Indexed OCR Text

Pages 221-240

وكيفَ يسمعُ ما يُوحِى مَنْ ليسَ بنبيِّ ؟
أذلكَ على طريقِ التعميمِ ، أمْ على سبيلِ التخصيصِ ؟
ومَنْ لهُ بالتسأُقِ إلى مثلِ ذلكَ المقامِ حتَّى يسمعَ أسرارَ الإللهِ ؟
وإنْ كانَ على سبيلِ التخصيصِ .. فالنبؤَّةُ ليستْ محجورةً على أحدٍ إلاَّ
على مَنْ قعدَ عنْ سلوكِ تلكَ الطريقِ .
وماذا يسمعُ في النداءِ إذا سمعَ ، هلِ اسمَ موسى أوِ اسمَ نفسِهِ ؟
O وما معنى الأمرِ للسالكِ بالرجوعِ مِنْ عالَم القدرةِ ، ونهيِهِ عنْ أنْ يتخطَّى
رقابَ الصدِّيقينَ ؟
وما الذِي أوصلَهُ إلى مقامِهِمْ، وهوَ في المرتبةِ الثالثةِ ، وهيَ توحيدُ
المقربينَ ؟
O وما معنى انصرافِ السالكِ بعدَ وصولِهِ إلى ذلكَ الرفيقِ الأعلى ؟
وإلى أينَ وجهتُهُ في الانصرافِ ؟
وكيفَ صفةُ انصرافِهِ ؟
وما الذِي يمنعُهُ مِنَ البقاءِ في الموضع الذِي وصلَ إليهِ ، وهوَ أرفعُ مِنَ
الذِي خلفَهُ ؟
٢٢١

وما معنى ذلكَ ؟
وأينَ هذا مِنْ قولٍ أبي سليمانَ الدارانِيِّ المذكورِ في غيرِ «الإحياءِ)» :
( لَوْ وصلُوا .. ما رجعُوا، ما وصلَ مَنْ رجعَ)؟(١).
وما معنىُ بأنْ ليسَ في الإمكانِ أبدعُ مِنْ صورةِ هذا العالَمِ ، ولا أحسنُ
ترتيباً ، ولا أكملُ صنعاً؟ ولوْ كانَ وادخرَهُ معَ القدرة على خلقِهِ .. لكانَ
ذلكَ بخلاً يناقضُ الجودَ، أو عجزاً يناقضُ القدرةَ الإلهيَّةَ .
١ وما حكمُ هذِهِ العلوم المكنونَةِ ؟
هلْ طلبُها فرضٌ ، أَوْ مندوبٌ إليهِ ، أوْ غيرُ ذلكَ ؟
ولمَ كُسيتِ المشكِلَ مِنَّ الألفاظِ ، واللُّغْزَ مِنَ العباراتِ ؟
وإنَّ جازَ ذلكَ للشارع فيما لَهُ أنْ يختبرَ بهِ ويمتحنَ .. فما بالُ مَنْ ليسَ
شارعاً ؟!
انتهى جملة مراسم الأسئلة في المثل
فأسألُ اللهَ تعالى أنْ يملِيَ علينا ما هوَ الحقُّ عندَهُ في ذلكَ ، وأنْ يُجريّ
(١) أورده الدينوري في (( المجالسة وجواهر العلم)) (٢٢٦)، وأبو نعيم في (( الحلية))
(٩٢/١٠)، وفيه: ( ما رجع من وصل، لو وصلوا .. ما رجعوا) .
٢٢٢

