Indexed OCR Text

Pages 201-220

ربع المنجيات
كتاب المراقبة والمحاسبة
الموضع ، فعجبتُ لقولِها وقلتُ لها : أنتِ حرَّةٌ، فقالَتْ: ساءَ
ما صنعتَ ، كنتُ أخدمُكَ فيكونُ لي أجرانِ ، وأمَّا الآنَ .. فقدْ ذهبَ عنِّي
أحدُهُما(١).
وقالَ ابنُ العلاءِ السعديُّ : كانَتْ لي ابنةُ عمِّ يُقالُ لها بريرةُ، تعبَّدَتْ ،
وكانَتْ تكثرُ القراءةَ في المصحفِ ، فكلَّما أتَتْ على آيةٍ فيها ذكرُ النارِ ..
بكّتْ ، فلمْ تزلْ تبكي حتى ذهبَتْ عيناها مِنَ البكاءِ ، فقالَ بنو عمِّها :
انطلقوا بنا إلى هذهِ المرأةِ حتى نعذلَها في كثرةِ البكاءِ ، قالَ : فدخلنا عليها
فقلنا لها : يا بريرةُ ؛ كيفَ أصبحتِ ؟ فقالَتْ : أصبحنا أضيافاً منيخينَ
بأرضٍ غربةٍ ننتظرُ متى نُدعىُّ فنجيبُ ، فقلنا لها : كمْ هذا البكاءُ ؟! قَدْ
ذهبَتْ عيناكِ منهُ فقالَتْ : إِنْ يكنْ لعينيَّ عندَ اللهِ خيرٌ .. فما يضرُّهُما ما ذهبَ
منهُما في الدنيا ، وإنْ كانَ لهما عندَ اللهَ شرٌّ .. فسيزيدُهما بكاءً أطولَ مِنْ
هذا، وأعرضَتْ، قالَ : فقالَ القومُ : قوموا بنا ، فهيَ واللهِ في شيءٍ غيرِ
ما نحنُ فيهِ(٢) .
وكانَتْ معاذةُ العدويَّةُ إذا جاءَ النهارُ .. تقولُ : هذا يومي الذي أموتُ
فيهِ ، فما تطعمُ حتى تمسي ، فإذا جاءَ الليلُ .. تقولُ: هذهِ الليلةُ التي
أموتُ فيها ، فتصلِّي حتى تصبحَ(٣) .
(١) روى ما يقربه البيهقي في (( الشعب)) ( ٢٩٦٣).
(٢) رواه ابن أبي الدنيا. ((إتحاف)) (١٤١/١٠).
(٣) رواه ابن أبي الدنيا في ((التهجد وقيام الليل)) (٨١).
٢٠١

كتاب المراقبة والمحاسبة
ربع المنجيات
وقالَ أبو سليمانَ الدارانيُّ : بتُّ ليلةً عندَ رابعةَ ، فقامَتْ إلى محرابِ
لها ، وقمتُ أنا إلى ناحيةٍ مِنَ البيتِ ، فلمْ تزلْ قائمةً إلى السحرِ ، فلمَّا كانَ
السحرُ .. قلتُ: ما جزاءُ مَنْ قوَّانا على قيام هذهِ الليلةِ؟ قالَتْ: جزاؤُهُ أنْ
تصومَ لهُ غداً(١) .
وكانَتْ شَعْوانةُ تقولُ في دعائِها : ( إلهي ؛ ما أشوقَني إلىْ لقائِكَ ،
وأعظمَ رجائي لجزائِكَ! وأنتَ الكريمُ الذي لا يخيبُ لديكَ أملُ الآملينَ ،
ولا يبطلُ عندَكَ شوقُ المشتاقينَ .
إلهي ؛ إنْ كانَ دنا أجلي ، ولمْ يقرِّبْني منكَ عملي .. فقدْ جعلتُ
الاعترافَ بالذنبِ وسائلَ عِلَلي، فإنْ عفوتَ .. فمَنْ أولىُ منكَ بذلكَ ؟!
وإنْ عذَّبتَ . . فمَنْ أعدلُ منكَ هنالكَ ؟!
إلهي ؛ قدْ جرتُ على نفسي في النظرِ لها ، وبقيَ لها حسنُ نظرِكَ ،
فالويلُ لها إنْ لمْ تسعدْها .
إلهي ؛ إنَّكَ لمْ تزلْ بي برّاً أيامَ حياتي، فلا تقطعْ عنِّي بَرَّكَ بعدَ
مماتي ، ولقدْ رجوتُ ممَّنْ تولاَني في حياتي بإحسانِهِ أنْ يشفعَهُ عند مماتي
بغفرانِهِ .
(١) رواه البيهقي في ((الشعب)) (٢٩٦٩)، ولكن عزاه لجعفر بن سليمان ، لا لأبي
سليمان الداراني .
٢٠٢
٥

