Indexed OCR Text

Pages 221-240

ربع المنجيات
كتاب المراقبة والمحاسبة
سمحَتْ .. فمستقى الدمع مِنْ بحرِ الرحمةِ ، فقدْ بقيَ فيكِ موضعٌ للرجاءِ ،
فواظبي على النياحةِ والبكاءِ ، واستغيني بأرحم الراحمينَ ، واشتكي إلى
أكرم الأكرمينَ ، وأدمني الاستغاثةَ، ولا تملِّي طولَ الشكايةِ ؛ لعلَّهُ أَنْ
يرحمَ ضعفَكِ ويغيئَكِ ، فإنَّ مصيبتكٍ قدْ عظمَتْ ، وبليتكِ قدْ تفاقمَتْ ،
وتماديَكِ قدْ طالَ ، وقدِ انقطعَتْ منكِ الحيلُ ، وراحَتْ عنكِ العللُ ، فلا
مذهبَ ولا مطلبَ ، ولا مستغاثَ ولا مهربَ ، ولا ملجأً ولا منجى إلا إلى
مولاكِ ، فافزعي إليهِ بالتضرُّع ، واخشعي في تضرُّعِكِ على قدْرِ عظمٍ جهلِكِ
وكثرةِ ذنوبِكِ ؛ لأنَّهُ يرحمُ المتضرِّعَ الذليلَ ، ويغيثُ الطالبَ المتلهِّفَ ،
ويجيبُ دعوةَ المضطرِّ .
وقدْ أصبحتِ واللهِ إليهِ اليومَ مضطرةٌ ، وإلى رحمتِهِ محتاجةً ، وقدْ ضاقَتْ
بكِ السبلُ، وانسدَّتْ عليكِ الطرقُ ، وانقطعَتْ منكِ الحيلُ ، ولمْ تنجعْ
فيكِ العظاتُ ، ولمْ يكسركِ التوبيخُ ، فالمطلوبُ منهُ كريمٌ ، والمسؤولُ
جوادٌ ، والمستغاثُ بهِ برِّ رؤوفٌ، والرحمةُ واسعةٌ ، والكرمُ فائضٌ ، والعفوُ
شاملٌ، وقُولي : ( يا أرحم الراحمينَ ، يا رحمانُ ، يا رحيمُ ، يا حليمُ ،
يا عظيمُ، يا كريمُ ؛ أنا المذنبُ المصرُّ، أنا الجريءُ الذي لا أقلعُ ، أنا
المتمادي الذي لا أستحي ، هذا مقامُ المتضرِّع المسكينِ ، والبائسِ
الفقيرِ ، والضعيفِ الحقيرِ ، والهالكِ الغريقِ ؛ فعجِّلْ إغاثتي وفرجي ،
وأرني آثارَ رحمتِكَ ، وأذقْني بردَ عفوٍكَ ومغفرتِكَ ، وارزقْني قوَّةَ عصمتِكَ ،
يا أرحم الراحمينَ ) اقتداءً بأبيكِ آدمَ عليهِ السلامُ ، فقدْ قالَ وهبُّ بنُ منبهٍ :
٢٢١

كتاب المراقبة والمحاسبة
ربع المنجيات
لما أهبطَ اللهُ عزَّ وجلَّ آدَمَ إلى الأرضِ مِنَ الجنةِ .. مكثَ لا ترقأُ لهُ دمعةٌ ،
فاطلعَ اللهُ عزَّ وجلَّ عليهِ في اليومِ السابع وهوَ محزونٌ كئيبٌ كظيمٌ منكُسٌ
رأسَهُ فأوحى اللهُ تعالى إليهِ : يا آدمُ ؛ ما هذا الجهدُ الذي أرىُ بكَ ؟ قالَ :
يا ربِّ؛ عظمَتْ مصيبتي ، وأحاطَتْ بي خطيئتي، وأُخرجتُ مِنْ ملكوتِ
ربِّي ، فصرتُ في دارِ الهوانِ بعدَ الكرامةِ ، وفي دارِ الشقاءِ بعدَ السعادةِ ،
وفي دارِ النصبِ بعدَ الراحةِ ، وفي دارِ البلاءِ بعدَ العافيةِ ، وفي دارِ الزوالِ
بعدَ القرارِ ، وفي دارِ الموتِ والفناءِ بعدَ الخلودِ والبقاءِ ، فكيفَ لا أبكي
على خطيئتي ؟ فأوحى اللهُ تعالىُ إليهِ : يا آدمُ ؛ ألمْ أصطفِكَ لنفسي ،
وأحللتُكَ داري ، وخصصتُكَ بكرامتي ، وحذَّرتُكَ سخطي ؟ ألمْ أخلفْكَ
بيدي ، ونفختُ فيكَ مِنْ روحي ، وأَسجدتُ لكَ ملائكتي ، فعصيتَ
أمري ، ونسيتَ عهدي ، وتعرَّضتَ لسخطي، فوعزَّتي وجلالي ؛ لوْ ملأتُ
الأرضَ رجالاً كلَّهُمْ مثلَكَ ، يعبدونَنِي ويسبِّحونَنِي ثمَّ عصوني .. لأنزلتُهُمْ
منازلَ العاصينَ ، فبكى آدمُ عليهِ السلامُ عندَ ذلكَ ثلاثَ مئةٍ عامٍ(١).
وكانَ عبيدُ اللهِ البجليُّ كثيرَ البكاءِ (٢)، يقولُ في بكائِهِ طولَ ليلِهِ :
( إلهي ؛ أنا الذي كلَّما طالَ عمري .. زادَتْ ذنوبي ، أنا الذي كلَّما هممتُ
(١) رواه ابن قدامة في ((التوابين)) (ص ٩)، وروى ابن سعد في ((طبقاته)) (١٥/١) عن
الحسن : ( بكى آدم على الجنة ثلاث مئة سنة ) .
(٢) في غير (ف): ( عبد الله ) بدل ( عبيد الله ) .
٢٢٢

