Indexed OCR Text

Pages 601-620

ربع المنجيات
کتاب ذکر الموت
القول في صفة الجنّة وأصناف نعيمها
اعلمْ : أنَّ تلكَ الدارَ التي عرفتَ غمومَها وهمومَها تقابلُها دارٌ أُخرى ،
فتأمَّلْ نعيمَها وسرورَها ؛ فإنَّ مَنْ بَعُدَ مِنْ إحداهما استقرّ لا محالةَ في
الأخرى ، فاستثرِ الخوفَ مِنْ قلبِكَ بطولِ الفكرِ في أهوالِ الجحيمِ ، واستثِرٍ
الرجاءَ بطولِ الفكرِ في النعيمِ المقيمِ الموعودِ لأهلِ الجنانِ ، وسُقْ نفسَكَ
بسوطِ الخوفِ ، وقدْها بزمامِ الرجاءِ إلى الصِّراطِ المستقيم ، فبذلكَ تنالُ
الملكَ العظيمَ ، وتسلمُ مِنَ العذابِ الأليمِ .
فتفكّرْ في أهلِ الجنَّةِ وفي وجوهِهِمِ نضرةُ النعيمِ ، يُسقونَ مِنْ رحيقٍ
مختومٍ ، جالسينَ على منابرَ مِنَ الياقوتِ الأحمرِ في خيامٍ مِنَ اللؤلؤِ الرطبِ
الأبيضِ ، فيها بسطٌ مِنَ العبقريِّ الأخضرِ ، متكئينَ على أرائكَ منصوبةٍ على
أطرافِ أنهارِ مطَّردةٍ بالخمرِ والعسلِ ، محفوفةٍ بالغلمانِ والولدانِ ، مزيَّنةٍ
بالحورِ العينِ مِنَ الخيراتِ الحسانِ ، كأنَّهنَّ الياقوتُ والمرجانُ ، لم يطمثهنَّ
إنسٌ قبلَهم ولا جانٌّ ، يمشينَ في درجاتِ الجنانِ ، إذا اختالَتْ إحداهُنَّ في
مشيها .. حملَ أعطافَها سبعون ألفاً مِنَ الولدانِ ، عليها مِنْ طرائِفِ الحريرِ
الأبيضِ ما تتحيُّ فيهِ الأبصارُ ، مكلَّلاتٌ بالتيجانِ المرصعةِ باللؤلؤِ
والمرجانِ ، شكلاتٌ غنجاتٌ عطراتٌ ، آمناتٌ مِنَ الهرمِ والبؤسِ ،
مقصوراتٌ في الخيام ، في قصورٍ مِنَ الياقوتِ بُنيَتْ وسطُ روضاتِ الجنانِ ،
قاصراتُ الطرفِ عينٌ .
٦٠١

كتاب ذكر الموت
ربع المنجيات
ثُمَّ يُطافُ عليهِمْ وعليهِنَّ بأكوابٍ وأباريقَ وكأسٍ مِنْ معينٍ ، بيضاءَ لذَّةٍ
للشاربينَ ، ويطوفُ عليهِم خدامٌ وولدانٌ كأمثالِ اللؤلؤِ المكنونِ جزاءً بما
كانوا يعملونَ ، في مقام أمينٍ ، في جنَّاتٍ وعيونٍ ، في جنَّاتٍ ونَهَرٍ ، في
مقعدِ صدقٍ عندَ مليكِ مقتدرٍ ، ينظرونَ فيها إلى وجهِ الملكِ الكريمِ ، وقدْ
أشرقَتْ في وجوهِهِمْ نضرةُ النَّعيم ، لا يرهقُهم قترٌ ولا ذلَّةٌ، بلْ عبادٌ
مكرمونَ ، وبأنواع الثُّحفِ مِنْ ربِّهمْ يتعاهدونَ ، فَهُمْ فيما اشتهتْ أنفسُهُمْ
خالدونَ ، لا يخافونَ فيها ولا يحزنونَ ، وهمْ مِنْ ريبِ المنونِ آمنونَ ، فَهُمْ
فيها يتنعَّمونَ ، ويأكلونَ مِنْ أطعمتِها ، ويشربونَ مِنْ أنهارِها لبناً وخمراً
وعسلاً في أنهارِ أرضُها فضةٌ ، وحصباؤُها مرجانٌ ، وعلى أرضِ ترابِها
مسكٌ أذفرُ، ونباتُها زعفرانٌ ، ويُمطرونَ مِنْ سحابٍ فيها مِنْ ماءِ النسرينِ
علی کثبانِ الكافورِ .
ويُؤتونَ بأكوابٍ وأيّ أكوابٍ ! أكوابٍ مِنْ فضَّةٍ مرصَّعةٍ بالدرِّ والياقوتِ
والمرجانِ ، كوبٌّ فيهِ مِنَ الرحيقِ المختومِ ، ممزوجٌ بهِ السلسبيلُ العذبُ ،
كوبٌ يشرقُ نورُهُ مِنْ صفاءِ جوهرِهِ يبدو الشرابُ مِنْ ورائِهِ برقَّتِهِ وحمرتِهِ ، لِمْ
يصنعْهُ آدميٌّ فيقصِّرَ في تسويةِ صنعتِهِ وتحسينِ صياغتِهِ ، في كفِّ خادم يحكي
ضياءُ وجهِهِ الشمسَ في إشراقِها ، ولكنْ مِنْ أينَ للشمسِ حلاوةٌ مثلُ حلاوةِ
صورتهِ ، وحسنٍ أصداغِهِ وملاحةِ أحداقِهِ !
حن
فيا عجباً لمَنْ يؤمنُ بدارِ هذهِ صفتُها ، ويوقنُ بأنَّهُ لا يموتُ أهلُها ،
ولا تحلُّ الفجائعُ بمَنْ نزلَ بفنائِها ، ولا تنظرُ الأحداثُ بعينِ التغييرِ إلى
٦٠٢