ربع المنجيات
كتاب المراقبة والمحاسبة
إلهي ؛ كيفَ أيَسُ مِنْ حسنِ نظرِكَ بعدَ مماتي ولمْ تولني إلا الجميلَ في
حياتي ؟!
إلهي ؛ إنْ كانَتْ ذنوبي قدْ أخافَتْني .. فإنَّ محيََّي لكَ قدْ أجارَتْني،
فتولَّ مِنْ أمري ما أنتَ أهلُهُ ، وعُدْ بفضلِكَ على مَنْ غرَّهُ جهلُهُ .
إلهي ؛ لو أردتَ إهانتي .. لما هديتَي، ولوْ أردتَ فضيحتي .. لمْ
تسترْني ، فمتعْني بما لهُ هديتَي ، وأدمْ لي ما بهِ سترتني .
إلاهي ؛ ما أظنُّكَ تردُّني في حاجةٍ أفنيتُ فيها عمري .
إلهي ؛ لولا ما قارفتُ مِنَ الذنوبِ .. ما خفتُ عقابَكَ، ولولا
ما عرفتُ مِنْ كرمِكَ .. ما رجوتُ ثوابَكَ)(١) .
وقالَ الخوَّاصُ : دخلنا على زُجْلةَ العابدةِ(٢) ، وكانَتْ قدْ صامَتْ حتى
اسودَّتْ وبكَتْ حتى عميَتْ، وصلَّتْ حتى أُقعدَتْ، وكانَتْ تصلِّي قاعدةً ،
فسلَّمنا عليها ، ثمَّ ذكرناها شيئاً مِنَ العفوِ ليهونَ عليها الأمرُ، قالَ: فشهقَتْ
ثُمَّ قالَتْ : علمي بنفسي قرَّحَ فؤادي وكلمَ كبدي ، واللهِ ؛ لوددتُ أنَّ اللهَ لمْ
يخلقْني ولمْ أكُ شيئاً مذكوراً ، ثمَّ أقبلَتْ على صلاتِها(٣).
(١) عزا رواية الخبر الحافظ الزبيدي في «إتحافه)) (١٤٢/١٠) لابن أبي الدنيا.
(٢) زُجْلة : بزاي مضمومة وجيم ، مولاة لمعاوية بن أبي سفيان رضي الله عنهما أو مولاة
لعاتكة بنت معاوية ، روت عن أم الدرداء . انظر (( تبصير المنتبه بتحرير المشتبه))
( ٥٩٧/٢ ) .
(٣) رواه ابن الجوزي في ((صفة الصفوة)) ( ٢٥/٢/٢) .
٢٠٣

