واعتقاداً، وشرح الكتاب والسنة مستوفىّ في كتاب ((إحياء علوم الدين )) للإِمام حجة الإسلام الغزالي رحمه الله ونفعنا به . ومن كلامه : وبعد : فليس لنا طريق ومنهاج سوى الكتاب والسنة ، وقد شرح ذلك كله سيد المصنفين وبقية المجتهدين حجة الإِسلام الغزالي في كتابه العظيم الشان، الملقب أعجوبة الزمان ، ((إحياء علوم الدين )) الذي هو عبارة عن شرح الكتاب والسنة والطريقة . ومن كلامه: عليكم بملازمة كتاب (( إحياء علوم الدين))، فهو موضع ٣٨٤ نظر الله ، وموضع رضا الله ، فمن أحبه وطالعه وعمل بما فيه .. فقد استوجب محبة الله ومحبة رسول الله ، ومحبة ملائكة الله وأنبيائه وأوليائه ، وجمع بين الشريعة والطريقة والحقيقة في الدنيا والآخرة ، وصار عالماً في الملك والملكوت . ومن كلامه الوجيز العزيز : لو بعث الله الموتى .. لما أوصوا الأحياء إلا بما في ((الإِحياء)). ومن كلامه: اعلموا : أن مطالعة (( الإحياء)) تحضر القلب الغافل في لحظة ؛ كحضور سواد الحبر بوقوع الزاج في العفص والماء . وتأثير كتب الغزالي واضح ظاهر مجرب عند كل مؤمن . ومن كلامه : أجمع العلماء العارفون بالله على أنه لا شيء أنفع للقلب ، وأقرب إلى رضا الرب من متابعة حجة الإسلام الغزالي ، ومحبة كتبه ؛ فإن كتب الغزالي لباب الكتاب والسنة ، ولباب المعقول والمنقول ، والله وكيل على ما أقول . ٣٨٥ حن ومن كلامه : أنا أشهد سراً وعلانية أن من طالع كتاب (( إحياء علوم الدين)) .. فهو من المهتدين . ومن كلامه : من أراد طريق الله ، وطريق رسول الله ، وطريق العارفين بالله ، وطريق العلماء بالله ؛ أهل الظاهر والباطن .. فعليه بمطالعة كتب الغزالي، خصوصاً (( إحياء علوم الدين )) فهو البحر المحيط. ومن كلامه : اشهدوا عليَّ أن من وقع على كتب الغزالي .. فقد وقع على عين الشريعة والطريقة والحقيقة . ومن كلامه : من أراد طريق الله ورسوله ورضاهما .. فعليه بمطالعة كتب الغزالي، وخصوصاً البحر المحيط ((إحياؤه)) أعجوبة الزمان. ومن كلامه : نطق معاني معنويّ القرآن ، ولسان حال قلب رسول الله صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ وقلوب الرسل والأنبياء ، وجميع العلماء بالله ، وجميع العلماء بأمر الله الأتقياء ، بل جميع أرواح الملائكة ، بل جميع فرق الصوفية ؛ مثل العارفين والملامتية ، بل جميع سر حقائق الكائنات والمعقولات ، وما يناسب رضا الذات والصفات ، أجمع هؤلاء ٣٨٦ المذكورون أن لا شيء أرفع وأنفع وأبهى وأبهج وأتقى وأقرب إلى رضا الرب كمتابعة الغزالي ومحبة كتبه . وكتب الغزالي قلب الكتاب والسنة ، بل قلب المعقول والمنقول ، وأنفع يوم ينفخ إسرافيل في الصور ، وفي يوم نقر الناقور ، والله وكيل على ما أقول، ﴿ وَمَا الْحَيَوَةُ الدُّنْيَآ إِلَّا مَتَعُ الْغُرُورِ﴾. ومن كلامه: كتاب ((إحياء علوم الدين)): فيه جميع الأسرار ، وكتاب ((بداية الهداية)): فيه التقوى، وكتاب ((الأربعين الأصل)): فيه شرح الصراط المستقيم ، وكتاب (( منهاج العابدين)): فيه الطريق إلى الله ، وكتاب (( الخلاصة في الفقه)»: فيه النور . ومن كلامه : السر كله في اتباع الكتاب والسنة ، وهو اتباع الشريعة ، والشريعة مشروحة في كتاب (( إحياء علوم الدين))، المسمى : أعجوبة الزمان . ومن كلامه : بخ بخ بخ لمن طالع (( إحياء علوم الدين )) أو كتبه أو سمعه . ٣٨٧ وكلامه رضي الله عنه في تصانيفه وغيرها مشحون من الثناء على الإمام الغزالي وكتبه ، والحث على العمل بها، خصوصاً ((إحياء علوم الدين)). وقد كان سيدي ووالدي الشيخ العارف بالله تعالى شيخ بن عبد الله العيدروس رضي الله عنه يقول : ( إن أمهل الزمان .. جمعت كلام الشيخ عبد الله في الغزالي وسميته (( الجوهر المتلالي خصوصاً من كلام الشيخ عبد الله في الغزالي)) ) . فلم يتيسر له ، وأرجو أن يوفقني الله لذلك ؛ تحقيقاً لرجائه ، ورجاء أن يتناولني دعاء الشيخ عبد الله رضي الله عنه ، فإِنه قال : غفر الله لمن يكتب كلامي في الغزالي ، وناهيك بشارة في هذه العبارة التي برزت من ولي عارف ، وقطب مكاشف ، لا يجازف في مقال ، ولا ينطق إلا عن حال ، وفي هذا من الشرف للغزالي وكتبه ما لا يحتاج معه إلى مزيد ، ﴿إِنَّ فِى ذَلِكَ لَذِكْرَىْ لِمَن كَانَ لَهُ قَلْبُّ أَوْ أَلََّى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ﴾. فإِن العظيم لا يعظم في عينه إِلا عظيم ، ولا يعرف الفضل لأهل الفضل إِلا أهل الفضل ، وإذا تصدى العيدروس لتعريفه .. فقد أغنى تعريفه عن كل تعريف ووصف ، والشهادة منه خير من شهادة ألف ألف . بجن: وحصل من (( الإِحياء)) في زمانه بسببه نسخ عديدة ، حتى إن بعض العوام حصلها ؛ لما رأى من ترغيبه فيه ، وألزم أخاه الشيخ عليّاً قراءته ، فقرأه عليه مدة حياته خمساً وعشرين مرة ، وكان يصنع عند كل ختم ضيافة ٣٨٨ عامة للفقراء وطلبة العلم الشريف . ثم إن الشيخ علياً ألزم ولده الشيخ عبد الرحمن قراءته عليه مدة حياته ، فختمه عليه أيضاً خمساً وعشرين مرة ، وكان ولده سيدي الشيخ أبو بكر العيدروس صاحب عدن التزم بطريقة النذر على نفسه مطالعة شيء منه كل يوم ، وكان لا يزال يحصل منه نسخة بعد نسخة ويقول : لا أترك تحصيل ((الإحياء )) أبداً ما عشت، حتى اجتمع عنده منه نحو عشر نسخ. قلت : وكذلك كان سيدي الشيخ الوالد شيخ بن عبد الله بن شيخ بن الشيخ عبد الله العيدروس رضي الله عنه مدمناً على مطالعته ، وحصل منه نسخاً عديدة نحو السبع ، وأمر بقراءته عليه غير مرة ، وكان يعمل في ختمه ضيافة عامة . فملازمته ميراث عيدروسي ، وتوفيق قدوسي ، فمن وفقه الله لامتثاله والعمل بما فيه واستعماله .. بلغ الرتبة العليا ، وحاز شرف الآخرة والدنيا . وقال السيد الكبير العارف بالله الشهير علي بن أبي بكر بن الشيخ عبد الرحمن السقاف : لو قَلّب أوراق «الإِحياء)) كافر .. لأسلم ؛ ففيه سر خفي يجذب القلوب شبه المغناطيس . ٣٨٩ قلت : وهو صحيح ؛ فإِني مع خسيس قصدي ، وقساوة قلبي .. أجد عند مطالعتي له من انبعاث الهمة ، وعزوف النفس عن الدنيا ما لا مزيد عليه . ثم يفتر برجوعي إلى ما أنا فيه ، ومخالطة أهل الكثافات ، ولا أجد ذلك عند مطالعة غيره من كتب الوعظ والرقائق ، وما ذاك إِلا لشيء أودعه الله فيه ، وسر نفس مصنفه ، وحسن قصده . والمراد بـ( الكافر ) هنا فيما يظهر : الجاهل بعيوب النفس ، المحجوب عن