ربع المنجيات
كتاب المراقبة والمحاسبة
بتركِ خطيئةٍ .. عرضَتْ لي شهوةٌ أخرى، وا عبيداهُ ؛ خطيئةٌ لمْ تبلَ
وصاحبُها في طلبٍ أخرى! وا عبيداهُ؛ إنْ كانَتِ النارُ لكَ مقيلاً ومأوىّ ،
وا عبيداهُ؛ إنْ كانَتِ المقامعُ لرأسِكَ تهيَُّ، وا عبيداهُ ؛ قُضيَتْ حوائجُ
الطالبينَ ولعلَّ حاجتَكَ لا تُقُضى ) .
وقالَ منصورُ بنُ عمَّارِ : سمعتُ في بعضٍ الليالي بالكوفةِ عابداً يناجي
ربَّهُ وهوَ يقولُ: ( يا ربِّ؛ وعزَّتِكَ ما أردتُ بمعصيتِكَ مخالفتَكَ،
ولا عصيتُكَ إذْ عصيتُكَ وأنا بمكانِكَ جاهلٌ ، ولا لعقوبتِكَ متعرِّضٌ ،
ولا لنظرِكَ مستخفتٌّ، ولكنْ سوَّلَتْ لي نفسي ، وأَعانَي على ذلكَ شِقوتي ،
وغرَّني سترُكَ المرخيُّ عليَّ، فعصيتُكَ بجهلي، وخالفتُكَ بفعلي ، فمِنْ
عذابِكَ الآنَ مَنْ يستتقذُني ، أوْ بحبلِ مَنْ أعتصمُ إنْ قطعتَ حبلَكَ عنِّي ؟
واسوءتاهُ مِنَ الوقوفِ بينَ يديكَ غداً إذا قيلَ للمخفِّينَ : جوزوا ، وقيلَ
للمثقلينَ : حُطُوا ، أمعَ المخفِينَ أجوزُ أمْ معَ المثقلينَ أحطُ ؟ ويلي ! كلَّما
كبرَتْ سنِّي .. كثرَتْ ذنوبي، ويلي ! كلَّما طالَ عمري .. كثرَتْ معاصيَّ،
فِمِنْ كمْ أتوبُ ؟ وفي كمْ أعودُ؟ أما آنَ لي أنْ أستحييَ مِنْ ربِّي؟)(١) .
فهذهِ طرقُ القومِ في مناجاةِ مولاهُمْ، وفي معاتبةٍ نفوسِهِمْ ، وإنَّما
مطلبُهُمْ مِنَ المناجاةِ الاسترضاءُ ، ومقصدُهُمْ مِنَ المعاتبةِ التنبيهُ
(١) رواه الدينوري في ((المجالسة وجواهر العلم)) (ص ١١٥)، وأبو نعيم في « الحلية))
(٣٢٨/٩)، وفي (ج، ص): ( فإلى متى أتوب؟ وإلى متى أعود؟) بدل ( فمن كم
أتوب ؟ وفي كم أعود ) ؟ .
٢٢٣

كتاب المراقبة والمحاسبة وق
b
ربع المنجيات
والاسترعاءُ ، فمَنْ أهملَ المعاتبةَ والمناجاةَ .. لمْ يكنْ لنفسِهِ مراعياً ،
ويوشكُ ألا يكونَ اللهُ تعالى عنهُ راضياً ، والسلامُ .
تم كتاب المراقبة والمحاسبة
وهو الكتاب الثامن من ربع المنجيات من كتب إحياء علوم الذين
والحمد تدرب العالمين، والصّلاة والسّلام على سيّدنا محمّدٍ وآله أجمعين
يتلون كتاب التفكر
٢٢٤

٠٢
كَكتَابُ
التَّمَدُِّ
٧٥
وهو الكتاب التاسع من ربع المنجيات
من كتب إحياء علوم الدين
٢٢٥
உ

:
:

ربع المنجيات
کتاب التفکر
كتاب التمنكر
بِسْبِاللهِ الرَّحْمنِ الرَّحَيَّةِ
الحمدُ للهِ الذي لمْ يقدرْ لانتهاءِ عزَّتِهِ نحواً ولا قُطْراً(١) ، ولمْ يجعلْ
المراقي أقدام الأوهام ومرمى سهام الأفهام إلى حمى عظمتِهِ مجرىّ ، بلْ تركَ
قلوبَ الطالبينَ في بيداءٍ كبريائِهِ والهةً حيرى ، كلَّما اهتَزَّتْ لنيلِ مطلوبِها ..
ردَّتْها سُبُحاتُ الجلالِ قسراً، وإذا همَّتْ بالانصرافِ آيسةً .. نُوديَتْ مِنْ
سرادقاتِ الجمالِ صبراً صبراً ، ثمَّ قيل لها : أجيلي في ذلِّ العبوديةِ منكِ
فكراً ؛ لأنَّكِ لوْ تفكّرتِ في جلالِ الربوبيَّةِ .. لمْ تقدري لهُ قدْراً ، وإنْ طلبتِ
وراءَ التفكّرِ في صفاتِكِ أمراً .. فانظري في نعمِ اللهِ تعالى وأياديهِ كيفَ توالَتْ
عليكِ تترى ، وجدِّدي لكلِّ نعمةٍ منها ذكراً وشكراً ، وتأمَّلي في بحارٍ
المقاديرِ كيفَ فاضَتْ على العالمينَ خيراً وشرّاً، ونفعاً وضُراً، وعسراً
ويسراً ، وفوزاً وخُسراً، وجبراً وكسراً ، وطيّاً ونشراً ، وإيماناً وكفراً ،
وعرفاناً ونُكراً ، فإنْ جاوزتِ النظرَ في الأفعالِ إلى النظرِ في الذاتِ .. فقدْ
حاولتِ أَمراً إِمْراً ، وخاطرتِ بنفسكِ مجاوزةً حدَّ طاقةِ البشريّةِ ظلماً
حن
(١) أي: لم يجعل لغلبته الآتية على كل الظاهر والباطن جهة ولا ناحية. ((إتحاف))
(١٦٠/١٠ ) .
٢٢٧

كتاب التفكر
ربع المنجيات
وجوراً ، فقدِ انبهرَتِ العقولُ دونَ مبادي إشراقِهِ وانتكصَتْ على أعقابِها
اضطراراً وقهراً .
والصلاةُ على محمدٍ سيِّدٍ ولدِ آدمَ وإنْ كانَ لمْ يعدَّ سيادتهُ فخراً(١) ،
صلاةً تبقى لنا في عرصاتِ القيامةِ عُدَّةً وذخراً ، وعلى آلهِ وأصحابِهِ الذينَ
أصبحَ كلُّ واحدٍ منْهُمْ في سماءِ الدينِ بدراً ، ولطوائفِ المسلمينَ صدراً ،
وسلِّمْ تسليماً كثيراً .
أما بعد:
فقدْ وردَتِ السنَّةُ بأنَّ تفكّرَ ساعةٍ خيرٌ مِنْ عبادةِ سنةٍ(٢) ، وكثُرَ الحثُّ في
كتابِ اللهِ تعالى على التدثُّرِ والاعتبارِ ، والنظرِ والافتكارِ ، ولا يخفى أنَّ
الفكرَ هوَ مفتاحُ الأنوارِ ، ومبدأُ الاستبصارِ ، وهوَ شبكةُ العلوم ، ومصيدةُ
المعارفِ والفهوم ، وأكثرُ الناسِ قدْ عرفوا فضلَهُ ورتبتَهُ ، ولكنْ جهلوا
حقيقتهُ وثمرتهُ ، ومصدرَهُ وموردَهُ ، ومجراهُ ومسرحَهُ ، وطريقَهُ وكيفيتَهُ ،
(١) إذ روى الترمذي (٣١٤٨)، وابن ماجه ( ٤٣٠٨) عن أبي سعيد الخدري رضي الله
عنه مرفوعاً: ((أنا سيد ولد آدم ولا فخر)).
(٢) إذ روى أبو الشيخ في ((العظمة)) (٤٣) عن أبي هريرة رضي الله عنه مرفوعاً: ((فكرة
ساعة خير من عبادة ستين سنة))، والديلمي في ((مسند الفردوس)) ( ٢٣٩٧) من
حديث أنس رضي الله عنه: (( تفكّر ساعة في اختلاف الليل والنهار خير من عبادة ثمانين
سنة )) .
وروى ابن أبي شيبة في (( المصنف)) (٣٥٧٢٨)، وهناد في ((الزهد)) ( ٩٤٣)،
وأبو نعيم في (( الحلية)) (٢٠٩/١) عن أبي الدرداء رضي الله عنه قال: ( تفكّر ساعة
خير من قيام ليلة ) .
٢٢٨

ربع المنجيات
كتاب التفكر
ولمْ يعلمْ أنَّهُ كيفَ يتفكّرُ؟ وفيماذا يتفكّرُ؟ ولماذا يتفكّرُ ؟ وما الذي يُطلبُ
بهِ ؟ أهوَ مرادٌ لعينِهِ ، أمْ لثمرةٍ تُستفادُ منهُ؟ فإنْ كانَ لثمرةٍ .. فما تلكَ
الثمرةُ؟ أهيَ مِنَ العلومِ ، أَوْ مِنَ الأحوالِ ، أوْ منهُما جميعاً ؟
وكشفُ جميع ذلكَ مهمٌّ ، ونحنُ نذكرُ أوّلاً فضيلةَ التفكّرِ ، ثمَّ حقيقةً
التفكّرِ وثمرتَهُ ، ثمَّ مجاريَ الفكرِ ومسارحَهُ إنْ شاءَ اللهُ تعالى .
٢٢٩
١٢٠ ١٫٥٦