على ألسنتِنا ما يُستضاءُ بهِ في ظلماتِ المسالكِ ، وأنْ يعمَّ بنفعِهِ أهلَ المبادِي
والمداركِ .
ثمَّ لا بدَّ أنْ أَمهّدَ مقدِّمةً ، وأوطُّدَ قاعدَةً ، وأؤكِّدَ وصيّةٌ .
أمَّا المقدّمةُ :
ءُ
فالغرضُ منها تبيينُ عباراتِ انفردَ بها أربابُ الطريقةِ بأَخَّرَةٍ ، تغمضُ
معانِيهَا على أهلِ القُصورِ، فنذكُرُ ما يغمضُ منهَا، ونذكُرُ شرحَها والقصدَ
بها عندَهُمْ .
فرُبَّ واقفٍ على ما يكونُ مِنْ كلامِنا مختصّاً بهذا الفنِّ في هذا الإملاءِ
وغيرِهِ .. فيتوقّفُ عليهِ فَهْمُ معناهُ مِنْ جهةِ اللَّفظ .
وأمَّا القاعدةُ :
فنذكُرُ فيها الأَمَمَ الذِي يكونُ سلوكُنا في هذِهِ العلوم عليهِ ، والسمتَ
الذِي نومِىءُ بمقصدِنا إليهِ ؛ ليكونَ ذلكَ أقربَ على المتأمِّلِ ، وأسهلَ على
الناظرِ المتفهِّمِ .
وأمَّا الوصيّةُ :
فنقصدُ فيها تعريفَ ما على مَنْ نظرَ في كلام الناسِ ، وأخذَ نفسَهُ
بالاطّلاع على أغراضِهِمْ فيما ألفوهُ من تصانيفِهِمْ ، وكيفَ يكونُ نظرُهُ فيها ،
واطِّلاعُهُ عليها ، واقتباسُه منها .
٢٢٣

فذلكَ أَوكدُ عليهِ أنْ يتعلمَهُ إنْ لَمْ يعلمْهُ ، وأَوْلى ما يلزمُهُ العملُ بهِ إذا
علمَهُ
فما أُتيَ على أكثرِهِمْ إِلّ أنهُمْ أَتَوُا البيوتَ مِنْ ظهورِها فشردُوا عنها ،
وأُغلقتْ في وجوهِهِمُ الأبوابُ، وأُسدلَ دونَهُمْ كثيفُ الحجابِ ، ولَوْ أَنَوْها
مِنْ حيثُ أبوابُها .. لَلُقُوا بالترحيبِ، وولجُوا على الرِّضا بالحبيبِ، وكُشِفَ
لَهُمْ كثيرٌ مِنْ حُجُبِ الغيبِ، ﴿ وَاَللَّهُ يَهْدِى مَن يَشَآءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾.
٢٢٤
:

المقدمة
اعلمْ : أنَّ الألفاظَ المستعملةَ في كلِّ صناعةٍ :
منها : ما يستعملُهُ الجماهيرُ والعمومُ .
ومنها : ما يستعملُهُ أربابُ الصنائع خاصّةً .
والصنائعُ على ضربينِ : عمليّةٍ ، وعلميّةٍ .
فالعمليَّةُ : كالمهن والحرفِ ، ولأهلِ كلِّ صناعةٍ منهُمْ ألفاظٌ يتفاهمونَ
بها آلاتِهِمْ ، ويتعاطونَ بها فصولَ صناعاتِهِمْ .
والعلميَّةُ : هيَ العلومُ المحفوظةُ بالقوانينِ ، والمعدّلةُ بما يحرزُها مِنَ
الموازينِ ، ولأهلٍ كلِّ علمٍ أيضاً ألفاظٌ اختُصُّوا بها لا يشاركهُمْ فيها غيرُهُمْ ،
إلاَّ أنْ يكونَ ذلكَ بالاتفاقِ مِنْ غیرِ قصدٍ .
وتكونُ المشاركةُ - إذا اتفقَتْ - إمَّا في صورةِ اللفظِ دونَ المعنى ، أوْ في
المعنى وصورةِ اللفظِ جميعاً .
وهذا لا يعرفُهُ إلَّ مَنْ بحثَ عنْ مجاري الألفاظِ عندَ الجمهورِ وأربابِ
الصنائع .
وإنما سمَّينا مِنَ العلوم صنائعَ ما قُصِدَ فيها التصنيعُ بالترتيبِ والتقسيمِ ،
واختيارِ لفظِ دونَ غيرِهِ .
5
٢٢٥