إدراك الحق ؛ أي : فبمجرد مطالعته للكتاب المذكور .. يشرح الله صدره ، وينور قلبه ؛ وذلك لأن الوعظ إذا صدر عن قلب متعظ .. كان حريٌّ أن يتعظ به سامعه . وكما أن الله تعالى جعل لعباده الذين لا خوف عليهم ولا هم يحزنون رتبة فوق غيرهم .. كذلك جعل لما يبرز منهم ويؤخذ عنهم بركة زائدة على غيره ؛ لأن ألسنتهم كريمة ، وأنوار قلوبهم عظيمة ، وهممهم علية ، وإِشاراتهم سنية ، حتى يكون للقرآن أثر عظيم عند سماعه منهم ، وللأحاديث بهجة وجلالة زائدة إذا أخذت عنهم ، وللمواعظ منهم تأثير في القلوب ظاهر ، ولعلومهم وفقههم أنوار ونفع متظاهر . حتى تجدُّ الرجل له العلم القليل ، وبعد ذلك ينتفع به كثير ؛ لحسن نيته ، ووجود بركته ، وغيره له أكثر من ذلك العلم ، ولم ينتفع به مثله ؛ ٣٩٠ لأنه دونه في منزلته ، ومن تأمل ذلك .. وجده أمراً ظاهراً معهوداً ، وشيئاً مجرباً موجوداً . فانظر إلى نفع الناس بكتاب (( الخلاف )) في مذهب مالك رحمه الله تعالى، و((التنبيه)) في مذهب الشافعي رحمه الله تعالى، و((الجمل)) في العربية ، و((الإرشاد)) في علم الكلام ، وانتشارها مع أن ما حوت من العلم في فنونها قليل ، وقد جمع غير هؤلاء في هذه الفنون في مثل أجرام هذه الكتب أضعاف ما فيها ، مع تحقيق تحرير العبارة وتشقيق المعاني ، وتخليص الحدود . وبعد هذا فالنفع بهذه أكثر، وهي أظهر وأشهر ؛ لأن العلم بمزيد التقوى وقوّة سر الإِيمان ، لا بكثرة الذكاء وفصاحة اللسان ، كما بيَّن ذلك مالك رحمه الله تعالى بقوله : ليس العلم بكثرة الرواية ، إنما العلم نور يضعه الله في القلب(١) . ٧٠٠٠ قلت : ومما أنشده الشيخ علي بن أبي بكر رضي الله عنه لنفسه فيه [من الطويل] قوله : أُخيَّ انتبهْ والزمْ سلوكَ الطَّرائقِ وسارعْ إلى المولى بجدٍّ وسابقِ (١) رواه أبو نعيم في ((الحلية)) (٢٩٤/٢)، وابن عبد البر في ((جامع بيان العلم وفضله)) ( ١٣٩٨ ) . ٣٩١ وقانونِ قلبِ القلبِ بحرِ الرقائقِ أيا طالباً شرحَ الكتابِ وسنّةٍ وشربَ حميًّا صفوِ راحِ الحقائقِ وإيضاحَ نهج للحقيقةِ مشرقٍ وإجلاءَ أذكارِ المعاني ضواحكاً عليكَ بإِحِياءِ العلومِ ولبِّها وكم من لطيفاتٍ لذي اللبِّ منهلٌ كتابٌ جليلٌ لم يصنَّفْ قبله معانيهِ أضحتْ كالبدورِ سواطعاً فكمْ في بديعِ اللفظِ يجلي عرائساً وكم من عزيزاتٍ زهَتْ في قبابِها وكم من لطيفٍ معْ بديع وتحفَّةٍ بساتينُ عرفانٍ وروضُ لطائفٍ رعى اللهُ صبّاً رائعاً في جنانها ويقطفُ من زاكي جناها فواكهاً خضمٌّ طمى حتى علا فوقَ مَن علا فإِنْ لم بهذا القولِ تؤمنْ فجرُّبنْ وأرجعَ طَرْفاً في بديعِ جمالِها ترى في بدور الحيِّ أقمارَ قدَ بدَتْ فكم أنهلت صباً وكم قشَّعت عمى بياهجِ حسنٍ جاذبٍ للخلائقِ وأسرارها کمْ قد حوى من دقائقٍ وكم من مليحاتٍ سبَتْ لبَّ حاذقٍ ولا بعده مثلٌ له في الطرائقِ على درِّ لفظٍ للمعاني مطابقٍ وكم من شموسٍ في حماهُ شوارقٍ محجبةٍ من غير كفءٍ مسابقٍ حلاوتُها كالشَّهدِ تحلو لذائقِ وجنَّةُ أنواع العلومِ الفوائقِ يروحُ ويغدو بينَ تلكَ الحدائقِ بساحلِ بحرٍ بالجواهرِ دافقٍ بشامخِ مجدٍ مشرقٍ بالحقائقِ وأقبلُ على تلك المعاني وعائقٍ وطفْ في حماها منشداً كل سابقٍ بعالي جمالٍ مدهشٍ لبَّ عاشقٍ وكم قد سعَتْ في غرِبِها والمشارقِ ٣٩٢ فيضحي براحِ الحبِّ سكرانَ مغرماً أصمَّ عنِ العذالِ غيرَ موافقٍ منثَّمَ عيشٍ في الربوعِ الغوادقِ ويمسي يناديها طريحاً ببابها محمدٍ المختارِ خيرِ الخلائقِ صلاةٌ علىُ سرِّ الوجودِ شفيعِنا وعترتِهِ ورَّاتِ علمِ الحقائقِ وأصحابِهِ أهلِ المكارمِ والعلا ٣٩٣ 19 فَضَك [في الجواب عن استشكل من الإحياء، وطعن سبين فيه] وأما ما أنكر عليه فيه من مواضع مشكلة الظاهر وفي التحقيق لا إِشكال ، أو أخبار وآثار تُكُلُّمَ في سندها : فأما من جهة تلك المواضع .. فممن أجاب عنها المصنف نفسه في كتابه المسمى بـ((الأجوبة)) (١)، وأسوق لك نبذة من ذلك هنا : قال رحمه الله : ( سألت - يسرك الله المراتب العلم تصعد مراقيها ، وقرب لك مقامات الأولياء تحل معاليها - عن بعض ما وقع في الإملاء الملقب بـ(( الإحياء)» مما أشكل على من حجب وقصر فهمه ، ولم يفز بشيء من الحظوظ الملكية قدحه وسهمه . وأظهرت التحزن لما شاهدته من شركاء الطغام ، وأمثال الأنعام ، وأتباع العوام ، وسفهاء الأحلام ، وعار أهل الإِسلام . حتى طعنوا عليه ، ونهوا عن قراءته ومطالعته ، وأفتوا بالهوى مجرداً على غير بصيرة باطراحه ومنابذته ، ونسبوا ممليه إلى ضلال وإضلال ، ورموا قراءه ومنتحليه بزيغ عن الشريعة واختلال ... إلى أن قال : ـرة (١) أي: الأجوبة المسكتة على الأسئلة المشكلة المبكتة، واشتهر باسم: الإملاء على مشكل الإحياء . ٣٩٤ ﴿سَتُكْنَبُ شَهَدَتُهُمْ وَيُسْتَلُونَ﴾، ﴿وَسَيَعْلَهُ الَّذِينَ ظَلَمُواْأَنَّ مُنقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ﴾﴾. ثم ذكر آيات أخرى في المعنى ، ثم وصف الدهر وأهله ، وذهاب العلم وفضله ، ثم ذكر عذر المعترضين بما يرجع حاصلها إلى الحسد وإلى الجهل وقلة الدين . بل أفصح بذلك في الآخر حيث قال : ( حجبوا عن الحقيقة بأربعة : الجهل ، والإصرار ، ومحبة الدنيا ، وإظهار الدعوى ) . ثم بيَّن ما ورثوه عن الأربعة المذكورة ، قال : ( فالجهل أورثهم السخف ... ) إلى آخر ما ذكره. وأما ما اعترض به من تضمينه أخباراً وآثاراً موضوعة أو ضعيفة ، وإكثاره من الأخبار والآثار، والإكثار يتحاشى منه المتورع ؛ لئلا يقع في الموضوع. وحاصل ما أجيب به عن الغزالي ومن المجيبين الحافظ العراقي : أن أكثر ما ذكره الغزالي ليس بموضوع كما برهن عليه في التخريج ، وغير الأكثر - وهو في غاية القلة - رواه عن غيره أو تبع فيه غيره متبرئاً منه بنحو صيغة ( روي ) . وأما الاعتراض عليه بأنَّ فيما ذكره الضعيف بكثرة .. فهو اعتراض ساقط ؛ لما تقرر أنه يعمل به في الفضائل ، وكتابه في الرقائق ، فهو من قبيلها . ٣٩٥ ولأن له أسوة بأئمة الحفاظ في اشتمال كتبهم على الضعيف بكثرة ، المنبّه على ضعفه تارة ، والمسكوت عنه أخرى . وهذه كتب الفقه للمتقدمين ، وهي كتب الأحكام لا الفضائل يوردون فيها الأحاديث الضعيفة ساكتين عليها ، حتى جاء النووي رحمه الله في المتأخرين ونبه على ضعف الحديث وخلافه كما أشار إلى ذلك كله العراقي . قال عبد الغافر الفارسي سبط القشيري : ( ظهرت تصانيف