کتاب التفكر
ربع المنجيات
فضيلة التفكّر
قدْ أمرَ اللهُ تعالى بالتفكّرِ والتدبُّرِ في كتابِهِ العزيزِ في مواضعَ لا تُحصى ،
وأثنى على المتفكرينَ فقالَ تعالى: ﴿ وَيَتَفَكَّرُونَ فِ خَلْقِ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ
رَبَّنَامَا خَلَقْتَ هَذَا بَطِلًا﴾ .
وقدْ قالَ ابنُ عباسٍ رضيَ اللهُ عنهُما : إنَّ قوماً تفكّروا في اللهِ عزَّ وجلَّ ،
فقالَ النبيُّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: (( تفكّروا في خلْقِ اللهِ، ولا تتفكَّروا
في اللّهِ ؛ فإنَّكُمْ لنْ تقدروا قدرَهُ))(١) .
وعنِ النبيِّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ أنَّهُ خرجَ على قومٍ ذاتَ يومٍ وهُمْ
يتفكّرونَ، فقالَ: ((ما لكمْ لا تتكلَّمونَ؟ )) فقالوا: نتفكّرُ في خلقِ اللهِ عزَّ
وجلَّ، قالَ : (( فكذلكَ فافعلوا ، تفكَّروا في خلقِهِ ، ولا تتفكَّروا فيهِ ، فإنَّ
بهذا المغربِ أرضاً بيضاءَ ، نورُها بياضُها أو بياضُها نورُها مسيرةَ الشمسِ
أربعينَ يوماً ، بها خلقٌ مِنْ خلقِ اللهِ عزَّ وجلَّ لمْ يعصوا اللهَ طرفةَ عينٍ )) ،
قالوا: يا رسولَ اللهِ؛ فأينَ الشيطانُ منهُمْ؟ قالَ: (( ما يدرونَ خُلِقَ الشيطانُ
ـون
ـدد
(١) كذا رواه الخركوشي بسنده في ((تهذيب الأسرار)) (ص٦٩٣)، ورواه أبو الشيخ في
((العظمة)) (٢)، والبيهقي في ((الأسماء والصفات)) (ص٢٧١، ٣٨٩)، ورواه من
حديث عبد الله بن سلام رضي الله عنه أبو نعيم في ((الحلية)) (٦٦/٦)، ومن حديث
ابن عمر رضي الله عنهما البيهقي في ((الشعب)) (١١٩).
٢٣٠

ربع المنجيات
کتاب التفکر
أم لا))، قالوا: مِنْ ولِدِ آدَمَ؟ قالَ: ((لا يدرونَ خُلِقَ آدَمُ أمْ لا))(١).
وعنْ عطاءٍ قالَ : انطلقتُ يوماً أنا وعبيدُ بنُ عميرٍ إلى عائشةَ رضيَ اللهُ
عنها فكلَّمتْنا وبينَنا وبينَها حجابٌ ، فقالَتْ : يا عبيدُ؛ ما يمنعُكَ مِنْ
زيارتِنا؟ قالَ: قولُ النبيِّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: ((زُرْ غبّاً تزددْ حبّاً))(٢)،
قالَ ابنُ عميرٍ : فأخبرينا بأعجبِ شيءٍ رأيتِهِ مِنْ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ
وسلَّمَ ، قالَ : فبكَتْ وقالَتْ : كلُّ أمرِهِ كانَ عجباً ، أتاني في ليلتي ، حتى
مسَّ جلدُهُ جلدي، ثمّ قالَ: ((ذريني أتعبَّدُ لربِّي عزَّ وجلَّ))، فقامَ إلى
القربةِ فتوضَّأَ منها ، ثمَّ قامَ يصلِّ ، فبكى حتى بلَّ لحيتَهُ ، ثمَّ سجدَ حتى بلَّ
الأرضَ ، ثمَّ اضطجعَ على جنبِهِ حتى أتى بلالٌ يؤذنُهُ بصلاةِ الصبح ، فقالَ :
يا رسولَ اللهِ ؛ ما يبكيكَ وقدْ غفرَ اللهُ لكَ ما تقدَّمَ مِنْ ذنبكَ وما تأخّرَ ؟
فقالَ : ((ويحَكَ يا بلالُ! وما يمنعُني أنْ أبكيَ وقدْ أنزلَ اللهُ تعالى عليَّ في
هذهِ الليلةِ: ﴿إِنَ فِى خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَاُلْأَرْضِ وَأَخْتِلَفِ اَلَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَيَتٍ لِأُوْلِىِ
اُلْأَلْبَبِ﴾))، ثمَّ قالَ: ((ويلٌ لمَنْ قرأَها ولمْ يتفكّرْ فيها))(٣).
(١) كذا عند الخركوشي في ((تهذيب الأسرار)) (ص٦٩٣)، ورواه أبو الشيخ في
((العظمة)) (٩٥٣) عن بعض أئمة الكوفة يرفعه، والديلمي في (( مسند الفردوس ))
(٧٠٨) من حديث ابن عباس رضي الله عنهما، وابن الجوزي في (( المنتظم)»
(٦١/١) عن عثمان بن أبي دهرس بلاغاً.
(٢) رواه الحاكم في (( المستدرك)) (٣٤٧/٣).
(٣) كذا أورده الخركوشي في (( تهذيب الأسرار)) (ص٦٩٤ ) ، ورواه كذلك ابن أبي الدنيا
في ((التفكر)) كما أشار الحافظ الزبيدي في «إتحافه)) (١٦٣/١٠).
٢٣١

کتاب التفکر
ربع المنجيات
فقيلَ الأوزاعيِّ: ما غايةُ التفكّرِ فيهنَّ؟ قالَ: يقرؤُهُنَّ ويعقلُهُنَّ(١)
وعنْ محمدِ بنِ واسع : أنَّ رجلاً مِنْ أهلِ البصرةِ ركبَ إلى أمِّ ذرٍّ بعدَ
موتِ أبي ذرٍّ ، فسألَها عنْ عبادةِ أبي ذرٍّ، فقالَتْ : كانَ نهارَهُ أجمعَ في
ناحيةِ البيتِ يتفكّر(٢).
وعنِ الحسنِ قالَ : ( تفكّرُ ساعةٍ خيرٌ مِنْ قيام ليلةٍ )(٣).
وعنِ الفضيلِ قالَ : ( الفكر مرآةٌ تريكَ حسناتِكَ وسيئاتِكَ )(٤).
وقيلَ لإبراهيمَ : إِنَّكَ تطيلُ الفكرةَ ، فقالَ : الفكرةُ مُّ العقلِ(٥) .
وكانَ سفيانُ بنُ عيينةَ كثيراً ما يتمثَّلُ ويقول(٦) :
[من المتقارب]
إِذا أَلْمَرْءُ كَانَتْ لَهُ فِكْرَةٌ فَفِي كُلِّ شَيْءٍ لَهُ عِبْرَةٌ
(١) كذا أورده الخركوشي في ((تهذيب الأسرار)) ( ص٦٩٤)، ورواه ابن أبي الدنيا في
كتاب ((التفكر)). ((إتحاف)) (١٦٣/١٠).
(٢) كذا أورده الخركوشي في ((تهذيب الأسرار)) (ص٦٩٤)، ورواه أبو نعيم في
((الحلية)) (١/ ١٦٤ ) .
(٣) كذا أورده الخركوشي في (( تهذيب الأسرار)) ( ص ٦٩٥)، ورواه ابن أبي شيبة في
((المصنف)) (٣٦٣٧١)، وأبو نعيم في «الحلية)) (٢٧١/٦).
(٤) كذا أورده الخركوشي في (( تهذيب الأسرار)) ( ص ٦٩٥)، ورواه أبو الشيخ في
((العظمة)) (١٣)، وأبو نعيم في «الحلية)) (١٠٨/٨) عن الفضيل عن الحسن من
قوله .
(٥) كذا أورده الخركوشي في ((تهذيب الأسرار)» (ص٦٩٥)، ورواه أبو نعيم في
((الحلية)) (١٠٨/٨) مع الخبر السابق .
(٦) كذا أورده الخركوشي في (تهذيب الأسرار)) (ص٦٩٥)، ورواه أبو نعيم في
(«الحلية)) (٣٠٦/٧)، وانظر ((المدهش)) (٣٦٨/١).
٢٣٢

ربع المنجيات
کتاب التفكر
وعنْ طاووسِ قالَ : قالَ الحواريُّونَ لعيسى ابن مريمَ عليهِ السلامُ :
يا روحَ اللهِ ؛ هلْ على الأرضِ اليومَ مثلُكَ؟ فقالَ: نعمْ، مَنْ كانَ منطقُهُ
ذكراً، وصمتُهُ فكراً ، ونظرُهُ عبرةً .. فإنَّهُ مثلي (١).
وقالَ الحسنُ : ( مَنْ لمْ يكنْ كلامُهُ حكمةً .. فهوَ لغوٌ، ومَنْ لمْ يكنْ
سكوتُهُ تفكُّراً .. فهوَ سهوٌ، ومَنْ لمْ يكنْ نظرُهُ اعتباراً .. فهوَ لهوٌ)(٢) .
وفي قولِ اللهِ تعالى: ﴿سَأَصْرِفُ عَنْ ءَايَتِىَ الَّذِينَ يَتَكَبَُّونَ فِ الْأَرْضِ بِغَيْرِ
الْحَقِّ﴾، قالَ: أمنعُ قلوبَهُمُ التفكّرَ في أمري(٣).
وعنْ أبي سعيد الخدريِّ قالَ : قالَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ :
((أعطوا أعينَكُمْ حظّها مِنَ العبادةِ))، فقالوا: يا رسولَ اللهِ؛ وما حظُّها مِنَ
العبادةِ؟ قالَ: ((النظرُ في المصحفِ والتفكّرُ فيهِ، والاعتبارُ عندَ
عجائبهِ ))(٤) .
(١) كذا أورده الخركوشي في ((تهذيب الأسرار)) (ص٦٩٥)، ورواه ابن أبي الدنيا في
كتاب ((التفكر)). ((إتحاف)) (١٦٤/١٠).
(٢) كذا أورده الخركوشي في ((تهذيب الأسرار)) ( ص ٦٩٥)، ورواه ابن أبي الدنيا في
كتاب ((التفكر)). ((إتحاف)) (١٦٤/١٠).
(٣) كذا أورده الخركوشي في (( تهذيب الأسرار)) ( ص ٦٩٥)، ورواه أبو الشيخ في
((العظمة)) (١١) عن الفريابي.
(٤) قال الحافظ الزبيدي في «إتحافه)) (١٦٤/١٠): ( قال العراقي : رواه ابن أبي الدنيا
في كتاب ((التفكر))، ومن طريقه أبو الشيخ في ((العظمة)) [١٢] بإسناد ضعيف،
انتهى، قلت: ورواه أيضاً الحكيم في ((النوادر)) [ص٣٣٣]، والبيهقي في ((الشعب))
[٢٠٣٠] وضعفه)، وهو عند الخركوشي في ((تهذيب الأسرار)) (ص٦٩٥).
٢٣٣