ربع المنجيات
کتاب ذکر الموت
أهلِها ، كيفَ يأنسُ بدارٍ قدْ أذنَ اللهُ تعالى في خرابِها ، ويتهنأُ بعيشٍ دونَها ؟!
واللهِ ؛ لوْ لمْ يكنْ فيها إلاَّ سلامةُ الأبدانِ معَ الأمنِ مِنَ الموتِ والجوعِ
والعطشِ وسائرِ أصنافِ الحدثانِ .. لكانَ جديراً بأنْ يهجرَ الدنيا بسببها ،
وألاَّ يؤثرَ عليها ما التصرُّمُ والتنغُّصُ مِنْ ضرورتِها ، كيفَ وأهلُها ملوكٌ
آمنونَ ، وفي أنواع السرورِ ممثَّعونَ ، لهمْ فيها كلُّ ما يشتهونَ ، وهمْ في كلِّ
يومٍ بفناءِ العرشِ يحضرونَ ، وإلى وجهِ اللهِ الكريمِ ينظرونَ ، وينالونَ بالنَّظرِ
مِنَ اللذَّةِ ما لا ينظرونَ معَهُ إلى سائرِ نعيمِ الجنانِ ولا يلتفتونَ ، وهمْ على
الدوامِ بينَ أصنافِ هذهِ النِّعمِ يترددونَ ، وهمْ مِنْ زوالِها آمنونَ ؟!
قالَ أبو هريرةَ: قالَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: (( ينادي منادٍ : إنَّ
لكُمْ أن تصُوا فلا تسقموا أبداً ، وإنَّ لكُمْ أنْ تحيوا فلا تموتوا أبداً ، وإنَّ
لكُمْ أنْ تشِبُّوا فلا تهرموا أبداً ، وإنَّ لكُمْ أنْ تنعموا فلا تبأسوا أبداً ، فذلكَ
قولُهُ عزَّ وجلّ: ﴿ وَنُودُوَاْ أَنْ تِلْكُمُ الْجَنَّةُ أُوْرِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾))(١) .
ومهما أردتَ أنْ تعرفَ صفةَ الجنَّةِ .. فاقرأ القرآنَ، فليسَ وراءَ بيانِ اللهِ
تعالى بيانٌ، واقرأْ مِنْ قولِهِ تعالى: ﴿ وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جََّانِ ... ﴾ إلى آخرِ
( سورةِ الرحمنِ )، واقرأْ ( سورةَ الواقعةِ) وغيرَها مِنَ السورِ .
وإنْ أردتَ أنْ تعرفَ تفصيلَ صفاتِها مِنَ الأخبارِ . . فتأمَّلِ الآنَ تفصيلَها
بعدَ أنِ اطّلعتَ على جملتِها .
(١) رواه مسلم ( ٢٨٣٧) .
٦٠٣

کتاب ذکر الموت
ربع المنجيات
وتأمَّل أوَّلاً عددَ الجنانِ ، قالَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ في قولِهِ
تعالى: ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّثَانِ﴾ قَالَ: جَنَّتَانِ مِنْ فِضَّةٍ آنيتُهُما وما فيهما ،
وجَّتَانِ مِنْ ذهبٍ آنيتُهُما وما فيهما ، وما بينَ القوم وبينَ أنْ ينظروا إلى ربِّهم
إلاَّ رداءُ الكبرياءِ على وجهِهِ في جنَّةِ عدنٍ)» (١).
ثمَّ انظرْ إلى أبوابِ الجنَّةِ ؛ فإنَّها كثيرةٌ بحسبِ أصولِ الطاعاتِ ، كما أنَّ
أبوابَ النَّارِ بحسبٍ أصولِ المعاصي .
قالَ أبو هريرةَ : قالَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ : «مَنْ أنفقَ زوجينٍ
مِنْ مالِهِ في سبيلِ اللهِ .. دُعيَ منْ أبوابِ الجنةِ ، وللجنةِ أبوابٌ ، فمنْ كانَ
منْ أهلِ الصلاةِ .. دُعيَ مِنْ بابِ الصلاةِ، ومَنْ كانَ مِنْ أهلِ الصيامِ .. دُعِيَ
مِنْ بابِ الرَّانِ ، ومَنْ كانَ مِنْ أهلِ الصدقةِ .. دُعيَ مِنْ بابِ الصدقةِ، ومَنْ
كانَ مِنْ أهلِ الجهادِ .. دُعيَ مِنْ بابِ الجهادِ )) فقالَ أبو بكرٍ رضيَ اللهُ عنهُ :
واللهِ ؛ ما على أحدٍ مِنْ ضرورةٍ مِنْ أيُّها دُعيَ ، فهلْ يُدعى أحدٌ منها كلِّها ؟
قال: ((نعمْ، وأرجو أنْ تكونَ منهم))(٢).
وعنْ عاصمٍ بنِ ضمرةَ عنْ عليٍّ رضيَ اللهُ عنهُ : ( أنَّهُ ذكرَ النَّارَ فعظمَ
أمرَها ذكراً لا أحفظُهُ .
ثُمَّ قَالَ: ﴿وَسِيقَ الَّذِينَ أَتَّقَوْاْ رَبَّهُمْ إِلَىَ الْجَنَّةِ زُمَرًا﴾ حتى إذا انتهوا إلى
(١) رواه البخاري ( ٤٨٧٨)، ومسلم (١٨٠).
(٢) رواه البخاري ( ١٨٩٧)، ومسلم ( ١٠٢٧ ).
٦٠٤