كتاب المراقبة والمحاسبة
ربع المنجيات
فعليكَ إِنْ كنتَ مِنَ المرابطينَ المراقبينَ لنفسِكَ أنْ تطالعَ أحوالَ الرجالِ
والنساءِ مِنَ المجتهدينَ؛ لينبعثَ نشاطُكَ، ويزيدَ حرصُكَ، وإِيَّاكَ أنْ تنظرَ
إلى أهلِ عصرٍكَ ؛ فإنَّكَ إِنْ تطعْ أكثرَ مَنْ في الأرضِ يضلّوكَ عنْ سبيلِ اللهِ .
وحكاياتُ المجتهدينَ غيرُ محصورةٍ ، وفيما ذكرناهُ كفايةٌ للمعتبرِ ، وإنْ
أردتَ مزيداً .. فعليكَ بالمواظبة على مطالعةِ كتابٍ ((حليةُ الأولياءِ)) (١) ،
فهوَ مشتملٌ على شرح أحوالِ الصحابةِ والتابعينَ ومَنْ بعدَهُمْ ، وبالوقوفِ
عليهِ يستبينُ لكَ بعْدُكَ وبعْدُ أهلِ عصرِكَ مِنْ أهلِ الدينِ .
فإنْ حدَّثْكَ نفسُكَ بالنظرِ إلى أهلِ زمانِك، وقالَتْ : إنَّما تيسَّرَ الخيرُ
في ذلكَ الزمانِ لكثرةِ الأعوانِ ، والآنَ فإنْ خالفتَ أهلَ زمانِكَ .. رأوكَ
مجنوناً ، وسخروا بكَ ، فوافقْهُمْ فيما هُمْ فيهِ وعليهِ ، فلا يجري عليكَ إلا
ما يجري عليهِمْ، والمصيبةُ إذا عمَّتْ .. طابَتْ؛ فإِيَّاكَ أنْ تتدلَّى بحبلٍ
غرورِها ، وتنخدعَ بتزويرِها ، وقلْ لها : أرأيتِ لوْ هجمَ سيلٌ جارفٌ يغرقُ
أهلَ البلدِ ، وثبتوا على مواضعِهِمْ، ولمْ يأخذوا حذرَهُمْ لجهلِهِمْ بحقيقةٍ
الحالِ ، وقدرتِ أنتِ على أنْ تفارقيهِمْ وتركبي في سفينةٍ تتخلّصي بها مِن
الغرقِ .. فهلْ يختلجُ في نفسِكِ أنَّ المصيبةَ إذا عمَّتْ .. طابَتْ؟ أمْ تتركينَ
موافقتَهُمْ ، وتستجهلينَهُمْ في صنيعِهِمْ ، وتأخذينَ حذرَكُ ممَّا دهاكِ ؟ فإذا
(١) للإمام الحافظ أبي نعيم أحمد بن عبد الله الأصبهاني، المتوفى سنة (٤٣٠ هـ)، قال
الذهبي في ( سير أعلام النبلاء)) (٤٥٩/١٧): ( وكانوا يقولون : لما صنّف كتاب
((الحلية)) .. حمل إلى نيسابور حال حياته ، فاشتروه بأربع مئة دينار ) .
٢٠٤

ربع المنجيات
كتاب المراقبة والمحاسبة .
كنتِ تتركينَ موافقتَهُمْ خوفاً مِنَ الغرقِ وعذابُ الغرقِ لا يتمادى إلا ساعةً ..
فكيفَ لا تهربينَ مِنْ عذابِ الأبدِ وأنتِ متعرضةٌ لهُ في كلِّ حالٍ ؟ ومِنْ أينَ
تطيبُ المصيبةُ إِذا عمَّتْ ولأهلِ النارِ شغلٌ شاغلٌ عنِ الالتفاتِ إلى العمومِ
والخصوصِ ، ولمْ يهلكِ الكفَّارُ إلا بموافقةِ أهلِ زمانِهِمْ حيثُ قالوا: ﴿إِنَّا
وَجَدْنَاَءَ ابَ نَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَىْ ءَاثَِّهِمْ مُقْتَدُونَ﴾ ؟!
فعليكَ إذا اشتغلتَ بمعاتبةِ نفسِكَ أَوْ بحملِها على الاجتهادِ فاستعصَتْ ألا
تتركَ معاتبتَها وتوبيخَها ، وتقريعَها وتعريفَها سوءَ نظرِها لنفسِها ، فعساها
تنزجرُ عنْ طغيانِها .
٢٠٥

