Indexed OCR Text
Pages 501-520
ربع المنجيات کتاب ذکر الموت فشاهدوهم وأخبروا ، ولذلكَ رأى رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ ضغطةَ القبرِ في حقِّ سعدِ بنِ معاذٍ(١)، وفي حقِّ زينبَ ابنتِهِ (٢) ، وكذلكَ حالُ أبي جابرٍ لمَّا استُشهدَ ؛ إذْ أخبرَهُ أَنَّ اللهَ تعالى أقعدَهُ بينَ يديهِ ليسَ بينَهما سترٌ(٣). ومثلُ هذهِ المشاهدةِ لا مطمعَ فيها لغيرِ الأنبياءِ والأولياءِ الذين تقربُ درجتُهُمْ منهم . وإنَّما الممكنُ مِنْ أمثالِنا مشاهدةٌ أخرى ضعيفةٌ ، إلاَّ أنَّها أيضاً مشاهدةٌ نبويَّةٌ، وأعني بها المشاهدةَ في المنامِ ، وهيَ مِنْ أنوارِ النبوةِ ، قالَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: ((الرؤيا الصالحةُ جزءٌ مِنْ ستةٍ وأربعينَ جزءاً مِنَ النبوَّةِ))(٤). وهوَ أيضاً انكشافٌ لا يحصلُ إلَّ بانقشاع الغشاوةِ عن القلبِ ، فلذلكَ لا يُوثقُ إلَّ برؤيا الرجلِ الصَّالح الصَّادقِ، ومَنْ كثرَ كذبُهُ .. لمْ تصدقْ رؤياهُ، ومَنْ كثرَ فسادُهُ ومعاصيهِ .. أظلم قلبُهُ، فكانَ ما يراه أضغاثَ أحلام ، ولذلكَ أمرَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ بالطهارةِ عندَ النومِ(٥) ؛ (١) كما رواه ابن حبان (٣١١٢)، وأحمد في ((المسند)) (٥٥/٦). (٢) كما رواه الطبراني في ((المعجم الكبير)) (٢٥٧/١). (٣) كما رواه الترمذي (٣٠١٠) وابن ماجه (١٩٠). (٤) رواه البخاري (٦٩٨٩)، ومسلم (٢٢٦٤). (٥) كما رواه البخاري (٢٤٧)، ومسلم ( ٢٧١٠) من حديث البراء بن عازب رضي الله عنهما بلفظ : (( إذا أتيت مضجعك .. فتوضأ وضوءك للصلاة ... ). ٥ کتاب ذکر الموت ربع المنجيات حة لينامَ طاهراً ، وهوَ إشارةٌ إلى طهارةِ الباطنِ أيضاً؛ فهوَ الأصلُ، وطهارةُ الظاهرِ بمنزلةِ التتمَّةِ والتكملةِ لها . ومهما صفا الباطنُ .. انكشفَ في حدقةِ القلبِ ما سيكونُ في المستقبلِ كما انكشفَ دخولُ مكةَ لرسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ في النّومِ ، حتى نزلَ قولُهُ تعالى: ﴿لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الزُّؤْيَا بِالْحَقِّ﴾(١). وقلما يخلو الإنسانُ عنْ مناماتٍ دلَّتْ على أمورٍ فوجدَها صحيحةً . والرؤيا ومعرفةُ الغيبِ في النومِ مِنْ عجائبٍ صنعِ اللهِ تعالى ، وبدائع فطرةِ الآدميِّ، وهوَ مِنْ أوضحِ الأدلةِ على عالمِ الملكوتِ ، والخلقُ غافلونَ عنهُ كغفلتِهِمْ عنْ سائرِ عجائبِ القلبِ وعجائبِ العالمِ . والقولُ في حقيقةِ الرؤيا مِنْ دقائقِ علومِ المكاشفةِ ، فلا يمكنُ ذكرُهُ علاوةً على علمِ المعاملةِ ، ولكنَّ القدرَ الذي يمكنُ ذكرُهُ ههنا مثالٌ يفهمُكَ المقصودَ ، وهوَ أنْ تعلمَ أنَّ القلبَ مثالُهُ مثالُ مرآةٍ تتراءى فيها الصُّورُ وحقائقٌ الأمور ، وأنَّ كلَّ ما قدَّرَهُ اللهُ تعالىُ مِنِ ابتداءِ خلقِ العالمِ إلى آخرِهِ مسطورٌ ومثبَتٌ في خلقٍ خلقَهُ اللهُ تعالى، يُعبَّرُ عنهُ تارةً باللَّوحِ ، وتارةً بالكتابِ المبينِ ، وتارةً بإمام مبينٍ ؛ كما وردَ في القرآنِ ، فجميعُ ما جرى في العالمِ وما سيجري مكتوبٌ فيه ، ومنقوشٌ عليهِ نقشاً لا يُشاهَدُ بهذهِ العينِ . ولا تظنَّنَّ أنَّ ذلكَ اللوحَ مِنْ خشبٍ أوْ حديدٍ أَوْ عظمٍ ، وأنَّ الكتابَ مِنْ (١) رواه البيهقي في (( دلائل النبوة)) (١٦٤/٤) من رواية مجاهد مرسلاً. ٥٠٢ ربع المنجيات كتاب ذكر الموت كاغَدٍ أوْ رقٌّ ، بلْ ينبغي أنْ تفهمَ قطعاً أنَّ لوحَ اللهِ لا يشبهُ لوحَ الخلقِ ، وكتابَ اللهِ لا يشبهُ كتابَ الخلقِ ، كما أنَّ ذاتَهُ وصفاتِهِ لا تشبهُ ذاتَ الخلقِ وصفاتِهِمْ، بلْ إنْ كنتَ تطلبُ لهُ مثالاً يقربُهُ إلى فهمِكَ .. فاعلمْ : أنَّ ثبوتَ المقاديرِ في اللوحِ يضاهي ثبوتَ كلماتِ القرآنِ وحروفِهِ في دماغِ حافظٍ القرآنِ وقلبهِ ؛ فإنَّهُ مسطورٌ فيهِ ، حتى كأنَّهُ حيثُ يقرؤُهُ ينظرُ إليهِ ، ولوْ فَتَّشْتَ دماغَهُ جزءاً جزءاً .. لمْ تشاهدْ مِنْ ذلكَ الخطِّ حرفاً وإنْ كانَ ليسَ هناكَ خطُّ يُشاهدُ ، ولا حرفٌ يُنظَرُّ . فمِنْ هذا النَّمطِ ينبغي أنْ تفهمَ كونَ اللوحِ منقوشاً بجميع ما قدَّرَهُ اللهُ تعالى وقضاهُ ، واللوحُ في المثالِ كمرآةٍ ظهرَ فيها الصورُ ، فلو وُضعَ في مقابلةِ المرآةِ مرآةٌ أخرى .. لكانَتْ صورةُ تلكَ المرآةِ تتراءى في هذهِ إلاَّ أنْ يكونَ بينَهما حجابٌ ، فالقلبُ مرآةٌ تقبلُ رسومَ العلومِ ، واللوحُ مرآةٌ رسومُ العلوم كلُّها موجودةٌ فيها ، واشتغالُ القلبِ بشهواتِهِ ومقتضى حواسِّهِ حجابٌ مرسلٌ بينَهُ وبينَ مطالعةِ اللوحِ الذي هوَ مِنْ عالمِ الملكوتِ ، فإنْ هَبَّتْ ريحٌ حرَّكَتْ هذا الحجابَ ورفعَتْهُ .. تلألأَ في مرآةِ القلبِ شيءٌ مِنْ عالمٍ الملكوتِ كالبرقِ الخاطفِ ، وقدْ يثبتُ ويدومُ ، وقدْ لا يدومُ وهوَ الغالبُ . وما دامَ متيقظاً .. فهوَ مشغولٌ بما توردُهُ الحواسُ عليهِ مِنْ عالمِ الملكِ والشهادةِ ، وهوَ حجابٌ عنْ عالمٍ الملكوتِ . ومعنى النَّومِ : أنَّ تركدَ الحواسُّ فلا تُوردَ على القلبِ ، فإذا تخلَّصَ منهُ ومِنَ الخيالِ وكانَ صافياً في جوهرِهِ .. ارتفعَ الحجابُ بينَهُ وبينَ اللوحِ ٥٠٣ كتاب ذكر الموت ربع المنجيات المحفوظِ ، فوقعَ في قلبهِ شيءٌ ممَّا في اللوحِ كما تقعُ الصورةُ مِنْ مرآةٍ في مرآةٍ إذا ارتفعَ الحجابُ بينَهما ، إلاَّ أنَّ النومَ مانعٌ سائرَ الحواسِّ عنِ العملِ ، وليسَ مانعاً للخيالِ عنْ عملِهِ وعنْ تحركِهِ ، فما يقعُ في القلبِ يبتدرُهُ الخيالُ فيحاكيهِ بمثالٍ يقاربُهُ ، وتكونُ المتخيلاتُ أثبتَ في الحفظِ مِنْ غيرِهَا ، فيبقى الخيالُ في الحفظِ ، فإذا انتبهَ .. لمْ يتذكرْ إلَّ الخيالَ ، فيحتاجُ المعبِّرُ أنْ ينظرَ أنَّ هذا الخيالَ حكايةُ أيِّ معنىٌ مِنَ المعاني ، فيرجعَ إلى المعاني بالمناسبةِ التي بينَ المتخيلِ والمعاني . وأمثلةُ ذلكَ ظاهرةٌ عندَ مَنْ نظرَ في علمِ التعبيرِ ، ويكفيكَ مثالٌ واحدٌ ؛ وهوَ أنَّ رجلاً قالَ لابنِ سيرينَ : رأيتُ كأنَّ بيدي خاتماً أختمُ بهِ أفواهَ الرجالِ وفروجَ النساءِ ، فقالَ: أنتَ مؤذنٌ تؤذنُ قبلَ الصبحِ في رمضانَ ، قالَ : صدقتَ(١). فانظرْ أنَّ روحَ الختمِ هوَ المنعُ، ولأجلِهِ يُرادُ الختمُ ، وإنَّما ينكشفُ للقلبِ حالُ الشخصِ مِنَ اللوحِ المحفوظِ كما هوَ عليهِ ، وهوَ كونُهُ مانعاً للناسِ مِنَ الأكلِ والشربِ ، ولكنَّ الخيالَ ألفَ المنعَ عندَ الختمِ بالخاتمِ ، فتمثَّلَهُ بالصورةِ الخياليةِ التي تتضمَّنُ روحَ المعنىُ ، ولا يبقى في الحفظِ إلاَّ الصورةُ الخياليةُ . فهذهِ نبذةٌ يسيرةٌ مِنْ بحرِ علمٍ الرؤيا الذي لا تنحصرُ عجائبُهُ ، وكيفَ لا وهوَ أخوْ الموتِ ؟! (١) منتخب الكلام في تفسير الأحلام (١٤٨/٢). ٥٠٤ ربع المنجيات کتاب ذکر الموت وإنَّما الموتُ هوَ عجبٌ مِنَ العجائبِ ، وهذا لأنَّهُ يشبهُهُ مِنْ وجهٍ ضعيفٍ أثَّرَ في كشفِ الغطاءِ عنْ عالمٍ الغيبِ ، حتى صارَ النَّائمُ يعرفُ ما سيكونُ في المستقبلِ ، فماذا ترى في الموتِ الذي يخرقُ الحجابَ ، ويكشفُ الغطاءَ بالكليّةِ ، حتى يرى الإنسانُ عندَ انقطاع النفسِ مِنْ غيرِ تأخيرٍ نفسَهُ إمَّا محفوفاً بالأنكالِ والمخازي والفضائح نعوذُ باللهِ مِنْ ذلكَ ، وإمَّا مكنوفاً بنعيمٍ مقيمٍ وملكٍ كبيرٍ لا آخرَ لهُ؟! وعندَ هذا يُقالُ للأشقياءِ وقِدِ انكشفَ الغطاءُ: ﴿لَقَدْ كُنْتَ فِى غَفْلَةٍ مِنْ هَذَا فَكَشَفْنَا عَنَكَ غِطَاءَ فَصَرُكَ أَلْيَوْمَ حَدِيدٌ﴾، ويُقالُ: ﴿أَفَِحُ هَذَآَ أَمْ أَنْتُمْ لَا نُبْصِرُونَ ﴿﴿ أَصْلَوْهَا فَأَصْبِرُواْ أَوْ لَا تَصْبِرُواْ سَوَآءُ عَلَيْكُمْ إِنَّمَا تُجْزَوْنَ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾، وإليهمُ الإشارةُ بقولِهِ تعالى: ﴿وَبَدَالَّمْ مِّنَ اللَّهِ مَا