Indexed OCR Text
Pages 261-280
وإنَّما هيَ مترصدةٌ لها، فحيثُما وجدَتْ قلباً خالياً ولوْ حيناً مِنَ الدهْرِ وزمناً .. نزلَتْ عليهِ ودخلَتْهُ، وبثَتْ ما عندَها مِنَ الخيرِ حولَهُ ، فإنْ لمْ يطرأ على الملائكةِ ما يزعجُها عنهُ مِنْ تلكَ الأخلاقِ المذمومةِ ، بواسطةِ الشياطينِ الذينَ هُمْ في مقابلةِ الملائكةِ .. ثبتَتْ عندَهُ ، وسكنَتْ فيهِ ، ولمْ تبرحْ منهُ، وعَمَرَتْهُ بقدْرِ سعةِ البيتِ وانشراحِهِ مِنَ الخيرِ . فإنْ كانَ البيتُ كبيرَ الاتساع .. أكثرَتْ فيهِ مِنْ متاعِها، واستعانَتْ بغيرِها ، حتَّى يمتلىءَ القلبُ مِنْ متاعِها وجهازِها، وهوَ الإيمانُ باللهِ والصلاحُ ، وضروبُ المعارفِ النافعةِ عندَ اللهِ عزَّ وجلَّ . فإذا طرقَ ذلكَ البيتَ طارقُ شيطانٍ ؛ ليسرقَ مِنْ ذلكَ الخيرِ الذي هوَ متاعٌ للملَكِ ، ويبثَّ فيهِ خلقاً مذموماً لا يوجدُ إلاَّ في الكلبِ ، وهوَ متاعُ الشيطانِ .. قاتلَهُ الملَكُ وطردَهُ عَنْ ذلكَ المحلِّ . فإِنْ جاءَ للشيطانِ مددٌ مِنَ الهوىْ مِنْ قِبَلِ النفسِ ولمْ يجدِ المَلَكُ نُصرةً مِنْ عزمِ اليقينِ مِنْ قِبَلِ الروحِ .. انهزمَ الملَكُ وأُخليَ البيتُ، ونُهبَ المتاعُ، وخربَ بعدَ عمارتِهِ ، وأظلمَ بعدَ إنارتِهِ ، وضاقَ بعدَ انشراحِهِ ، وهكذا حالُ مَنْ آمنَ وكفَرَ ، وأطاعَ وعصَىُ ، واهتدَىُ وضلَّ . فإِنْ قلتَ : فميِّزْ لِي أعيانَ هذِهِ الأخلاقِ المذمومةِ ، التي صدَّتْ هؤلاءِ الأصنافِ المذكورينَ عَنِ اعتقادِ الإيمانِ ، ونقَّرَتِ الملائكةَ عَنِ النزولِ على ٢٦١ بيـ قلوبهِمْ بكشفِ معاني التوحيدِ ، ومنعَتُهُمْ مِنَ الحلولِ فيها ، حتَّى لمْ ينالُوا شيئاً مِنَ الخيرِ الكائنِ معَها . فاعلمْ : أنَّ الأخلاقَ التي لا تجتمعُ معها الملائكةُ في قلبٍ واحدٍ كثيرةٌ ، والتي في قلوبِ هؤلاءِ منها معظمُها ، ومنها الطمعُ في غيرِ خطيرٍ ، والحرصُ على فانٍ حقيرٍ . فأمَّا الصنفُ الأولُ .. فإنهُمْ جزعُوا وخافُوا أنْ تبدوَ لهُمْ صحَّةُ ما يشغلُهُمْ عَنْ لذاتِهِمْ ، وينغصُّ عليهِمْ ما رغبُوا فيهِ مِنْ راحاتِهِمْ ، ويكدرُ لديهِمْ منالَ شهواتِهِمْ ، فأبقَوْا أمرَهُمْ على ما هُمْ عليهِ . وأمَّا الصنفُ الثانِي والثالثُ .. فصدَّهُمْ أيضاً خوفٌ وجزعٌ ، وحرصٌ على ما ألِفُوهُ مِنْ تبجيلٍ أخدانِهِمْ(١) أَنْ يزولَ، ومؤانسةِ أشياءِهِمْ أنْ تتغيّرَ وتذهَبَ ، ومواساةٍ أُلاَّفِهِمْ أنَ تنقطعَ ، واستثقالاً لِمَا يشاهدونَهُ مِنْ أهلِ الإيمانِ أَنْ يلتزمُوهُ، وفراراً مِنْ شرائطِهِ وما يصحبُهُ مِنَ الأعمالِ والوظائفِ أنْ يمتثلُوهُ . والكلبُ ما ذُمَّ لصورتِهِ ، وإنَّما ذُمَّ لمثلِ هذِهِ الأخلاقِ التي هيَ الطمعُ في الخسائسِ ، والجزعُ مِنَ الصبرِ على ما يُعدُّ مِنَ الفضائلِ، حتَّى احتْرِمَتِ الملائكةُ أنْ تدخلَ بيتاً فيهِ كلبٌ . جم (١) في (ث، ذ): ( ما ألفوه من إخوانهم). G ٢٦٢ - [كيفَ يحصلُ الإيمانُ والطاعةُ والهدايةُ ؟] فإنْ قلتَ : فكيفَ آمنَ مَنْ كَفَرَ ، وأطاعَ مَنْ عصَىُ ، واهتدَى مَنْ ضلَّ إذا كانتِ الشياطينُ لا تفارقُ قلبَ الكافرِ والعاصِي والضالِّ بمَا يبثُّونُ فيهِ مِنَ الأخلاقِ المذمومةِ التي هيَ كلابٌ نابحةٌ ، وذئابٌ عاويةٌ ، وسباعٌ ضاريةٌ ، وأصنافُ الخيرِ إِنَّما تَرِدُ مِنَ اللهِ عزَّ وجلَّ بواسطةِ الملائكةِ ، وهيَ لا تدخُلُ موضعاً يحلُّ فيهِ شيءٌ ممّا ذكَرْنا، وإذا لمْ تدخلْ .. لمْ تصلْ إلى الخيرِ الذي يكونُ معها ولمْ تصلْ إليهِ ؟ فعلى هذا يجبُ أنْ يبقَى كلُّ كافرٍ على حالِهِ ، ومَنْ لمْ يُخلَقْ مؤمناً معصوماً .. فلا سبيلَ لهُ إلى الإِيمانِ على هذا المفهومِ !! فاعلمْ : أنَّ هذا يستدعِي علمَ أصنافِ القلوبِ ، ولا سبيل إلى ذلكَ في هذا المقام ، والقولُ المُغنِي في جوابِ ما سألتَ عنهُ : أنَّ للشياطين غفلاتٍ ، وللأخلاقِ المذمومةِ عزماتٍ (١) ، كمَّا أنَّ الملائكةَ لها عَنِ القلوبِ غيباتٌ ، ولتواترِ الخيرِ عليها فتراتٌ ، فإذا وجدَ الملَكُ كما أعلمتُكَ قلباً خالياً ولوْ زمناً فرداً .. حلَّ فيهِ ، وأراهُ ما عندَهُ مِنَ الخيرِ . فإنْ صادفَ منهُ قبولاً ، ولِمَا عرضَ عليهِ مِنَ الخيرِ تشوُّفاً ونزوعاً .. أوردَ عليهِ ما يملؤُهُ ويستغرقُ لبَّهُ . (١) في (ر، ت، ض): ( عدمات) . ٢٦٣ حن وإنْ صادفَ منهُ ضجراً ، وسمعَ منهُ بجنودِ الشيطانِ استغاثةً ، وبالأخلاقِ الكلابيَّةِ استعانَةً .. رحلَ عنهُ وتركَهُ . ولهذا قلَّما خلا قلبٌ عَنْ لمَّةِ ملَكِ أَوْ نزغَةِ شيطانٍ . [معنى عدم دخولِ الملائكة بيتاً فيهِ كلبٌ] فإنْ قلتَ : فأيُّ بيتٍ فُهِمَ عَنِ النبيِّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ في الخطابِ ؟ وأيَّ كلبٍ أرادَ ؟ هلْ بيتُ القلبِ وكلبُ الخُلُقِ ، أمْ بيتُ اللَّبنِ وكلبُ الحيوانِ ؟ ٠،٧٢ فاعلمْ : أنَّ الحديثَ خارجٌ على سببٍ ، ومعناهُ وجملتُهُ : أنَّ المقصودَ بالإخبارِ عنهُ هوَ بيتُ اللَّبنِ ، وكلبُ الحيوانِ المعلومِ ، ولا شكَّ في ذلكَ، ولكنْ يُستقرَأُ منهُ ما قلناهُ لكَ، ويُستنبَطَ مِنْ مفهومِهِ ء ما نبهناكَ عليهِ، وتتخطَّئُ منهُ إلى ما أشَرْنا لكَ نحوَهُ ، ولا نكيرَ في ذلكَ ؛ إذا دلَّ عليهِ العلمُ، وحملَهُ الاستنباطُ ، ولمْ تمجَّهُ القلوبُ المستفتاةُ ، ولمْ تصادمْ بهِ شيئاً مِنْ أركانِ الشريعةِ . فلا تكنْ جامداً ، ولا تجزعْ مِنْ تشنيع جاهِلٍ ، ولا مِنْ نفور مقلِّدٍ ؛ فكثيراً ما وردَ شرعٌ مقرونٌ بسببٍ فرأى أهلُ الاعتبارِ وجهَ تعدِّيهِ عَنْ سبِهِ إلى ما هوَ في معناهُ ، ومشابةٌ لهُ مِنَ الجهةِ التي تصلحُ أنْ يُعدَّى بِهَا إليهِ . ٢٦٤ ولولا ذلكَ .. لمَا قالَ النبيُّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: ((رُبَّ مُبَلَّغٍ أَوْعَى مِنْ سَامِعٍ، وَرُبَّ حَامِلٍ فِقْهٍ إِلَى مَنْ هُوَ أَفْقَهُ مِنْهُ))(١). سُؤَال سرا [ما معنى عدم دخولِ الملائكة بيتاً فيهِ صورةٌ ؟] فإنْ قلتَ: فقدْ قالَ النبيُّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ : ((لاَ تَدْخُلُ الْمَلاَئِكَةُ بَيْتاً فِيهِ صُورَةٌ )»(٢) وعُلِمَ السببُ الذي جاءَّ هذا الحديثُ عليهِ وفيهٍ ، فهلْ يعدَّى عَنْ سببهِ ويُترقَّى منهُ إلى مثلِ ما تُرُقِّيَ مِنَ الحديثِ الآخرِ ؟ جن حن فهذا كما قيلَ : الحديثُ شجونٌ ، وإنْ تتبعْنا هذا البابَ .. لَمْ ننفكَ منهُ ، وبعدَ علينا التخلصُ عنهُ . نعمْ ، نترقّى منهُ إلى قريبٍ مِنْ ذلكَ وشبهِهِ ، ويكونُ هذا الحديثُ منبِّهاً عليه . وهوَ أنَّ الصورةَ المنحوتةَ قدِ اتَّخِذَتْ آلِهَةً، وعُبدَتْ مِنْ دونِ اللهِ عزَّ وجلَّ، وقدْ نبَّهَ اللهُ عزَّ وجلَّ قلوبَ المؤمنينَ على عيبِ فعلِ مَنْ رضيَ بذلكَ، ونَقْصٍ إدراكِ مَنْ دانَ بهِ حينَ قالَ تعالى مخبراً عَنْ إبراهيمَ عليهِ (١) روى الشطر الأول البخاري (١٧٤١)، والشطر الثاني أبو داوود ( ٣٦٦٠)، والترمذي (٢٦٥٦)، وابن ماجه ( ٢٣٠). (٢) رواه البخاري (٣٢٢٥)، ومسلم ( ٢١٠٦) . ٢٦٥ ٦٠% السلامُ: ﴿أَتَعْبُدُونَ مَا نَنْحِنُونَ ﴿ وَاَللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ﴾. فكانَ امتناعُ الملائكةِ مِنْ دخولِ بيتٍ فيهِ صورةٌ لأجلِ أنَّ فيهِ ما عُبدَ مِنْ دونِ اللهِ سبحانَهُ ، أَوْ ما حُكِيَ بهِ ما هوَ على مثالِهِ . ونترقّى مِنْ ذلكَ المعتبَرِ إلى أنَّ القلبَ الذي هوَ بيتٌ بناهُ اللهُ سبحانَةً ليكونَ مهبطاً لملائكَتِهِ ، ومحلاً لذكرِهِ ومعرفتِهِ وعبادتِهِ وحدَهُ دونَ غيرِهِ ، فإذا حلَّ فيهِ معبودٌ غيرُ اللهِ سبحانَهُ وهُوَ الهوى .. لمْ تقربْهُ الملائكةُ أيضاً . فإنْ قيلَ : فظاهرُ الحديثِ يقتضي منافرةَ الملائكةِ لكلِّ صورةٍ عموماً ، وما ذكرتَهُ الآنَ تعليلاً ينبغي ألاَّ يقتضيَ إلَّ منافرةَ ما عُبدَ ، أَوْ ما نُحِتَ على مثالِهِ . قلنا : تشابهَتِ الصورُ المنحوتةُ كلُّها في المعنَى الذي قُصِدَ بها التصويرُ لأجلِهِ ، وهوَ مضارعةُ ذواتِ الأرواح ، وما نُحِتَ للعبادةِ إنَّما قُصِدَ بهِ تشبيهُ ذي روح ، فلمّا كانَ هذا المعنَى الجامِعَ لها .. وجبَ تحريمُ كلِّ صورةٍ ، ومنافرةُ الملائكةِ لهَا . فإنْ قيلَ : فما وجهُ الترخيصِ فيما هوَ رقمٌ في ثوبٍ ؟ قلنا : ذلكَ لأنَّها ليستْ مقصودةً في نفسِها ، وإنَّما المقصودُ الثوبُ الذي رُقِمَتْ فيهِ . ٢٦٦ فإنَ قيلَ : فما بالُ النباتِ رُخِّصَ في محاكاتِها بالتصويرِ ، وذاتُ أنواطِ في العرب مشهورةٌ معلومةٌ ؟ فاعلمْ : أنَّ ذات أنواطٍ إنَّما كانَتْ شجرةٌ في أيام العربِ الجاهليَّةِ تعلِّقُ عليها يوماً في السنةِ فاخِرَ ثيابِها ، وحُلِيَّ نسائِها ؛ لأجلِ اجتماعِها عندَها وراحتِها في ذلكَ اليوم ، ولمْ يكونُوا يقصدونَها بالعبادَةِ كما كانَتْ تُقْصَدُ التماثيلُ المنحوتةُ والأصنامُ . ولوْ كانَ ذلكَ .. ما سألَ أصحابُ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ أنْ يجعلَ لهُمْ ذاتَ أنواطِ ، حتَّى أنكرَ النبيُّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ عليهِمْ ذلكَ(١)، ولوْ عُبِدَتْ .. فقدْ عُبِدَ كثيرٌ مِنْ خلقِ اللهِ تعالى؛ كالملائكةِ والشمس والقمرِ وبعضِ النجومِ والمسيحِ عليهِ السلامُ وعليٍّ رضيَ اللهُ عنهُ؛ ولمْ يُعبدْ ما نُحِتَ على شكلِ النباتِ، فلا تغبْ(٢) عَنْ هذِهِ الأرواحِ ، فما أَبعدَ عَنْ درْكِهَا مَنْ حرمَهُ اللهُ تعالى إياها، فلهُ الحمدُ كما هوَ أهلُهُ . : ق (١) رواه الترمذي (٢١٨٠) . (٢) في (ت، ض): ( فلا يُعبر ) . ٢٦٧ المرتبة الثَّانِيةُ(١) بيان أصناف أحل الاعتقاد المجزء وأمَّا أهلُ الاعتقادِ المجرَّدِ عَنْ تحصينِهِ بالعلمِ ، وتوثيقِهِ بالأدلَّةِ ، وشدِّهِ بالبراهينِ .. فقدْ انقسَمُوا في الوجودِ إلى ثلاثةِ أَصنافٍ : أحدُهُمْ: صنفٌ اعتقدُوا مضمونَ ما أقرُّوا بهِ ، وحشَوْا بهِ قلوبَهُمْ مِنْ غیرِ ترُّدٍ ولا تكذيبٍ أسرُّوهُ في أنفسِهِمْ . ولكنَّهُمْ غيرُ عارفينَ بالاستدلالِ على ما اعتقدُوهُ ، وذلكَ لفرطِ بعدهِمْ وغلظِ طبائِعِهِمْ، واعتياصٍٍ طرقِ ذلكَ عليهِمْ، ويقعُ عليهِمُ اسمُ الموحِّدينَ . وتحقَقْنا وجودَ أمثالِهِمْ كثيراً على عهدِ سيِّدِ المرسلينَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ والسلفِ الصالحينَ رضيَ اللهُ عنهُمْ . ثُمَّ لمْ يبلغْنَا أنَّهُ اعترضَ أحدٌ إسلامَهُمْ، ولا أوجبَ عليهِمُ الخروجَ منهُ ، والمروقَ عنهُ ، ولا كُلِّفُوا معَ قصورِ فهمِهِمْ وبعدهِمْ عَنْ فَهْمِ ذلكَ بعلمٍ الأدلَّةِ ، وقراءَةِ طرقِ البراهينِ ، وترتيبِ الحِجاجِ ، بلْ تُرِكُوا على ما هُمْ عليهِ . وهؤلاءِ عندِي معذورونَ ببعدهِمْ ، ومقبولونَ بما توافقُوا عليهِ مِنْ إقرارهِمْ وعقدِهِمْ، واللهُ سبحانَهُ قدْ عذرَهُمْ معَ غيرِهِمْ بقولِهِ سبحانَهُ : ﴿لَا يُكَلِفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾، ولا يخرجونَ عَنْ مقتضَى هذِهِ الآيةِ بحالٍ . ـتن تز (١) لفظ (المرتبة الثانية) : زيادة من اللجنة العلمية. ٢٦٨ وسنبدي لكَ طريقاً مِنَ الاعتبارِ تعرفُ بهِ صِحَّةَ إسلامِهِمْ، وسلامةً توحيدِهِمْ إنْ شاءَ اللهُ تعالى . والصنفُ الثاني : اعتقدُوا الحقَّ معَ ما ظهرَ منهُمْ مِنَ النطقِ ، واعتقدُوا إلى ذلكَ أنواعاً مِنَ المخابيلِ ، قامَ في نفوسِهِمْ أنَّها أدلَّةٌ ، وظنُّوها براهينَ ، وليستْ كذلكَ . وقدْ وقعَ في هذا كثيرٌ ممَّنْ يشارُ إليهِ، فضلاً عمَّنْ دونَهُمْ ، فإِنْ وقعَ إلى هذا الصنفِ مَنْ يزعزعُ عليهِمْ تلكَ المخاييلَ بالقدحِ ، ويبطلُها عليهِمْ بالمعارضَةِ أوِ الاعتراضِ .. لَمْ يلتفتُوا إليهِ، ولا أصغَوْا لِمَا يأتي بهِ، ويترقَّعُوا أنْ يجاوبُوهُ لِمَا يحملونَ عليهِ مِنْ سوءِ الفهْمِ ، أوْ رداءَةِ الاعتقادِ . وعندهُمْ أنَّ جميعَ تلكَ المخاييلِ في بابِ الاستدلالِ أرسخُ مِنْ شوامخ الجبالِ . فمنهُمْ مَنْ يعتقدُ دليلَهُ مذهبَ شيخِهِ الرفيعِ القدرِ ، المطَّلعِ على العلومِ . ومنهُمْ مَنْ يكونُ دلیلُهُ خبرَ آحادٍ . ـبو. ومنهُمْ مَنْ يكونُ دليلُهُ بعضَ محتمَلاتِ آيةٍ أوْ حديثٍ صحيحٍ . :03 ولعَمْرِي ؛ إنهُمْ ينبغِي إذا صادفُوا السنَّةَ باعتقادِهِمْ، ولمْ يقعُوا في شيءٍ مِنَ الضلالِ .. أنْ يُتركُوا على ما هُمْ عليهِ، ولا يحرَّكُوا بأمرٍ آخرَ . بلْ يُغبطُوا بذلكَ ويُسلَّمَ لهُمْ؛ لئلا يكونَ إذا تُتْبِّعَ الحالُ معهُمْ ربَّما ٢٦٩ ٠٤ جنجن Tg تلقَّقُوا(١) شبهةً ، أوْ ترسَّخَ في نفوسهِمْ بدعةٌ يعسرُ انحلالُها ، أوْ يقعُوا فى تکفیرٍ مسلم أوْ تضلیله ، بلا سببٍ کبیرٍ . واعلمْ : أنَّ اعتقادَ الحقائقِ وعلْمَها مِنْ أغذيةِ النفوسِ ، فمَنْ رغبَ في أكملِها، ولمْ يقنَعْ بدونِها، وحصلَ لهُ ذلكَ .. قويَ بهِ ، ومَنْ قنعَ بأيسرِها ، ولمْ تطمحْ همَّتُهُ إلى ما هوَ أعلى مِنْ ذلكَ .. ضعفَ، ولكنَّهُ يعيشُ عَيْشَ الضعيفِ ، وإنَّما يهلكُ مَنْ لا بُلْغَةَ لهُ ولا يجدُها، أوْ يجدُها ولكنَّها تكونُ مشويةً بمضرَّةِ بدعةٍ ، وسمومٍ كفرٍ . فلا تذهلْ عمّا يشارُ لكَ إليهِ ، فإنَّما المرغوبُ تنبيهُكَ ، واللهُ المستعانُ . وقلَّ ما بينَ الصنفِ الأوّلِ والثاني مِنَ التفاوتِ مِنْ حيثُ إنَّ أولئكَ مقلّدونَ في مذهبِهِمْ ، وهؤلاءِ مثلُهُمْ وهمْ مقلِّدونَ فيما يعتقدونَهُ دليلاً ، غيرَ أنَّهُمْ أوثقُ رباطاً مِنَ الأولينَ؛ لأنَّ أولئكَ إنْ وقعَ إليهِمْ مَنْ يشكّكُهُمْ .. ربَّما شكُّوا وانحلَّ رباطُ عقدِهِمْ، وهؤلاءِ في الأغلبِ لا سبيل إلى انحلالِ عقودِهِمْ؛ إذْ لا يرونَ أَنفسَهُمْ أنهُمْ مقلِّدونَ، وإنَّما يظنُّونَ أنهُمْ مستدلُّونَ عارفونَ ، فلهذا كانُوا أحسنَ حالاً ، وأثبتَ إيماناً . (١) في (ر، ت، ض ) : ( تلقنوا ) . ٢٧٠ 101 والصنفُ الثالثُ : أقرُّوا واعتقدُوا كما فعلَ الذينَ مِنْ قبلِهِمْ، وقدْ عدمُوا النظرَ(١) أيضاً . ولكنّهم لعدم سلوكهِمْ سبيلَهُ معَ القدرَةِ عليهِ، ومعهُمْ مِنَ الذكاءِ والفطنةِ والتيقُّظِ ما لوْ نظرُوا .. لعلمُوا، ولوِ استدلُوا .. لتحقَّقُوا، ولَوْ طلبُوا .. لأدركُوا سبيلَ المعارِفِ ووصلُوا، ولكنهُمْ آثروا الراحةَ، ومالُوا إلى الدَّعَةِ ، واستبعدوا طريقَ العلمِ ، واستثقلُوا الأعمالَ الموصلةَ إليهِ ، وقنعُوا بالقعودِ في حضيضِ الجهلِ . فهؤلاءِ فيهِمْ إشكالُ عندَ كثيرٍ مِنَ الناسِ في البديهَةِ ، ويتردّدُ في حالِهِمْ نظرٌ . وهلْ يُسمَّونَ عصاةً أَوْ غيرَ ذلكَ؟ يحتاجُ إلى تمهيدٍ آخرَ ليسَ هذا مقامَهُ . والالتفاتُ إلى هذا الصنفِ أوجبَ خلافَ المتكلِّمينَ في العوامّ على الإطلاقِ ، مِنْ غيرِ تفريقٍ بينَ بليدٍ بعيدٍ ومتيقِّظٍ فَطِنٍ ، فمنهُمْ مَنْ لمْ يرَ أنَّهُمْ مؤمنونَ، ولكنْ لمْ يُحفَظْ عنْهُمْ أنهُمْ أطلقُوا اسمَ الكفرِ عليهِمْ . ولعلَّكَ تقولُ : إنَّ مذهبَهُمُ المشهورَ أنَّ المحلَّ لا يخلُو عَنِ الصفةِ إلاَّ إلى ضدِّها، فمَنْ لمْ يُحكَمْ لهُ بالإيمانِ .. حكمَ عليهِ بالكفرِ ، كما أنَّ مَنْ لمْ يُحكَمْ لهُ بالحركَةِ .. حُكِمَ عليهِ بالسكونِ ؛ وكذلكَ الحياةُ والموتُ، (١) في (ث، ذ): ( العلم ) بدل ( النظر ) . ٢٧١ والعلمُ والجهلُ ، وسائرُ ما لهُ ضدٌّ مِنَ الصفاتِ . قلنا : فَلَئِنْ صِحَّ ذلكَ في الصفاتِ التي هيَ أعراضٌ .. فقدْ لا يصحُّ في الأوصافِ التي هيَ أحكامٌ ، والإيمانُ والكفرُ ، والهدايةُ والضلالُ ، والبدعةُ والسنةُ ربَّما كانَتْ مِنْ قبيلِ الأحكامِ لا مِنْ قبيلِ الأعراضِ ، وإنَّما ذكرْتُ لكَ هذا في معرضِ التشككِ ؛ لتنظرَ في شعوبٍ ما نوردُ على ذلكَ . ومنهُمْ مَنْ أوجبَ لهُمُ الإِيمانَ ، ولكنْ أوجبَ لهُمُ المعرفةَ وقدَّرَها لَهُمْ، وعَجَّزَهُمْ عَنِ العبارةِ ، ووجوبُ العبارةِ في الشرع ساقطةٌ على هذا النحوِ . وهؤلاءٍ لمْ يخالفُوا المذكورينَ قيلهُمْ؛ لأنَّ أولئكَ سلبُوا الإيمانَ عمَّنْ لمْ يصدرْ اعتقادُهُ عَنْ دليلٍ ، وهؤلاءِ أوجبُوا الإيمانَ لمَنْ أضافُوا إليه المعرفةَ المشروطةَ في صحةِ الإِيمانِ . وإنَّما فرُّوا عَنِ الشناعةِ الظاهرةِ ، فتستَّرُوا عَنِ الجمهورِ بهذا الاحتمالِ ، وزادُوا على أنفسهِمْ أنهُمْ ألمُّوا بقولٍ مَنْ جعلَ المعارفَ كلَّها ضروريةً ، ولمْ يشعُرُوا بذلكَ حينَ قالُوا : إنَّما عجزَتِ العامَّةُ عَنْ سردِ الدليلِ ، ونظمِ العبارةِ عنهُ، والعبارةُ لا تجبُ عليهِمْ؛ لأنَّهُمْ إذا نُّهُوا أوْ عُرضَ عليهِمْ ما قَرَّبَ مِنَ الألفاظِ، واعتادُوا مِنَ المخاطباتِ دلائلَ الحدثِ(١)، ووجْهَ الافتقار إلى المُحْدِثِ بعدَ تقريرِ الحدوثِ ، وعددُوا مِنْ هذهِ المعارفِ كثيراً .. وجدُوا أَنفسَهُمْ عارفينَ بذلكَ . (١) في (ث، ذ): ( دلائل الحدوث) . ٢٧٢ واعلمْ : أنَّ مَنْ يقولُ : إِنَّ المعارفَ كلَّها ضروريةٌ هكذا يقولُ : إنَّما افتقرَ الناسُ إلى التنبيهِ ، ولمْ يتمرَّنُوا على العبارةِ على غوامضِ العلومِ ، وإلاَّ .. فهُمْ إذا نُهُوا عليها وتلُطُّفَ بِهِمْ في تفهيمِها بالنزولِ إلى ما أَلِفُوهُ مِنَ العباراتِ .. وجدُوا أَنفسَهُمْ غيرَ منكرةٍ لِمَّا نُّهُوا عليهِ ، وسارعُوا إلى أُلْفَتِهِ . ـےحن ومثالُ هذا كمَنْ غابَ عنهُ شيءٌ كانَ معَهُ ، أَوْ إنسانٌ يصحبُّهُ أوْ رآهُ فنسيَهُ وغَفَلَ عنهُ لأجلِ غيبتِهِ ، ثمَّ رآهُ بعدَ ذلكَ فتذكَّرَ ؛ فإنهُ لا يُظُّ إلاَّ أنهُ كانَ عارفاً بهِ ، لكنَّهُ ناسٍ لهُ أوْ غافلٌ عنهُ، ولولا عرفانُهُ بهِ .. ما وجدَ عدمَ الإِنكار وسرعةَ الأُلْفةِ لهُ عندَ رؤيتِهِ . ومِنَ المتكلمينَ أيضاً مَنْ أوجبَ لهُمُ الإِيمانَ معَ عدم المعرفةِ المشروطةِ عندَ أولئكَ . وأيُّ الآَراءِ أحقُّ بالحقِّ وأَوْلَى بالصوابِ ؟ ليسَ ذلكَ مِنْ غرضِنا في هذا الموضع، وإنَّما غرضُنا تبعيدُ(١) ما أشاعَهُ في (( الإحياءِ)) أهلُ الغلوِّ والإِغلاءِ(٢)، فلا نفتحُ مثلَ هذا البابِ وقدْ أبدينا مِنْ وجهِ ذلكَ في ((مراقي الزُّلَفِ)) ما يغني فيها بإذنِ اللهِ عزَّ وجلَّ. (١) في (ث، ذ): ( تقييد ) . (٢) قوله: (الغلو والإغلاء) سقط من (ت، ض). ٢٧٣ مصر حن فَضَا ١٧ [في تصنيفٍ آخرَ لأهلِ الاعتقادِ] بقيَ في بيانِ أصنافِ أهلِ الاعتقادِ المجرَّدِ تفصيلٌ آخرُ مِنْ جهةٍ أخرى ، هوَ مِنْ تتمَّةِ ما مضى . فليُعلَمْ : أنَّ ما منهُمْ صنفٌ إلّ ولهُ على التقريبِ ثلاثةُ أحوالٍ ، لا يستبدُّ أحدُهُمْ مِنْ أحدِها بحكمِ الاعتيادِ الضروريِّ . فإحدى(١) الحالاتِ لهُمْ : أنْ يعتقدَ أحدُهُمْ جميعَ أركانِ الإِيمانِ على ما يكملُ عليهِ في الغالبِ ، لكنَّهُ على طريقِ التقليدِ كما سبقَ . الحالةُ الثانيةُ : ألَّ يعتقدَ إلاَّ بعضَ الأركانِ ممِّا فيهِ خلافٌ إذا انفردَ ولمْ ينضفْ إليهِ في اعتقادِهِ سواهُ .. هلْ يكونُ بهِ مؤمناً أوْ مسلماً ؟ وذلكَ مثلُ أنْ يعتقدَ وجودَ الواحدِ فقطْ ، أوْ يعتقدَ أنَّهُ موجودٌ حيٌّ لا غيرُ ، وأمثالُ هذِهِ التقديراتِ ، ويخلُو عَنِ اعتقادِ باقي الصفاتِ خلوّاً كاملاً لا يخطر ببالهِ ، ولا يعتقدُ فيها حقّاً ولا باطلاً ولا صواباً ولا خطأً ، ولكنَّ القدرَ الذي يعتقدُهُ مِنَ الأركانِ موافقٌ للحقِّ غيرُ مشوبٍ بغيرِهِ . (١) في (ر) : ( فأصفى ) . ٢٧٤ الحالةُ الثالثةُ: أنْ يعتقدَ الوجودَ كما قلناهُ، أوِ الوجودَ والوحدانيَّةَ والحياةَ ، ويكونُ فيما يعتقدُهُ في باقي الصفاتِ على ما لا يوافقُ الحقَّ على ما هوَ عليهِ ممّا هوَ بدعةٌ أَوْ ضلالةٌ وليسَ بكفرِ صُرَاحٍ . فالذي يدلُّ عليهِ العلمُ ، ويُستنبطُ مِنْ ظواهرِ الشرعِ : أنَّ أربابَ الحالةِ الأولى - واللهُ أعلمُ - على سبيلِ نجاةٍ ، ومسلكِ خلاصِ ، ووصفٍ إيمانٍ ، أو إسلام . وسواءٌ في ذلكَ الصنفُ الأولُ والثاني مِنْ أهلِ الاعتقادِ . ويبقَى الصنفُ الثالثُ على مُحتمَلاتِ النظرِ كما نتَّهناكَ عليهِ . وأمَّا أهلُ الحالةِ الثانيةِ - وهيَ الاقتصارُ على الوجودِ المفردِ ، أوِ الوجودِ ووصفٍ آخرَ معهُ ، معَ الخلوِّ عَنِ اعتقادِ سائرِ صفاتِ الكمالِ والجلالِ وأحكامِها ــ : فالمتقدمونَ مِنَ السلفِ لمْ يُشتهرْ عنْهُمْ في صورةِ هذِهِ المسألةِ ما يُخرجُ صاحبَ هذا العقدِ عَنْ حكمِ الإيمانِ أوِ الإِسلامِ. والمتأخرونَ مختلفونَ ؛ فكثيرٌ خافَ أنْ يُخرجَ مَنِ اعتقدَ وجودَ اللهِ سبحانَهُ وإظهارَ الإِقرارِ بهِ وبنبيِّهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ مِنَ الإسلام ، ولا يبعدُ أنْ يكونَ كثيرٌ مِمَّنْ أسلمَ مِنَ الأجلافِ والرُّعْيانِ ، وضعفاءِ النساءِ والأتباع هذا عقدُه بلا مزيدٍ عليهِ، ولو سُئِلُوا واستُكشِفُوا عَنِ اللهِ عزَّ وجلَّ: هلْ لهُ إرادةٌ أوْ بقاءٌ أو كلامٌ أَوْ ما شاكلَ ذلكَ ، وهلْ لهُ صفاتٌ معنويَّةٌ ليستْ هيَ ٢٧٥ هوَ، ولا هيَ غيرُهُ .. ربّما وُجِدُوا يجهلونَ هذا ولا يعقلونَ وجهَ ما يخاطبونَ بهِ . CG وكيفَ يُخرجُ مَنِ اعتقدَ وجودَ اللهِ تعالى ووحدانيَتَّهُ معَ الإقرارِ بالنبوَّةِ مِنْ حكم الإسلام ، والنبيُّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ قدْ رفعَ القتالَ والقتلَ عنْهُمْ، وأوجبَ حكمَ الإيمانِ أوِ الإسلامِ لمَنْ قالَ: لا إلهَ إلاَّ اللهُ، وعقدَ عليها؟!