كتاب المراقبة والمحاسبة
ربع المنجيات
المرابطة السادسة
في توبيخ النفس ومعاتبتها
اعلمْ : أنَّ أعدى عدوّكَ نفسُكَ التي بينَ جنبيكَ، وقدْ خُلقَتْ أمَّارةً
بالسوءِ ، ميَّالةٌ إلى الشرِّ، فرارةً مِنَ الخيرِ، وأُمرتَ بتزكيتِها وتقويمِها ،
وقودِها بسلاسلِ القهرِ إلى عبادةِ ربِّها وخالقِها ، ومنعِها عنْ شهواتِها ، وفطامِها
عنْ لذَّاتِها، فإنْ أهملتَها .. جمحَتْ وشردَتْ، ولمْ تظفرْ بها بعدَ ذلكَ ، وإنْ
لازمتَها بالتوبيخ والمعاتبةِ ، والعذلِ والملامةِ .. كانَتْ نفسُكَ هيَ النفسَ
اللؤَّامةَ التي أقسمَ اللهُ تعالى بها ، ورجوتَ أنْ تصيرَ النفسَ المطمئنةَ ، المدعوةَ
إلى أنْ تدخلَ في زمرةٍ عبادِ اللهِ راضيةً مرضيةً ، فلا تغفُلَنْ ساعةٌ عنْ تذكيرِها
ومعاتبتِها ، ولا تشتغلَنْ بوعظٍ غيرِكَ ما لمْ تشتغلْ أوَّلاً بوعظِ نفسِكَ .
أوحى اللهُ تعالَى إلى عيسى عليهِ السلامُ: ( يا بنَ مريمَ ؛ عظْ نفسَكَ ؛
فإِنِ اتعظَتْ .. فعظِ الناسَ ، وإلا .. فاستحيٍ منِّ)(١).
وقال تعالى: ﴿وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنفَعُ الْمُؤْمِنِينَ﴾.
وسبيلُكَ أنْ تُقُبلَ عليها فتقرّرَ عندَها جهلَها وغباوتَها ، وأنَّها أبداً تتعزَّزُ
بفطنتِها وهدايتِها ، ويشتدُّ أنفُها واستنكافُها إذا نُسبَتْ إلى الحمقِ ، فتقولُ لها :
(١) رواه أحمد في ((الزهد)) (٣٠٠)، وأبو نعيم في ((الحلية)) (٣٨٢/٢).
٢٠٦

ربع المنجيات
كتاب المراقبة والمحاسبة
يا نفسُ ؛ ما أعظمَ جهلَكِ! تدَّعينَ الحكمةَ والذكاءَ والفطنةَ وأنتِ أشدُّ
الناسِ غباوةً وحمقاً ؟! أما تعرفينَ ما بينَ يديكِ مِنَ الجنةِ والنارِ ، وأنَّكِ صائرةٌ
إلى إحداهما على القربِ ؟ فما لكِ تفرحينَ وتضحكينَ ، وتشتغلينَ باللهوِ
وأنتِ مطلوبةٌ لههذا الخطبِ الجسيمِ ، وعساكِ اليومَ تُختطفينَ أَوْ غداً ؟! فأراكِ
ترينَ الموتَ بعيداً ويراهُ اللهُ قريباً ، أما تعلمينَ أنَّ كلَّ ما هوَ آتٍ قريبٌ ، وأنَّ
البعيدَ ما ليسَ بآتٍ ؟ أما تعلمينَ أنَّ الموتَ يأتي بغتةً مِنْ غيرِ تقديمٍ رسولٍ ،
ومِنْ غيرِ مواعدةٍ ومواطأةٍ ، وأنَّهُ لا يأتي في شيءٍ دونَ شيءٍ ، ولا في شتاءِ دونَ
صيفٍ ، ولا في صيفٍ دونَ شتاءٍ ، ولا في نهارٍ دونَ ليلٍ ، ولا في ليلٍ دونَ
نهارٍ ، ولا يأتي في الصبا دونَ الشبابِ ، ولا في الشبابِ دونَ الصبا ، بلْ كلُّ
نَفَسٍ مِنَ الأنفاسِ يمكنُ أنْ يكونَ فيهِ الموتُ فجأةً ، فإِنْ لمْ يكنِ الموتُ فجأةً ..
فيكونُ المرضُ فجأةً ، ثمَّ يفضي إلى الموتِ ؟! فما لكِ لا تستعدينَ للموتِ
وهوَ أقربُ إليكِ مِنْ كلِّ قريبٍ ؟! أما تتدبرينَ قولَهُ تعالى: ﴿اقْرَبَ لِلنَّاسِ
حِسَابُهُمْ وَهُمْ فِ غَفْلَةٍ مُّعْرِضُونَ ﴾ مَا يَأْنِهِم مِّن ذِكْرٍ مِّن رَّيِّهِم تُحْدَثٍ إِلَّا
اُسْتَمَعُوهُ وَهُمْ يَلْعَبُونَ ﴾ لَاهِيَةٌ قُلُوبُهُمْ﴾؟!
ويحَكِ يا نفسُ ! إنْ كانَتْ جراءتُكِ على معصيةِ اللهِ لاعتقادِكٍ أَنَّ اللهَ
لا يراكِ .. فما أعظمَ كفرَكِ! وإنْ كانَ معَ علمِكِ باطلاعِهِ عليكِ .. فما أشدَّ
وقاحتكِ وأقلَّ حیاءَكِ !
ويحَكِ يا نفسُ! لوْ واجهَكِ عبدٌ مِنْ عبيدِكِ، بلْ أَخٌ مِنْ إخوانِكِ بما
تكرهينَهُ كيفَ كانَ غضبُكِ عليهِ ومقتُكِ لهُ؟! فبأيِّ جسارةٍ تتعرَّضينَ
٢٠٧