ربع المنجيات
کتاب ذکر الموت
بابٍ مِنْ أبوابِها .. وجدوا عندَهُ شجرةٌ يخرجُ مِنْ تحتِ ساقِها عينانِ تجريانِ ،
فعمدوا إلى إحداهما كأنَّما أُمروا بهِ فشربوا منها ، فأذهبَتْ ما في بطونِهِمْ مِنْ
أذىّ أوْ بأسِ ، ثمَّ عمدوا إلى الأخرى فتطهَّروا منها ، فجرتْ عليهِم نضرةٌ
النَّعيمِ ، فلمْ تتغيرْ أشعارُهُمْ بعدَها أبداً ، ولا تشعثُ رؤوسُهم كأنَّما دهنوا
بالدهانِ ، ثمَّ انتهوا إلى الجنَّةِ فقالَ لهمْ خزنتُها : سلامٌ عليكُمْ طبتُمْ فادخلوها
خالدينَ ، ثمَّ تلقاهُمُ الولدانُ يطيقونَ بِهِمْ كما تطيفُ ولدانُ أهلِ الدنيا بالحميمِ
يقدمُ عليهِمْ مِنْ غيبةٍ ، يقولونَ لهُ: أبشرْ ؛ أعدَّ اللهُ لكَ مِنَ الكرامةِ كذا .
قالَ : ثمَّ ينطلقُ غلامٌ مِنْ أولئِكَ الولدانِ إلى بعضٍ أزواجِهِ مِنَ الحورِ
العينِ فيقولُ : قدْ جاءَ فلانٌ - باسمهِ الذي كانَ يُدعى بهِ في الدنيا - فتقولُ :
أنتَ رأيتَهُ؟ فيقولُ : أنا رأيتُهُ وهوَ بأثري ، فيستخفُّ إحداهنَّ الفرحُ حتى
تقومَ إلى أسكفةِ بابِها ، فإذا انتهى إلى منزِلِهِ .. نظرَ إلى أساسٍ بنيانِهِ ؛ فإذا
جندلُ اللؤلؤِ فوقَهُ صرحٌ أحمرُ وأخضرُ وأصفرُ ؛ مِنْ كلِّ لونٍ ، ثمَّ يرفعُ رأسَهُ
فينظرُ إلى سقفِهِ ؛ فإذا مثلُ البرقِ ، ولولا أنَّ اللهَ تعالى قدره .. لألمَّ أنْ
يذهبَ بصرُهُ، ثمَّ يطأطىءُ رْسَهُ؛ فإذا أزواجُهُ، وأكوابٌ موضوعةٌ ونمارقُ
مصفوفةٌ وزرابيُّ مبثوثةٌ، ثمَّ اتكاً فقالَ : الحمدُ للهِ الذي هدانا لهذا ،
وما كنَّا لنهتديَ لولا أن هدانا اللهُ، ثمَّ ينادي منادٍ : تحيونَ فلا تموتونَ أبداً ،
وتقيمونَ فلا تظعنونَ أبداً، وتصخُونَ فلا تمرضونَ أبداً)(١) .
(١) رواه ابن المبارك في ((الزهد)) (١٤٥٠)، وابن أبي الدنيا في ((صفة الجنة)) (٧)،
والبيهقي في ((البعث والنشور)) ( ٢٣٦).
٦٠٥

كتاب ذكر الموت
ربع المنجيات
وقالَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ : (( آتي يومَ القيامةِ بابَ الجنَّةِ ،
فأستفتحُ فيقولُ الخازنُ : مَنْ أنتَ ؟ فأقولُ : محمَّدٌ، فيقولُ : بكَ أُمرتُ
ألاَّ أفتحَ لأحدٍ قبلَكَ ))(١) .
ثمَّ تأمَّلِ الآنَ في غرفِ الجنَّةِ ، واختلافِ درجاتِ العلوِّ فيها ؛ فإنَّ
الآخرةَ أكبرُ درجاتٍ وأكبرُ تفضيلاً، وكما أنَّ بينَ الناسِ في الطَّاعاتِ الظاهرةِ
والأخلاقِ الباطنةِ المحمودةِ تفاوتاً ظاهراً .. فكذلكَ فيما يُجازَوْنَ بهِ تفاوتٌ
ظاهرٌ، فإنْ كنتَ تطلبُ أعلى الدرجاتِ .. فاجتهدْ ألاَّ يسبقَكَ أحدٌ بطاعةِ اللهِ
تعالى؛ فقدْ أمرَكَ اللهُ بالمسابقةِ والمنافسةِ فيها فقال تعالى: ﴿سَابِقُواْ إِلَ
مَغْفِرَةٍ مِّن رَّيِّكُمْ﴾، وقال تعالى: ﴿وَفِ ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ اَلْمُنَنَافِسُونَ﴾.
والعجبُ أنَّهُ لوْ تقدَّمَ عليكَ أقرانُكَ أوْ جيرانُكَ بزيادةِ درهمٍ أوْ بعلوٌ
بناءِ .. ثقلَ عليكَ ذلكَ، وضاقَ بهِ ذرعُكَ، وتنغَّصَ بسببِ الحسدِ عيشُكَ !
وأحسنُ أحوالِكَ أنْ تستقرَّ في الجنَّةِ وأنتَ لا تسلمُ فيها مِنْ أقوامٍ يسبقونَكَ
بلطائفَ لا توازيها الدنيا بحذافيرها ؛ فقدْ قالَ أبو سعيد الخدريُّ : قالَ
رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ : ((إنَّ أهلَ الجنَّةِ ليتراءَوْنَ أهلَ الغرفِ فوقَهُمْ
كما تتراءَوْنَ الكوكبَ الغابرَ في الأفقِ مِنَ المشرقِ والمغربِ ؛ لتفاضلِ
(١) رواه مسلم (١٩٧)، وقال الحافظ الزبيدي في « إتحافه)) (٥٢٦/١٠) عند قول
الخازن : من أنت؟ : ( أجاب بالاستفهام ، وأكده بالخطاب تلذذاً بمناجاته ، وإلاَ ..
فأبواب الجنة شفافة ، وهو العلَمُ الذي لا يشتبه ، والمتميز الذي لا يلتبس ، وقد رآه
الخازن قبل ذلك وعرفه أتم معرفة ، ومن ثم اكتفى بقوله: ((فأقول : محمد )) ) .
٦٠٦