وحدُّهُ بطرفينِ : مبدأٍ ، وغايةٍ .
وما لمْ يكنْ كذلكَ .. فلا نسمِيهِ صناعةً؛ كعلوم الأنبياءِ صلواتُ اللهِ
وسلامُهُ عليهِمْ ، والصحابةِ رضيَ الله عنهُمْ ؛ فإنهُمْ لمْ يكونُوا فيما عندَهُمْ
مِنَ العلومِ على طريقٍ مَنْ بعدَهُمْ ، ولا كانتْ العلومُ عندَهُمْ بالرسمِ الذي هوَ
عندَ مَنْ خلفَهُمْ .
ومثلُ ذلكَ علومُ العربِ وأنسابُها (١) ، لا نسمِّيها عندَهُمْ صناعةً ،
ونسمِّيها بذلكَ عندَ مَنْ ضبطَها بما اشتُهِرَ مِنَ القوانينِ ، وتقرَّرٌ مِنَ الحصرِ
والترتيبِ .
ـكن
ولأربابِ العلومِ الروحانيّةِ ، وأهلِ الإشاراتِ إلى الحقائقِ ، والمسمَّيْنَ
بالسادَةِ ، والملقَّبِينَ بالصوفيّةِ ، والمتشبِّهينَ بالفقراءِ ، والمعروفينَ بالرِّقَّةِ ،
والمعزُوِ إليهِمُ العلمُ والعملُ .. ألفاظٌ جرى رسمهُمْ بالتخاطبِ بها فيما
يتذاكرونَهُ أوْ يذكرونَهُ .
ونحنُ إنْ شاءَ اللهُ عزَّ وجلَّ نذكرُ ما يغمضُ منها ؛ إذْ قَدْ يقعُ منَّا عندَما
نذكرُ شيئاً مِنْ علومِهِمْ ، ونشيرُ إلى غرضٍ مِنْ أغراضِهِمْ ، فلمْ نرَ أنْ يكونَ
ذلكَ بغيرِ ما عُرفَ مِنْ ألفاظِهِمْ وعباراتِهِمْ ، ولا حرجَ في ذلكَ عقلاً
(١) في (ر، ت، ض): ( ولسانها) .
٢٢٦

وشرعاً ، ونحنُ بحكْم مُصرِّفِ التقديرِ ، وهوَ على كلِّ شيءٍ قديرٌ .
-كن
فِمِنْ ذلكَ قولُهُمْ :
السفرُ، والطريقُ، والسالكُ، والمسافرُ، والحالُ، والمقامُ ،
والمكانُ، والشطحُ، والطوالعُ، والذهابُ، والنَّفَسُ، والسِّرُ، والوصلُ
والفصلُ، والأدبُ ، والرياضةُ ، والتحلِّي والتخلِّي ، والتجلِّي ، والعلةُ
والانزعاجُ، والمشاهدةُ ، والمكاشفةُ ، واللوائحُ ، والتلوينُ ، والغيرةُ ،
والحريَّةُ ، واللطيفةُ، والفتوحُ ، والوسمُ والرسمُ ، والبسطُ والقبضُ ،
والفناءُ والبقاءُ ، والجمعُ والتفرقةُ، وعينُ التحكّم(١)، والزوائدُ،
والإرادةُ، والمريدُ، والمرادُ ، والهمَّةُ، والغربةُ ، والمكرُ،
والاصطلامُ ، والرغبةُ، والرهبةُ، والوجدُ ، والوجودُ ، والتواجدُ .
فلنذكُرْ شرحَ هذِهِ الألفاظِ على أوجزِ ما يمكنُ بمشيئةِ اللهِ عزَّ وجلَّ وإنْ
كانتْ ألفاظُهُمْ المصرَّفَةُ بينهُمْ في علومِهِمْ أكثرَ ممَّا ذكَرْنا، فإنَّما قصدُنا أنْ
نريكَ منها أنموذجاً ودستوراً ، تعلمُ بهِ إذا طرأَ عليكَ ما لمْ نذكرْهُ لكَ ههنا
أنَّ لها مبحثاً ، وإليها سبيلاً ، فتطلُبُهُ بعدَ ذلكَ على وجهِهِ .
(١) في (ت، ث، ذ، ض): ( التحكيم ).
٢٢٧