لَمْ يَكُونُواْ يَحْتَسِبُونَ﴾ . فأعلمُ العلماءِ وأحكمُ الحكماءِ ينكشفُ لهُ عقيبَ الموتِ مِنَ العجائبِ والآياتِ ما لمْ يخطرْ قطَّ ببالِهِ ، ولا اختلجَ بهِ ضميرُهُ ، فلوْ لمْ يكنْ للعاقلِ همٍّ وغمِّ إِلَّ الفكرةُ في خطرِ تلكَ الحالِ أنَّ الحجابَ عمَّاذا يرتفعُ ، وما الذي ينكشفُ عنهُ الغطاءُ مِنْ شقاوةٍ لازمةٍ أمْ سعادةٍ دائمةٍ .. لكانَ ذلكَ كافياً في استغراقٍ جميعِ العمرِ . والعجبُ مِنْ غفلتِنا وهذهِ العظائمُ بينَ أيدينا ، وأعجبُ مِنْ ذلكَ فرحُنا بأموالِنا وأهلينا وبأسبابنا وذوينا ، بلْ بأعضائِنا وسمعِنا وبصرِنا معَ أنَّا نعلمُ مفارقةً جميع ذلكَ يقيناً . ٥٠٥ كتاب ذكر الموت ربع المنجيات ولكنْ أينَ مَنْ ينفثُ روحُ القدسِ في روعِهِ فيقولُ لهُ ما قالَ لسيِّدِ النبيينَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ : ((أحببْ مَنْ أحببتَ فإنَّكَ مفارقُهُ ، وعشْ ما شئتَ فإنَّكَ ميتٌ، واعملْ ما شئتَ فإنَّكَ مجزيٌّ بهِ))(١) ، فلا جرمَ لمَّا كانَ ذلكَ مكشوفاً لهُ بعينِ اليقينِ .. كانَ في الدنيا كعابرِ سبيلٍ ؛ لمْ يضعْ لبنةً على لبنةٍ، ولا قصبةً على قصبةٍ(٢)، ولمْ يخلِّفْ ديناراً ولا درهماً(٣) ، ولمْ يتخذْ حبيباً ولا خليلاً . نعمْ ، قَالَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: ((لوْ كنتُ متخذاً خليلاً .. لاتخذتُ أبا بكرٍ خليلاً، ولكنْ صاحبُكُم خليلُ الرحمنِ »(٤) فبيَّنَ أنَّ خلةَ الرحمنِ تخلَّلَتْ باطنَ قلبهِ ، وأنَّ حبَّهُ تمكَّنَ مِنْ حبةٍ قلبِهِ ، فلمْ يترْ فيهِ متسعاً لخليلٍ ولا حبيب . وقدْ قالَ عزَّ وجلَّ لأمَّتِهِ: ﴿قُلٌ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَتَِّعُونِ يُحْبِبْكُمُ اللّهُ﴾، فإنَّما أمتُهُ مَنِ اتبعَهُ، وما اتبعَهُ إلَّ مَنْ أعرضَ عنِ الدنيا وأقبلَ على الآخرةِ ؛ فإنَّه ما دعا إلاَّ إلى اللهِ تعالى واليوم الآخرِ ، وما صرفَ إلاَّ عنِ الدنيا والحظوظِ العاجلةِ ، فبقدرِ ما أعرضتَ عنِ الدنيا وأقبلتَ على الآخرةِ .. فقدْ سلكتَ سبيلَهُ الذي سلكَةُ ، وبقدر ما سلكتَ سبيلَهُ .. فقدِ اتبعتهُ ، وبقدر (١) رواه أبو نعيم في ((الحلية)) (٢٠٢/٣)، والبيهقي في ((الشعب)) ( ١٠٠٥٨). (٢) كما رواه الطبراني في ((الأوسط)) (٣٢٦٥). (٣) كما رواه البخاري (٤٤٦١)، ومسلم (١٦٣٥). (٤) رواه البخاري (٤٦٦)، ومسلم ( ٢٣٨٢). ٥٠٦ ربع المنجيات کتاب ذکر الموت ما اتبعتهُ .. فقدْ صرتَ مِنْ أمَّتِهِ ، وبقدرِ ما أقبلتَ على الدنيا .. عدلتَ عنْ سبيلِهِ ورغبتَ عنْ متابعتِهِ ، والتحقتَ بالذينَ قالَ اللهُ تعالى فيهمْ: ﴿فَأَمَّا مَنْ طَغَىّ ◌ِ﴾ وَءَثَرَ الْخَوَةَ الدُّنْيَاءَ فَإِنَّ الْجَحِيمَ هِىَ الْمَأْوَى﴾. فلوْ خرجتَ مِنْ مكمنِ الغرورِ وأنصفتَ نفسَكَ يا رجلٌ - وكلُّنا ذلكَ الرجلُ - لعلمتَ أنَّكَ مِنْ حينِ تصبحُ إلى حينِ تمسي لا تسعى إلاَّ في الحظوظِ العاجلةِ ، ولا تتحركُ ولا تسكنُ إلا لعاجلِ الدنيا ، ثمَّ تطمعُ في أنْ تكونَ غداً مِنْ أَمَّتِهِ وأتباعِهِ ؟! ما أبعدَ ظنَّكَ؛ وما أبردَ طمعَكَ! ﴿أَفَتَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَلْهُجْرِمِينَ : ﴿ مَا لَكُمْ كَيْفَ تَّحْكُمُونَ﴾. ولنرجعْ إلى ما كنَّ فيهِ وبصددِهِ ، فقدِ امتذَّ عنانُ الكلام إلى غيرِ مقصدِهِ ، ولنذكرِ الآنَ مِنَ المناماتِ الكاشفةِ لأحوالِ الموتى ما يعظمُ الانتفاعُ بهِ ، إذْ ذهبتِ النبوّةُ وبقيَتِ المبشِّراتُ، وليسَ ذلكَ إلَّ المناماتِ . ٥٠٧ کتاب ذکر الموت ربع المنجيات بيان صناعات تكشف عن أحوال الموتىّ والأعمال النافعة في الآخرة فِمِنْ ذلكَ : رؤيا رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ ، وقدْ قالَ عليهِ الصلاةُ والسَّلامُ: (( مَنْ رآني في المنامِ .. فقدْ رآني حقاً؛ فإنَّ الشيطانَ لا يتمثَّلُ بي )) (١) . وقالَ عمرُ بنُ الخطَّابِ رضيَ اللهُ عنهُ : ( رأيتُ رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ في المنام، فرأيتُهُ لا ينظرُ إليَّ ، فقلتُ : يا رسولَ اللهِ ؛ ما شأني ؟ فالتفتَ إليَّ وقالَ: (( ألستَ المقبِّلَ وأنتَ صائمٌ؟)) قالَ: فوالذي نفسي بيدِهِ؛ لا أقبَّلُ امرأةً وأنا صائمٌ أبداً)(٢). وقالَ العباسُ رضيَ اللهُ عنهُ: ( كنتُ وداً لعمرَ ، فاشتهيتُ أنْ أراهُ في المنام ، فما رأيتُهُ إلَّ عندَ رأسِ الحولِ ، فرأيتُهُ يمسحُ العرقَ عنْ جبينِهِ وهوَ يقولُ : هذا أوانُ فراغي ، إنْ كادَ عرشي ليُهدُّ لولا أنِّي لقيتُهُ رؤوفاً رحيماً)(٣). وقالَ الحسنُ بنُ عليٍّ رضيَ اللهُ عنهُما : ( قالَ لي عليٍّ: إنَّ رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ سنحَ لي الليلةَ في منامي ، فقلتُ : يا رسولَ اللهِ ؛ (١) رواه البخاري (١١٠)، ومسلم (٢٢٦٦) . (٢) رواه أبو نعيم في ((الحلية)) (٤٥/١)، والبيهقي في ((السنن الكبرى)) (٢٣٢/٤). (٣) رواه ابن أبي الدنيا في (( المنامات)) (٢٣)، وابن سعد في ((الطبقات)) (٣٤٨/٣). ٥٠٨ ربع المنجيات كتاب ذكر الموت ما لقيتُ مِنْ أمَّتِكَ؟! قالَ: ((ادعُ عليهِمْ)) فقلتُ: اللهمَّ؛ أبدلْني بهمْ مَنْ هوَ خيرٌ لي منهمْ ، وأبدلْهمْ بي مَنْ هوَ شٍّ لهمْ منِّي ، فخرجَ فضربَهُ ابنُ ملجمٍ )(١). وقالَ بعضُ الشيوخ : رأيتُ رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ في المنامِ فقلتُ : يا رسولَ اللهِ ؛ استغفرْ لي ، فأعرضَ عنِّي ، فقلتُ : يا رسولَ اللهِ ؛ إنَّ سفيانَ بنَ عيينةَ حدثَنَا عنْ محمدِ بنِ المنكدرِ ، عنْ جابرِ بنِ عبدِ اللهِ ، أنَّكَ لمْ تُسألْ شيئاً قطُّ فقلتَ: لا ، فأقبلَ عليَّ فقالَ : ((غفرَ اللهُ لكَ))(٢). ورُويَ عنِ العباسِ بنِ عبدِ المطلبِ قالَ : ( كنتُ مواخياً لأبي لهبٍ مصاحباً لهُ، فلمَّا ماتَ وأخبرَ اللهُ تعالى عنهُ بما أخبرَ .. حزنتُ عليهِ، وأهمَّني أمرُهُ ، فسألتُ اللهَ تعالى حولاً أنْ يريَنِي إِيَّاهُ في المنام ، قالَ : فرأيتُهُ يلتهبُ ناراً، فسألتُهُ عنْ حالِهِ فقالَ : صرتُ إلى النَّارِ في العذابِ ، لا يُخفَّفُ عنِّي ولا يُروَّحُ إلَّ ليلةَ الاثنينِ في كلِّ الليالي والأيام ، قلتُ: وكيفَ ذلكَ ؟ قالَ : وُلدَ في تلكَ الليلةِ محمَّدٌ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ ، فجاءَتني أميمةُ فبشَّرَتْني بولادةٍ آمنةَ إِيَّاهُ ، ففرحتُ بهِ ، وأعتقتُ وليدةً لي (١) رواه ابن أبي الدنيا في ((المنامات)) (١١٠). (٢) رواه ابن أبي الدنيا في ((المنامات)) (١١٤)، والحديث المذكور رواه البخاري (٦٠٣٤)، ومسلم (٢٣١١) . ٥٠٩ کتاب ذکر الموت ربع المنجيات فرحاً بهِ ، فأثابَي اللهُ بذلكَ أنْ رفعَ عني العذابَ في كلِّ ليلةِ اثنينٍ )(١) . وقالَ عبدُ الواحدِ بنُ زيدٍ : خرجتُ حاجّاً ، فصحبَني رجلٌ كانَ لا يقومُ ولا يقعدُ ولا يتحركُ ولا يسكنُ إلاَّ صلَّى على النبي صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ ، فسألتُهُ عنْ ذلكَ فقالَ : أخبرُكَ عنْ ذلكَ ، خرجتُ أوَّلَ مرةٍ إلى مكةً ومعي أبي ، فلمَّا انصرفنا .. نمتُ في بعضِ المنازلِ، فبينا أنا نائمٌ؛ إذْ أتاني آتٍ فقالَ لي : قمْ ؛ فقدْ أماتَ اللهُ أباكَ وسؤَّدَ وجهَهُ ، قالَ : فقمتُ مذعوراً ، فكشفتُ الثوبَ عنْ وجهِهِ ؛ فإذا هوَ ميتٌ أسودُ الوجهِ ، فداخلَني مِنْ ذلكَ رعبٌ ، فبينا أنا في ذلكَ الغمِّ ؛ إذْ غلبَتْني عيني فنمتُ ؛ فإذا على رأسٍ أبي أربعةُ سودانٍ معَهم أعمدةُ حديدٍ ؛ إذْ أقبلَ رجلٌ حسنُ الوجهِ بينَ ثوبینِ أخضرينِ ، فقالَ لهمْ : تنَّوا ، فمسحَ وجهَهُ بيدِهِ ، ثمَّ أتاني فقالَ لي : قمْ فقدْ بَيَّضَ اللهُ وجهَ أبيكَ ، فقلتُ لهُ : مَنْ أنتَ بأبي أنتَ وأمي ؟ فقالَ : أنا محمَّدٌ ، قالَ : فقمتُ فكشفتُ الثوبَ عنْ وجهِ أبي ؛ فإذا هوَ أبيضُ ، فما تركتُ الصَّلاةَ بعدَ ذلكَ على رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ(٢) . وعنْ عمرَ بنِ عبدِ العزيزِ رحمةُ اللهِ عليهِ قالَ : رأيتُ رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ ، وأبو بكرٍ وعمرُ رضيَ اللهُ عنهما جالسانِ عندَهُ ، فسلَّمتُ وجلستُ ، فبينا أنا جالسٌ ؛ إذْ أَتَيَ بعليٍّ ومعاويةَ رضيَ اللهُ عنهما فأُدخلا بيتاً (١) كذا أورده في ((قوت القلوب)) (٨٤/٢)، ورواه بتحوه ابن أبي الدنيا في ((المنامات)) ( ٢٦٣ ) . ـة (٢) رواه ابن أبي الدنيا في (( المنامات)) (١١٨). ٥١٠ ربع المنجيات کتاب ذکر الموت وأُجيفَ عليهما البابُ وأنا أنظرُ (١)، فما كانَ بأسرعَ أنْ خرجَ عليٍّ رضيَ اللهُ عنهُ وهوَ يقولُ : قُضيَ لي ورِّ الكعبةِ ، وما كانَ بأسرعَ أنْ خرجَ معاويةٌ رضيَ اللهُ عنهُ على أثرِهِ وهوَ يقولُ: غُفرَ لي وربّ الكعبةِ(٢). واستيقظَ ابنُ عباسٍ رضيَ اللهُ عنهما مِنْ نومِهِ مرةً فاسترجَعَ وقالَ : ( قُتِلَ الحسينُ واللهِ ) وكانَ ذلكَ قبلَ قتلِهِ ، فأنكرَهُ أصحابُهُ ، فقالَ : رأيتُ رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ ومعَهُ زجاجةٌ مِنْ دم فقالَ: (( ألا تعلمُ ما صنعَتْ أمَّتِي مِنْ بعدي ؟! قَتلوا ابنيَ الحسينَ وهذا دمُّهُ ودماءُ أصحابِهِ أرفعُها إلى اللهِ تعالى)) فجاءَ الخبرُ بعدَ أربعةٍ وعشرينَ يوماً بقتلِهِ في اليومِ الذي رآهُ (٣) . ورُئِيَ الصديقُ رضيَ اللهُ عنهُ فقيلَ لهُ : إنَّك كنتَ تقولُ أبداً في لسانِكَ : ( هذا أوردني المواردَ) فما فعلَ اللهُ بكَ؟ قالَ: قلتُ بهِ : لا إلهَ إلاَّ اللهُ، فأوردَني الجنَّةَ(٤) . (١) أجيف الباب: أي : رُدَّ . (٢) رواه ابن أبي الدنيا في ((المنامات)) (١٢٤). (٣) رواه ابن أبي الدنيا في ((المنامات)) (١٢٩). (٤) أورده الخركوشي في ((تهذيب الأسرار)) (ص٨٥٧)، وأما قوله: (( أوردني الموارد)) .. فرواه مالك في ((الموطأ)) (٩٨٨/٢)، وأبو نعيم في (( الحلية )) (٣٣/١)، والبيهقي في ((الشعب)) ( ٤٦٣٦). ٥١١ کتاب ذکر الموت ربع المنجيات بيان منامات المشاريع رضي الله عنهم قالَ بعضُ المشايخ : رأيتُ متمماً الدورقيَّ في المنام ، فقلتُ : يا سيِّدي ؛ ما فعلَ اللهُ بكَ ؟ فقالَ : ديرَ بي في الجنانِ ، فقيلَ لي : يا متممُ ؛ هلِ استحسنتَ فيها شيئاً؟ قلتُ : لا يا سيِّدي ، فقالَ : لوٍ استحسنتَ منْها شيئاً .. لوكلتُكَ إليهِ، ولمْ أوصلْكَ إليَّ(١). ورُئِّيَ يوسفُ بنُ الحسينِ في المنام ، فقيلَ لهُ : ما فعلَ اللهُ بكَ ؟ قالَ : غفرَ لي ، قيلَ : بماذا ؟ قالَ : ما خلطتُ جداً بهزلٍ قطُّ(٢). وعنْ منصورِ بنِ إسماعيلَ قالَ : رأيتُ عبدَ اللهِ البزازَ في النوم ، فقلتُ: ما فعلَ اللهُ بكَ ؟ قالَ : أوقفَني بينَ يديهِ ، فغفرَ لي كلَّ ذنبٍ أقررتُ بهِ إلاَّ ذنباً واحداً ؛ فإنِّي استحييتُ أنْ أقرَّ بهِ ، فأوقفَني في العرقِ حتى سقطَ لحمُ وجهي ، فقلتُ : ما كانَ ذلكَ الذنبُ ؟ قالَ : نظرتُ إلى غلامٍ جميلٍ فاستحسنتُهُ ، فاستحييتُ مِنَ اللهِ تعالىُ أنْ أذكرَهُ(٣) .. وقالَ أبو جعفرِ الصيدلانيُّ : رأيتُ رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ في (١) أورده الخركوشي في ((تهذيب الأسرار)) (ص ٨٤٥ ). (٢) أورده القشيري في ((الرسالة)) (ص٦١١). (٣) أورده الخركوشي في ((تهذيب الأسرار)) (ص٨٦٤)، والقشيري في (( الرسالة)) (ص٦١٢) وفيها : ( أبو عبد الله الزراد ) بدل ( عبد الله البزاز ) وهو ما صوبه الحافظ الزبيدي في « إتحافه)) ( ٤٣٣/١٠ ) . ٥١٢ ربع المنجيات کتاب ذکر الموت النوم وحولَهُ جماعةٌ مِنَ الفقراءِ ، فبينا نحنُ كذلكَ ؛ إذِ انشقَّتِ السماءُ ونزلَ ملكانِ أحدُهُما بيدِه طستٌ وبيدِ الآخرِ إبريقٌ ، فوضعَ الطستَ بينَ يدي رسولِ الله صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ ، فغسلَ يدَهُ ثمَّ أمرَ حتى غسلوا أيديَهُمْ ، ثمَّ وُضعَ الطستُ بين يديَّ، فقالَ أحدُهما للآخرِ : لا تصبَّ على يدِهِ ؛ فإنَّهُ ليسَ منهمْ ، فقلتُ: يا رسولَ اللهِ؛ أليسَ قدْ رُويَ عنكَ أنَّكَ قلتَ: ((المرءُ معَ مَنْ أحبَّ))؟! قالَ: ((بلى )) قلتُ : يا رسولَ اللهِ ؛ فإِنِّي أحبُّكَ وأحبُّ هؤلاءِ الفقراءَ ، فقالَ عليهِ الصلاةُ والسَّلامُ: ((صبَّ على يدِهِ ، فإنَّهُ منهمْ))(١) . وقالَ الجنيدُ : رأيتُ في المنام كأنِّي أتكلَّمُ على النَّاسِ ، فوقفَ عليَّ ملكٌ فقالَ : أقربُ ما تقرَّبَ بهِ المتقربونَ إلى اللهِ تعالى ماذا؟ فقلتُ : عملٌ خفيٌّ بميزانٍ وفيٍّ، فولَّى الملكُ وهوَ يقولُ: كلامٌ موفَّقٌ واللهِ(٢). ورُئِيَ مجمِّعٌ في النومِ ، فقيلَ لهُ : كيفَ رأيتَ الأمرَ ؟ فقالَ : رأيتُ الزاهدينَ في الدنيا ذهبوا بخيرِ الدنيا والآخرةِ (٣). (١) أورده الخركوشي في ((تهذيب الأسرار)) (ص٨٤٦ - ٨٤٧)، والقشيري في ((الرسالة)) (ص٦١٢)، والحديث المذكور رواه البخاري ( ٦١٦٨)، ومسلم ( ٢٦٤١ ) . (٢) أورده الخركوشي في ((تهذيب الأسرار)) (ص ٨٤٧ - ٨٤٨)، والقشيري في (( الرسالة)) (ص ٦١٣ ). (٣) رواه ابن أبي الدنيا في ((المنامات)) (٣٤)، وأورده الخركوشي في (( تهذيب الأسرار)) (ص٨٤٨ ) . ٥١٣ کتاب ذکر الموت ربع المنجيات وقالَ رجلٌ مِنْ أهلِ الشامِ للعلاءِ بنِ زيادٍ : رأيتُكَ في النوم كأنَّكَ في الجنَّةِ ، فنزلَ عنْ مجلسِهِ وأقبلَ عليهِ ثمَّ قالَ: لعلَّ الشيطانَ أرادَ أمراً فعُصمتُ منهُ ، فأشخصَ رجلاً يقتلُني(١) . وقالَ محمدُ بنُ واسع : الرؤيا تسرُّ المؤمنَ ولا تغرُّهُ(٢). وقالَ صالحُ بنُ بشيرٍ : رأيتُ عطاءً السلميَّ في النوم ، فقلتُ لهُ : رحمَكَ اللهُ؛ لقدْ كنتَ طويلَ الحزنِ في الدنيا ، فقالَ : أما واللهِ ؛ لقدْ أعقبَتي ذلكَ راحةً طويلةً وفرحاً دائماً ، فقلتُ : في أيُّ الدرجاتِ أنتَ ؟ فقالَ: ﴿ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِم مِّنَ النَّبِيْنَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَآءِ وَالصَّالِحِينَ ... ﴾ الآيةَ(٣). وسُئلَ زرارةُ بنُ أبي أوفى في المنام : أيُّ الأعمالِ أفضلُ عندَكُمْ ؟ فقالَ: الرضا وقصرُ الأملِ(٤) . وقالَ يزيدُ بنُ مذعورٍ : رأيتُ الأوزاعيَّ في المنامِ ، فقلتُ : يا أبا عمرٍو ؛ دلّني على عملٍ أتقرَّبُ بهِ إلى اللهِ تعالى، قالَ : ما رأيتُ هناكَ (١) أورده الخركوشي في ((تهذيب الأسرار)) (ص٨٤٨)، والقشيري في (( الرسالة)) ( ص٦١٣ ) . (٢) أورده الخركوشي في (( تهذيب الأسرار)) (ص٨٤٨ ). (٣) أورده الخركوشي في ((تهذيب الأسرار)) (ص٨٤٨ - ٨٤٩)، ورواه أبو نعيم في («الحلية)) (٦/ ١٧٢ ) . (٤) أورده الخركوشي في ((تهذيب الأسرار)) (ص٨٤٩ ) . ٥١٤ ربع المنجيات محـ کتاب ذکر الموت درجةً أرفعَ مِنْ درجةِ العلماءِ ، ثمَّ درجةِ المحزونينَ ، قالَ : وكانَ يزيدُ شيخاً كبيراً ، فلمْ يزلْ يبكي حتى أظلمَتْ عيناهُ(١) . جن وقالَ ابنُ عيينةَ : رأيتُ أخي في المنامِ ، فقلتُ : يا أخي ؛ ما فعلَ اللهُ بكَ ؟ فقالَ: كلُّ ذنبِ استغفرتُ منهُ .. غُفرَ لي، وما لمْ أستغفرْ منهُ .. لمْ يُغفرْ لي(٢) . وقالَ عليٌّ الطلحيُّ : رأيتُ في المنام امرأةً لا تشبهُ نساءَ الدنيا ، فقلتُ : مَنْ أنتِ ؟ فقالَتْ : حوراءُ ، فقلتُ : زوِّجيني نفسَكِ ، قالَتْ : اخطبْني إلى سيِّدي وأمهرْني ، قلتُ : وما مهرُكِ؟ قالَتْ: حبسُ نفسِكَ عنْ آفاتِها(٣). وقالَ إبراهيمُ بنُ إسحاقَ الحربيُّ : رأيتُ زبيدةَ في المنام ، فقلتُ : ما فعلَ اللهُ بكِ ؟ قالَتْ : غفرَ لي ، فقلتُ لها : بما أنفقتِ في طريقِ مكةَ ؟ قالَتْ : أمَّا النفقاتُ التي أنفقتُها .. فرجعَتْ أجورُها إلى أربابِها، وغُفرَ لي بنيَّي(٤). ولمَّا ماتَ سفيانُ الثوريُّ .. رُئِيَ في المنام، فقيلَ لهُ: ما فعلَ اللهُ بكَ ؟ (١) رواه الدينوري في (( المجالسة وجواهر العلم)) (٣٥٧٨)، وابن عساكر في تاريخ دمشق)) (٢٢٩/٣٥). (٢) رواه ابن أبي الدنيا في ((المنامات)) (٦٨)، وأورده الخركوشي في ((تهذيب الأسرار)) ( ص ٨٥٠ ) . (٣) أورده الخركوشي في (( تهذيب الأسرار)) (ص ٨٥٠) . (٤) أورده الخركوشي في ((تهذيب الأسرار)) (ص ٨٥٠ - ٨٥١)، والقشيري في ((الرسالة)) (ص٦١٤ ). ٥١٥ کتاب ذكر الموت ربع المنجيات قالَ : وضعتُ أولَ قدميَّ على الصراطِ ، والثانيَ في الجنَّةِ (١). وقالَ أحمدُ بنُ أبي الحواري : رأيتُ فيما يرى النَّائمُ جاريةً ما رأيتُ أحسنَ منها ، وكانَ يتلألأُ وجهُها نوراً ، فقلتُ لها : مماذا ضوءُ وجهِكِ ؟ قالَتْ : تذكرُ تلكَ الليلةَ التي بكيتَ فيها ؟ قلتُ : نعمْ، قالَتْ : أخذتُ دمعَكَ فمسحتُ بهِ وجهي ، فمِنْ ثمَّ ضوءُ وجهي كما ترى(١) . وقالَ الكتانيُّ : رأيتُ الجنيدَ في المنام ، فقلتُ : ما فعلَ اللهُ بكَ ؟ فقالَ : طاحَتْ تلكَ الإشاراتُ ، وذهبَتْ تلكَ العباراتُ ، وما حصلنا إلاَّ على ركعتينٍ كنَّا نصلِّيهما في الليلِ(٢). ورُئِيَتْ زبيدةُ في المنام ، فقيلَ لها : ما فعلَ اللهُ بكِ ؟ قالَتْ : غفرَ لي بهذهِ الكلماتِ الأربع : لا إلهَ إلا اللهُ أفني بها عمري، لا إلهَ إلاَّ اللهُ أدخلُ بها قبري، لا إلهَ إلَّ اللهُ أخلو بها وحدي، لا إلهَ إلاَّ اللهُ ألقى بها ربِّي(٣). ورُنِيَ بشرٌ في المنامِ، فقيلَ لهُ: ما فعلَ اللهُ بِكَ: قَالَ : رحمَني ربِّي عزَّ وجلَّ وقالَ : يا بشرُ ؛ أما استحييتَ مِنِّي كنتَ تخافُني كلَّ ذلكَ الخوفِ ؟!(٤). (١) أورده الخركوشي في (( تهذيب الأسرار)) (ص٨٥١)، والقشيري في (( الرسالة)) ( ص ٦١٤ ) . (٢) أورده الخركوشي في ((تهذيب الأسرار)) (ص٨٥١ - ٨٥٢)، والقشيري في ((الرسالة)) ( ص ٦١٠). (٣) أورده الخركوشي في (تهذيب الأسرار)) (ص ٨٥٢). (٤) أورده الخركوشي في ((تهذيب الأسرار)) (ص ٨٥٤)، والقشيري في ((الرسالة)) (ص٦١٤). ٥١٦ ربع المنجيات کتاب ذکر الموت ورُئِيَ أبو سليمانَ في النوم، فقيلَ لهُ : ما فعلَ اللهُ بكَ ؟ قالَ : رحمَني، وما كانَ شيءٌ أضرّ عليَّ مِنْ إشاراتِ القومِ إليَّ(١). وقالَ أبو بكرِ الكتانيُّ : رأيتُ في النومِ شاباً لمْ أَرَ أحسنَ منهُ ، فقلتُ لهُ: مَنْ أنتَ ؟ قالَ : التقوى ، قلتُ : فأينَ تسكنُ ؟ قالَ : كلَّ قلبٍ حزينٍ ، ثمَّ التفثُّ ؛ فإذا امرأةٌ سوداءُ كأوحشٍ ما يكونُ ، فقلتُ : مَنْ أنتِ ؟ قالَتْ : أنا السقمُ، قلتُ : فأينَ تسكنينَ ؟ قالَتْ: كلَّ قلبٍ فرحٍ مرحٍ ، قالَ : فانتبهتُ واعتقدتُ ألاَّ أضحكَ إلاَّ غلبةً(٢) . وقالَ أبو سعيد الخرازُ : رأيتُ في المنام كأنَّ إبليسَ وثبَ عليَّ، فأخذتُ العصا لأضربَهُ فلمْ يفزعْ منها ، فهتفَ بي هاتفٌ : إنَّ هذا لا يخافُ مِنْ هذهِ، وإنَّما يخافُ مِنْ نورٍ يكونُ في القلبِ(٣) . وقالَ المسوحِيُّ : رأيتُ إبليسَ في النومِ يمشي عرياناً ، فقلتُ : ألا تستحي مِنَ النَّاسِ ؟! فقالَ: باللهِ ؛ هؤلاءِ ناسٌ ؟ لوْ كانوا مِنَ الناسِ .. ما كنتُ ألعبُ بهمْ طرفي النَّهارِ كما يتلاعبُ الصبيانُ بالكرةِ ، بلِ الناسُ قومٌ (١) أورده الخركوشي في ((تهذيب الأسرار)) (ص ٨٥٥)، والقشيري في (( الرسالة)) ( ص٦١٤ ) . (٢) أورده الخركوشي في ((تهذيب الأسرار)) (ص ٨٥٥ - ٨٥٦)، والقشيري في ((الرسالة)) (ص٦١٥)، واعتقدت : عزمت. (٣) أورده الخركوشي في ((تهذيب الأسرار)) (ص٨٥٦)، والقشيري في (( الرسالة)) (ص٦١٦ ) . ٥١٧ کتاب ذکر الموت ربع المنجيات غيرُ هؤلاءِ، قدْ أسقموا جسمي ، وأشارَ بيدِهِ إلى أصحابِنا الصوفيّةِ(١). وقالَ أبو سعيدِ الخرازُ : كنتُ في دمشقَ ، فرأيتُ في المنامِ كأنَّ النبيَّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ جاءَني متكئاً على أبي بكرٍ وعمرَ رضيَ اللهُ عنهما ، فجاءَ فوقفَ عليَّ وأنا أقولُ شيئاً مِنَ الأصواتِ ، وأدقُّ في صدري فقالَ : ((شرُّ هذا أكثرُ مِنْ خيرِهِ)) (٢). وعنِ ابنِ عيينةَ قالَ : رأيتُ سفيان الثوريَّ في النومِ كأنَّهُ في الجنَّةِ يطيرُ مِنْ شجرةٍ إلى شجرةٍ يقولُ : لمثلِ هذا فليعملِ العاملونَ ، فقلتُ لهُ : أوصني ، قالَ : أقللْ مِنْ معرفةِ الناسِ(٣). G وروى أبو حاتمٍ الرازيُّ عنْ قبيصةَ بنِ عقبةً قالَ : رأيتُ سفيانَ الثوريَّ في المنام ، فقلتُ : ما فعلَ اللهُ بكَ ؟ فقالَ(٤) : [من الطويل] هَنِيْئاً رِضَائِي عِنْكَ يا بْنَ سَعِيدٍ نَظَرْتُ إِلَى رَبِّي كِفاحاً فَقَالَ لِي بِعَبْرَةٍ مُشْتاقٍ وَقَلبٍ عَمیدٍ فَقَدْ كُنْتَ قَوَّاماً إِذا أَظْلَمَ اُلُّجَى وَزُرْنِي فَإِنِّي مِنْكَ غَيْرُ بَعِيدٍ فَدُونَكَ فَاخْتَرْ أَيَّ قَصْرٍ أَرَدْتَةُ (١) أورده الخركوشي في ((تهذيب الأسرار)) (ص٨٥٦). (٢) أورده الخركوشي في ((تهذيب الأسرار)) (ص٨٥٦)، وقوله: ( من الأصوات) أي : من الأنغام المعروفة. ((إتحاف)) (٤٣٦/١٠). (٣) أورده الخركوشي في ((تهذيب الأسرار)) (ص ٨٥٧ ). (٤) أورده الخركوشي في ((تهذيب الأسرار)) (ص٨٥٧)، ورواه أبو نعيم في (( الحلية)) (٧٤/٧)، وانظر ((مرآة الجنان)) (٣٤٧/١). ٥١٨ ربع المنجيات كتاب ذكر الموت ورُئِيَ الشبليُّ بعدَ موتِهِ بثلاثة أيام ، فقيلَ لهُ : ما فعلَ اللهُ بكَ ؟ قالَ : ناقشَني حتى أيستُ، فلمَّا رأى يأسي .. تغمَّدَني برحمتِهِ (١). ورُئيّ مجنونُ بني عامرٍ بعدَ موتِهِ في المنام ، فقيلَ لهُ : ما فعلَ اللهُ بكَ ؟ فقالَ : غفرَ لي وجعلَني حجةً على المحبينَ(٢) . ورُئِّيَ الثوريُّ في المنام ، فقيلَ لهُ : ما فعلَ اللهُ بكَ ؟ فقالَ : رحمَني ، فقيلَ لهُ : ما حالُ عبدِ اللهِ بنِ المباركِ ؟ فقالَ : هوَ ممَّن يلجُ على ربِّهِ في كلِّ يومٍ مرتينٍ(٣). حن ورُئِيَ بعضُهم فسُئلَ عنْ حالِهِ فقالَ (٤): [من مجزوء الخفيف] حاسَبُونا فدقَّقوا ثمَّ متُّوا فأعتقوا ٨٠٠ ورُئِّيَ مالكُ بنُ أنسٍ رحمهُ اللهِ عليهِ في المنام ، فقيلَ لهُ : ما فعلَ اللهُ بكَ ؟ فقالَ : غفرَ لي بكلمةٍ كانَ يقولُها عثمانُ بنُ عفانَ رضيَ اللهُ عنهُ عندَ رؤيةِ الجنازةِ : ( سبحانَ الحيِّ الذي لا يموتُ)(٥). (١) أورده الخركوشي في ((تهذيب الأسرار)) (ص٨٥٧)، والقشيري في ((الرسالة)) ( ص ٦١٥ ) . (٢) أورده الخركوشي في ((تهذيب الأسرار)) (ص ٨٥٧). (٣) أورده القشيري في ((الرسالة)) (ص٦٠٨). (٤) انظر ((البصائر والذخائر)) (٩٢/٣)، والخبر أورده القشيري في (( الرسالة)) (ص٦٠٩ ) . (٥) أورده القشيري في (( الرسالة)) (ص٦٠٩). ٥١٩ کتاب ذکر الموت ربع المنجيات ورُئِيَ في الليلةِ التي ماتَ فيها الحسنُ البصريُّ رحمهُ اللهِ عليهِ كأنَّ أبوابَ السماءِ مفتحةٌ ، وكأنَّ منادياً ينادي : ألا إنَّ الحسنَ البصريَّ قدمَ على اللهِ تعالى وهوَ عنهُ راضٍ(١) . ورُبِيَ الجاحظُ فقيلَ لهُ: ما فعلَ اللهُ بكَ ؟ فقالَ(١): [من الوافر] وَلا تَكْتُبْ بِخَطِّكَ غَيْرَ شَيْءٍ يَسُرُكَ فِي الْقِيَامَةِ أَنْ تَراهُ ورأى الجنيدُ إبليسَ في المنامِ عرياناً ، فقالَ : ألا تستحي مِنَ الناسِ ؟! فقالَ : وهؤلاءِ ناسٌ؟! الناسُ أقوامٌ في مسجدِ الشونيزيةِ ، قدْ أضنَوا جسدي ، وأحرقوا كبدي ، قالَ الجنيدُ : فلمَّا انتبهتُ .. غدوتُ إلى المسجدِ ، فرأيتُ جماعةً قدْ وضعوا رؤوسَهُمْ على ركبهِمْ يتفكرونَ ، فلمَّا رأَوني .. قالوا: لا يغرنّكَ حديثُ الخبيثِ(١). ورُئيَ النَّصراباذي بمكةَ بعدَ وفاتِهِ في النومِ ، فقيلَ لهُ: ما فعلَ اللهُ بكَ ؟ قالَ : عُوتبتُ عتابَ الأشرافِ ، ثمُّ نُوديتُ : يا أبا القاسمِ ؛ أبعدَ الاتصالِ انفصالٌ ؟ فقلتُ : لا يا ذا الجلالِ ، فما وُضعتُ في اللحدِ حتى لحقتُ بالأحدِ(١). ورأى عتبةُ الغلامُ حوراءَ في المنامِ على صورةٍ حسنةٍ ، فقالَتْ لهُ : يا عتبةُ ؛ أنا لكَ عاشقةٌ، فانظرْ لا تعملْ مِنَ الأعمالِ شيئاً يُحالُ بهِ بيني حن (١) أورده القشيري في ((الرسالة)) (ص٦٠٩). ـحة ٥٢٠