ربع المنجيات
کتاب ذکر الموت
ما بينَهُمْ )) قالوا : يا رسولَ اللهِ ؛ تلكَ منازلُ الأنبياءِ لا يبلغُها غيرُهمْ؟
قالَ: (( بلى، والذي نفسي بيدِهِ، رجالٌ آمنوا باللهِ وصدَّقوا
المرسلينَ))(١) .
وقالَ أيضاً عليهِ الصلاةُ والسَّلامُ: ((إنَّ أهلَ الدرجاتِ العلا ليراهُمْ مَنْ
تحتَهُمْ كما ترونَ النَّجمَ الطالعَ في أفقٍ مِنْ آفاقِ السماءِ ، وإنَّ أبا بكرٍ وعمرَ
منهُمْ وأنْعَما))(٢).
وقالَ جابرٌ: قالَ لنا رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: ((ألا أحدثُكُمْ
بغرفِ أهلِ الجنَّةِ ؟ )) قالَ: قلتُ : بلى يا رسولَ اللهِ بأبينا أنتَ وأمِّنا ،
قالَ : ((إنَّ في الجنَّةِ غرفاً مِنْ أصنافِ الجوهرِ كلِّهِ، يُرى ظاهرُها مِنْ باطنِها
وباطنُها مِنْ ظاهرِها ، وفيها مِنَ النَّعِيمِ واللذَّاتِ والسرورِ ما لا عينٌ رَأَتْ
ولا أذنٌ سمعَتْ ولا خطرَ على قلبٍ بشرٍ )) قالَ : قلتُ : يا رسولَ اللهِ ؛
ولِمَنْ هذهِ الغرفُ؟ قالَ: ((لمَنْ أفشى السَّلامَ، وأطعمَ الطعامَ، وأدامَ
الصيامَ، وصلَّى بالليلِ والناسُ نيامٌ )) قالَ : قلنا : يا رسولَ اللهِ ؛ ومَنْ يطيقُ
ذلكَ؟ قالَ : ((أمَّتي تطيقُ ذلكَ، وسأخبرُكُمْ عَنْ ذلكَ؛ مَنْ لقيَ أخاهُ فسلَّمَ
عليهِ أوْ ردَّ عليهِ .. فقدْ أفشى السَّلامَ، ومَنْ أطعمَ أهلَهُ وعيالَهُ مِنَ الطعام
حتى يشبعَهُمْ .. فقدْ أطعمَ الطعامَ، ومَنْ صامَ شهرَ رمضانَ ومِنْ كلِّ شهرٍ
(١) رواه البخاري (٣٢٥٦)، ومسلم (٢٨٣١).
(٢) رواه الترمذي ( ٣٦٥٨)، وابن ماجه (٩٦)، وأنعما : زادا في الرتبة وتجاوزا تلك
المنزلة .
٦٠٧

کتاب ذکر الموت
ربع المنجيات
ثلاثةَ أيام .. فقدْ أدامَ الصيامَ، ومَنْ صلَّى العشاءَ الآخرةَ وصلَّى الغداةَ في
جماعةٍ .. فقدْ صلَّى بالليلِ والنَّاسُ نيامُ)) يعني: اليهود والنصارى
والمجوسَ(١) .
وسُئلَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ عنْ قولهِ تعالى: ﴿ وَمَسَكِنَ طَيِّبَةٌ
فِي جَّتِ عَدْنٍ﴾ قالَ: ((قصورٌ مِنْ لؤلؤٍ، في كلِّ قصرٍ سبعونَ داراً مِنْ
ياقوتةٍ حمراءَ ، في كلِّ دارٍ سبعونَ بيتاً مِنْ زمردٍ أخضرَ ، في كلِّ بيتٍ سريرٌ ،
على كلِّ سريرٍ سبعونَ فراشاً مِنْ كلِّ لونٍ ، على كلِّ فراشٍ زوجةٌ مِنَ الحورِ
العينِ ، في كلِّ بيتٍ سبعونَ مائدةً ، على كلِّ مائدةٍ سبعونَ لوناً مِنَ الطعامِ ،
في كلِّ بيتٍ سبعونَ وصيفةً ، ويُعطى المؤمنُ في كلِّ غداةٍ - يعني مِنَ القوةِ -
ما يأتي على ذلكَ أجمعَ))(٢).
(١) رواه أبو نعيم في ((الحلية)) (٣٥٦/٢)، والبيهقي في ((البعث والنشور)) (٢٤٣).
(٢) رواه البيهقي في ((البعث والنشور)) (٢٤٥)، وابن أبي الدنيا في (( صفة الجنة))
(١٧٧)، والبزار في ((مسنده)) (٣٥٦٣) إلا أن فيهما: ( في كل دار سبعون بيتاً من
زمردة خضراء ، في كل بيت سبعون سريراً ... ) والباقي سواء .
٦٠٨