الغزالي وفشت ، ولم يبد في أيامه مناقضة لما كان فيه ولا لمآثره ... ) إلى آخر ما ذكره(١). ومما يدلك على جلالة كتب الغزالي : ما نقل ابن السمعاني من رؤيا بعضهم فيما يرى النائم كأن الشمس طلعت من مغربها ، مع تعبير ثقات المعبِّرين ببدعة تحدث ، فحدثت في جهة المغرب بدعة الأمر بإِحراق كتبه(٢) . ومن أنه لما دخلت مصنفاته إلى المغرب .. أمر سلطانه علي بن يوسف (١) انظر ((طبقات الشافعية الكبرى)) (٢٠٧/٦). (٢) انظر ((طبقات الشافعية الكبرى)) (٢١٧/٦)، و((سير أعلام النبلاء)) (٣٣٦/١٩). ٣٩٦ بإِحراقها ؛ لتوهمه اشتمالها على الفلسفة ، وتوعد بالقتل من وجدت عنده بعد ذلك ، فظهر بسبب أمره في مملكته مناكير ، ووثب عليه الجند ، ولم يزل من وقت الأمر والتوعد في عكس ونكد ، بعد أن كان عادلاً(١). (١) انظر ((طبقات الشافعية الكبرى)) (٢١٩/٦). ٣٩٧ في الإشارة إلى ترجمة المصيف ضيء الشرعنه وعنّ به، ونفعنا يعلو من وأسراره وسبب رجوعه إلى طريق الصوفية رضي الله عنهم أما ترجمته رضي الله عنه : فهو الإمام زين الدين ، حجة الإسلام أبو حامد محمد بن محمد بن محمد الغزالي الطوسي النيسابوري ، الفقيه الصوفي الشافعي الأشعري . الذي انتشر فضله في الآفاق وفاق ، ورزق الحظ الأوفر في حسن التصانيف وجودتها ، والنصيب الأكبر في جزالة العبارة وسهولتها ، وحسن الإِشارة وكشف المعضلات ، والتبحر في أصناف العلوم فروعها وأصولها ، ورسوخ القدم في منقولها ومعقولها ، والتحكم والاستيلاء على إجمالها وتفصيلها ، مع ما خصه الله به من الكرامة ، وحسن السيرة والاستقامة ، والزهد والعزوف عن زهرة الدنيا ، والإِعراض عن الجهات(١) الفانية، واطراح الحشمة والتكلف . قال الحافظ العلامة ابن عساكر ، والشيخ عفيف الدين عبد الله بن أسعد اليافعي ، والفقيه جمال الدين عبد الرحيم الإسنوي رحمهم الله تعالى : (١) في (ح) : ( عن الجاهات ). ٣٩٩ ولد الإِمام الغزالي بطوس سنة خمسين وأربع مئة ، وابتدأ بها في صباه بطرف من الفقه . ثم قدم نيسابور ولازم دروس إِمام الحرمين ، وجدَّ واجتهد ، حتى تخرج في مدة قريبة ، وصار أنظر أهل زمانه ، وأوحد أقرانه ، وجلس للإقراء وإرشاد الطلبة في أيام إمامه وصنف ، وكان الإمام يتبجح به ويعتد بمكانه . ثم خرج من نيسابور ، وحضر مجلس الوزير نظام الملك ، فأقبل عليه ، وحل منه محلاً عظيماً ؛ لعلو درجته ، وحسن مناظرته ، وكانت حضرة نظام الملك محطَّ رحال العلماء ، ومقصد الأئمة والفضلاء . ٥٨. ـون حن ووقع للإمام الغزالي فيها اتفاقات حسنة ؛ من مناظرة الفحول ؛ فظهر اسمه ، وطار صيته ، فرسم عليه نظام الملك بالمسير إلى بغداد ؛ للقيام بتدريس المدرسة النظامية ، فسار إليها ، وأعجب الكل تدريسه ومناظرته ، فصار إمام العراق ، بعد أن حاز إِمامة خراسان ، وارتفعت درجته في بغداد على الأمراء والوزراء والأكابر وأهل دار الخلافة . ثم انقلب الأمر من جهة أخرى ، فترك بغداد ، وخرج عما كان فيه من الجاه والحشمة ، مشتغلاً بأسباب التقوى ، وأخذ في التصانيف المشهورة التي لم يسبق إِلى مثلها، مثل ((إحياء علوم الدين)) وغيره ، التي من تأملها .. عرف محل مصنفها من العلم . ٤٠٠