Indexed OCR Text
Pages 241-260
ربع المنجيات کتاب التفكر وأما أكثرُ الناسِ .. فإنَّما مُنعوا الزيادةَ في العلوم لفقدِهِمْ رأس المالِ ، وهوّ المعارفُ التي منها تُستثمرُ العلومُ ؛ كالذي لا بضاعةَ لهُ ، فإنَّهُ لا يقدرُ على الربح ، وقدْ يملكُ البضاعةَ ولكنْ لا يحسنُ صنعةً التجارةِ ، فلا يربحُ شيئاً ؛ فكذلكَ قدْ يكونُ معَهُ مِنَ المعارفِ ما هوَ رأسُ مالِ العلومِ ، ولكنَّهُ ليسَ يحسنُ استعمالَها وتأليفَها ، وإيقاعَ الازدواج المفضي إلى النتاجِ فيها . ومعرفةُ طريقِ الاستعمالِ والاستثمارِ تارةً تكونُ بنورِ إلهيٍّ في القلبِ يحصلُ بالفطرةِ ؛ كما كان للأنبياءِ صلواتُ اللهِ عليهم أجمعينَ ، وذلكَ عزيزٌ جداً ، وقدْ تكونُ بالتعلُّمِ والممارسةِ ، وهوَ الأكثرُ . ثمَّ المتفكِّرُ قدْ تحضرُهُ هذهِ المعارفُ، وتحصلُ لهُ الثمرةُ وهوَ لا يشعرُ بكيفيةِ حصولِها(١) ، ولا يقدرُ على التعبيرِ عنها لقلَّةِ ممارستِهِ لصناعةِ التعبيرِ والإيرادِ (٢)، فكمْ مِنْ إنسانٍ يعلمُ أنَّ الآخرةَ أولى بالإيثارِ علماً حقيقياً ، ولو سُئِلَ عنْ سببٍ معرفتِهِ .. لمْ يقدرْ على إيرادِهِ والتعبيرِ عنهُ ، معَ أنَّهُ لمْ تحصلْ معرفتُهُ إلا عنِ المعرفتينِ السابقتينِ ، وهوَ أنَّ الأبقى أولىُ بالإيثار ، وأنَّ الآخرةَ أبقى مِنَ الدنيا ، فتحصلُ لهُ معرفةٌ ثالثةٌ، وهوَ أنَّ الآخرةَ أولى بالإيثارِ ، فرجعَ حاصلُ حقيقةِ الفكرِ إلى إحضارِ معرفتينِ للتوصلِ بهما إلى معرفةٍ ثالثةٍ . (١) لأن ذلك الحصول عبارة عن انتقال القلب بسرعة من معرفة إلى معرفة ، فربما لا يحس به صاحبه، ويظن أنه واقف عند المعرفة الأولى. («إتحاف)) ( ١٦٨/١٠). (٢) في ( ص) وحدها: ( في الإيراد ) بدل ( والإيراد ) . ٢٤١ کتاب التفکر ربع المنجيات وأمَّا ثمرةُ الفكرِ .. فهيَ العلومُ والأحوالُ والأعمالُ، ولكنْ ثمرتُهُ الخاصَّةُ العلمُ لا غیرُ . نعمْ، إذا حصلَ العلمُ في القلبِ .. تغيَّرَ حالُ القلبِ ، وإذا تغيَّرَ حالُ القلبِ .. تغيَّرَتْ أعمالُ الجوارحِ، فالعملُ تابعُ الحالِ ، والحالُ تابعُ العلمِ ، والعلمُ تابعُ الفكرِ ، فالفكرُ إذاً هوَ المبدأُ والمفتاحُ للخيراتِ كلِّها ، وهذا هوَ الذي يكشفُ لكَ عنْ فضيلةِ التفكُّرِ، وأنَّهُ خيرٌ مِنَ الذكرِ والتذُّرِ ؛ لأنَّ في الفكرِ ذكراً وزيادةً ، وذكرُ القلبِ خيرٌ مِنْ عملِ الجوارحِ ، بلْ شرُفَ العملُ لما فيهِ مِنَ الذكرِ . فإذاً؛ التفكُّرُ أفضلُ مِنْ جملةِ الأعمالِ، ولذلكَ قيلَ: (( تفكُّرُ ساعةٍ خيرٌ مِنْ عبادةِ سنةٍ ))(١) ، فقيلَ : هوَ الذي ينقلُ مِنَ المكارهِ إلى المحابِّ ، ومِنَّ الرغبةِ والحرصِ إلى الزهدِ والقناعةِ (٢). (١) روى أبو الشيخ في ((العظمة)) (٤٣) عن أبي هريرة رضي الله عنه مرفوعاً: ((فكرة ساعة خير من عبادة ستين سنة))، والديلمي في (( مسند الفردوس)) (٢٣٩٧) عن أنس رضي الله عنه مرفوعاً: (( تفكّر ساعة في اختلاف الليل والنهار خير من عبادة ثمانين سنة )) . وروى ابن أبي شيبة في (( المصنف)) (٣٥٧٢٨)، وهناد في ((الزهد)) (٩٤٣)، وأبو نعيم في ((الحلية)) (٢٠٩/١) عن أبي الدرداء رضي الله عنه قال: ( تفكر ساعة خير من قيام ليلة ) . (٢) قوت القلوب (١٤/١). ٢٤٢ ربع المنجيات کتاب التفکر وقيلَ : هوَ الذي يحدِثُ مشاهدةً وتقوى، ولذلكَ قالَ تعالى: ﴿لَعَلَّهُمْ يَنَّقُونَ أَوْ يُحْدِثُ لَمْ ذِكْرً﴾(١) . وإنْ أردتَ أنْ تعرفَ كيفيةَ تغيُّرِ الحالِ بالفكرِ .. فمثالُهُ ما ذكرناهُ مِنْ أمرٍ الآخرةِ ؛ فإنَّ الفكرَ فيهِ يعرِّفُنا أنَّ الآخرةَ أولى بالإيثارِ ، فإذا رسخَتْ هذهِ المعرفةُ يقيناً في قلوبِنا .. تغيَّرَتِ القلوبُ إلى الرغبةِ في الآخرةِ ، والزهدِ في الدنيا ، وهذا ما عنيناهُ بالحالِ ؛ إذْ كانَ حالُ القلبِ قبلَ هذهِ المعرفةِ حبَّ العاجلةِ والميلَ إليها ، والنفرةَ عنِ الآخرةِ وقلَّةَ الرغبةِ فيها ، وبهذهِ المعرفةِ تغيَّرَ حالُ القلبِ، وتبدَّلَتْ إرادتُهُ ورغبتُهُ، ثمَّ أثمرَ تغيُّرُ الإرادةِ أعمالَ الجوارحِ في اطَراحِ الدنيا ، والإقبالِ على أعمالِ الآخرةِ ، فههنا خمسُ درجاتٍ : أولاها : التذكُّرُ ؛ وهوَ إحضارُ المعرفتينِ في القلبِ . وثانيتُها : التفكُّرُ ؛ وهوَ طلبُ المعرفةِ المقصودةِ منهما . والثالثةُ : حصولُ المعرفةِ المطلوبةِ ، واستنارةُ القلبِ بها . والرابعةُ : تغيُّرُ حالِ القلبِ عمَّا كانَ بسببِ حصولِ نورِ المعرفةِ . والخامسةُ : خدمةُ الجوارحِ للقلبِ بحسَبٍ ما تجدّدَ لهُ مِنَ الحالِ . فكما يُضربُ الحجرُ على الحديدِ فيخرجُ منهُ نارٌ يستضيءُ بها الموضعُ ، (١) قوت القلوب (١٤/١). ٢٤٣ کتاب التفكر ربع المنجيات ٥٠٥٨٥٠ فتصيرُ العينُ مبصرةً بعدَ أنْ لمْ تكنْ مبصرةٌ ، وتنتهضُ الأعضاءُ للعملِ .. فكذلكَ زنادُ نورِ المعرفةِ هوَ الفكرُ ، فيجمعُ بينَ المعرفتينِ كما يُجمِعُ بينَ الحجرِ والحديدِ ، ويؤلِّفُ بينَهما تأليفاً مخصوصاً كما يُضربُ الحجرُ على الحديدِ ضرباً مخصوصاً ، فينبعثُ نورُ المعرفةِ كما تنبعثُ النارُ مِنَ الحديدِ ، ويتغيِّرُ القلبُ بسببِ هذا النورِ حتى يميل إلى ما لمْ يكنْ يميلُ إليهِ كما يتغيّرُ البصرُ بنورِ النارِ ، فيرى ما لمْ يكنْ يراهُ، ثمَّ تنتهضُ الأعضاءُ للعملِ بمقتضى حالِ القلبِ كما ينتهضُ العاجزُ عنِ العملِ بسببِ الظلمةِ للعملِ عندَ إدراكِ البصرِ ما لمْ يكنْ يبصرُهُ . فإذاً ؛ ثمرةُ الفكرِ العلومُ والأحوالُ، والعلومُ لا نهايةً لها، والأحوالُ التي تُصوّرُ أنْ تتقلَّبَ على القلبِ لا يمكنُ حصرُها، ولهذا لوْ أرادَ مريدٌ أنْ يحصرَ فنونَ الفكرِ ومجاريَهُ ، وأنَّهُ فيماذا يتفكّرُ .. لمْ يقدرْ عليهِ؛ لأنَّ مجاريَ الفكرِ غيرُ محصورةٍ ، وثمراتِهِ غيرُ متناهيةٍ . نعمْ ، نحنُ نجتهدُ في ضبطِ مجاريهِ بالإضافةِ إلى مهماتِ العلوم الدينيّةِ ، وبالإضافةِ إلى الأحوالِ التي هيَ مقاماتُ السالكينَ ، ويكونُ ذلكَ ضبطاً جُمليّاً ؛ فإنَّ تفصيلَ ذلكَ يستدعي شرحَ العلوم كلِّها ، وجملةُ هذهِ الكتبِ كالشرحِ لبعضِها ، فإنَّها مشتملةٌ على علوم ، تلكَ العلومُ تُستفادُ مِنْ أفكارِ مخصوصةٍ ، فلنشرْ إلى ضبطِ المجامع ؛ فبهِ يحصلُ الوقوفُ على مجاري الفكرِ . ٢٤٤ ربع المنجيات كتاب التفكر بيان مجاري الفكر اعلمْ : أنَّ الفكرَ قدْ يجري في أمرٍ يتعلَّقُ بالدينِ ، وقدْ يجري فيما يتعلَّقُ بغيرِ الدينِ ، وإنَّما غرضُنا ما يتعلَّق بالدينِ ، فلنتركِ القسمَ الآخرَ . ونعني بالدينِ : المعاملةَ التي بينَ العبدِ وبينَ الربِّ تعالى ، فجميعُ أفكارِ العبدِ إمَّا أنْ تتعلَّقَ بالعبدِ وصفاتِهِ وأحوالِهِ ، وإمَّا أنْ تتعلَّقَ بالمعبودِ وصفاتِهِ وأفعالِهِ ، لا يمكنُ أنْ يخرجَ عنْ هذينِ القسمينِ . وما يتعلَّقُ بالعبدِ إمّا أنْ يكونَ نظراً فيما هوَ محبوبٌ عندَ الربِّ تعالى ، أوْ فيما هوَ مكروهٌ ، ولا حاجةً إلى الفكرِ في غيرِ هذينِ القسمينِ . وما يتعلَّقُ بالربِّ تعالى إمّا أنْ يكونَ نظراً في ذاتِهِ وصفاتِهِ وأسمائِهِ الحسنى، وإمَّا أنْ يكونَ في أفعالِهِ وملكِهِ وملكوتِهِ ، وجميع ما في السماواتِ والأرضِ وما بينَهما . وينكشفُ لكَ انحصارُ الفكرِ في هذهِ الأقسام بمثالٍ ، وهوَ أنَّ حالَ السائرينَ إلى اللهِ تعالى والمشتاقينَ إلى لقائِهِ يضاهي حالَ العشَّاقِ ، فلنتخذِ العاشقَ المستهتَرَ مثالَنَا ، فنقولُ : العاشقُ المستغرقُ الهمِّ بعشقِهِ لا يعدو فكرُهُ مِنْ أنْ يتعلَّقَ بمعشوقِهِ ، أوْ يتعلَّقَ بنفسِهِ ، فإنْ تفكَّرَ في معشوقِهِ .. فإمَّا أنْ يتفكَّرَ في جمالِهِ وحسنِ صورتِهِ في ذاتِهِ ؛ ليتنعَّمَ بالفكرِ فيهِ وبمشاهدتِهِ ، وإمَّا أنْ يتفكّرَ في أفعالِهِ اللطيفةِ الحسنةِ الدالَّةِ على أخلاقِهِ وصفاتِهِ ؛ ليكونَ ٢٤٥ کتاب التفكر ربع المنجيات ذلكَ مضعفاً للَّتِهِ ومقويّاً لمحبتِهِ ، وإنْ تفكّرَ في نفسِهِ .. فيكونُ فكرُهُ في صفاتِهِ التي تسقطُهُ مِنْ عينٍ محبوِبِهِ حتى يتنزَّهَ عنها ، أوْ في الصفاتِ التي تقرَّبُهُ منهُ وتحبُّهُ إليهِ حتى يتصفَ بها ، فإنْ تفكّرَ في شيءٍ خارجٍ عنْ هذهِ الأقسام .. فذلكَ خارجٌ عنْ حدِّ العشقِ، وهوَ نقصانٌ فيهِ؛ لأنَّ العشقَ التاءَ الكاملَ ما يستغرقُ العاشقَ ويستوفي القلبَ ، حتى لا يتركَ فيهِ متسعاً لغيرِهِ ، فمحبُّ اللهِ تعالى ينبغي أنْ يكونَ كذلكَ ، فلا يعدو نظرُهُ وتفكُّرُهُ محبوبَهُ ، ومهما كانَ تفكّرُهُ محصوراً في هذهِ الأقسامِ الأربعةِ .. لمْ يكنْ خارجاً عنْ مقتضى المحبَّةِ أصلاً . فلنبدأُ بالقسم الأوّلِ : وهوَ تفكُّرُهُ في صفاتِ نفسِهِ وأفعالِ نفسِهِ ؛ ليميزَ المحبوبَ منها عنِ المكروهِ ، فإنَّ هذا الفكرَ هوَ الذي يتعلَّقُ بعلم المعاملةِ الذي هوَ مقصودُ هذا الكتابِ، وأمَّا القسمُ الآخرُ(١) .. فيتعلَّقُ بعلم المكاشفةِ. ثمَّ كلُّ واحدٍ ممَّا هوَ مكروهٌ عندَ اللهِ تعالى أوْ محبوبٌ ينقسمُ إلى ظاهرٍ ؛ كالطاعاتِ والمعاصي ، وإلىْ باطنٍ ؛ كالصفاتِ المنجياتِ والمهلكاتِ التي محلُّها القلبُ ، وذكرنا تفصيلَها في ربع المهلكاتِ والمنجياتِ . والطاعاتُ والمعاصي تنقسمُ إلى ما يتعلَّقُ بالأعضاءِ السبعةِ ، وإلى (١) وهو التفكر في ذاته سبحانه وصفاته وأفعاله، وسيأتي ، ولوَّح لمباديه المصنف في كتابه ((المقصد الأسنى شرح أسماء الله الحسنى)). ٢٤٦ ربع المنجيات کتاب التفکر ما يُنسبُ إلى جميع البدنِ ؛ كالفرارِ مِنَ الزحفِ ، وعقوقِ الوالدينِ ، والسكنى في المسكنِ الحرامِ . ويجبُ في كلِّ واحدٍ مِنَ المكارهِ التفكِّرُ في ثلاثةِ أمورٍ : الأوَّلُ : التفكُّرُ في أنَّهُ هلْ هوَ مكروهٌ عندَ اللهِ أَمْ لا ؟ فربَّ شيءٍ لا يظهرُ كونُهُ مكروهاً ، بلْ يُدركُ بدقيقِ النظرِ . والثاني : التفكُّرُ في أنَّهُ إنْ كانَ مكروهاً .. فما طريقُ الاحترازِ عنهُ ؟ والثالثُ : أنَّ هذا المكروه هلْ هوَ متصفٌ بهِ في الحالِ فيتركَهُ ؟ أَوْ هوَ متعرِّضٌ لهُ في الاستقبالِ فيحترزَ عنهُ؟ أوْ قارفَهُ فيما مضىُ مِنَ الأحوالِ فیحتاج إلى تداركِهِ ؟ ء وكذلكَ كلُّ واحدٍ مِنَ المحبوباتِ ينقسمُ هذهِ الانقساماتِ ، فإذا جُمعَتْ هذهِ الأقسامُ .. زادَتْ مجاري الفكرِ في هذهِ الأقسام على مئةٍ ، والعبدُ مدفوعٌ إلى التفكّرِ إمَّا في جميعِها ، أوْ في أكثرِها، وشرحُ آحادِ هذهِ الأقسام يطولُ ، ولكنِ انحصرَ ههذا القسمُ في أربعةِ أنواع : الطاعاتُ ، والمعاصي ، والصفاتُ المهلكاتُ ، والصفاتُ المنجياتُ ، فلنذكرْ في كلِّ نوع مثالاً ليقيسَ بهِ المريدُ سائرَها ، وينفتحَ لهُ بابُ الفكرِ ، ويتسعَ عليهِ طريقُهُ . ٢٤٧ ER کتاب التفکر ربع المنجيات النوعُ الأوَّلُ : المعاصي : ينبغي أنْ يفتِّشَ العبدُ صبيحةَ كلِّ يومٍ جميعَ أعضائِهِ السبعةِ تفصيلاً ، ثمَّ بدنَهُ على الجملةِ ؛ هلْ هوَ في الحالِ ملابسٌ لمعصيةٍ بها فيتركَها ؟ أوْ لابَسَها بالأمس فيتداركَها بالتركِ والندم ، أوْ هوَ متعرِّضٌ لها في نهارِهِ فيستعدَّ للاحترازِ والتباعدِ عنها ؟ فينظرُ في اللسانِ ويقولُ : إنَّهُ متعرِّضٌ للغيبةِ ، والكذبِ ، وتزكيةٍ النفسِ ، والاستهزاءِ بالغيرِ ، والمماراةِ ، والممازحةِ ، والخوضِ فيما لا يعني ، إلى غيرِ ذلكَ مِنَ المكارهِ ، فيقرِّرُ أوّلاً في نفسِهِ أنَّها مكروهٌ عندَ اللهِ تعالى، ويتفكّرُ في شواهدِ القرآنِ والسنةِ على شدَّةِ العذابِ فيها ، ثمّ يتفكّرُ في أحوالِهِ أنَّهُ كيفَ يتعرَّضُ لها مِنْ حيثُ لا يشعرُ ، ثمَّ يتفكَّرُ أنَّهُ كيفَ يحترزُ منهُ؟ ويعلمُ أنَّهُ لا يتمُّ لهُ ذلكَ إلا بالعزلةِ والانفرادِ ، أوْ بألا يجالسَ إلا صالحاً تقيّاً ينكرُ عليهِ مهما تكلَّمَ بما يكرهُهُ اللهُ تعالى، أَوْ يضعُ حجراً في فيهِ إذا جالسَ غيرَهُ ؛ حتى يكونَ ذلكَ مذكِّراً لهُ ، فهكذا يكونُ الفكرُ في حيلةٍ الاحترازِ . ويتفكّرُ في سمعِهِ أنَّهُ يصغي بهِ إلى الغيبةِ ، والكذبِ ، وفضولِ الكلام ، وإلى اللهوِ ، والبدعةِ ، وأنَّ ذلكَ إنَّما يسمعُهُ مِنْ زيدٍ وعمروٍ ، وأنَّهُ كيفَ ينبغي أنْ يحترزَ عنهُ بالاعتزالِ ، أوْ بالنهي عنِ المنكرِ مهما سمعَ ذلكَ . ويتفكرُ في بطنِهِ أنَّهُ إنَّما يعصي اللهَ تعالى فيهِ بالأكلِ والشربِ ؛ إمَّا بكثرةِ ٢٤٨ ربع المنجيات كتاب التفكر الأكلِ مِنَ الحلالِ ؛ فإنَّ ذلكَ مكروهٌ عندَ اللهِ ، ومقوٍّ للشهوةِ التي هيَ سلاحُ الشيطانِ عدوِّ اللهِ، وإمَّا بأكلِ الحرامِ أوِ الشبهةِ ، فينظرُ مِنْ أينَ مطعمُهُ وملبسُهُ ومسكنُهُ؟ وما مكسبُهُ؟ ويتفكّرُ في طرقِ الحلالِ ومداخلِهِ ، ثُمَّ يتفكّرُ في وجوهِ الحيلةِ في الاكتسابِ منهُ والاحترازِ مِنَ الحرامِ ، ويقرِّرُ على نفسِهِ أنَّ العباداتِ كلَّها ضائعةٌ معَ أكلِ الحرام ، وأنَّ أكل الحلالِ هوَ أساسُ العباداتِ كلِّها، وأنَّ اللهَ تعالى لا يقبلُ صلاةَ عبدٍ في ثمنِ ثُوبِهِ درهمٌ حرامٌ كما وردَ في الخبرِ(١) . فهكذا يتفكّرُ في أعضائِهِ ، ففي هذا القدْرِ كفايةٌ عنِ الاستقصاءِ ، فمهما حصلَ بالتفكُّرِ حقيقةُ المعرفةِ بههذهِ الأحوالِ .. اشتغلَ بالمراقبةِ طولَ النهارِ حتى يحفظَ الأعضاءَ عنها . وأمَّا النوعُ الثاني ، وهوَ الطاعاتُ : فينظرُ أوَّلاً في الفرائضِ المكتوبةِ عليهِ أنَّهُ كيفَ يؤدِّيها ؟ وكيفَ يحرسُها عنِ النقصانِ والتقصيرِ ؟ أوْ كيفَ يجبرُ نقصانَها بكثرةِ النوافلِ ؟ ثمَّ يرجعُ إلى عضوٍ عضوٍ فيتفكّرُ في الأفعالِ التي تتعلَّقُ بها ممَّا يحبُّهُ اللهُ تعالى، فيقولُ مثلاً : إنَّ العينَ خُلقَتْ للنظرِ في ملكوتِ السماواتِ والأرضِ عبرةٌ ، ولتُستعملَ (١) رواه أحمد في (( المسند)) (٩٨/٢). ٢٤٩ کتاب التفکر ربع المنجيات في طاعةِ اللهِ تعالى ، وتنظرَ في كتابِ اللهِ عزَّ وجلَّ وسنَّةِ رسولِهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ ، وأنا قادرٌ على أنْ أشغلَ العينَ بمطالعةِ القرآنِ والسنةِ ، فلِمَ لا أفعلُهُ ؟ وأنا قادرٌ على أنْ أنظرَ إلى فلانِ المطيع بعينِ التعظيمِ فأدخلَ السرورَ على قلبِهِ ، وأنظرَ إلى فلانِ الفاسقِ بعينِ الازدراءِ فأزجرَهُ بذلكَ عنْ معصيتِهِ ، فِلِمَ لا أفعلُهُ ؟ وكذلكَ يقولُ في سمعِهِ : إنِّي قادرٌ على استماع كلام ملهوفٍ ، أوِ استماع حكمةٍ وعلمٍ ، أوِ استماع قراءةٍ وذكرٍ ، فما لي أعطُّلُهُ وقدْ أنعمَ اللهُ تعالى عليَّ بهِ ، وأودعنيهِ لأشكرَهُ ، فما لي أكفرُ نعمةَ اللهِ فيهِ بتضييعِهِ أوْ تعطیلِهِ ؟ وكذلكَ يتفكّرُ في اللسانِ ويقولُ : إنِّي قادرٌ على أنْ أتقرَّبَ إلى الله تعالى بالتعليمِ والوعظِ والتوذُّدِ إلى قلوبِ أهلِ الصلاحِ ، وبالسؤالِ عنْ أحوالٍ الفقراءِ ، وإدخالِ السرورِ على قلبٍ زيدِ الصالحِ وعمروِ العالمِ بكلمةٍ طيِّةٍ ، وكلُّ كلمةٍ طيبةٍ فإنَّها صدقةٌ . وكذلكَ يتفكّرُ في مالِهِ فيقولُ : أنا قادرٌ على أنْ أتصدَّقَ بالمالِ الفلانيِّ ؛ فإنِّي مستغنِ عنهُ، ومهما احتجتُ إليهِ .. رزقَني اللهُ تعالىُ مثلَهُ ، وإنْ كنتُ محتاجاً الآنَ .. فأنا إلى ثوابِ الإيثارِ أحوجُ مِنِّي إلى ذلكَ المالِ . وهكذا يفتِّئُ عنْ جميع أعضائِهِ ، وجملةِ بدنِهِ وأموالِهِ ، بلْ عنْ دوائِهِ وغلمانِهِ وأولادِهِ ، فإنَّ كلَّ ذلكَ أدواتهُ وأسبابُهُ ، ويقدرُ على أنْ يطيعَ اللهَ ٢٥٠ ربع المنجيات کتاب التفکر تعالىُ بها ، فيستنبطَ بدقيقِ الفكرِ وجوهَ الطاعاتِ الممكنةِ بها ، ويتفكّرُ فيما يرغّبُهُ في البدارِ إلى تلكَ الطاعاتِ ، ويتفكّرُ في إخلاصِ النِيَّةِ فيها ، ويطلبُ لها مظانَّ الاستحقاقِ حتى يزكوَ بها عملُهُ ، وقسْ على هذا سائرَ الطاعات . وأمَّا النوعُ الثالثُ : فهيَ الصفاتُ المهلكةُ التي محلُّها القلبُ: فيعرفُها ممَّا ذكرناهُ في ربع المهلكاتِ ، وهيَ استيلاءُ الشهوةِ ، والغضبٍ ، والبخلِ ، والكبرِ ، والعجبِ ، والرياءِ ، والحسدِ ، وسوءِ الظنِّ ، والغفلةِ ، والغرورِ ، وغيرِ ذلكَ ، ويتفقَّدُ مِنْ قلبهِ هذهِ الصفاتِ ، فإنْ ظنَّ أنَّ قلبَهُ منزَّهُ عنها .. فيتفكّرُ في كيفيَّةِ امتحانِهِ ، والاستشهادِ بالعلاماتِ عليهِ ؛ فإنَّ النفسَ أبداً تعدُ بالخيرِ مِنْ نفسِها وتخلفُ ، فإذا اذَّعَتِ التواضعَ والبراءةَ مِنَ الكبرِ .. فينبغي أنْ تُجرَّبَ بحملٍ حزمةِ حطبٍ في السوقِ ، كما كانَ الأوَّلونَ يجرِّبونَ بهِ أَنفسَهُمْ، وإذا اذَّعَتِ الحلمَ .. تُعرَّضُ الغضبٍ ينالُهُ مِنْ غيرِهِ ، ثمَّ يجرِّبُها في كظم الغيظِ ، وكذلكَ في سائرِ الصفاتِ . وهذا تفكُّرٌ في أنَّهُ هلْ هوَ موصوفٌ بالصفةِ المكروهةِ أمْ لا ؟ ولذلكَ علاماتٌ ذكرناها في ربع المهلكاتِ ، فإذا دلَّتِ العلامةُ على وجودِها .. فَكَّرَ في الأسبابِ التي تقبِّحُ تلكَ الصفاتِ عندَهُ(١) ، وتبيَّنَ أنَّ منشأَها مِنَ الجهلِ (١) في بعض النسخ يحتمل قراءة ( تقبِّح): ( تنتجُ) ، وهو معنىّ لا يبعد. ٢٥١ کتاب التفكر ربع المنجيات والغفلةِ وخبْثِ الدُّخْلةِ ؛ كما لوْ رأى في نفسِهِ عُجْباً بالعملِ ، فيتفكّرُ ويقولُ : إنَّما عملي ببدني وجارحتي ، وبقدرتي وإرادتي ، وكلُّ ذلك ليسَ مِنِّي ولا إليَّ، وإنَّما هوَ مِنْ خلقِ اللهِ عزَّ وجلَّ وفضلِهِ عليَّ ، فهوَ الذي خلقَني ، وخلقَ جارحتي ، وخلقَ قدرتي وإرادتي ، وهوَ الذي حرَّكَ أعضائي بقدرتِهِ ، وأقدرَني وأرادَ إرادتي ، فكيفَ أعجبُ بعملي أوْ بنفسي ولا قوامَ لنفسي بنفسي ؟! وإذا أحسنَّ في نفسِهِ بالكبرِ .. قرَّرَ على نفسِهِ ما فيهِ مِنَ الحماقةِ ، ويقولُ لها : لِمَ ترينَ نفسَكِ أكبرَ والكبيرُ مَنْ هوَ عندَ اللهِ كبيرٌ؟ وذلكَ ينكشفُ بعدَ الموتِ ، وكمْ مِنْ كافرٍ في الحالِ يموتُ مقرَّباً إلى اللهِ تعالى بنزوعِهِ عنِ الكفرِ ، وكمْ مِنْ مسلمٍ يموتُ شقيّاً بتغيُّرِ حالِهِ عندَ الموتِ بسوءِ الخاتمةِ ! فإذا عرفَ أنَّ الكبرَ مهلكٌ، وأنَّ أصلَهُ الحماقةُ .. فيتفكّرُ في علاجٍ إزالةٍ ذلكَ ؛ بأنْ يتعاطى أفعالَ المتواضعينَ . وإذا وجدَ في نفسِهِ شهوةَ الطعام وشرهَهُ .. تفكّرَ في أنَّ هذهِ صفةٌ البهائمٍ ، ولوْ كانَ في شهوةِ الطعامِ والوقاعِ كمالٌ .. لكانَ ذلكَ مِنْ صفاتِ اللهِ تعالى وصفاتِ الملائكةِ ؛ كالعلمِ والقدرةِ ، ولما اتصفَ بهِ البهائمُ ، ومهما كانَ الشرهُ عليهِ أغلبَ .. كانَ بالبهائمِ أشبهَ ، وعنِ الملائكةِ المقرّبينَ أبعدَ . وكذلكَ يقرِّرُ على نفسِهِ في الغضبِ ، ثمَّ يتفكّرُ في طريقِ العلاجِ ، وكلُّ ٢٥٢ ٠٫٧٠٠٠ ربع المنجيات کتاب التفکر ذلكَ ذكرناهُ في هذهِ الكتبِ ، فَمَنْ يريدُ أنْ يتسعَ لهُ طريقُ الفكرِ .. فلا بدَّ لهُ مِنْ تحصيلٍ ما في هذهِ الكتبِ . وأمَّا النوعُ الرابعُ ، وهوَ المنجياتُ : فهوَ التوبةُ، والندمُ على الذنوبِ ، والصبر على البلاءِ ، والشكرُ على النعماءِ ، والخوفُ والرجاءُ ، والزهدُ في الدنيا ، والإخلاصُ والصدقُ في الطاعاتِ ، ومحبةُ اللهِ تعالى وتعظيمُهُ، والرضا بأفعالِهِ ، والشوقُ إليهِ ، والخشوعُ والتواضعُ لهُ وكلُّ ذلكَ ذكرناهُ في هذا الربع ، وذكرنا أسبابَهُ وعلاماتِهِ : فليتفكّرِ العبدُ كلَّ يومٍ في قلبِهِ ما الذي يعوزُهُ مِنْ هذهِ الصفاتِ التي هيَ المقرَّبةُ إلى اللهِ تعالى؟ فإذا افتقرَ إلى شيءٍ منها .. فليعلمْ أنَّها أحوالٌ لا يثمرُها إلا علومٌ ، وأنَّ العلومَ لا يثمرُها إلا أفكارٌ . فإذا أرادَ أنْ يكتسبَ لنفسهِ حالَ التوبةِ والندم .. فليفتِّشْ ذنوبَهُ أوَّلاً ، وليتفكّرْ فيها ، وليجمعْها على نفسِهِ ، وليعظمْها في قلبِهِ ، ثمَّ لينظرْ في الوعيدِ والتشديدِ الذي وردَ في الشرع فيها ، وليتحقَّقْ عندَ نفسِهِ أنَّهُ متعرِّضٌ لمقتِ اللهِ تعالى ؛ حتى ينبعثَ لهُ حالُ الندمِ . وإذا أرادَ أنْ يستثيرَ مِنْ قلبِهِ حالَ الشكرِ . . فلينظرْ في إحسانِ اللهِ تعالى إليهِ ، وأياديهِ عليهِ ، وفي إرسالِهِ جميلَ سترِهِ عليهِ ، على ما شرحنا بعضَهُ في كتابِ الشكرِ ، فليطالعْ ذلكَ . ٢٥٣ کتاب التفکر ربع المنجيات وإذا أرادَ حالَ المحبَّةِ والشوقِ .. فليتفكّرْ في جلالِ اللهِ تعالى وجمالِهِ ، وعظمتِهِ وكبريائِهِ ، وذلكَ بالنظرِ في عجائبِ حكمتِهِ وبدائع صنعِهِ ، كما سنشيرُ إلى طرفٍ يسيرٍ منهُ في القسمِ الثاني مِنَ الفكرِ . وإذا أرادَ حالَ الخوفِ .. فلينظرْ أوَّلاً في ذنوبِهِ الظاهرةِ والباطنةِ ، ثُمَّ لينظرْ في الموتِ وسكراتِهِ ، ثمَّ فيما بعدَهُ مِنْ سؤالِ منكرٍ ونكيرٍ ، وعذابِ القبرِ ، وحيَّتِهِ وعقارِبِهِ وديدانِهِ ، ثمَّ في هولِ النداءِ عندَ نفخةِ الصورِ ، ثمَّ في هولِ المحشرِ عندَ جمع الخلائقِ على صعيدٍ واحدٍ ، ثمَّ في المناقشةِ في الحسابِ ، والمضايقةِ في النقيرِ والقطميرِ ، ثمَّ في الصراطِ ودقتِهِ وحدَّتِهِ ، ثمَّ في خطرِ الأمرِ عندَهُ أنَّهُ يُصرفُ إلى الشمالِ فيكونُ مِنْ أصحابِ النّارِ ، أَوْ يُصرفُ إلى اليمينِ فينزلُ دارَ القرارِ، ثُمَّ ليحضِرْ بعدَ أهوالِ القيامةِ في قلبِهِ صورةً جهنَّمَ ودركاتِها ، ومقامعِها وأهوالِها ، وسلاسلِها وأغلالِها ، وزقُومِها وصديدِها ، وأنواع العذابِ فيها ، وقبْحِ صورةِ الزبانيةِ المؤكَّلينَ بها ، وأنَّهُمْ كلَّما نضجَتْ جلودُهُمْ بُدَّلَتْ جلوداً غيرَها، وأنَّهُمْ كلَّما أرادوا أنْ يخرجوا منها .. أُعيدوا فيها، وأنَّهم إذا رأَوْها مِنْ مكانٍ بعيدٍ .. سمعوا لها تغيُّظاً وزفيراً ، وهلُمَّ جرّاً إلى جميع ما وردَ في القرآنِ مِنْ شرحِها . وإذا أرادَ أنْ يستجلبَ حالَ الرجاءِ .. فلينظرْ إلى الجنَّةِ ونعيمِها، وأشجارِها وأنهارِها ، وحورِها وولدانِها ، ونعيمِها المقيمِ ، وملكِها الدائم . ـرة ٢٥٤ .- - --- ------ - ........ : ---- ربع المنجيات کتاب التفکر فهكذا طريقُ الفكرِ الذي تُطلبُ بهِ العلومُ التي تثمرُ اجتلابَ أحوالٍ محبوبةٍ ، أوِ التنزُّهَ عنْ صفاتٍ مذمومةٍ ، وقدْ ذكرنا في كلِّ واحدةٍ مِنْ هذهِ الأحوالِ كتاباً مفرداً يُستعانُ بهِ على تفصيلِ الفكرِ . أمَّا بذكرِ مجامعِهِ .. فلا يُوجدُ فيهِ أنفعُ منْ قراءَةِ الْقرآنِ بالتفكُّرِ، فإنَّهُ جامعٌ لجميع المقاماتِ والأحوالِ ، وفيهِ شفاءٌ للعالمينَ ، وفيهِ ما يورثُ الخوفَ والرجاءَ ، والصبرَ والشكرَ ، والمحبةَ والشوقَ ، وسائرَ الأحوالِ ، وفيهِ ما يزجرُ عنْ سائرِ الصفاتِ المذمومةِ ، فينبغي أنْ يقرأَهُ العبدُ ويردِّدَ الآيةَ التي هوَ محتاجٌ إلى التفكّرِ فيها مرَّةً بعدَ أخرى، ولوْ مئةَ مرَّةٍ(١) ، فقراءةُ آيَةٍ بتفكّرٍ وفهمٍ خيرٌ مِنْ ختمةٍ بغيرِ تدبٍُّ وفهمٍ ، وليتوقَّفْ في التأمُّلِ فيها ولوْ ليلةً واحدةً ، فإنَّ تحتَ كلِّ كلمةٍ منها أسراراً لا تنحصرُ ، ولا يُوقفُ عليها إلا بدقيقِ الفكرِ عنْ صفاءِ القلبِ بعدَ صدقِ المعاملةِ . وكذلكَ مطالعةُ أخبارِ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ ، فإنَّهُ قد أُوتِيَ جوامعَ الكلمٍ ، وكلُّ كلمةٍ مِنْ كلماتِهِ بحرٌ مِنْ بحورِ الحكمةِ ، لوْ تأمَّلَها العالمُ حقَّ التأمُّلِ .. لمْ ينقطعْ فيها نظرُهُ طولَ عمرِهِ . وشرحُ آحادِ الآياتِ والأخبارِ يطولُ ، فانظر إلى قولِهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: ((إنَّ روحَ القدسِ نفثَ في رُوعي : أحببْ مَنْ أحببتَ فإِنَّكَ (١) حتى يعثر على مقصوده منها، ومتى دام العبد على ذلك .. طهُر قلبه وغزر علمه. («إتحاف)) ( ١٧٥/١٠ ) . ٢٥٥ كتاب المتفكر ربع المنجيات مفارقُهُ، وعِشْ ما شئتَ فإنَّكَ ميتٌ، واعملْ ما شئتَ فإنَّكَ مجزيٌّ بهِ))(١)، فإنَّ هذهِ الكلماتِ جامعةٌ حكمَ الأولينَ والآخرينَ ، وهيَ كافيةٌ للمتأمِّلينَ فيها طولَ العمرِ ، إذْ لوْ وقفوا على معانيها ، وغلبَتْ على قلوبِهِمْ غلبةَ يقينٍ .. لاستغرقَتْهُمْ، ولحالَ ذلكَ بينَهُمْ وبينَ التلفُّتِ إلى الدنيا بالكليّةِ . فهذا هوَ طريقُ الفكرِ في علومِ المعاملةِ وصفاتِ العبدِ مِنْ حيثُ هيَ محبوبةٌ عندَ اللهِ تعالى أوْ مكروهةٌ ، والمبتدىءُ ينبغي أنْ يكونَ مستغرقَ الوقتِ في هذهِ الأفكارِ ؛ حتى يعمرَ قلبَهُ بالأخلاقِ المحمودةِ والمقاماتِ الشريفةِ ، وينزِّهَ باطنَهُ وظاهرَهُ عنِ المكارهِ . وليعلمْ أنَّ هذا معَ أنَّهُ أفضلُ مِنْ سائرِ العباداتِ فليسَ هوَ لَهُ غايةَ المطلبِ ، بلِ المشغولُ بهِ محجوبٌ عنْ مطلبِ الصدِّيقينَ ، وهوَ التنقُّمُ بالفكرِ في جلالِ اللهِ تعالىُ وجمالِهِ ، واستغراقِ القلبِ بحيثُ يفنى عنْ نفسِهِ ؛ أيْ : ينسى نفسَهُ وأحوالَهُ ، ومقاماتِهِ وصفاتِهِ ، فيكونُ مستغرقَ الهمِّ بالمحبوبِ ، كالعاشقِ المستهتَرِ عندَ لقاءِ الحبيبِ ؛ فإنَّهُ لا يتفرَّغُ للنظرِ في أحوالِ نفسِهِ وأوصافِها ، بلْ يبقى كالمبهوتِ الغافلِ عنْ نفسِهِ ، وهوَ منتهى لذَّةِ العشّاقِ . فأمَّا ما ذكرناهُ .. فهوَ تفكُّرٌ في عمارةِ الباطنِ ليصلحَ للقرْبِ والوصالِ ، فإذا ضيَّعَ جميعَ عمرِهِ في إصلاحِ نفسِهِ .. فمتى يتنعَّمُ بالقرْبِ ؟! (١) روى لفظ: ((إن روح القدس نفث في روعي)) عبد الرزاق في ((المصنف )) (١٢٥/١١)، وأبو نعيم في ((الحلية)) (٢٦/١٠)، وتتمة الحديث رواها أبو نعيم في (( الحلية)) (٢٠٢/٣)، والبيهقي في ((الشعب)) (١٠٠٥٨). ٢٥٦ ربع المنجيات کتاب التفكر ولذلكَ كانَ الخوَّاصُ يدورُ في البوادي ، فلقيَهُ الحسينُ بنُ منصور ، وقالَ : فيمَ أنتَ ؟ قالَ : أدورُ في البوادي أصحِّحُ حالي في التوكُّلِ ، فقالَ الحسينُ : أفنيتَ عمرَكَ في عمرانِ باطنِكَ، فأينَ الفناءُ في التوحيدِ؟!(١). فالفناءُ في الواحدِ الحقِّ هوَ غايةُ مقصدِ الطالبينَ ، ومنتهى نعيمٍ الصدِّيقينَ، وأمَّا التنزُّهُ عنِ الصفاتِ المهلكاتِ .. فيجري مجرى الخروج عنِ العدَّةِ في النكاح ، وأمَّا الاتصافُ بالصفاتِ المنجياتِ وسائرِ الطاعاتِ .. فيجري مجرى تهيئةِ المرأةِ جهازَها ، وتنظيفِها وجهَها ، ومشطِها شعرَها ؛ لتصلحَ بذلكَ للقاءِ زوجِها ، فإن استغرقَتْ جميعَ عمرِها في تبرئةِ الرحمِ وتزيينِ الوجهِ .. كانَ ذلكَ حجاباً لها عنْ لقاءِ المحبوبِ . فهكذا ينبغي أنْ تفهمَ طريقَ الدينِ إنْ كنتَ مِنْ أهلِ المجالسةِ . وإنْ كنتَ كالعبدِ السوءِ ، لا يتحرَّكُ إلا خوفاً مِنَ الضربِ ، وطمعاً في الأجرةِ .. فدونَكَ وإتعابَ البدنِ بالأعمالِ الظاهرةِ ، فإنَّ بِينَكَ وبينَ القلبِ حجاباً كثيفاً ، فإذا قضيتَ حقَّ الأعمالِ .. كنتَ مِنْ أهلِ الجنةِ ، ولكنْ للمجالسةِ أقوامٌ آخرونَ(٢) . وإذا عرفتَ مجالَ الفكرِ في علومِ المعاملةِ التي بينَ العبدِ وبينَ ربِّهِ .. فينبغي أن تتخذَ ذلكَ عادتَكَ وديدنَكَ صباحاً ومساءً ، فلا تغفُلُ عنْ نفسِكَ ، (١) رواه القشيري في ((الرسالة)) (ص ٢٩٧ ). (٢) في (ب) زيادة: (وهو معنى قوله: ﴿فِى مَقْعَدٍ صِدْقٍ عِندَ مَلِيكِ مُقْنَدِرٍ﴾ ). جـ ٢٥٧ کتاب التفکر ربع المنجيات وعنْ صفاتِكَ المبعدةِ مِنَ اللهِ تعالى ، وأحوالِكَ المقرِّبةِ إليهِ سبحانَهُ وتعالى ، بلْ كلُّ مريدٍ فينبغي أنْ يكونَ لهُ جريدةٌ يثبتُ فيها جملةَ الصفاتِ المهلكاتِ ، وجملةَ الصفاتِ المنجياتِ ، وجملةَ المعاصي والطاعاتِ ، ويعرضُ نفسَهُ عليها كلَّ يومٍ . ويكفيهِ مِنَ المهلكاتِ النظرُ في عشرةٍ ، فإنَّهُ إنْ سلمَ منها .. سلمَ مِنْ غيرِها ؛ وهيَ البخلُ، والكبرُ ، والعجبُ، والرياءُ ، والحسدُ ، وشدَّةُ الغضبِ ، وشرهُ الطعامِ ، وشرهُ الوقاعِ ، وحبُّ المالِ ، وحبُّ الجاهِ . ومِنَ المنجياتِ عشرةٌ ؛ الندمُ على الذنوبِ ، والصبرُ على البلاءِ ، والرضا بالقضاءِ ، والشكرُ على النعماءِ ، واعتدالُ الخوفِ والرجاءِ ، والزهدُ في الدنيا ، والإخلاصُ في الأعمالِ ، وحسنُ الخُلُقِ معَ الخلْقِ ، وحبُّ اللهِ تعالى ، والخشوعُ لهُ . فهذهِ عشرونَ خصلةٌ ، عشرةٌ مذمومةٌ ، وعشرةٌ محمودةٌ ، فمهما كُفِيَ مِنَ المذموماتِ واحدةً . . فيخطُّ عليها في جريدتِهِ ، ويدعُ الفكرَ فيها ، ويشكرُ اللهَ تعالى على