ربع المنجيات
كتاب ذكر الموت
صفة حائط الجنّة وأرضها وأشجارها وأنهارهما
١٥
تأمَّلْ في صورةِ الجنَّةِ ، وتفكَّرْ في غبطةِ سكانِها ، وفي حسرةِ مَنْ
حُرمَها ؛ لقناعتِهِ بالدنيا عوضاً عنها(١) .
فقدْ قالَ أبو هريرةَ: قالَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: ((إِنَّ حائطَ
الجنَّةِ لبنةٌ مِنْ فضةٍ ولبنةٌ مِنْ ذهبٍ ، ترابُها زعفرانٌ، وطينُها مسكٌ))(٢).
وسُئلَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ عَنْ تربةِ الجنَّةِ فقالَ: (( دَرْمَكَةٌ بيضاءُ مسكٌ
خالصٌ))(٣).
وقالَ أبو هريرةَ : قالَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ : (( مَنْ سرّهُ أنْ
يسقيَهُ اللهُ عزَّ وجلَّ الخمرَ في الآخرةِ .. فليتركْها في الدنيا ، ومَنْ سرَّهُ أنْ
يكسوَهُ اللهُ الحريرَ في الآخرةِ .. فليتركْهُ في الدنيا ، أنهارُ الجنَّةِ تتفجّرُ مِنْ
تحتِ تلالٍ - أو تحتِ جبالٍ - المسكِ، ولوْ كانَ أدنى أهلِ الجنَّةِ حليةٌ عُدَلَتْ
بحليةِ أهلِ الدنيا جميعِها .. لكانَ ما يحليهِ اللهُ عزَّ وجلَّ بهِ في الآخرةِ أفضلَ
مِنْ حليةِ أهلِ الدنيا جميعِها)» (٤).
(١) في غير (ج، ص): ( ثمناً عنها ) بدل (عوضاً عنها) .
(٢) رواه البيهقي في ((البعث والنشور)) (٢٤٧)، وعند الترمذي (٢٥٢٥) نحوه .
(٣) رواه مسلم (٢٩٢٨) ، والدرمكة : الدقيق الخالص البياض مع لين ونعومة.
(٤) رواه البيهقي في ((البعث والنشور)) (٢٥٥)، وعند الطبراني في ((المعجم الأوسط))
( ٨٨٧٣ - ٨٨٧٤) نحوه .
٦٠٩

كتاب ذكر الموت
ربع المنجيات
وقالَ أبو هريرةَ : قالَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: ((إنَّ في الجنَّةِ
شجرةٌ يسيرُ الراكبُ في ظلُّها مئةَ عام لا يقطعُها ، اقرؤوا إنْ شئتُمْ : ﴿ وَظِلٍ
تَمْدُورٍ﴾))(١) .
وقالَ أبو أُمامةَ : كانَ أصحابُ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ يقولونَ :
إنَّ اللهَ عزَّ وجلَّ ينفعُنا بالأعرابِ ومسائِلِهِم ؛ أقبلَ أعرابيٍّ فقالَ :
يا رسولَ اللهِ ؛ قدْ ذكرَ اللهُ تعالى في القرآنِ شجرةٌ مؤذيةً ، وما كنتُ
أرى أنَّ في الجنَّةِ شجرةٌ تؤذي صاحبَها ، فقالَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ
وسلَّمَ: ((ماهيَ؟)) قالَ: السدرُ؛ فإنَّ لها شوكاً، فقالَ: ((قالَ اللهُ
تعالى: ﴿فِى سِدْرٍ تَخْضُوبٍ﴾ يخضدُ اللهُ شوكَهُ فيجعلُ مكانَ كلِّ شوكةٍ ثمرةٌ ،
ثمَّ تنفتقُ الثمرةُ منها عنِ اثنين وسبعينَ لوناً مِنَ الطعام ما منها لونٌ يشبهُ
الآخرَ)) (٢).
وقالَ جريرُ بنُ عبدِ اللهِ : ( نزلنا الصفاحَ ؛ فإذا رجلٌ نائمٌ تحتَّ شجرةٍ
قدْ كادَتِ الشمسُ أنْ تبلغَهُ ، فقلتُ للغلام : انطلقْ بهذا النطع فأظِلَّهُ ،
فانطلقَ فأظلَّهُ ، فلمَّا استيقظَ ؛ فإذا هوَ سلمانُ ، فأتيتُهُ أسلُمُ عليهِ ، فقالَ :
يا جريرُ ؛ تواضعْ للهِ ؛ فإنَّ مَنْ تواضعَ للهِ في الدنيا .. رفعَهُ اللهُ يومَ القيامةِ ،
هلْ تدري ما الظلماتُ يومَ القيامةِ ؟ قلتُ : لا أدري ، قالَ : ظلمُ الناسِ
(١) رواه البخاري (٤٨٨١)، ومسلم (٢٨٢٦) .
(٢) رواه الحاكم في ((المستدرك)) (٤٧٦/٢)، وابن أبي الدنيا في (( صفة الجنة))
( ١٠٥ ) .
٦١٠

ربع المنجيات
کتاب ذکر الموت
بينَهُم ، ثمَّ أخذَ عويداً لا أكادُ أراهُ مِنْ صغرِهِ فقالَ : يا جريرُ ؛ لوْ طلبتَ في
الجنَّةِ مثلَ هذا .. لمْ تجدْهُ ، قلتُ : يا أبا عبدِ اللهِ ؛ فأينَ النخلُ والشجرُ؟
قالَ : أصولُها اللؤلؤُ والذهبُ، وأعلاها الثمرُ)(١).
(١) رواه أبو نعيم في ((الحلية)) (٢٠٢/١)، والبيهقي في ((البعث والنشور)) (٢٧٦).
٦١١