فأمَّا السفرُ والطريقُ والمسافرُ والسالكُ :
فالمرادُ بالسفرِ والطريقِ : سفرُ القلبِ بآلةِ الفكرِ في طريقِ المعقولاتِ ،
وعلى ذلكَ انبنى لفظُ السالكِ والمسافرِ في لغتِهِمْ .
ولمْ يريدوا بذلكَ سلوكَ الأقدام التي بها تقطعُ مسافاتُ الأجسام ؛ فإنَّ
ذلكَ ممّا يشاركُ فيهِ البهائمُ والأنعامُ !!
وأولُ مسالكِ السفرِ إلى اللهِ عزَّ وجلَّ معرفةُ قواعدِ الشرع ، وخرقُ
حجبِ الأمرِ والنهي ، حتَّى يعقلُوا الغرضَ فيها ، والمرادَ بها ومنها ، فإذا
خلَّفُوا نواحِيَها ، وقطعُوا معاطِبَها .. أشرفُوا على مفاوزَ أوسعَ ، وبدَتْ لُهُمْ
مهامِهُ أعرضُ وأطولُ .
مِنْ ذلكَ : معرفةُ أركانِ المعارفِ النبويَّةِ ، النفسُ والعدوُّ والدنيا ، فإذا
تخلَّصُوا مِنْ أوعارِها .. أشرفُوا على غيرِها أعظمَ منها في الانتسابِ ،
وأعرضَ بغيرِ حسابٍ .
ومِنْ ذلكَ : سرُّ القدرِ ، وكيفَ تحكّمَ في الخلائقِ ، وقادَهُمْ بلطفٍ في
عنفٍ ، وبشدَّةٍ في ◌ِينٍ ، وبقوَّةٍ في ضعفٍ ، وباختيارٍ في جبرٍ إلى ما هوَ في
مجاريهِ ، لا يخرجُ المخلوقُونَ عنهُ طرفةَ عينٍ ، ولا يتقدمونَ عليهِ ،
ولا يتأخرونَ عنهُ طرفةَ عينٍ .
والإشرافُ على الملكوتِ الأعظم ، ورؤيةُ عجائبِهِ ومشاهدَةُ غرائبهِ ،
مثلُ القَلَمِ الإلهيِّ واللوحِ المحفوظِ ، واليمينِ الكاتبةِ ، وملائكةِ اللهِ الذينَ
٢٢٨

يطوفونَ حولَ العرشِ وبالبيتِ المعمورِ ، وهُمْ يسبحونَهُ ويقدِّسونَهُ ، وفَهْمُ
كلام المخلوقاتِ مِنَ الحيواناتِ والجماداتِ .
ثمَّ التخطِّي منها إلى معرفةِ الخالقِ للكلِّ ، والمالكِ للجميع ، والقادرِ على
كلِّ شيءٍ، فتغشاهُمُ الأنوارُ المحرِقَةُ، وتتجلَّى لمرآةٍ قلوبِهِمُ الحقائقُ
المحتجبةُ ، فيعلمونَ الصفاتِ ويشاهدونَ الموصوفَ ، ويحضرونَ حيثُ غابَ
أهلُ الدعوى(١)، ويبصرونَ ما عميَ عنهُ أولُو الأبصارِ الضعيفةِ بحجبِ الهوى .
والحالُ : منزلةُ العبدِ في الحينِ ، فيصفُو لهُ في الوقتِ حالُهُ ووقتُهُ .
وقِيلَ : هوَ ما يتحوَّلُ فيهِ العبدُ ، ويتغيرُ بما يرِدُ على قلبهِ ، فإذا صفا تارةً
وتغيَّرَ أخرى .. قِيلَ لهُ: حالٌ.
وقالَ بعضهُمْ: الحالُ لا يزولُ ، فإذا زالَ .. لمْ يكُنْ حالاً (٢)
٠
والمقامُ : هوَ الذي يقومُ بهِ العبدُ في الأوقاتِ مِنْ أنواع المعاملاتِ
وصنوفِ المجاهداتِ ، فمتى أُقيمَ العبدُ بشيءٍ منها على التمام والكمالِ ..
فهوَ مقامُّهُ حتَّى يُنقَلَ منهُ إلى غيرِهِ .
(١) في (ث، ذ) : ( أهل الذهول ).
(٢) انظر ((الرسالة القشيرية)) (ص١٣٤) .
٢٢٩