كتاب المراقبة والمحاسبة
ربع المنجيات
لمقتِ اللهِ وغضبهِ وشديدٍ عقابِهِ ؟! أفتظنِينَ أنَّكِ تطيقينَ عذابَهُ؟ هيهاتَ
هيهاتَ ! جرِّبي نفسَكِ إنْ ألهاكِ البطرُ عنْ أليمٍ عذابِهِ ؛ فاحتبسي ساعةً في
الشمسِ ، أَوْ في بيتِ الحمَّامِ ، أوْ قرِّبي إصبعَكِ مِنَ النارِ ؛ ليتبيَّنَ لكِ قدْرُ
طاقتِكِ ، أمْ تغترِّينَ بكرمِ اللهِ تعالى وفضلِهِ ، واستغنائِهِ عنْ طاعتِكِ
وعبادِتِكِ ، فما لكِ لا تعوِّلينَ على كرمِ اللهِ تعالى في مهمَّاتِ دنياكِ ؟! فإذا
قصدكِ عدوٌّ .. فِلِمَ تستنبطينَ الحيلَ في دفعِهِ ولا تكلينَهُ إلى كرم الله
تعالى ؟! وإنْ أرهقَتُكِ حاجةٌ إلى شهوةٍ مِنْ شهواتِ الدنيا ممَّا لا ينقضي إلا
بالدينارِ والدرهمِ .. فما لكِ تنزعينَ الروحَ في طلبها وتحصيلِها مِنْ وجوهِ
الحيلِ ؟! فِلِمَ لا تعوِّلينَ على كرمِ اللهِ تعالى حتى يعثرَ بكِ على كنزِ ، أَوْ
يسخِّرَ عبداً مِنْ عبيدهِ فيحملَ إليكِ حاجتَكٍ مِنْ غيرِ سعي منكِ ولا طلبٍ ؟!
أفتحسبينَ أنَّ اللهَ كريمٌ في الآخرةِ دونَ الدنيا وقدْ عرفتِ أنَّ سنةَ اللهِ لا تبديلَ
لها، وأنَّ ربَّ الدنيا والآخرةِ واحدٌ ، وأَنْ ليسَ للإنسانِ إلا ما سعى ؟!
ويحَكِ يا نفسُ ! ما أعجبَ نفاقَكِ ودعاويَكِ الباطلةَ ! فإنَّكِ تدعينَ
الإيمانَ بلسانِكِ وأثرُ النفاقِ ظاهرٌ عليكِ، ألمْ يقلْ لكِ سيِّدُكِ ومولاكِ :
﴿ وَمَا مِن دَآبَةٍ فِ اٌلْأَرْضِ إِلَّا عَلَى الَّهِ رِزْقُهَا﴾ وقال في أمرِ الآخرةِ: ﴿ وَأَنْ لَيْسَ
لِلِنسَنِ إِلَّا مَا سَعَى﴾، فقدْ تكفَّلَ لكِ بأمرِ الدنيا خاصةً ، وصرفَكِ عنِ السعي
فيها ، فكذبتِهِ بأفعالِكِ ، وأصبحتِ تتكالبينَ على طلبِها تكالبَ المدهوشِ
المستهتَرِ ، ووكلَ أمرَ الآخرةِ إلى سعيِكِ ، فأعرضتِ عنها إعراضَ
المغرورِ المستحقرِ! ما هذا مِنْ علاماتِ الإِيمانِ ، لَوْ كانَ الإيمانُ
٢٠٨
.. تعود