كتاب ذكر الموت
ربع المنجيات
صفة لباس أهل الجنّ وفر شم ومررحم وأراكهم وفي مهم
قالَ اللهُ تعالى: ﴿يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِن ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤَّا وَلِبَاسُهُمْ
فِيهَا حَرِيرٌ﴾، والآياتُ في تفصيلِ ذلكَ كثيرةٌ .
وأمَّا تفصيلُهُ في الأخبارِ .. فقدْ روى أبو هريرةَ : أنَّ النبيَّ صلَّى اللهُ عليهِ
وسلَّمَ قالَ : (( مَنْ يدخلُ الجنَّةَ ينعمُ لا يبأسُ ؛ لا تبلى ثيابُهُ ، ولا يفنى
شبابُهُ، في الجنَّةِ ما لا عينٌ رأتْ ، ولا أذنٌ سمعَتْ ، ولا خطر على قلبٍ
بشرٍ))(١) .
وقالَ رجلٌ : يا رسولَ اللهِ ؛ أخبرنا عنْ ثيابِ أهلِ الجنَّةِ ، أخلقٌ
تخلقُ ، أم نسجٌ تنسجُ ؟ فسكتَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ وضحكَ
بعضُ القوم، فقالَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ : (( ممَّ تضحكونَ ؟ مِنْ
جاهلٍ سألَ عالماً؟! )) ثمَّ قالَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: ((بلْ تشقَّقُ
عنها ثمرُ الجنَّةِ مرتينٍ ))(٢) .
وقالَ أبو هريرةَ : قالَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: ((إنَّ أوَّلَ زمرةٍ
تلجُ الجنَّةَ صورتُهُمْ على صورةِ القمرِ ليلةَ البدرِ ، لا يبصقونَ فيها
(١) رواه أحمد في ((المسند)) (٤١٦/٢)، وعند مسلم (٢٨٣٦) نحوه .
(٢) رواه النسائي في (( الكبرى)) (٥٨٤١).
٦١٢

ربع المنجيات
كتاب ذكر الموت
ولا يمتخطونَ ولا يتغوَّطونَ، آنيتُهُمْ وأمشاطُهُمْ مِنَ الذهبِ والفضةِ ،
ورشحُهُمُ المسكُ ، ولكلِّ واحدٍ منهمْ زوجتانِ يُرىُ مخُ ساقِهما منْ وراءِ
اللحمِ مِنَ الحسنِ ، لا اختلافَ بينَهُمْ ولا تباغضَ ، قلوبُهُمْ على قلبٍ واحدٍ
يُسبِّحونَ اللهَ بكرةً وعشيةً))(١)، وفي روايةٍ: ((علىُ كلِّ زوجةٍ سبعونَ
حلةً))(٢)
.
وقالَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ في قولِهِ تعالى: ﴿يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِن ذَهَبٍ﴾
قالَ : ((إنَّ عليهِمُ التيجانَ، إنَّ أدنى لؤلؤةٍ فيها لتضيءُ ما بينَ المشرقِ
والمغربٍ))(٣).
وقالَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: (( الخيمةُ درَّةٌ مجوَّفةٌ طولُها في السماءِ
ستونَ ميلاً، في كلِّ زاويةٍ منها للمؤمنِ أهلٌ لا يراهُمُ الآخرونَ )) رواهُ
البخاريُّ في ((الصحيحِ))(٤) .
قالَ ابنُ عباسٍ رضيَ اللهُ عنهما : ( الخيمةُ درَّةٌ مجوَّفةٌ فرسخٌ في
فرسخٍ ، لها أربعةُ آلافِ مصراعٍ مِنْ ذهبٍ)(٥) .
(١) رواه البخاري (٣٢٤٥)، ومسلم (٢٨٣٤) .
(٢) رواها الترمذي (٢٥٣٤) .
(٣) رواه الترمذي (٢٥٦٢) .
صحيح البخاري ( ٣٢٤٣ ) .
(٤)
(٥) رواه ابن أبي الدنيا في ((صفة الجنة)) (٣١٤)، وابن أبي شيبة في (( المصنف))
(٣٥١٩٧ ) .
٦١٣

كتاب ذكر الموت
ربع المنجيات
وقالَ أبو سعيد الخدريُّ : قالَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ في قولِهِ
تعالى: ﴿وَفُرُشِ مَّرْفُوعَةٍ﴾ قالَ: (( ما بينَ الفراشينِ كما بينَ السماءِ
والأرضِ))(١).
(١) رواه الترمذي (٢٥٤٠) .
٦١٤

ربع المنجيات
كتاب ذكر الموت
صفة طعام أهل الجنّة
بيانُ طعام أهلِ الجنَّةِ مذكورٌ في القرآنِ ؛ مِنَ الفواكهِ والطيورِ السِّمانِ ،
والمنِّ والسلوى ، والعسلِ واللبنِ ، وأصنافٍ كثيرةٍ لا تُحصى، قالَ اللهُ
تعالى: ﴿كُلَّمَا رُ زِقُواْ مِنْهَا مِن ثَمَرَقِ رِزْقًاْ قَالُواْ هَذَا الَّذِىِ رُزِقْنَا مِن قَبْلٌ وَأَنُواْ بِهِ،
مُتَشَبِهَا﴾.
وذكرَ اللهُ تعالى شرابَ أهلِ الجنَّةِ في مواضعَ كثيرةٍ ، وقدْ قالَ ثوبان مولی
رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ : ( كنتُ قائماً عندَ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ
وسلَّمَ ، فجاءَهُ حبرٌ مِنْ أحبارِ اليهودِ ، فذكرَ أسئلةً إلى أنْ قالَ : فَمَنْ أَوَّلُ
الناسِ إجازةً؟ - يعني على الصراطِ - فقالَ: ((فقراءُ المهاجرينَ))، قالَ
اليهوديُّ : فما تحفتُهُمْ حينَ يدخلونَ الجنَّةَ؟ قالَ : ((زيادةُ كبدِ النونِ)»،
قالَ : فما غداؤُهُمْ على أثرِها؟ قالَ: « يُنحرُ لهمْ ثورُ الجنَّةِ الذي كانَ يأكلُ
مِنْ أطرافِها))، قالَ: فما شرابُهُمْ عليهِ؟ قالَ: (( مِنْ عينِ فيها تُسمَّى
سلسبيلاً))، فقالَ: صدَقتَ)(١) .
وقالَ زيدُ بنُ أرقمَ : جاءَ رجلٌ مِنَ اليهودِ إلى رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ
وسلَّمَ وقالَ : يا أبا القاسمِ ؛ ألستَ تزعمُ أنَّ أهلَ الجنَّةِ يأكلونَ فيها
ويشربونَ؟ وقالَ لأصحابِهِ : إنْ أقرَّ لي بهذهِ .. خصمتُهُ ، فقالَ رسولُ اللهِ
(١) رواه مسلم (٣١٥) .
٦١٥
١١٠٠ ٠٠٠٠

کتاب ذكر الموت
ربع المنجيات
صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: (( بلى ، والذي نفسي بيدهِ ؛ إنَّ أحدَهُمْ ليُعْطِى قوةً
مئةِ رجلٍ في المطعمِ والمشربِ والجماع))، فقالَ اليهوديُّ: فإنَّ الذي يأكلُ
ويشربُ يكونُ لهُ الحاجةُ ؟ فقالَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: (( حاجتُهُمْ
عرقٌ يفيضُ مِنْ جلودِهِمْ مثلُ المسكِ، فإذا البطنُ قدْ طهرَ))(١).
وقالَ ابنُ مسعودٍ : قالَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: ((إنَّكَ لتنظرُ
إلى الطيرِ في الجنَّةِ فتشتهيهِ .. فيخُ بينَ يديكَ مشويّاً))(٢).
وقالَ حذيفةُ: قالَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ : ((إنَّ في الجنَّةِ طيراً
أمثالَ البخاتيِّ)) قالَ أبو بكرٍ رضيَ اللهُ عنهُ: إنَّها لناعمةٌ يا رسولَ اللهِ ؟
قالَ: (( أنعمُ منها مَنْ يأكلُها، وأنتَ ممَّنْ يأكلُها يا أبا بكرٍ)) (٣).
وقالَ عبدُ اللهِ بنُ عمرٍو في قولهِ تعالى: ﴿ يُطَاقُ عَلَيْهِم بِصِحَافٍ مِّنْ ذَهَبٍ﴾
قالَ : ( يُطافُ عليهم بسبعينَ صحفةٌ مِنْ ذهبٍ ، كلُّ صحفةٍ فيها لونٌ ليسَ في
الأخرى مثلُهُ )(٤).
وقالَ عبدُ اللهِ بنُ مسعودٍ رضيَ اللهُ عنهُ: ﴿وَمِنَاجُهُ مِن تَسْنِيمٍ﴾
(١) رواه النسائي في ((الكبرى)) (١١٤١٤)، وفيه: ( فإذا بطنه قد ضمر) .
(٢) رواه ابن أبي الدنيا في ((صفة الجنة)) (١٠٠)، والبزار في ((مسنده)) (٢٠٣٢).
(٣) رواه البيهقي في ((البعث والنشور)) (٣٠٨)، وعند الإمام أحمد في ((المسند"
(٢٢١/٣) نحوه من حديث أنس رضي الله عنه .
(٤) رواه البيهقي في (( البعث والنشور)) (٣١٠)، ونحوه عند أبي نعيم في ((الحلية ))
(٣٨٠/٥)، وفيه وفي (ب): ( بسبعين ألف صحفة ) بدل ( بسبعين صحفة ).
٦١٦
٠٠١٠٠٠

ربع المنجيات
کتاب ذكر الموت
قالَ : ( يُمزجُ لأصحابِ اليمينِ ، ويشربُها المقربونَ صرفاً)(١).
وقالَ أبو الدرداءِ رضيَ اللهُ عنهُ في قولهِ تعالى: ﴿خِتَمُهُ مِسْكٌ﴾ قالَ:
( هوَ شرابٌ أبيضُ مثلُ الفضةِ، يختمونَ بهِ آخرَ شرابِهِمْ، لوْ أنَّ رجلاً مِنْ
أهلِ الدنيا أدخلَ يدَهُ فيهِ ثمَّ أخرجَها .. لمْ يبقَ ذو روحٍ إلاَّ وجدَ ربحَ
طيها)(٢).
(١) رواه ابن المبارك في ((الزهد)) (١٥٢٢)، وابن أبي شيبة في ((المصنف))
(٣٥٢٢٦)، وفي (ب): (يشرب بها) بدل ( يشربها ) .
(٢) رواه ابن أبي الدنيا في ((صفة الجنة)) (١٢٤)، وابن المبارك في ((الزهد)) ( ٢٧٦)،
والبيهقي في (( البعث والنشور)) ( ٣١٩).
٦١٧

کتاب ذکر الموت
ربع المنجيات
صفة الحور العين والولدان
قدْ تكرّرَ في القرآنِ أوصافُهُمْ ، ووردَتِ الأخبارُ بزيادةِ شرحٍ فیهِ .
روىُ أنسٌ رضيَ اللهُ عنهُ أنَّ رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ قالَ: (( غدوةٌ
في سبيلِ اللهِ أو روحةٌ خيرٌ منَ الدنيا وما فيها ، ولقابُ قوسِ أحدِكُمْ أوْ
موضعُ قدمِهِ مِنَ الجنَّةِ خيرٌ منَ الدنيا وما فيها، ولوْ أنَّ امرأةٌ مِنْ نساءِ أهلِ
الجنَّةِ الطَّلَعَتْ إلى الأرض .. لأضاءَتْ ولملأَتْ ما بينَهُما رائحةً، ولنصيفُها
على رأسِها خيرٌ مِنَ الدنيا وما فيها؛ يعني الخمارَ))(١).
وقالَ أبو سعيد الخدريُّ : قالَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ في قولِهِ
تعالى: ﴿كَنَّهُنَّ الْيَاقُونُ وَاَلْمَرْجَانُ﴾ قالَ: ((ينظرُ إلى وجهِها في خدرِها أصفى
منَ المرآةِ ، وإنَّ أدنى لؤلؤةٍ عليها لتضيءُ ما بينَ المشرقِ والمغربِ ، وإنَّهُ
يكونُ عليها سبعونَ ثوباً ينفذُها بصرُهُ حتى يُرى مخُ ساقِها مِنْ وراءِ
ذلكَ)) (٢)
٠
وقالَ أنسٌ : قالَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: ((لمَّا أُسرِيَ بي ..
دخلتُ الجنَّةَ موضعاً يُسمَّى البيدخَ ، عليهِ خيامُ اللؤلؤِ والزبرجدِ الأخضرِ
(١) رواه البخاري ( ٦٥٦٨).
(٢) رواه الحاكم في ((المستدرك)) (٤٧٥/٢)، والبيهقي في ((البعث والنشور))
(٣٢٨)، وعند أحمد في ((المسند)) (٧٥/٣) نحوه .
٦١٨