والمكانُ : هوَ لأهلِ الكمالِ والتمكينِ (١) والنهايةِ.
فإذا كملَ العبدُ في معانيهِ .. فقدْ تمكَّنَ مِنَ المكانِ ، وعبرَ المقاماتِ
[من الطويل]
ء.(٢) .
والأحوالَ ، فيكونُ صاحبَ مكانٍ كما قالَ بعضھُمْ(
فليسَ لشيءٍ فِيهِ غيرُكَ موضعُ
مكانُكَ مِنْ قلبِي هوَ القلبُ كلُّهُ
والشطحُ : كلامٌ يترجمُهُ اللسانُ عنْ وجدٍ يعرضُ ، يفيضُ عنْ معدنِهِ ،
مقرونٌ بالدعوىُ ، إلاَّ أنْ يكونَ صاحبهُ محفوظاً .
والطوالعُ : أنوارُ التوحيدِ تطلعُ على قلوبِ أهلِ المعرفةِ بشعاعِها ،
فيطمسُ سلطانُ نورِها سائرَ الأنوارِ ، كما أنَّ سلطانَ نورِ الشمسِ يمحُو أنوارَ
الكواكب .
والذهابُ : هوَ أنْ تغيبَ القلوبُ عنْ حسِّ كلِّ محسوسِ بمشاهدةِ
محبوبهَا .
(١) في (ث، ذ): ( والتمكن ) .
(٢) البيت للحسين بن منصور الحلاج في ((ديوانه)) (ص ٥٤).
٢٣٠

والنَّفَسُ : روحٌ يسلّطُهُ اللهُ على نارِ القلبِ ليطفِىءَ شررَها .
والسُّّ : ما خفيَ عنِ الخلقِ ، فلا يعلمُ بهِ إلاَّ الحقُّ، وسؤُ السِّرِّ : ما
لا يحسُّ بهِ السِّئُّ .
والسِّرُّ ثلاثةٌ : سرُّ العلمِ ، وسرُّ الحالِ ، وسرُّ الحقيقةِ.
فسُّ العلم : حقيقةُ العالِمِينَ بِاللهِ عزَّ وجلَّ .
وسُّ الحالِ : معرفةُ مرادِ اللهِ تعالى في الحالِ مِنَ اللهِ .
وسرُّ الحقيقةِ : ما وقعَتْ بهِ الإشارةُ .
والوصلُ : إدراكُ الفائتِ .
والفصلُ : فوتُ ما ترجُوه مِنْ محبوبِكَ .
والأدبُ ثلاثةٌ :
أدبُ الشرعِ، وهوَ التعلُّقُ بأحكام الشريعةِ، والعلمُ بصحَّةِ عزمٍ
خدمةِ .
والثاني : أدبُ الخدمةِ ، وهوَ التشقُّرُ عنِ العلاقاتِ ، والتجرُّدُ عنِ
الملاحظاتِ .
٢٣١