کتاب التفکر
ربع المنجيات
وعنِ امرأةٍ كانَتْ تسكنُ الباديةَ قريباً مِنْ مكةَ أنَّها قالَتْ: ( لوْ تطالعَتْ
قلوبُ المتقينَ بفكرِها إلى ما قدْ ذُخِرَ لها في حجبِ الغيوبِ مِنْ خِيرِ
الآخرةِ .. لمْ يصفُ لهُمْ في الدنيا عيشٌ، ولمْ تقرَّ لهُمْ في الدنيا عينٌ)(١).
وكانَ لقمانُ يطيلُ الجلوسَ وحدَهُ ، فكانَ يمرُّ بهِ مولاهُ فيقولُ :
يا لقمانُ ؛ إِنَّكَ تديمُ الجلوسَ وحدَكَ ، فلوْ جلستَ معَ الناسِ كانَ آنسَ
لكَ ، فيقولُ لقمانُ : إنَّ طولَ الوحدةِ أفهمُ للفكرِ ، وطولُ الفكرةِ دليلٌ على
طريقِ الجنةِ (٢).
وقالَ وهبُ بنُ منبهٍ : ( ما طالَتْ فكرةُ امرىءٍ قطَّ إلا علمَ ، وما علمَ
امرؤٌ قطُّ إلا عملَ )(٣).
وقالَ عمرُ بنُ عبدِ العزيزِ : ( الفكرةُ في نعمِ اللهِ عزَّ وجلَّ مِنْ أفضلِ
العبادةِ ) (٤) .
(١) كذا أورده الخركوشي في ((تهذيب الأسرار)) (ص٦٩٦)، ورواه الخرائطي في
((اعتلال القلوب)) ( ٣٧).
(٢) كذا أورده الخركوشي في (( تهذيب الأسرار)) (ص٦٩٦)، ورواه ابن أبي الدنيا في
كتاب ((التفكر)). ((إتحاف)) (١٦٤/١٠).
(٣) كذا أورده الخركوشي في ((تهذيب الأسرار)) (ص٦٩٦)، ورواه أبو الشيخ في
(( العظمة)) (٥٦ ) .
(٤) كذا أورده الخركوشي في ((تهذيب الأسرار)) (ص٦٩٦)، ورواه أبو نعيم في
((الحلية)). ((إتحاف)) (١٠ /١٦٤).
٢٣٤

ربع المنجيات
کتاب التفکر
وقالَ عبدُ اللهِ بنُ المباركِ يوماً لسهلٍ بنِ عليٍّ ورآهُ ساكتاً متفكِّراً : أينَ
بلغتَ ؟ قالَ : الصراطَ(١).
وقالَ بشرٌ: ( لوْ تفكّرَ الناسُ في عظمةِ اللهِ تعالى .. ما عصَوا اللهَ عزَّ
وجلَّ)(٢) .
وعنِ ابنِ عباسٍ رضيَ اللهُ عنهُما : ( ركعتانِ مقتصدتانِ في تفكّرٍ خيرٌ مِنْ
قيام ليلةٍ بلا قلبٍ )(٣) .
وبينا أبو شريحٍ يمشي .. إذْ جلسَ فتقنَّعَ بكسائِهِ ، فجعلَ يبكي ، فقلنا :
ما يبكيكَ ؟ قالَ : تفكّرتُ في ذهابِ عمري ، وقلَّةِ عملي ، واقترابِ
أجلي (٤) .
وقالَ أبو سليمانَ: ( عوِّدوا أعينَكُمُ البكاءَ، وقلوبَكُمُ التفكّرَ)(٥).
وقالَ أبو سليمانَ : ( الفكرُ في الدنيا حجابٌ عنِ الآخرةِ ، وعقوبةٌ لأهلِ
(١) كذا أورده الخركوشي في ((تهذيب الأسرار)) (ص٦٩٦)، ورواه أبو نعيم في
((الحلية)). ((إتحاف)) (١٦٤/١٠).
(٢) كذا أورده الخركوشي في ((تهذيب الأسرار)) ( ص٦٩٦)، ورواه أبو نعيم في
((الحلية)) (٣٣٧/٨) .
(٣) كذا أورده الخركوشي في ((تهذيب الأسرار)) ( ص٦٩٦)، ورواه ابن المبارك في
(«الزهد)) (٢٨٨)، وأبو الشيخ في ((العظمة)) (٤٤).
(٤) كذا أورده الخركوشي في ((تهذيب الأسرار)) ( ص٦٩٦)، ورواه ابن أبي الدنيا في
(( العمر والشيب )) ( ٢٢).
(٥) كذا أورده الخركوشي في (( تهذيب الأسرار)) ( ص٦٩٧)، ورواه أبو نعيم في
(«الحلية)) (٢٧٤/٩)، وأبو سليمان هو الداراني .
٢٣٥