ربع المنجيات
کتاب ذکر الموت
والياقوتِ الأحمرِ ، فقلنَ : السَّلامُ عليكَ يا رسولَ اللهِ ، فقلتُ :
يا جبريلُ؛ ما هذا النداءُ ؟ قالَ : هؤلاءِ المقصوراتُ في الخيام ، استأذنَّ
ربَّهُنَّ في السَّلام عليكَ فأذنَ لهنَّ ، فطفقنَ يقلنَ : نحنُ الراضياتُ فلا نسخطُ
أبداً ، ونحنُ الخالداتُ فلا نظعنُ أبداً » وقرأَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ
قولَهُ تعالى: ﴿حُورٌ مَّقْصُورَاتٌ فِى الْخِيَامِ﴾(١).
وقال مجاهدٌ في قولهِ تعالى: ﴿وَأَزْوٌَ مُّطَقَّرَةٌ﴾ قَالَ: منَ الحيضِ
والغائطِ والبولِ ، والبصاقِ والنخامةِ ، والمنيِّ والولدِ (٢).
وقالَ الأوزاعيُّ: ﴿فِى شُغُلٍ فَكِهُونَ ﴾ قالَ: شغلُهُم: افتضاضُ
الأبكارِ(٣).
وقالَ رجلٌ : يا رسولَ اللهِ ؛ أيباضعُ أهلُ الجنَّةِ ؟ قالَ عليهِ الصلاةُ
والسلامُ: « يُعطى الرجلُ منْهم منَ القوةِ في اليومِ الواحدِ أفضلَ مِنْ سبعينَ
منْكُم )»(٤) .
وقالَ عبدُ اللهِ بنُ عمرَ : ( إنَّ أدنى أهلِ الجنَّةِ منزلةً مَنْ يسعى مَعَهُ ألفُ
(١) رواه البيهقي في (( البعث والنشور)) (٣٢٩).
(٢) رواه ابن المبارك في ((الزهد)) (٢٤٣)، والبيهقي في ((البعث والنشور)) (٣٥٠).
(٣) رواه ابن أبي الدنيا في ((صفة الجنة)) (٢٦٤)، والبيهقي في ((البعث والنشور))
(٣٥١ ) .
(٤) رواه أبو نعيم في ((معرفة الصحابة)) (٩٧٢/٢ - ٩٧٣)، والبيهقي في (( البعث
والنشور)) (٣٥٤) .
٦١٩

كتاب ذكر الموت
ربع المنجيات
خادم ، كلُّ خادمٍ على عملٍ ليس عليهِ صاحبُهُ)(١) .
وقالَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: ((إنَّ الرجلَ مِنْ أهلِ الجنَّةِ ليُزوَّجُ
خمسَ مئةٍ حوراءَ ، وأربعةَ آلافِ بَكْرٍ ، وثمانيةَ آلافٍ ثَيِّبٍ ، يعانقُ كلَّ
واحدةٍ منهنَّ مقدارَ عمرِهِ في الدنيا ))(٢) .
وقالَ النبيُّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ : ((إنَّ في الجنَّةِ سوقاً ما فيها بيعٌ
ولا شراءٌ إلَّ الصورُ منَ الرجالِ والنساءِ ، فإذا اشتهى الرجلُ صورةً .. دخلَ
فيها، وإنَّ فيها مجتمعاً للحورِ العينِ ، يرفعنَ بأصواتٍ لمْ تسمع الخلائقُ
مثلَها يقلنَ : نحنُ الخالداتُ فلا نبيدُ ، ونحنُ الناعماتُ فلا نبأسُ ، ونحنُ
الرَّاضياتُ فلا نسخطُ، فطوبى لمَنْ كانَ لنا وكثَّالهُ)) (٣).
وقالَ يحيى بنُ أبي كثيرٍ في قولِهِ تعالى: ﴿فِ رَوْضَةٍ يُحْبَرُونَ﴾ قالَ:
السماعُ في الجنَّةِ(٤).
وقالَ أنسٌ رضيَ اللهُ عنهُ: قالَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ : ((إِنَّ
الحورَ في الجنَّةِ يتغنّينَ يقلنَ: نحنُ الحورُ الحسانُ، خُبِّتنا لأزواجٍ كرامٍ »(٥)
(١) رواه البيهقي في ((البعث والنشور)) (٣٦٢).
(٢) رواه ابن أبي الدنيا في ((صفة الجنة)) (٢٦٦)، والبيهقي في (( البعث والنشور))
( ٣٦٤ ) .
(٣) رواه بتمامه ابن أبي الدنيا في ((صفة الجنة)) (٢٤٤)، والبيهقي في (( البعث والنشور))
(٣٦٧)، وهو عند الترمذي مجموع حديثين الأول (٢٥٥٠)، والثاني (٢٥٦٤).
(٤) رواه الترمذي (٢٥٦٥) .
(٥) رواه ابن أبي الدنيا في ((صفة الجنة)) (٢٤٩)، والبيهقي في (( البعث والنشور)) =
٦٢٠