والثالثُ : أدبُ الحقِّ ، وهوَ موافقةُ الحقِّ بالمعرفةِ .
والرياضةُ اثنانِ :
رياضةُ الأدبِ ، وهوّ الخروجُ عنْ طبع النفسِ .
ورياضةُ الطلبِ ، وهوَ صحَّةُ المرادِ بهِ .
والتحلّي : التشبُّهُ بأحوالِ الصادقينَ بالأحوالِ ، وإظهارُ الأعمالِ ،
وأنشدُوا(١) :
[من الخفيف]
مَنْ تحلَّى بغيرِ ما هوَ فيهِ فضحتْهُ شواهدُ الأعمالِ
والتخلِّي : اختيارُ الخلوةِ ، والإعراضُ عنْ كلِّ ما يشغلُ عنِ الحقِّ .
والتجلِّي : هو ما ينكشفُ للقلوبِ مِنْ أنوارِ الغيوبِ .
والعلَّةُ : تنبيهٌ مِنَ الحقِّ .
والانزعاجُ: انتباهُ القلبِ مِنْ سِنَةِ الغفلةِ، والتحركُ للأنسِ والوجدِ .
(١) البيت ينسب لأبي عمرو بن العلاء، انظر ((العقد الفريد)) (٢١٨/٢)، و((الحماسة
المغربية)) (١٢٨٧/٢)، وفيهما : ( شواهد الامتحان ) بدل (شواهد الأعمال ).
٢٣٢

والمشاهدةُ ثلاثٌ :
مشاهدةٌ بالحقِّ ، وهيَ رؤيةُ الأشياءِ بدلائلِ التوحيدِ .
ومشاهدةٌ للحقِّ ، وهيَ رؤيةُ الحقِّ في الأشياءِ .
ومشاهدةُ الحقِّ : وهيَ حقيقةُ اليقينِ بلا ارتيابٍ .
والمكاشفةُ أتمُّ مِنَ المشاهدةِ ، وهيَ ثلاثٌ :
مكاشفةٌ بالعلم ، وهيَ تحقيقُ الإصابةِ بالفهمِ .
ومكاشفةٌ بالحالِ ، وهيَ تحقيقُ رؤيةِ زيادةِ الحالِ .
ومكاشفةٌ بالوجدِ ، وهيَ تحقيقُ صحَّةِ الإشارةِ .
واللوائحُ : ما يلوحُ للأسرارِ الطاهرةِ الصافيةِ مِنَ السموِّ مِنْ حالةٍ إلى
حالةٍ أتمَّ منها ، والارتقاءِ مِنْ درجةٍ إلى ما هوَ أعلى منها .
والتلوينُ : تلوينُ العبدِ في أحوالِهِ ، وقَالَتْ طائفةٌ : علامةُ الحقيقةِ رفعُ
التلوينِ (١) بظهورِ الاستقامةِ.
ســ
(١) في (ث، ذ) : ( دفع التلوين ).
٢٣٣

وقالَ آخرونَ : علامةُ الحقيقةِ التلوينُ ؛ لأنهُ تظهرُ فيهِ قدرةُ القادرِ ،
فيكتسبُ منهُ العبدُ التغيُّرَ(١).
والغيرةُ : غيرةٌ في الحقِّ ، وغيرةٌ على الحقِّ ، وغيرةٌ مِنَ الحقِّ .
فغيرةٌ في الحقِّ برؤيةِ الفواحشِ والمناهِي ، وغيرةٌ على الحقِّ وهيَ كتمانُ
السرائرِ ، وغيرةٌ مِنَ الحقِّ ضِنّتُهُ على أوليائِهِ .
والحريَّةُ : إقامةُ حقوقِ العبوديةِ ، فيكونُ للهِ عبداً وعنْ غيرِهِ حرّاً .
ماله.
واللطيفةُ : إشارةٌ دقيقةُ المعنى تلوحُ في الفهم ، ولا تسعُها العبارةُ .
والفتوحُ ثلاثةٌ :
فتوحُ العبادةِ في الظاهرِ ، وذلكَ بسببِ إخلاصِ القصدِ .
وفتوحُ الحلاوةِ في الباطنِ ، وهوَ سببُ جذبِ الحقِّ بإعطافِهِ .
(١) في (ث): ( فيكتسب منه العبد مزية إيمان )، وفي ( ذ): ( فيكتسب منه العبد مزيد
إيمان ) .
٢٣٤
- ---- WT