(١). وهـذِهِ الكلمةُ لا تقتضي أكثرَ مِنِ اعتقادِ الوجودِ معَ الوحدةِ في الظاهرِ ، وعلى البديهةِ مِنْ غيرِ نظرٍ . ثمَّ سمِعْنا عمَّنْ قالَها في صدرِ الإسلامِ أنَّهُ لمْ يُعلَّمْ بعدَها إلاَّ فرائضَ الوضوءِ والصلاةِ، وهيئاتِ الأعمالِ البدنيّةِ ، والكفَّ عَنْ أذى المسلمِ . Vo. ولمْ يبلغْنا أَنْهُمْ تدارسُوا علمَ الصفاتِ وأحوالَها . ولا هلِ اللّهُ تعالى عالمٌ بعلمٍ ، أَوْ عالمٌ بنفسِهِ ؟ أوْ هوَ باقٍ ببقاءٍ ، أوْ هوَ باقٍ بنفسِهِ ؟ وأشباهُ هذِهِ المعارفِ، ولا يدفعُ ظهورَ هذا إلاَّ معاندٌ، أوْ جاهلٌ بسيرةٍ السلفِ وما جرى بينهُمْ . ويدلُّ على قوَّةِ هذا الجانبِ في الشرع : أنَّ مَنِ استُكْشِفَ منهُ على هذِهِ (١) يشير إلى ما رواه البخاري (٢٩٤٦)، ومسلم (٢١) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه: (( أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله ، فمن قال: لا إلله إلا الله .. فقد عصم مني نفسه وماله إلا بحقه ، وحسابه على الله)). حن كر ٢٧٦ الحالةِ وتحقَّقَتْ منهُ ، وأبى أنْ يُذعنَ لتعلُّم ما زادَ على ما عندَهُ .. لمْ يُفْتِ أحدٌ بقتلِهِ ولا استرقاقِهِ ، والحكمُ عليهِ بالخلودِ في النارِ عَسِرٌ جدّاً، وخَطَرٌ عظيمٌ، معَ ثبوتِ الشرع بأنَّ ((مَنْ قالَ: لاَ إلهَ إلاَّ اللهُ .. دخلَ الجنةَ))(١). ولعلَّكَ تقولُ: قَدْ قالَ في مواطنَ أُخَرَ: « إِلاَّ بحقُّها))(٢)، ثُمَّ تقولُ: اعتقادُ باقي (٣) الصفاتِ التي بها يكونُ اعتقادُ جلالِ اللهِ عزَّوجلَّ وكمالِهِ مِنْ حقِّها . نعمْ ، هيَ مِنْ حقُّها عندَ مَنْ بلغَهُ أمرُها ، وسمعَ بها أنْ يعتقدَها ، وأمَّا مَنْ خلا مِنِ اعتقادِها ، ولمْ يتفقْ لهُ أنْ يتلقَّنَها ولمْ يسمع بها .. ففيهِ نرى هذا النظرَ، وعليهِ يقعُ مثلُ هذا الاحتفاظِ ، وفي مثلِهِ يخافُ أنْ يطلقَ عليهِ اسمُ لكفرِ . هذا؛ وأنتَ تسمعُ عَنِ اللهِ عزَّ وجلَّ يقولُ في الآخرةِ: ((أخرجُوا مِنَ النارِ مَنْ في قلبِهِ مثقالُ ذرَّةٍ مِنْ إيمانٍ ))، وذَكَرَ مِنَ المثقالِ إلى الذرَّةِ والخردلةِ مِنَ الإيمانِ ، إلى أنْ يُخرِجَ منها مَنْ لمْ يعملْ حسنةً قطُ (٤) ، فما يدريكَ أنْ يكونَ (١) رواه الترمذي ( ٢٦٣٨) . (٢) رواه البخاري (٣٩٣) من حديث أنس رضي الله عنه، ومسلم (٢١) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه . (٣) في غير (ر) : (اعتقادنا في) . (٤) كما رواه البخاري (٢٢)، ومسلم ( ١٨٣) . ٢٧٧ كن هؤلاءِ وأمثالُهُمُ المرادينَ ؛ لأنَّ التقديرَ وقعَ في الإيمانِ لا في الأعمالِ ؟! فإنْ قلتَ : فإنَّ مِنَ الناس وأئمَّةِ العلماءِ مَنْ لمْ يُوجبِ الإِيمانَ لمَنِ اعتقدَ جميعَ الأركانِ إذا لمْ يصحبْها معرفةٌ ، ولمْ يعضُدْها دليلٌ ، فكيفَ لمَنْ فاتَهُ اعتقادُ بعضِها أوْ جلِّها ؟! قلنا : قدْ أريناكَ وجهَ الاعتراضِ على هذا المذهبِ ، ونبَّهناكَ على بُعدِ أهلِهِ عَنْ وجهِ (١) الحقِّ فيهِ، وأنهُمْ أربابُ تعُّفٍ، ولوِ استُقُصِيَ معَ كثيرٍ منهُمُ القولُ في ذلكَ .. لبدا لهُ أنَّهُ نُسِبَ لِمَا يظهرُ له مِنْ قصورِهِ عَنْ معرفةٍ شرطِها في صحَّةٍ إيمانٍ غيرِهِ ، ولاَثْرَ مِنْ حِينِهِ الركونَ إلى ما رأيناهُ أَوْلَى بهِ مِنْ رأيِهِ ، وأحقَّ بالصوابِ والعدلِ مِنْ مذهبِهِ . ثُمَّ بعدَ ذلكَ تراهُمْ حينَ اجترؤُوا علىُ سلبِ الإِيمانِ عنْهُمْ .. لمْ يثبتُوا اسمَ الكفرِ عليهِمْ، ثمَّ يُعرَضُوا على الاستتابةِ إنْ كانَتْ مِنْ مذهبِهِمْ، ثمَّ يُحكمْ فِيهِمْ بالقتلِ والاسترقاقِ . فإذا تأملْتَ هذا .. لمْ يخفَ عليكَ عيبُ ما قالُوهُ، ونقصُ(٢) ما مالُوا إليهِ . فلنرجعْ إلى ما نحنُ بسبيلِهِ ، ونستعينُ باللهِ عزَّ وجلَّ فنقولُ : (١) في (ث، ذ) : ( درجة). جن: (٢) في (ث، ذ) : (ونقض ) . ٢٧٨ وأمَّا أربابُ الحالةِ الثالثةِ - وهيَ اعتقادُ البدعةِ في الصفاتِ أَوْ في بعضها - : فإنْ حكَمْنا بصحةِ إِيمانِ أهلِ الحالةِ المذكورةِ قبلَ هذا أوْ إسلامِهِمْ .. حقَّقْنا أمرَ هؤلاءِ فيما اعتقدُوهُ؛ إذْ لمْ يقفُوا فيهِ بوجهِ قصد يقطعُهُمْ عَنِ اتصالِ العذرِ ؛ لأنَّ هؤلاءٍ قدْ حصلَ لهُمْ في العقدِ ما هوَ شرطٌ الخلاصِ والنجاةِ مِنَ الهلاكِ الدائم ، وأُصيبُوا فيما وراءَ ذلكَ . فإِنْ أمكنَ رُّهُمْ في دارِ الدنيا ، وزجرُهُمْ عنهُ إنْ أظهرُوا التمنُّعَ عَنِ الإقلاع ، والرجوع بالعقوبةِ المؤلمةِ دونَ قتلٍ .. كانَ ذلكَ . وإنْ فاتُوا بالموتِ .. لمْ يُقصرْ بِهِمْ في اعتقادِهِمْ عَنْ أربابِ الحالةِ الثانيةِ المذكورةِ قبلهُمْ ، واللهُ تعالى أعلمُ بالناجِي والهالكِ مِنْ خلقِهِ ، والمطيع والعاصِي مِنْ عبادِهِ . والي غيرَ أنَّ هذا ينبغي أنْ يكونَ مذهبَ مَنْ نظرَ في خلقِ اللهِ تعالى بعينِ الرأفةِ والرحمةِ ، ولمْ يدخلْ بينَ اللهِ عزَّ وجلَّ وبينَ عبادِهِ فيما غابَ عنهُ علمُهُ ، وعُدِمَ فيهِ سبيلُ اليقينِ ، وفهمَ معنى قولِهِ عزَّ وجلَّ: ﴿وَلَا نَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ، عِلُّّ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُوْلَتِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا﴾. فإنْ قلتَ : وأينَ أنتَ مِنْ تكفيرِ كثيرٍ مِنَ الناسِ في القديم والحديثِ لجميعِ أهلِ البدع عامّةً وخاصّةً ؟ وقولِ النبيِّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ في ٢٧٩ القدريَّةِ: ((إِنَّهُمْ مَجُوسُ هَذِهِ الأُمَّةِ))؟(١). وقولِهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: (( سَتَفْتَرِقُ أُمَّتِي عَلَى ثَلاَثٍ وَسَبْعِينَ فِرْقَةٌ ، كُلُّهَا فِي النَّارِ إِلَّ وَاحِدَةٌ )»؟(٢). وقالَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ عَنْ قومٍ يخرجونَ على خير (٣) فرقةٍ مِنَ الناسِ: ((يَقُولُونَ بِقَوْلِ خَيْرِ الْبَرِيَّةِ أَوْ مِنْ قَوْلِ خَيْرِ الْبَرِيَّةِ ، يَمْرُقُونَ مِنَ الدِّينِ كَمَا يَمْرُقُ السَّهْمُ مِنَ الرَّمِيَّةِ»؟(٤). والأحاديثُ الواردةُ فيمَنِ اعتقدَ شيئاً مِنَ الأهواءِ والبدع كثيرةٌ غيرُ هذِهِ ، ممَّا يُوجبُ في الظاهرِ تكفيرَهُمْ بِالإِطلاقِ . فاعلمْ : أنهُ إنْ كانَ كفَّرَهُمْ كثيرٌ مِنَ العلماءِ .. فلقدْ أبقَى عليهِمْ دِينَهُمْ وتردَّدَ فيهِمْ كثيراً كثيرٌ منهُمْ ، وكلُّ فريقٍ منهُمْ في مقابلةِ مَنْ خالفَهُ ، فليقع التحاكمُ عندَ العالمِ الأكبرِ ، المؤيدِ بالعصمةِ سيدِ البشرِ ، إمام المتقينَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ ؛ فهوَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ حينَ قالَ: ((القَدَرِيَّةُ (١) رواه أبو داوود (٤٦٩١)، وتتمة الحديث: ((إن مرضوا .. فلا تعودوهم، وإن ماتوا .. فلا تشهدوهم)). (٢) رواه ابن ماجه ( ٣٩٩٢). قوله : (خير) سقط من (ش، خ)، وللفائدة انظر ((فتح الباري)) ( ٢٩٥/١٢). (٣) (٤) رواه أبو داوود (٤٧٦٧)، والترمذي ( ٢١٨٨)، وأصله عند البخاري ( ٣٦١١)، ومسلم (١٠٦٦) إلا أن فيه: ( من خير قول البرية ) بدل ( من قول خير البرية ) ، وهي كذلك في ( ت ، ض ) . ٢٨٠