Indexed OCR Text
Pages 461-480
ربع المنجيات كتاب ذكر الموت وكانَ محمدُ بنُ واسع يزورُ يومَ الجمعةِ ، فقيلَ لهُ: لوْ أخَّرتَ إلى يوم الاثنينِ ، فقالَ : بلغني أنَّ الموتى يعلمونَ بزوَّارِهم يومَ الجمعةِ ويوماً قبلَهُ ويوماً بعدَهُ(١). وقالَ الضحاكُ : مَنْ زارَ قبراً يومَ السبتِ قبلَ طلوع الشمسِ .. علمَ الميتُ بزيارتِهِ ، قيلَ: وكيفَ ذلكَ؟ قالَ : لمكانٍ يوم الجمعةِ (٢). وقالَ بشرُ بنُ منصورٍ: لمَّا كانَ زمنُ الطاعونِ .. كانَ رجلٌ يختلفُ إلى الجبّانةِ فيشهدُ الصلاةَ على الجنائزِ، فإذا أمسى .. وقفَ على بابِ المقابرِ فقالَ : آنْسَ اللهُ وحشتَكُم ، ورحمَ غربتكُم ، وتجاوزَ عنْ سيئاتِكم ، وقبلَ اللهُ حسناتِكُم ، لا يزيدُ على هذِهِ الكلماتِ ، قالَ الرجلُ : فأمسيتُ ذاتَ ليلةٍ ، فانصرفتُ إلى أهلي ولمْ آتِ المقابرَ فأدعوَ كما كنتُ أدعو ، فبينَما أنا نائمٌ؛ إذا أنا بخلقٍ كثيرٍ قدْ جاؤوني ، فقلتُ : ما أنتُمْ ؟ وما حاجتكُم ؟ قالوا : نحنُ أهلُ المقابرِ ، قلتُ : ما جاءَ بكم ؟ قالوا : إنَّك كنتَ عوَّدْتَنَا منكَ هديةً عندَ انصرافِكَ إلى أهلِكَ ، قلتُ : وما هيَ ؟ قالوا : الدعواتُ التي كنتَ تدعو لنا بها ، قلتُ : فإنِّي أعودُ لذلكَ ، فما تركتُها بعدَ ذلكَ(٣). وقالَ بشارُ بنُ غالبِ النجرانيُّ : رأيتُ رابعة العدويةَ العابدةَ في منامي ، (١) رواه البيهقي في (( الشعب)) ( ٨٨٦٢). (٢) رواه البيهقي في (( الشعب)) ( ٨٨٦٣)، وفي (أ): ( لبركة) بدل (لمكان ). (٣) رواه البيهقي في ((الشعب)) (٨٨٥٩). ٤٦١ کتاب ذکر الموت ربع المنجيات وكنتُ كثيرَ الدعاءِ لها ، فقالَتْ لي : يا بشارَ بنَ غالبٍ ؛ هداياكَ تأتينا على أطباقٍ مِنْ نورٍ ، محمَّرةً بمناديلِ الحريرِ ، قلتُ : وكيفَ ذلكَ ؟ قالَتْ : وهكذا دعاءُ المؤمنينَ الأحياءِ إذا دعوا للموتى فاستُجيبَ لهمُ .. جُعلَ ذلكَ الدعاءُ على أطباقِ النورِ ، وخُمِّرَ بمناديلِ الحريرِ، ثمَّ أَتَيَ بهِ الميتَ ، فقيلَ لهُ : هذهِ هديةُ فلانٍ إليكَ(١) . وقالَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: (( ما الميتُ في قبرِهِ إلَّ كالغريقِ المتغوِّثِ ، ينتظرُ دعوةً تلحقُهُ مِنْ أبيهِ أوْ أخيهِ أوْ صديقٍ لهُ ، فإذا لحقَتْهُ .. كانَتْ أحبَّ إليهٍ مِنَ الدنيا وما فيها ، وإنَّ هدايا الأحياءِ للأمواتِ الدعاءُ والاستغفارُ))(٢) وقالَ بعضُهم : ماتَ أخٌ لي ، فرأيتُهُ في المنام فقلتُ : ما كانَ حالُكَ حينَ وُضعتَ في قبرِكَ ؟ قالَ : أتاني آتٍ بشهابٍ مِنْ نارٍ ، فلولا أنَّ داعياً دعا لي .. لرأيتُ أنَّهُ سيضربُّني به(٣). وعن هذا يُستحبُّ تلقينُ الميتِ بعدَ الدفنِ والدعاءُ لهُ ، قالَ سعيدُ بنُ عبدِ اللهِ الأوديُّ(٤) : شهدتُ أبا أمامةَ الباهليَّ وهوَ في النزع ، فقالَ : (١) رواه البيهقي في ((الشعب)) (٨٨٦٠). (٢) رواه البيهقي في ((الشعب)) (٨٨٥٥)، والديلمي في ((الفردوس)) ( ٦٣٢٣). (٣) حكاه الحافظ عبد الحق الإشبيلي في ((العاقبة في ذكر الموت)) (ص ١٨٢)، وفي (د) : (سيحرقني) بدل ( سيضربني ) . (٤) كذا في (ج، د، ي)، وفي البقية: ( الأزدي)، وهي نسخة أشار إليها الحافظ الزبيدي في ((إتحافه)) ( ٣٦٨/١٠). ٤٦٢ -٠٠ ربع المنجيات کتاب ذکر الموت يا سعيدُ؛ إذا مثُّ .. فاصنعوا بي كما أمرَنا رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ فقال: ((إذا ماتَ أحدُكُمْ فسؤَّيتُم عليهِ الترابَ .. فليقمْ أحدُكُم على رأسِ قبرِهِ وليقلْ : يا فلانَ بنَ فلانةَ؛ فإنَّهُ يسمعُ ولا يجيبُ ، ثمَّ ليقلْ : يا فلانَ بنَ فلانةَ ؛ الثانيةَ؛ فإنَّهُ يستوي قاعداً، ثمَّ ليقلْ: يا فلانَ بنَ فلانةَ؛ الثالثةَ؛ فإنَّهُ يقولُ : أرشدْنا يرحمُكَ اللهُ، ولكنْ لا تسمعونَ ، فيقولُ لهُ : اذكرْ ما خرجتَ عليهِ مِنَ الدنيا : شهادةَ أنَ لا إلهَ إلاَّ اللهُ وأنَّ محمَّداً رسولُ اللهِ ، وأنَّكَ رضيتَ باللهِ رباً ، وبالإسلام ديناً ، وبمحمَّدٍ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ نبياً ، وبالقرآنِ إماماً ؛ فإنَّ منكراً ونكيراً يتأخرُ كلُّ واحدٍ مِنْهما فيقولُ : انطلقْ بنا ما يقعدُنا عندَ هذا وقدْ لُقِّنَ حَجَّتَهُ؟! ويكونُ اللهُ عزَّ وجلَّ حجيجَهُ دونَهُما ) فقالَ رجلٌ: يا رسولَ اللهِ ؛ فإنْ لمْ يعرفِ اسمَ أمِّهِ ؟ قالَ: ((فلينسبْهُ إلى حواءَ))(١) . ولا بأسَ بقراءةِ القرآن على القبورِ ، رُويَ عنْ عليٍّ بنِ موسى الحدادِ قالَ : كنتُ معَ أحمدَ ابنِ حنبلٍ في جنازةٍ ومحمدُ بنُ قدامةَ الجوهريُّ معَنا ، فلمَّا دُفنَ الميتُ .. جاءَ رجلٌ ضريرٌ يقرأُ عندَ القبرِ، فقالَ لهُ أحمدُ : يا هذا؛ إنَّ القراءةَ عندَ القبرِ بدعةٌ، فلمَّا خرجنا مِنَ المقابرِ .. قالَ محمدُ بنُ قدامةَ لأحمدَ : يا أبا عبدِ اللهِ ؛ ما تقولُ في مبشرِ بنِ إسماعيلَ الحلبيِّ؟ قالَ : ثقةٌ، قالَ: هلْ كتبتَ عنهُ شيئاً؟ قالَ : نعمْ، قالَ : (١) رواه الطبراني في (( المعجم الكبير)) (٢٤٩/٨). ٤٦٣ كتاب ذكر الموت ربع المنجيات أخبرَني مبشرُ بنُ إسماعيلَ عنْ عبدِ الرحمنِ بنِ العلاءِ بنِ اللجلاجِ عنْ أبيهِ : أنَّهُ أوصى إذا دُفنَ أنْ يُقرأَ عندَ رأسِهِ بفاتحةِ ( البقرة ) وخاتمتِها ، وقالَ : سمعتُ ابنَ عمرَ يوصي بذلكَ ، فقالَ لهُ أحمدُ : فارجعْ إلى الرجلِ فقلْ لهُ يقرأُ (١). وقالَ محمدُ بنُ أحمدَ المروروذي : سمعتُ أحمدَ ابنَ حنبلٍ يقولُ : إذا دخلتُمُ المقابرَ .. فاقرؤوا بـ ( فاتحةِ الكتابِ)، و(المعوِّذتينِ) و( قلْ هوَ اللهُ أحدٌ) واجعلوا ثوابَ ذلكَ لأَهلِ المقابرِ ؛ فإنَّهُ يصلُ إليهم (٢). وقالَ أبو قلابةَ : أقبلتُ مِنَ الشام إلى البصرةِ فنزلتُ الخندقَ ، فتطهرتُ وصلَّتُ ركعتينٍ بليلٍ ، ثمَّ وضعتُ رأسي على قبرٍ فنمتُ ، ثمَّ انتبهتُ ؛ فإذا صاحبُ القبرِ يشتكيني ويقولُ : لقد آذيتَني منذُ الليلةِ، ثمَّ قالَ : إنَّكم لا تعلمونَ ونحنُ نعلمُ ولا نقدرُ على العملِ ، ثمّ قالَ : للركعتانِ اللَّتَانِ ركعتَهما خيرٌ مِنَ الدنيا وما فيها ، ثمَّ قالَ : جزى اللهُ أهلَ الدنيا عنَّا خيراً ، أقرتْهمُ السَّلامَ؛ فإنَّهُ قدْ يدخلُ علينا مِنْ دعائِهم نورٌ أمثالُّ الجبالِ (٣). فالمقصودُ مِنْ زيارةِ القبورِ للزائرِ الاعتبارُ بها، وللمزورِ الانتفاعُ بدعائِهِ، فلا ينبغي أنْ يغفلَ الزائرُ عنِ الدعاءِ لنفسِهِ وللميتِ ، ولا عنِ الاعتبارِ بهِ . (١) حكى القصة هكذا أبو بكر الخلال في ((القراءة عند القبور)) (ص٤)، وروى الأثر الطبراني في ((الكبير)) (٢٢٠/١٩)، والبيهقي في ((السنن الكبرى)) (٥٦/٤). (٢) أورده ابن أبي يعلى في ((طبقات الحنابلة)) (٢٢٤/٢). (٣) رواه البيهقي في ((دلائل النبوة)) (٧/ ٤٠) بنحوه عن ابن ميناء . ٤٦٤ ربع المنجيات کتاب ذکر الموت وإنَّما يحصلُ له الاعتبارُ بأن يصورَ في قلبهِ الميتَ كيفَ تفرقَتْ أجزاؤُهُ ، وكيفَ يُبعثُ مِنْ قبرِهِ، وأنَّهُ على القربِ سيلحقُ بهِ ، كما رُويَ عنْ مطرِّفِ بنِ أبي بكرٍ الهذليِّ قَالَ : كانَتْ عجوزٌ في عبدِ القيسِ متعبدةٌ ، فكانَ إذا جاءَ الليلُ .. تحزمَتْ ثمَّ قامَتْ إلى المحرابِ، وإذا جاءَ النهارُ .. خرجَتْ إلى القبورِ ، فبلغَني أنَّها عُوتَبَتْ في كثرةِ إتيانِها المقابرَ ، فقالَتْ : إنَّ القلبَ القاسيَ إذا جفا . . لمْ يلينْهُ إلَّ رسومُ البلى، وإنِّي لآتي القبورَ فكأنِّي أنظرُ وقدْ خرجوا مِنْ بينِ أطباقِها ، وكأنِّي أنظرُ إلى تلكَ الوجوهِ المتعفِّرةِ ، وإلى تلكَ الأجسامِ المتغيّرةِ ، وإلى تلكَ الأكفانِ الدسمةِ ، فيا لها مِنْ نظرةٍ لوْ أشربَها العبادُ قلوبَهُم ، ما أنكلَ مرارتها للأنفسِ ، وأشدَّ تلفَها للأبدانِ !! (١). بلْ ينبغي أن يُحضرَ مِنْ صورةِ الميتِ ما ذكرَهُ عمرُ بنُ عبدِ العزيزِ حيثُ دخلَ عليهِ فقيهٌ فتعجَّبَ مِنْ تغيُّرِ صورتِهِ لكثرةِ الجهدِ والعبادةِ ، فقالَ لهُ : يا فلانُ؛ كيفَ لوْ رأيتَني بعدَ ثلاثٍ وقدْ أُدخلتُ قبري ، وقدْ خرجَتِ الحدقتانِ فسالَتا على الخذَّينِ ، وتقلَّصَتِ الشفتانِ على الأسنانِ ، وخرجَ الصديدُ مِنَ الفمِ ، وانفتحَ الفمُ ونتأ البطنُ فعلا على الصدرِ ، وخرجَ الصلبُ مِنَ الدبرِ ، وخرجَ الدودُ والصديدُ مِنَ المناخرِ .. لرأيتَ أعجبَ ممَّا تراهُ الآنَ (٢). (١) رواه ابن أبي الدنيا في ((القبور)). ((إتحاف)) (٣٧٤/١٠). (٢) رواه البيهقي في ((الشعب)) (٧٠٣٩). ٤٦٥ G؟ كتاب ذكر الموت ربع المنجيات ويُستحبُّ أيضاً الثناءُ على الميتِ، وألاَّ يُذكرَ إِلَّ بالجميل ؛ قالَتْ عائشةُ رضيَ اللهُ عنها: قالَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: ((إذا ماتَ صاحبُكم .. فدعوهُ ولا تقعوا فيهِ)) (١) . وقالَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: ((لا تسبُّوا الأمواتَ؛ فإنَّهم قدْ أفضَوا إلى ما قدَّموا))(٢). وقالَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: (( لا تذكروا موتاكم إلاَّ بخيرٍ ؛ فإنَّهم إِنْ يكونوا مِنْ أهلِ الجنَّةِ .. تأثموا، وإنْ يكونوا مِنْ أهلِ النَّارِ .. فحسبُهُمْ ما همْ فيهِ))(٣). وقالَ أنسُ بنُ مالكٍ : مرَّتْ جنازةٌ على رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ فأثنَوْا عليها شرّاً ، فقالَ عليهِ الصلاةُ والسَّلامُ: (( وجبَتْ)) ومرُّوا بأخرى ، فأثنَوْا عليها خيراً ، فقالَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ : ((وجبَتْ)) فسألَهُ عمرُ عنْ ذلكَ فقالَ : ((إنَّ هذا أثنيتُم عليهِ خيراً فوجبَتْ لهُ الجنَّةُ ، وهذا أثنيتمْ عليهِ شرّاً فوجبَتْ لهُ النَّارُ، وأنتم شهداءُ اللهِ في الأرضِ))(٤) . (١) رواه أبو داوود (٤٨٩٩)، وفي (د): ( فدعوه لا تقعوا فيه ) ، وهي نسخة أشار إليها الحافظ الزبيدي في ((إتحافه)) ( ٣٧٤/١٠). (٢) رواه البخاري ( ١٣٩٣) من حديث عائشة رضي الله عنها . (٣) رواه ابن أبي الدنيا في ((الموت)) هكذا. ((إتحاف)) (٣٧٤/١٠)، ورواه النسائي (٥٢/٤) مقتصراً على الجملة الأولى بلفظ: ( هلكاكم ) ، وفي الباب عند أبي داوود (٤٩٠٠)، والترمذي (١٠١٩): ((اذكروا محاسن موتاكم وكفوا عن مساويهم)). (٤) رواه البخاري (١٣٦٧)، ومسلم ( ٩٤٩) . ٤٦٦ ربع المنجيات کتاب ذکر الموت وقالَ أبو هريرةَ: قالَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: ((إنَّ العبدَ ليموتُ فيثني عليهِ القومُ الثناءَ يعلمُ اللهُ تعالى منهُ غيرَهُ .. فيقولُ اللهُ تعالى الملائكتِهِ : أشهدُكم أنِّي قدْ قبلتُ شهادةَ عبيدي على عبدي ، وتجاوزتُ عنْ علمي في عبدي )) (١) . (١) رواه أحمد في ((المسند)) (٣٨٤/٢)، وأوله: ((ما من عبد مسلم يموت يشهد له ثلاثة أبيات من جيرانه الأدنين بخير ... )) . ٤٦٧ كتاب ذكر الموت ربع المنجيات البَابُ السَّابِعُ في حقيقة الموت، وما لقاه الميت في القبر إلى نفخة الصور بيان حقيقة الموت اعلمْ : أنَّ للناسِ في حقيقةِ الموتِ ظنوناً كاذبةً قدْ أخطؤوا فيها ، فظنَّ بعضُهم أنَّ الموتَ هوَ العدمُ ، وأنَّهُ لا حشرَ ولا نشرَ ، ولا عاقبةَ للخيرِ والشرّ، وأنَّ موتَ الإنسانِ كموتِ الحيواناتِ وجفافِ النباتِ ، وهذا رأيُ الملاحدةِ وكلِّ مَنْ لا يؤمنُ باللهِ واليومِ الآخرِ . وظنَّ قومٌ أَنَّهُ ينعدمُ بالموتِ ، ولا يتألمُ بعقابٍ ، ولا يتنعَّمُ بثوابٍ ما دامَ في القبرِ إِلى أَنْ يُعادَ في وقتِ الحشرِ . وقالَ آخرونَ : إنَّ الروحَ باقيةٌ لا تنعدمُ بالموتِ ، وإنَّما المثابُ والمعاقبُ هِيَ الأرواحُ دونَ الأجسادِ ، وإِنَّ الأجسادَ لا تُبُعثُ ولا تُحشرُ أصلاً . وكلُّ هذهِ الظنونِ فاسدةٌ ومائلةٌ عن الحقِّ ، بلِ الذي تشهدُ له طرقُ الاعتبارِ وتنطقُ بهِ الآياتُ والأخبارُ أنَّ الموتَ معناهُ: تغيّرُ حالٍ فقط، وأنَّ الروحَ باقيةٌ بعدَ مفارقةِ الجسدِ إمَّا معذَّبةً وإمَّا منعَّمةً . ومعنى مفارقتِها للجسدِ : انقطاعُ تصرفِها عنِ الجسدِ بخروجِ الجسدِ عن طاعتِها ؛ فإنَّ الأعضاءَ آلاتٌّ للروح تستعملُها ، حتى إنَّها لتبطشُ باليدِ وتسمعُ ٤٦٨ ربع المنجيات کتاب ذكر الموت بالأذنِ وتبصرُ بالعينِ ، وتعلمُ حقيقةَ الأشياءِ بالقلبِ ، والقلبُ ههنا عبارةٌ عنٍ الروحِ ، فالروحُ تعلمُ الأشياءَ بنفسِها مِنْ غيرِ آلةٍ ، ولذلكَ قدْ يتألَّمُ بنفسِهِ بأنواع الحزنِ والغمِّ والكمدِ ، ويتنعمُ بأنواعِ الفرحِ والسرورِ ، وكلُّ ذلك لا يتعلَّقُ بالأعضاءِ ، فكلُّ ما هوَ وصفٌ للروحِ بنفسِها فيبقى معَها بعدَ مفارقةِ الجسدِ ، وما هوَ لها بواسطةِ الأعضاءِ فيتعطَّلُ بموتِ الجسدِ إلى أنْ تُعادَ الروحُ إلى الجسدِ ، ولا يبعدُ أنْ تُعادَ الروحُ إلى الجسدِ في القبرِ ، ولا يبعدُ أنْ تُؤْخَّرَ إلى يومِ البعثِ ، واللهُ أعلمُ بما حكمَ بهِ على كلِّ عبدٍ مِنْ عبادِهِ . وإنَّما تعطُّلُ الجسدِ بالموتِ يضاهي تعطّلَ أعضاءِ الزَّمِنِ بفسادِ مزاجٍ يقعُ فيهِ ، وبشدةٍ تقعُ في الأعصابِ تمنعُ نفوذَ الروحِ فيها ، فتكونُ الروحُ العالمةُ العاقلةُ المدركةُ باقيةً مستعملةً لبعضِ الأعضاءِ ، وقدِ استعصى عليها بعضُها ، والموتُ عبارةٌ عنِ استعصاءِ الأعضاءِ كلُّها ، وكلُّ الأعضاءِ آلاتُ ، والروحُ هيَ المستعملةُ لها . وأعني بالروح : المعنى الذي يدركُ مِنَ الإنسانِ العلومَ والآلامَ والغمومَ(١) ولذاتِ الأفراح، ومهما بطلَ تصرُّفُها في الأعضاءِ .. لمْ تبطلْ مِنْها العلومُ والإدراكاتُ ، ولا بطلَ مِنْها الأفراحُ والغمومُ ، ولا بطلَ مِنْها قبولُها للآلام واللذَّاتِ . والإنسانَ بالحقيقةِ هوَ المعنى المدركُ للعلوم والآلام واللذَّاتِ ، وذلكَ لا يموتُ ؛ أيْ : لا ينعدمُ . (١) في (ن): (وآلام الغموم) . ٤٦٩ کتاب ذکر الموت ربع المنجيات ومعنى الموتِ : انقطاعُ تصرفِهِ عَنِ البدنِ ، وخروجُ البدنِ عنْ أنْ يكونَ آلةٌ لهُ، كما أنَّ معنى الزمانةِ خروجُ الدِ عنْ أنْ تكونَ آلةً مستعملةً ، فالموتُ زمانةٌ مطلقةٌ في الأعضاءِ كلُّها ، وحقيقةُ الإنسانِ نفسُهُ وروحُهُ ، وهيَ باقيةٌ . نعمْ ، تغيُّرُ حالِهِ مِنْ وجهينِ : أحدُهُما : أنَّهُ سلبَ منهُ عينَهُ وأذنَهُ ولسانَهُ ويدَهُ ورجلَهُ وجميعَ أعضائِهِ ، وسلبَ منهُ أهلَهُ وولدَهُ وأقاربَهُ وسائرَ معارفِهِ ، وسلبَ منهُ خيلَهُ ودوابَهُ وغلمانَهُ ودُورَهُ وعقارَهُ وسائرَ أملاكِهِ . ولا فرقّ بينَ أنْ تُسلبَ هذهِ الأشياءُ مِنَ الإنسانِ وبينَ أنْ يُسلبَ الإنسانُ مِنْ هذهِ الأشياءِ ؛ فإنَّ المؤلمَ هو الفراقُ ، والفراقُ يحصلُ تارةً بأنْ يُنهبَ مالُ الرجلِ ، وتارةً بأنْ يُسبَى الرجلُ عنِ الملكِ والمالِ ، والألمُ واحدٌ في الحالينِ . وإنَّما معنى الموتِ : سلبُ الإنسانِ عنْ أموالِهِ بإزعاجِهِ إلى عالمٍ آخرَ لا يناسبُ هذا العالمَ؛ فإنْ كانَ لهُ في الدنيا شيءٌ يأنسُ بهِ ويستريحُ إليهِ ويعتدُّ بوجودِهِ .. فيعظمُ تحشُّرُهُ عليهِ بعدَ الموتِ ، ويصعبُ شقاؤُهُ في مفارقتِهِ ، بلْ يلتفتُ قلبُهُ إلى واحدٍ واحدٍ من مالِهِ وجاهِهِ وعقارِهِ ، حتى إلى قميصٍ كانَ يلبسُهُ مثلاً ويفرحُ بهِ ، وإنْ لمْ يكنْ يفرحُ إلَّ بذكرِ اللهِ تعالى ولمْ يأنسْ إلَّ بهِ .. عظمَ نعيمُهُ وتمَّتْ سعادتُهُ؛ إذْ خُلِّيَ بينَهُ وبينَ محبوِبِهِ ، وقُطْعَتْ عنهُ العوائقُ والشواغلُ ؛ إذْ جميعُ أسبابِ الدنيا شاغلةٌ عنْ ذكرِ اللهِ تعالى ، فهذا أحدُ وجهي المخالفةِ بينَ حالِ الموتِ وحالِ الحياة . ٤٧٠ ربع المنجيات کتاب ذکر الموت والثاني : أنَّهُ ينكشفُ لهُ بالموتِ ما لمْ يكنْ مكشوفاً لهُ في الحياةِ ؛ كما ينكشفُ للمتيقُّظِ ما لمْ يكنْ مكشوفاً في النوم ، والناسُ نيامٌ ، فإذا ماتوا .. انتبهوا ، وأولُ ما ينكشفُ لهُ ما يضرُّهُ وينفعُهُ مِنْ حسناتِهِ وسيئاتِهِ ، وقدْ كانَ ذلكَ مسطوراً في كتابٍ مطويٍّ في سرِّ قلبِهِ ، وكانَ يشغلُهُ عنِ الاطلاع عليهِ شواغلُ الدنيا ؛ فإذا انقطعَتِ الشواغلُ .. انكشفَ له جميعُ أعمالِهِ ، فلا ينظرُ إلى سيئةٍ إِلاَّ ويتحسَّرُ عليها تحسُّراً يؤثرُ أنْ يخوضَ غمرةَ النارِ للخلاصِ مِنْ تلكَ الحسرةِ ، وعندَ ذلك يُقالُ لهُ : ﴿ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَّوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا﴾. وينكشفُ كلُّ ذلكَ عندَ انقطاع النفسِ وقبلَ الدفنِ ، وتشتعلُ فيهِ نيرانٌ الفراقِ ؛ أعني : فراقَ ما كانَ يطمئنُ إليهِ مِنْ هذه الدنيا الفانيةِ دونَ ما أرادَ مِنْها لأجلِ الزادِ والبلغةِ ؛ فإنَّ مَنْ طلبَ الزادَ للبلغةِ: فإذا بلغَ المقصدَ .. فرحَ بمفارقتِهِ بقيةَ الزادِ ؛ إذْ لمْ يكنْ يريدُ الزادَ لعينِهِ ، وهذا حالُ مَنْ لمْ يأخذْ مِنَ الدنيا إلاَّ بقدرِ الضرورةِ ، وكانَ يوذُّ أنْ تنقطعَ ضرورتُهُ ، ليستغنيَ عنهُ ؛ فقدْ حصلَ ما كانَ يودُّهُ واستغنى عنهُ . وهذهِ أنواعٌ مِنَ العذابِ والآلام عظيمةٌ ، تهجمُ عليهِ قبلَ الدفنِ ، ثمَّ عندَ الدفنِ قد تُرُدُّ روحُهُ إلى الجسدِ لنوع آخرَ مِنَ العذابِ ، وقدْ يُعفىُ عنهُ ، ويكونُ حالُ المتنعمِ بالدنيا المطمئنٌّ إليها كحالٍ مَنْ تنعَّمَ عندَ غيبةِ ملكٍ مِنَ الملوكِ في دارِهِ وملكِهِ وحريمِهِ اعتماداً على أنَّ الملكَ يتساهلُ في أمرِهِ ، أوْ علىُ أنَّ الملكَ ليسَ يدري ما يتعاطاهُ مِنْ قبيح أفعالِهِ ، فأخذَهُ الملكُ بغتةً ، وعرضَ عليهِ جريدةً قدْ دُوِّنَتْ فيها جميعُ فواحشِهِ وجناياتِهِ ذَرَّةً ذرَّةً ، وخطوةً ٤٧١ ٥٨٠٠ کتاب ذکر الموت ربع المنجيات خطوةً ، والملكُ قاهرٌ متسلُّطْ، وغيورٌ على حرمِهِ ، ومنتقمٌ مِنَ الجناةِ على ملكِهِ ، وغيرُ ملتفتٍ إلى مَنْ يتشفعُ إليهِ في العصاةِ عليهِ ، فانظرْ إلى هذا المأخوذِ كيفَ يكونُ حالُهُ قبلَ نزولِ عذابِ الملكِ بهِ مِنَ الخوفِ ، والخجلةِ والحياءِ ، والتحسُّرِ والتندُّم . فهذا حالُ الميتِ الفاجرِ المغترِّ بالدنيا المطمئنِّ إليها قبلَ نزولِ عذابٍ القبرِ بهِ ، بلْ عندَ موتِهِ نعوذُ باللهِ منهُ؛ فإنَّ الخزيَ والافتضاحَ وهتكَ السترِ أعظمُ مِنْ كلِّ عذابٍ يحلُّ بالجسدِ مِنَ الضربِ والقطع وغيرِهما . فهذهِ إشارةٌ إلى حالِ الميتِ عندَ الموتِ شاهدَها أولو البصائرِ بمشاهدةٍ باطنةٍ أقوى مِنْ مشاهدةِ العينِ ، وشهدَ لذلكَ شواهدُ الكتابِ والسنةِ . نعمْ ، لا يمكنُ كشفُ الغطاءِ عنْ كنهِ حقيقةِ الموتِ ؛ إِذْ لا يعرفُ الموتَ مَنْ لا يعرفُ الحياةَ ، ومعرفةُ الحياةِ بمعرفةِ حقيقةِ الروحِ في نفسِها ، وإدراكِ ماهيةِ ذاتِها ، ولمْ يُؤذنْ لرسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ أنْ يتكلمَ فيها ، ولا أنْ يزيدَ على أنْ يقولَ: ﴿الزُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِىِ﴾، فليسَ لأحدٍ مِنْ علماءِ الدينِ أنْ يكشفَ عنْ سرِّ الروحِ وإنِ اطَّلِعَ عليهِ ، وإنَّما المأذونُ فيهِ ذکرُ حالِ الروحِ بعدَ الموتِ . ويدلُّ على أنَّ الموتَ ليسَ عبارةً عنِ انعدامِ الروحِ وانعدام إدراكِها آياتٌ وأخبارٌ كثيرةٌ . ٤٧٢ ربع المنجيات کتاب ذکر الموت أَمَّا الآياتُ: فما وردَ في الشهداءِ ؛ إذْ قالَ تعالى: ﴿ وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُواْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَتَأْ بَلْ أَحْيَاءُ عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَفُونَ ﴿﴾ فَرِحِينَ﴾. وأمَّا ما وردَ في الشرع: فلمَّا قُتلَ صناديدُ قريشٍ يومَ بدرٍ .. ناداهم رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ فقالَ: ((يا فلانُ، يا فلانُ، يا فلانُ ؛ قدْ وجدتُ ما وعدَني ربي حقاً ، فهلْ وجدتُم ما وعدَ ربُّكم حقاً؟ )) فقيلَ: يا رسولَ اللهِ ؛ أتناديهم وهمْ أمواتٌ؟! فقالَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: (( والذي نفسي بيدِه ؛ إنَّهم لأسمعُ لهذا الكلامِ منكم ، إلاَّ أنَّهُمْ لا يقدرونَ على الجوابِ )) (١) فهذا نصٌّ في بقاءِ روحِ الشقيِّ ، وبقاءِ إدراكِها ومعرفتِها ، والآيةُ نصٌّ في أرواح الشهداءِ ، ولا يخلو الميتُ عنْ سعادةٍ أو شقاوةٍ . وقالَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: ((القبرُ إمَّا حفرةٌ مِنْ حفرِ النَّارِ، أوْ روضةٌ مِنْ رياضِ الجنَّةِ))(٢) وهذا نصٌّ صريحٌ في أنَّ الموتَ معناهُ تغيُّرُ حالٍ فقطْ ، وأنَّ ما سيكونُ مِنْ شقاوةِ الميتِ وسعادتِهِ يتعجَّلُ عندَ الموتِ مِنْ غيرِ تأخّرٍ ، وإنَّما يتأخرُ بعضُ أنواع العذابِ والثوابِ دونَ أصلِهِ . وروى أنسٌ عنِ النبيِّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ أنَّهُ قالَ: (( الموتُ القيامةُ، فَمَنْ ماتَ .. فقدْ قامَتْ قيامتُهُ))(٣). (١) رواه مسلم (٢٨٧٥)، وفيه ذكر أسمائهم . (٢) رواه الترمذي (٢٤٦٠) بتقديم الجملة الثانية على الأولى . (٣) رواه ابن أبي الدنيا في ((ذكر الموت)). ((إتحاف)) (٣٨٠/١٠)، والديلمي في = ٤٧٣ کتاب ذکر الموت ربع المنجيات وقالَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: ((إذا ماتَ أحدُكُم .. عُرضَ عليهِ مقعدُهُ غدوةً وعشيةً ، إنْ كانَ مِنْ أهلِ الجنَّةِ .. فمِنْ أهلِ الجنَّةِ ، وإنْ كانَ مِنْ أهلِ النارِ .. فمِنْ أهلِ النَّارِ، يُقالُ: هذا مقعدُكَ حتى يبعثَكَ اللهُ يومَ القيامةِ))(١) وليسَ يخفى ما في مشاهدةِ المقعدينِ مِنْ عذابٍ ونعيمٍ في الحالِ . وعنْ أبي قيسٍ قالَ : كَّا معَ علقمةَ في جنازةٍ فقالَ: أَمَّا هذا .. فقدْ قامَتْ قيامتُهُ(٢). وقالَ عليٍّ كرمَ اللهُ وجهَهُ : ( حرامٌ على نفسٍ أنْ تخرجَ مِنَ الدنيا حتى تعلمَ مِنْ أهلِ الجنَّةِ هيَ أمْ مِنْ أهلِ النَّارِ )(٣). وقالَ أبو هريرةَ رضي الله عنه: قالَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ : (( مَنْ ماتَ مريضاً .. ماتَ شهيداً، ووُقِيَ فتّاني القبرِ، وغُديَ ورِيحَ عليهِ برزقِهِ مِنَ الجنَّةِ ))(٤). = ((مسند الفردوس)) (١١١٧)، وفي (ب): (القيامة الأولى ). (١) رواه البخاري (١٣٧٩)، ومسلم (٢٨٦٦) من حديث عبد الله بن عمر رضي الله عنهما . (٢) رواه الطبري في ((تهذيب الآثار)) (٢٤٠). (٣) رواه ابن أبي الدنيا في ((ذكر الموت)). ((إتحاف)) (٣٨١/١٠)، وعبد الرزاق في ((المصنف)) (٦٧٥٠ ) . (٤) رواه ابن ماجه (١٦١٥)، وفي (ب): ( من مات غريباً)، وقال الحافظ السيوطي في ((شرح الصدور)) (ص٢٩٩) (إنما هو: ((من مات مرابطاً)) لا ((من مات مريضاً)))، وانظر ((الإتحاف)) (٣٨١/١٠ - ٣٨٢). ٤٧٤ ربع المنجيات كتاب ذكر الموت وقالَ مسروقٌ : ( ما غبطتُ أحداً ما غبطتُ مؤمناً في اللحدِ ؛ قدِ استراحَ مِنْ نصَبِ الدنيا ، وأمنَ مِنْ عذابِ اللهِ تعالى )(١) . وقالَ يعلى بنُ الوليدِ : كنتُ أمشي يوماً معَ أبي الدرداءِ ، فقلتُ لهُ : ما تحبُّ لمَنْ تحبُّ ؛ قالَ : الموتُ ، قلتُ : فإنْ لمْ يمتْ ؟ قالَ : يقلُّ مالُه وولدُهُ (٢) . وإنَّما أحبَّ الموتَ لأنَّهُ لا يحبُّهُ إلَّ المؤمنُ ، والموتُ إطلاقُ المؤمنِ مِنَ السجنِ ، وإنَّما أحبَّ قلةَ المالِ والولدِ لأنَّهُ فتنةٌ وسببٌ للأنسِ بالدنيا ، والأنسُ بمَنْ لا بدَّ مِنْ فراقِهِ غايةُ الشقاوةِ ، وكلُّ ما سوى اللهِ وذكرِهِ والأنسِ بهِ .. فلا بدَّ مِنْ فراقِهِ عندَ الموتِ لا محالةً . ولهذا قالَ عبدُ اللهِ بنُ عمرو رضيَ اللهُ عنهُما : ( إنَّما مثلُ المؤمنِ حينَ تخرجُ نفسُهُ أَوْ روحُهُ مثلُ رجلٍ كانَ في سجنٍ فَأُخرِجَ منهُ ، فهوَ يتفسحُ في الأرضِ ويتقلَّبُ فيها)(٣). وهذا الذي ذكرَهُ حالُ مَنْ تجافى عنِ الدنيا وتبرَّمَ بها ، ولمْ يكنْ لهُ أنسٌ إلَّ بذكرِ اللهِ تعالى ، وكانَتْ شواغلُ الدنيا تحبسُهُ عنْ محبوبِهِ ، ومقاساةُ 5.4. (١) رواه ابن أبي الدنيا في ((ذكر الموت)). ((إتحاف)) (٣٨٢/١٠)، وابن المبارك في ((الزهد)) (٢٧٤)، وبنحوه ابن أبي شيبة في (( المصنف)) (٣٦٠١١)، وأبو نعيم في («الحلية)) (٢ / ٩٧ ) . (٢) رواه ابن أبي شيبة في ((المصنف)) (٣٥٧٤٣)، وأحمد في ((الزهد)) ( ٧٤٨). (٣) رواه ابن أبي الدنيا في ((الزهد)) (١٩٢)، وابن المبارك في ((الزهد)) ( ٥٩٧). ٤٧٥ کتاب ذكر الموت ربع المنجيات الشهواتِ تؤذيهِ ، فكانَ في الموتِ خلاصُهُ مِنْ جميع المؤذياتِ ، وانفرادُهُ بمحبوبِهِ الذي كانَ بهِ أنسُهُ مِنْ غيرِ عائقٍ ولا دافع ، وما أجدرَ ذلكَ بأنْ يكونَ منتهى النعيمِ واللذاتِ . وأكملُ اللذاتِ للشهداءِ الذين قُتلوا في سبيلِ اللهِ ؛ لأنَّهم ما أقدموا على القتالِ إلاَّ قاطعينَ التفاتَهُمْ عَنْ علائِقِ الدنيا ، مشتاقينَ إلى لقاءِ اللهِ عزَّ وجلَّ ، راضينَ بالقتلِ في طلبٍ مرضاتِهِ ، فإنْ نظرَ إلى الدنيا .. فقدْ باعَها طوعاً بالآخرةِ ، والبائعُ لا يلتفتُ قلبُهُ إلى المبيع ، وإنْ نظرَ إلى الآخرةِ .. فقدِ اشتراها وتشوَّقَ إليها ، فما أعظمَ فرحَهُ بما اشتراهُ إذا رآهُ ، وما أقلَّ التفاتَةُ إلى ما باعَهُ إذا فارقَهُ ، وتجردُ القلبِ لحبِّ اللهِ تعالى قدْ يَتََّقُ في بعضِ الأحوالِ ، ولكنْ لا يدركُهُ الموتُ عليهِ فيتغيرَ(١)، والقتالُ سببُ الموتِ ، فكانَ سبباً لإدراكِ الموتِ على مثلِ هذهِ الحالةِ ، فلهذا عظمَ النعيمُ؛ إذْ معنى النعيمِ: أنْ ينالَ الإنسانُ ما يريدُهُ، قالَ اللهُ تعالى: ﴿ وَلَهُم مَا يَشْتَهُونَ﴾ فكانَ هذا أجمعَ عبارةٍ لمعاني لذاتِ الجنَّةِ . وأعظمُ العذابِ أنْ يُمنعَ الإنسانُ عنْ مرادِهِ ؛ كما قالَ اللهُ تعالىَ: ﴿ وَحِيلَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ مَا يَشْتَهُونَ﴾ فكانَ هذا أجمعَ عبارةٍ لعقوباتِ أهلِ جهنمَ . وهذا النعيمُ يدركُهُ الشهيدُ كما انقطعَ نفسُهُ مِنْ غيرِ تأخيرٍ ، وهذا أمرٌ (١) فليس للموت سلطان على الحب الذي تجرد له القلب ، بل يبقى في القلب بعد الموت ، وينعم به صاحبه أعظم نعيم . ٤٧٦ ربع المنجيات کتاب ذکر الموت انكشفَ لأربابِ القلوبِ بنورِ اليقينِ ، وإنْ أردتَ عليهِ شهادةٌ مِنْ جهةٍ السمعِ .. فجميعُ أحاديثِ الشهداءِ تدلُّ عليه ، وكلُّ حديثٍ يشتملُ على التعبيرِ عنْ منتهى نعيمِهِمْ بعبارةٍ أخرى ، فقدْ رُويَ عنْ عائشةَ رضيَ اللهُ عنها أنَّها قالَتْ: قالَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ لجابرِ: ((ألا أبشرُكَ يا جابرٌ؟!)» وكانَ قدِ استُشهدَ أبوهُ يومَ أحدٍ ، قالَ: بلى، بشَّرَكَ اللهُ بالخيرِ، قالَ : (( إنَّ اللهَ عزَّ وجلَّ أحيا أباكَ وأقعدَهُ بينَ يديهِ وقالَ : تمنَّ عليَّ عبدي ما شئتَ أعطيكَهُ، فقالَ: يا ربِّ؛ ما عبدتُكَ حقَّ عبادتِكَ ، أتمنَّى عليكَ أن تردّني إلى الدنيا فأقاتلَ معَ نبيِّكَ فأُقتلَ فيكَ مرةً أخرى ، قالَ لهُ: إِنَّهُ قَدْ سبقَ منِّي أَنَّك إليها لا ترجعُ))(١). وقالَ كعبٌ : يُوجدُ رجلٌ في الجنَّةِ يبكي ، فقيلَ لهُ: لمَ تبكي وأنتَ في الجنَّةِ ؟! قالَ : أبكي لأنِّي لمْ أُقْتَلْ في اللهِ إلاَّ قتلةً واحدةً ، وكنتُ أشتهي أنْ أُردَّ فأُقتلَ فِيهِ قتلاتٍ (٢). واعلمْ : أنَّ المؤمنَ ينكشفُ لهُ عقيبَ الموتِ مِنْ سعةِ جلالِ اللهِ ما تكونُ الدنيا بالإضافةِ إليه كالسجنِ والمضيقِ ، ويكونُ مثالُهُ كالمحبوسِ في بيتٍ (١) رواه الترمذي (٣٠١٠)، وابن ماجه (١٩٠)، وفيه: (يا عبدي تمنّ عليّ .. أعطك ، قال : يا رب ؛ تحييني فأقتل فيك ثانية ، قال الربّ عز وجل : إنه قد سبق مني أنهم إليها لا يرجعون ) . (٢) رواه أبو نعيم في (( الحلية)) (٤٤/٦)، وفيه: ( فأقتل فيه ثلاث قتلات ). ٤٧٧ کتاب ذکر الموت ربع المنجيات مظلمٍ فُتْحَ لهُ بابٌ إلى بستانٍ واسع الأكتافِ لا يبلغُ طَرْفُهُ أقصاه ، فيهِ أنواعُ الأشجارِ والأزهارِ والثمارِ والطيورِ ، فلا يشتهي العودَ إلى السجنِ المظلمٍ . وقدْ ضربَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ لهُ مثلاً فقالَ لرجلٍ ماتَ : ((أصبحَ هذا مرتحلاً مِنَ الدنيا وتركَها لأهلِها؛ فإنْ كانَ قدْ رضيَ .. فلا يسرُّهُ أنْ يرجعَ إلى الدنيا كما لا يسرُّ أحدَكُم أنْ يرجعَ إلى بطنِ أمِّهِ))(١) فعرَّفَكَ بهذا أنَّ نسبةَ سعةِ الآخرةِ إلى الدنيا كنسبةِ سعةِ الدنيا إلى ظلمةٍ الرحمِ . وقالَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: ((إنَّ مثلَ المؤمنِ في الدنيا كمثلِ الجنينِ في بطنِ أمِّهِ ، إذا خرجَ مِنْ بطنِها .. بكى على مخرجِهِ ، حتى إذا رأى الضوءَ ورضعَ .. لمْ يحبّ أنْ يرجعَ إلى مكانِهِ ، وكذلكَ المؤمنُ يجزعُ مِنَ الموتِ ، فإذا أفضى إلى ربِّه .. لمْ يحبَّ أنْ يرجعَ إلى الدنيا ؛ كما لا يحبُّ الجنينُ أنْ يرجعَ إلى بطنِ أمِّهِ))(٢) . وقيلَ لرسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ : إِنَّ فلاناً قدْ ماتَ ، فقالَ : ((مستريحٌ أو مستراحٌ منه))(٣) أشارَ بالمستريحِ إلى المؤمنِ ، وبالمستراحِ منهُ (١) قال العراقي : ( رواه ابن أبي الدنيا من حديث عمرو بن دينار مرسلاً ورجاله ثقات ) . ((إتحاف)) (١٠ / ٣٨٤ ) . (٢) رواه ابن أبي الدنيا في ((ذكر الموت)). («إتحاف)) (٣٨٤/١٠)، وفي (ف، ص ، ي ) : ( رجع ) بدل ( رضع ) ، وسقطت من باقي النسخ ، والمثبت من نسخة الحافظ الزبيدي. انظر ((الإتحاف)) (٣٨٤/١٠). (٣) رواه البخاري (٦٥١٢)، ومسلم (٩٥٠ ). جر ٤٧٨ ربع المنجيات كتاب ذكر الموت إلى الفاجرِ ؛ إذْ يستريحُ أهلُ الدنيا منهُ . وقالَ أبو عمرَ صاحبُ السقيا : مرَّ بنا ابنُ عمرَ ونحنُ صبيانٌ ، فنظرَ إلى قبرِ ؛ فإذا جمجمةٌ باديةٌ، فأمرَ رجلاً فواراها ثمّ قال : ( إنَّ هذهِ الأبدانَ ليسَ يضرُّها هذا الثَّرى شيئاً، وإنَّما الأرواحُ التي تُعاقبُ وتَثَابُ إلى يومٍ القيامةِ)(١) . وعنْ عمرو بن دينارٍ قالَ : ما مِنْ ميتٍ يموتُ إلَّ وهوَ يعلمُ ما يكونُ في أهلِهِ بعدَهُ، وإنَّهم ليغسِّلونَهُ ويكفِّنونَهُ وإنَّهُ لينظرُ إليهِمْ (٢). وقالَ مالكُ بنُ أنسٍ رحمةُ اللهِ عليهِ : بلغَني أنَّ أرواحَ المؤمنينَ مرسلةٌ تذهبُ حيثُ شاءَتْ(٣). وقالَ النعمانُ بنُ بشيرٍ : سمعتُ رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ على المنبرِ يقولُ: ((ألا إنَّهُ لمْ يبقَ مِنَ الدنيا إلاَّ مثلُ الذبابِ تمورُ في جوِّها ، فاللهَ اللهَ في إخوانِكُمْ مِنْ أهلِ القبورِ ، فإنَّ أعمالَكُمْ تُعرضُ عليهِمْ))(٤) . (١) رواه ابن أبي الدنيا في ((القبور)). ((إتحاف)) (٣٨٤/١٠)، وقال العلامة اللقاني في ((الزهر المنثور)) كما في هامش ((شرح الصدور)) (ص٣٨١): (الذي عليه الأكثر والمعظم : أن العذاب على الروح والجسد جميعاً ، والنعيم كذلك ، خلافاً لابن عمر وابن حزم الظاهري وابن هبيرة ، وابن عمر انفرد بهلذا دون الصحابة والجمهور ) . (٢) رواه أبو نعيم في ((الحلية)) (٣٤٩/٣). (٣) رواه ابن أبي الدنيا في ((الموت)). ((إتحاف)) (٣٨٥/١٠). (٤) رواه ابن أبي الدنيا في ((المنامات)) (١)، والحاكم في ((المستدرك)) (٣٠٧/٤)، والبيهقي في (( الشعب)) ( ٩٧٦١). ٤٧٩ کتاب ذكر الموت ربع المنجيات وقالَ أبو هريرةَ : قالَ النبيُّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: (( لا تفضحوا موتاكُمْ بسيئاتِ أعمالِكُمْ؛ فإنَّها تُعرضُ على أوليائِكُمْ مِنْ أهلِ القبورِ))(١). ولذلكَ قالَ أبو الدرداءِ : (اللهمَّ ؛ إنِّي أعوذُ بكَ أنْ أعمل عملاً أُخزى بهِ عندَ عبدِ اللهِ بنِ رواحةً )(٢) وكانَ قدْ ماتَ، وهوَ خالُهُ . وسُئلَ عبدُ اللهِ بنُ عمرو بن العاصِ عنْ أرواحِ المؤمنينَ إذا ماتوا أينَ هيَ؟ قالَ : ( في صورِ طيرٍ بيضٍ في ظلِّ العرشِ ، وأرواحُ الكافرينَ في الأرضِ السَّابعةِ)(٣). وقالَ أبو سعيد الخدريُّ رضيَ اللهُ عنهُ: سمعتُ رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ يقولُ: ((إنَّ الميتَ يعرفُ مَنْ يغسِّلُهُ ومَنْ يحملُهُ ، ومَنْ يدلِيهِ في قبرِهِ))(٤) . وقالَ صالحٌ المريُّ : بلغَني أنَّ الأرواحَ تتلاقى عندَ الموتِ ، فتقولُ أرواحُ الموتى للروحِ التي تخرجُ إليهِمْ: كيفَ كانَ مأواكِ ؟ وفي أيٍّ الجسدينِ كنتِ ؟ في طيبٍ أو خبيثٍ ؟(٥) . (١) رواه الديلمي في ((مسند الفردوس)) ( ٧٣٥٧). (٢) رواه ابن المبارك في (( الزهد)) من رواية نعيم بن حماد (١٦٥). (٣) رواه ابن المبارك في ((الزهد)) من رواية نعيم بن حماد (١٦٤)، وفي (أ) : ( حواصل ) بدل ( صور ) . (٤) رواه أحمد في ((المسند)) (٣/٣). (٥) رواه ابن أبي الدنيا في ((الموت)). ((إتحاف)) (٣٩٣/١٠). ٤٨٠