وفتوحُ المكاشفةِ ، وهوَ سببُ المعرفةِ بالحقِّ .
والوسمُ والرسمُ : نعتانِ(١) يجريانِ في الأبدِ بما جريًا في الأزلِ .
والبسطُ : عبارةٌ عنْ حالِ الرجاءِ .
والقبضُ : عبارةٌ عنْ حالِ الخوفِ .
والفناءُ : فناءُ المعاصِي ، ويكونُ فناءَ رؤيةِ العبدِ لفعلهِ بقيامِ اللهِ تعالى
على ذلكَ .
٠٥٥٠٠٠٠
والبقاءُ : بقاءُ الطاعاتِ ، ويكونُ بقاءَ رؤيةِ العبدِ قيامَ اللهِ سبحانهَ على
كلِّ شيءٍ (٢) .
والجمعُ : هوَ التسويةُ في أصلِ الخلقِ ، وعندَ آخرينَ معناهُ : إشارةٌ مَنْ
أشارَ إلى الحقِّ بلا خلقٍ(٣).
في (ر): (معنيان)، وفي (ت، ث، ذ): (لغتان).
(١)
في (ث ) : ( العبد لفعله بقيام ) بدل ( العبد قيام ) .
(٢)
(٣) في (ث، ذ): ( معناه إشارته إلى الحق ).
٢٣٥

والتفرقةُ : إشارةٌ إلى الكونِ والخلقِ ، فمَنْ أشارَ إلى تفرقةٍ بلا جمعٍ ..
فقدْ جحدَ الباريَ سبحانَهُ ، ومَنْ أشارَ إلى جمع بلا تفرقةٍ .. فقدْ أنكرَ قدرة
القادرِ ، وإذا جمعَ بينهُما .. فقدْ وحَّدَهُ .
وعينُ التحكّم (١) : هوَ إظهارُ غايةِ الخصوصيَّةِ بلسانِ الانبساطِ في
الدعاء .
والزوائدُ : زياداتُ الإيمانِ بالغيبِ واليقينِ .
والإرادةُ ثلاثةٌ :
إرادةُ الطلبٍ مِنَ اللهِ سبحانَهُ وتعالى ، وذلكَ موضعُ التمنِّي .
وإرادةٌ الحظِّ منهُ ، وذلكَ موضعُ الطمعِ .
وإرادةُ اللهِ سبحانَهُ ، وذلكَ موضعُ الإخلاصِ .
والمريدُ : هوَ الذي صحَّ لهُ الابتداءُ ، ودخلَ في جملةِ المنقطعينَ
إلى اللهِ عزَّ وجلَّ بالاسمِ .
(١) في (ت، ث، ذ، ض ): ( وعين التحكيم ) .
٢٣٦
-

والمرادُ : هوَ العارفُ الذي لمْ تبقَ لهُ إرادةٌ ، وقدْ وصلَ إلى النهاياتِ ،
وعبرَ الأحوالَ والمقاماتِ .
والهمَّةُ ثلاثةٌ :
همَّةُ أمنيَّةٍ، وهيَ: تحرّكُ القلبِ للمنى(١).
وهمَّةُ إرادةٍ ، وهيَ : أولُ صدقِ المريدِ .
وهمَّةُ حقيقةٍ ، وهيَ : جمعُ الهمِّ بصفاءِ الإلهامِ .
والغربةُ ثلاثةٌ :
غربةٌ عَنِ الأوطانِ مِنْ أجلِ حقيقةِ القصدِ .
وغربةٌ عَنِ الأحوالِ مِنْ(٢) حقيقةِ التفرُّدِ بالأحوالِ .
وغربةٌ عَنِ الحقِّ مِنْ حقيقةِ الدهَشِ عَنِ المعرفةِ .
والاصطلامُ : نعتُ وَلَهِ يَرِدُ على القلوبِ ، فيسكُنُها بقوَّةِ سلطانِهِ .
في (ث، ذ) : ( تجرد القلب إلى المنى ) .
(١)
(٢) في (ث، ذ) : ( عن الإخوان من أجل ) .
٢٣٧