كفايتِهِ إِيَّها، وتنزيهِهِ قلبَهُ عنها ، ويعلمُ أنَّ ذلكَ لمْ يتمَّ إلا بتوفيقِ اللهِ تعالى وعونِهِ، ولوْ وكلَهُ إلى نفسِهِ .. لمْ يقدر على محوٍ أقلُّ الرذائلِ عنْ نفسِهِ ، فيقبلُ على التسعةِ الباقيةِ ، وهكذا يفعلُ حتى يخطّ على الجميع ، وكذا يطالبُ نفسَهُ بالاتصافِ بالمنجياتِ ، فإذا اتصفَ بواحدةٍ منها ؛ كالتوبةِ والندم مثلاً .. خطَّ عليها، واشتغلَ بالباقي ، وهذا يحتاجُ إليهِ المريدُ المشمِّرُ . حم: حق: ـحة ـجة ٢٥٨ ربع المنجيات کتاب التفکر وأمَّا أكثرُ الناسِ مِنَ المعدودينَ مِنَ الصالحينَ .. فينبغي أن يثبتوا في جرائِدِهمُ المعاصيَ الظاهرةَ ؛ كأكلِ الشبهةِ ، وإطلاقِ اللسانِ بالغيبةِ والنميمةِ والمراءِ والثناءِ على النفسِ ، والإفراطِ في معاداةِ الأعداءِ وموالاةٍ الأولياءِ ، والمداهنةِ معَ الخلقِ في تركِ الأمرِ بالمعروفِ والنهي عنِ المنكرِ ، فإنَّ أكثرَ مَنْ يعدُّ نفسَهُ مِنْ وجوهِ الصالحِينَ لا ينفكُ عنْ جملةٍ مِنْ هذهِ المعاصي في جوارحِهِ . وما لمْ تطهرِ الجوارحُ عنِ الآثام .. لا يمكنُ الاشتغالُ بعمارةِ القلبِ وتطهيرِهِ ، بلْ كلُّ فريقٍ مِنَ الناسِ يغلبُ عليهِمْ نوعٌ مِنَ المعصيةِ ، فينبغي أنْ يكونَ تفقُّدُهُمْ لها وتفكُّرُهُمْ فيها لا في معاصٍ هُمْ بمعزلٍ عنها . مثالُهُ : العالمُ الورِعُ ، فإنَّهُ لا يخلو في غالبِ الأمرِ عنْ إظهارِ نفسِهِ بالعلمِ وطلبِ الشهرةِ ، وانتشارِ الصيتِ ؛ إِمَّا بالتدريسِ أوْ بالوعظِ ، ومَنْ فعلَ ذلكَ .. تصدَّى لفتنةٍ عظيمةٍ، لا ينجو منها إلا الصدِّيقونَ، فإنَّهُ إنْ كانَ كلامُهُ مقبولاً حسنَ الوقْع في القلوبِ .. لمْ ينفكَ عنِ الإعجابِ والخيلاءِ ، والتزيّنِ والتصنُّع، وذلكَ مِنَ المهلكاتِ، وإنْ رُدَّ كلامُهُ .. لمْ يخلُ عنْ أنفةٍ وغيظٍ وحقدٍ على مَنْ يردُّهُ وهوَ أكثرُ مِنْ غيظِهِ على مَنْ يردُّ كلامَ غيرِهِ ، وقدْ يلبُّ الشيطانُ عليهِ ويقولُ : إِنَّ غيظَكَ مِنْ حيثُ إنَّهُ ردَّ الحقَّ وأنكرَهُ ، فإنْ وجدَ تفرقةً بينَ أنْ يُردَّ عليهِ كلامُهُ أوْ يُردَّ على عالمٍ آخرَ .. فهوَ مغرورٌ وضُحْكةٌ للشيطانِ . ثمَّ مهما كانَ لهُ ارتياحٌ بالقبولِ ، وفرحٌ بالثناءِ ، واستنكافٌ مِنَ الرَدِّ ٢٥٩ کتاب التفكر ربع المنجيات أوِ الإعراضِ .. لمْ يخلُ عنْ تكلُّفٍ وتصنُّع لتحسينِ اللفظِ والإيرادِ ؛ حرصاً على استجلابِ الثناءِ ، واللهُ لا يحبُّ المتكلِّفينَ ، والشيطانُ قدْ يلبُّ عليهِ ويقولُ: إنَّما حرصُكَ على تحسينِ الألفاظِ والتكلُّفِ فيها لينتشرَ الحقُّ ، ويحسُنَ موقعُهُ في القلبِ إعلاءً لدينِ اللهِ تعالى، فإنْ كانَ فرحُهُ بحسنِ ألفاظِهِ وثناءِ الناسِ عليهِ أكثرَ مِنْ فرحِهِ بثناءِ الناسِ علىٍ واحدٍ مِنْ أقرانِهِ .. فهوَ مخدوعٌ ، وإنَّما يدندنُ حولَ طلبِ الجاهِ ، وهوَ يظنُّ أنَّ مطلبَهُ الدينُ . ومهما اختلجَ ضميرُهُ بهذهِ الصفاتِ .. ظهرَ على ظاهرِهِ ذلكَ ، حتى يكونَ للموقِّرِ لهُ المعتقدِ لفضلِهِ أكثرَ احتراماً ، ويكونَ بلقائِهِ أشدَّ فرحاً واستبشاراً ممَّنْ يغلو في موالاةٍ غيرِهِ ، وإنْ كانَ ذلكَ الغيرُ مستحقاً للموالاةِ ، وربما ينتهي الأمرُ بأهلِ العلمِ إلى أنْ يتغايروا تغايرَ النساءِ ، فيشقُّ على أحدِهِمْ أنْ يختلفَ بعضُ تلامذتِهِ إلى غيرِهِ ، وإنْ كانَ يعلمُ أنَّهُ منتفعٌ بغيرِهِ ومستفيدٌ منهُ في دینِهِ ! وكلُّ هذا رشحُ الصفاتِ المهلكاتِ المستكنَّةِ في سرِّ القلبِ ، التي قدْ يظنُّ العالمُ النجاةَ منها وهوَ مغرورٌ فيها ، وإنَّما ينكشفُ ذلكَ بهذهِ العلاماتِ ، ففتنةُ العالم عظيمةٌ ، وهوَ إمَّا مالكٌ وإمَّا هالكٌ، ولا مطمعَ لهُ في سلامةِ العوامِّ(١)، فمَنْ أحسنَّ في نفسِهِ بهذهِ الصفاتِ . . فالواجبُ عليهِ الانفرادُ والعزلةُ وطلبُ الخمولِ ، والمدافعةُ للفتاوى مهما سُئِلَ ، فقدْ كانَ (١) فإن العوام قد يعذرون، بخلاف العالم. ((إتحاف)) (١٧٨/١٠). ٢٦٠