کتاب التفکر
ربع المنجيات
الولايةِ، والفكرُ في الآخرةِ يورثُ الحكمةَ، ويحبي القلوبَ)(١).
وقالَ حاتمٌ : ( مِنَ العبرةِ يزيدُ العلمُ، ومِنَ الذكرِ يزيدُ الحبُّ ، ومِنَ
التفكّرٍ يزيدُ الخوفُ)(٢).
وقالَ ابنُ عباسٍ : ( التفكّرُ في الخيرِ يدعو إلى العملِ بهِ ، والندمُ على
الشرِّ يدعو إلى ترکِهِ )(٣) .
ويُروى أنَّ اللهَ تعالى قالَ في بعضٍ كتبِهِ: (( إنِّي لستُ أقبلُ كلامَ كلِّ
حكيمٍ ، ولكنْ أنظرُ إلى همِّه وهواهُ، فإذا كانَ هُّهُ وهواهُ لي .. جعلتُ
صمتَهُ تفكُّراً، وكلامَهُ حمداً وإنْ لمْ يتكلَّمْ ))(٤).
وقالَ الحسنُ : ( إنَّ أهلَ العقلِ لمْ يزالوا يعودونَ بالذكرِ على الفكرِ ،
وبالفكرِ على الذكرِ ، حتى استنطقوا قلوبَهُمْ ، فنطقَتْ بالحكمةِ )(٥) .
(١) كذا أورده الخركوشي في ((تهذيب الأسرار)) (ص٦٩٧)، ورواه أبو نعيم في
(« الحلية)» (٢٧٨/٩ ) ضمن خبر طويل .
(٢) كذا أورده الخركوشي في ((تهذيب الأسرار)) (ص٦٩٧)، ورواه أبو نعيم في
((الحلية)). ((إتحاف)) (١٦٥/١٠).
(٣) كذا أورده الخركوشي في ((تهذيب الأسرار)) ( ص٦٩٧) ، ورواه ابن أبي الدنيا في
كتاب ((التفكر)). ((إتحاف)) (١٦٥/١٠).
(٤) كذا أورده الخركوشي في ((تهذيب الأسرار)) ( ص ٦٩٧)، ورواه الدارمي في (( سننه )
(٢٥٨) عن المهاصر بن حبيب مرسلاً، وفيه: ( جعلت صمته حمداً لي ووقاراً وإن
لم يتكلم ) .
(٥) كذا أورده الخركوشي في ((تهذيب الأسرار)) (ص٦٩٧)، ورواه أبو نعيم في
((الحلية)) (١٩/١٠)، وزاد في رواية : (وورثوا السر).
٢٣٦

ربع المنجيات
کتاب التفكر
وقالَ إسحاقُ بنُ خلفٍ : كانَ داوودُ الطائيُّ رحمَهُ اللهُ تعالى على سطحِ
في ليلةٍ قمراءَ ، فتفكّرَ في ملكوتِ السماواتِ والأرضِ وهوَ ينظرُ إلى السماءِ
ويبكي حتى وقعَ في دارِ جارٍ لهُ ، قالَ : فوثبَ صاحبُ الدارِ مِنْ فراشِهِ عرياناً
وبيدِهِ سيفٌ، وظنَّ أنَّهُ لصٌّ، فلمَّا نظرَ إلى داوودَ .. رجعَ ووضعَ السيفَ
وقالَ : مَنْ ذا الذي طرحَكَ مِنَ السطح ؟ قالَ : ما شعرتُ بذلكَ(١).
وقالَ الجنيدُ : ( أشرفُ المجالسِ وأعلاها الجلوسُ معَ الفكرةِ في ميدانٍ
التوحيدٍ ، والتنسُّمُ بنسيمِ المعرفةِ ، والشربُ بكأسِ المحبَّةِ مِنْ بحرِ الودادِ ،
والنظرُ بحسنِ الظنِّ اللهِ عزَّ وجلَّ) ، ثمَّ قالَ: ( يا لها مِنْ مجالسَ ما أجلَّها !
ومِنْ شرابٍ ما ألذَّهُ ! طوبى لمَنْ رُزقَهُ)(٢).
وقالَ الشافعيُّ رضيَ اللهُ عنهُ: ( استعينوا على الك بالصمتِ ، وعلى
الاستنباطِ بالفكرِ)(٣).
وقال أيضاً : ( صحَّةُ النظرِ في الأمورِ نجاةٌ مِنَ الغرورِ ، والعزمُ في
الرأيٍ سلامٌ مِنَ التفريطِ والندم ، والرويةُ والفكرُ يكشفانِ عنِ الحزمِ
والفطنةِ ، ومشاورةُ الحكماءِ ثباتٌ في النفسِ وقوَّةٌ في البصيرةِ ، ففكِّرْ قبلَ
(١) كذا أورده الخركوشي في ((تهذيب الأسرار)) (ص٦٩٧)، ورواه أبو نعيم في
((الحلية)) ( ٣٥٨/٧) .
(٢) أورده الخركوشي في ((تهذيب الأسرار)) (ص٦٩٨).
(٣) رواه ابن الجوزي في ((صفة الصفوة)) (١٥١/٢/١).
٢٣٧

كتاب التفكر
ربع المنجيات
أنْ تعزمَ ، وتدبَّرْ قبلَ أنْ تهجمَ ، وشاورْ قبلَ أنْ تقدمَ )(١)
وقال أيضاً : ( الفضائلُ أربعٌ : إحداها : الحكمةُ، وقوامُها الفكرةُ ،
والثانيةُ : العفَّةُ، وقوامُها في الشهوةِ ، والثالثةُ: القوةُ، وقوامُها في
الغضبِ ، والرابعةُ: العدْلُ، وقوامُهُ في اعتدالِ قوى النفسِ )(٢).
فهذهِ أقاويلُ العلماءِ في الفكرةِ ، وما شرعَ أحدٌ منهُمْ في ذكرِ حقيقتِها
وبيانِ مجاريها .
(١) رواه البيهقي في ((مناقب الشافعي)). ((إتحاف)) (١٦٥/١٠).
(٢) رواه البيهقي في ((مناقب الشافعي)). ((إتحاف)) (١٦٥/١٠).
٠٠".
٢٣٨

ربع المنجيات
کتاب التفکر
بيان حقيقة الفكر وثمرت
اعلمْ : أنَّ معنى الفكرِ هوَ إحضارُ معرفتينِ في القلبِ ليستثمرَ منهُما
معرفةً ثالثةً .
ومثالُهُ : أَنَّ مَنْ مالَ إلى العاجلةِ، وآثرَ الحياةَ الدنيا، وأرادَ أنْ يعرِفَ أنَّ
الآخرةَ أولى بالإيثارِ مِنَ العاجلةِ .. فلهُ طريقانِ :
أحدُهُما : أنْ يسمعَ مِنْ غيرِهِ أنَّ الآخرةَ أولى بالإيثارِ مِنَ العاجلةِ ،
فيقلِّدَهُ ويصدِّقَهُ مِنْ غيرِ بصيرةٍ بحقيقةِ الأمرِ ، فيميلُ بعملِهِ إلى إيثارِ الآخرةِ
اعتماداً على مجرَّدِ قولِهِ ، وهذا يُسمَّى تقليداً ، ولا يُسمَّى معرفةً .
والطريقُ الثاني: أنْ يعرفَ أنَّ الأبقى أولىْ بالإيثارِ، ثمَّ يعرفَ أنَّ الآخرةَ
أبقى ، فيحصلُ لهُ مِنْ هاتينِ المعرفتينِ معرفةٌ ثالثةٌ ، وهوَ أنَّ الآخرةَ أولى
بالإيثارِ ، ولا يمكنُ تحقُّقُ المعرفةِ بأنَّ الآخرةَ أولى بالإيثارِ إلا بالمعرفتينِ
السابقتينِ ، فإحضارُ المعرفتينِ السابقتينِ في القلبِ للتوصُّلِ بهِ إلى المعرفةِ
الثالثةِ يُسمَّى تفكّراً واعتباراً، وتذكُّراً ونظراً، وتأمُّلاً وتدبراً .
أمَّا التدبُّرُ والتأمُّلُ والتفكُّرُ .. فعباراتٌ مترادفةٌ على معنىّ واحدٍ ، ليسَ
تحتها معانٍ مختلفةٌ .
وأمَّا اسمُ التذكُّرِ والاعتبارِ والنظرِ .. فهيَ مختلفةُ المعاني، وإنْ كانَ
أصلُ المسمَّى واحداً ؛ كما أنَّ اسمَ الصارم والمهنَّدِ والسيفِ يتواردُ على
٢٣٩

کتاب التفكر
ربع المنجيات
شيءٍ واحدٍ ولكنْ باعتباراتٍ مختلفةٍ ، فالصارمُ يدلُّ على السيفِ مِنْ حيثُ
هوَ قاطعٌ ، والمهنَّدُ يدلُ عليهِ مِنْ حيثُ نسبتُهُ إلى موضعِهِ ، والسيفُ يدلُّ
دلالةٌ مطلقةً مِنْ غيرِ إشعارِ بهذهِ الزوائدِ ؛ فكذلكَ الاعتبارُ ينطلقُ على
إحضارِ المعرفتينِ مِنْ حيثُ إنَّهُ يعبرُ منهُما إلى معرفةٍ ثالثةٍ ، فإنْ لمْ يقع
العبورُ ، ولمْ يكنْ إلا الوقوفُ على المعرفتينِ .. فينطلقُ عليهِ اسمُ التذكُّرِ ،
لا اسمُ الاعتبارِ .
وأمَّا النظرُ والتفكُّرُ .. فيقعُ عليهِ مِنْ حيثُ إنَّ فيهِ طلبَ معرفةٍ ثالثةٍ ، فمَنْ
ليسَ يطلبُ المعرفةَ الثالثةَ لا يُسمَّى ناظراً، فكلُّ متفكِّرِ فهوَ متذكِّرٌ ، وليسَ
كلُّ متذكِّرٍ متفكراً .
وفائدةُ التذكارِ تكرارُ المعارفِ على القلبِ لتترسَّخَ وتثبتّ ولا تنمحيَ عنِ
القلبِ ، وفائدةُ التفكّرِ تكثيرُ العلمِ واستجلابُ معرفةٍ ليسَتْ حاصلةً ، فهذا
هوَ الفرقُ بينَ التذكُّرِ والتفكّرٍ .
والمعارفُ إذا اجتمعَتْ في القلبِ وازدوجَتْ على ترتيبٍ مخصوصٍ ..
أثمرَتْ معرفةً أخرى ، فالمعرفةُ نتاجُ المعرفةِ ، فإذا حصلَتْ معرفةٌ
وازدوجَتْ معَ معرفةٍ أخرى .. حصلَ مِنْ ذلكَ نتاجٌ آخرُ ، وهكذا يتمادى
النتاجُ وتتمادى العلومُ ، ويتمادى الفكرُ إلى غيرِ نهايةٍ ، وإنَّما تنسدُ طريقُ
زيادةِ المعارفِ بالموتِ أوِ العوائقِ ، هذا لمَنْ يقدرُ على استثمارِ العلومِ
ويهتدي إلى طريقِ التفكّرِ .
٢
٢٤٠