والمكر ثلاثةٌ :
مكرٌ معمومٌ مفهومٌ، وهوَ الظاهرُ في بعضِ الأحوالِ .
ومكرٌ مخصوصٌ ، وهوَ في سائرِ الأحوالِ .
ومكرٌّ خفيٌّ في إظهارِ الآياتِ والكراماتِ .
والرغبةُ ثلاثةٌ :
رغبةُ النفسِ في الثوابِ .
ورغبةُ القلبِ في الحقيقةِ .
ورغبةُ السّرِّ في الحقِّ .
والرهبةُ ثلاثةٌ : رهبةُ الظاهرِ ؛ وذلكَ لتحقيقِ وعيدِ العلمِ .
ورهبةُ الباطنِ ؛ لتحقيقِ تقلُبِ القلبِ .
ورهبةُ الغيبٍ ؛ لتحقيقِ أمرِ السبقِ(١).
والوجدُ : مصادفةُ القلوبِ لصفاءِ ذكرٍ كانَ قَدْ فقدَهُ .
(١) في (ث، ذ): ( أثر الصدق) بدل ( أمر السبق ).
٢٣٨

والوجودُ : تمامُ وجدِ الواجدينَ ، وهوَ أتمُّ مِنَ الوجدِ عندَهُمْ
•
وسُئلَ بعضُهُمْ عَنِ الوجدِ والوجودِ فقالَ :
الوجدُ : ما تطلبهُ فتجدُهُ بكسبكَ واجتهادِكَ ، والوجودُ : ما تجدُهُ
مِنَ اللهِ الكريمِ ، والوجدُ مِنْ غيرِ تمكينٍ ، والوجودُ معَ التمكينِ .
والتواجدُ: استدعاءُ الوجدِ، والتشتُّهُ في تكلُّفِهِ بالصادقينَ مِنْ أهلِ
الوجدٍ .
٢٣٩

القاعدة
وأمَّا القاعدةُ التي ينبني عليها هذا الفنُّ بأسرِهِ .. فذلكَ اجتذابُ(١) أرواح
المعانِي ، والإشارةُ إلى البعدِ في القربِ ، وقصدُ الاستدلالِ بالأقوالِ
والأعمالِ والأحوالِ على اللهِ عزَّ وجلَّ ، قصداً ذاتياً لا على ما سلكَهُ أربابُ
علومِ الظاهرِ ، ثمَّ التصديقُ بالقوّةِ(٢) ، والنظرُ إلى الملكوتِ مِنْ كَوّةٍ ،
ومعرفةُ العلوم في الانصرافِ ، ومصاحبةُ القدَرِ بالمساعدةِ والمعروفِ ،
ومعاطاةٌ كلٍّ صنفٍ مِنَ الناسِ على قدْرِ عقلِهِ بلا مزيدٍ ، والتصرّفُ في التعليمِ
بينَ مراتبِ الوجودِ الخمسِ(٣):
الذاتيٌّ، والحسيِّ، والخياليّ، والعقليِّ، والشَّبَهِيِّ، حسبما فُهِمَ مِنَ
الشرع ، وثبتَ معناهُ في المحفوظِ مِنَ الوحيٍ .
وقلَّما أُدركَ شيءٌّ معَ العجزِ، والعلمُ لا يُنالُ براحةِ الجسدِ، ﴿ وَمَنْ يَنَّقِ
اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مِنْ أَمْرِهِ يُتْرًا :﴿ ذَلِكَ أَمُرُ اللَّهِ أَنزَلَهُ: إِلَيْكُمْ﴾، ﴿وَمَن يَتَوَكَلْ عَلَى اَللَّهِ فَهُوَ
حَسْبُهُ إِنَّ اللَّهَ بَِّغُ أَمْرِهِ، قَدْ جَعَلَ اَللَّهُ لِكُلِّ شَىْءٍ قَدْرًا﴾.
كن
في (ث، ذ) : ( فذلك اجتلاب ) .
(١)
(٢) في (ث، ذ): ( التصديق بالقدرة ).
(٣) في (ث، ذ): ( مراتب الموجودات الخمسة ) .
٢٤٠