ربع المنجيات
كتاب المراقبة والمحاسبة
جن
باللسانِ .. فلماذا كانَ المنافقونَ في الدرْكِ الأسفلِ مِنَ النارِ ؟!
ويحَكِ يا نفسُ ! كأنَّكِ لا تؤمنينَ بيوم الحسابِ، وتظنِّينَ أنَّكِ إذا
متِّ .. انفلتٌ وتخلصتِ ، وهيهاتَ! أتحسبينَ أنَّكِ تُتْركينَ سدىّ، ألمْ
تكوني نطفةً مِنْ منيٍّ يُمنى ، ثمَّ كنتِ علقةً فخلقَ فسوَّى ، أليسَ ذلكَ بقادرِ
على أنْ يحبيَ الموتى؟! فإِنْ كانَ هذا إضمارَكِ .. فما أكفرَكِ وأجهلَكِ ! أما
تفكّرينَ أنَّهُ مِنْ ماذا خلقَكِ ؟ مِنْ نطفةٍ خلقَكِ فقدَّرَكِ ، ثمَّ السبيلَ يسَّرَكِ ،
ثُمَّ أماتَكِ فأقبرَكِ ، أفتكذِّبينَهُ في قولِهِ : ثمَّ إذا شاءَ أنشرَكِ ؟ ، فإنْ لمْ تكوني
مكذبةً .. فما لكِ لا تأخذينَ حذرَكِ؟! ولوْ أنَّ يهودياً أخبرَكِ في ألذٌّ
أطعمتِكِ بأنَّهُ يضرُّكِ في مرضِكِ .. لصبرتِ عنهُ وتركتِهِ وجاهدتِ نفسَكِ
فيهِ ، أفكانَ قولُ الأنبياءِ المؤيَّدينَ بالمعجزاتِ ، وقولُ اللهِ تعالى في كتبِهِ
المنزلةِ أقلَّ عندَكِ تأثيراً مِنْ قولِ يهوديِّ يخبرُكِ عنْ حدسٍ وتخمينٍ وظنٍّ ،
معْ نقصانِ عقلٍ وقصورِ علمٍ ؟! والعجبُ أنَّهُ لوْ أخبرَكِ طفلٌ بأنَّ في ثوبِكِ
عقرباً .. لرميتِ ثوبَكِ في الحالِ مِنْ غيرِ مطالبةٍ لهُ بدليلٍ وبرهانٍ ، أفكانَ
قولُ الأنبياءِ والعلماءِ والحكماءِ وكافَّةِ الأولياءِ أقلَّ عندَكِ مِنْ قولِ صبيٍّ مِنْ
جملةِ الأغبياءِ ؟! أمْ صارَ حرُّ جهنَّمَ ، وأغلالُها وأنكالُها ، وزقُّومُها
ومقامعُها، وصديدُها وسمومُها ، وأفاعيها وعقاربُها .. أحقرَ عندَكِ مِنْ
عقربٍ لا تحسينَ بألمِها إلا يوماً أوْ أقلَّ منهُ ؟! ما هذا أفعالَ العقلاءِ ، بلْ لوِ
انكشفَ للبهائم حالُكِ .. لضحكوا منكِ، وسخروا مِنْ عقلِكِ.
فإن كنتِ يا نفسُ قدْ عرفتِ جميعَ ذلكَ وآمنتِ بهِ .. فما لكِ تسوِّفينَ
٢٠٩

كتاب المراقبة والمحاسبة
ربع المنجيات
العملَ والموتُ لكِ بالمرصادِ ، ولعلَّهُ يختطفُكِ مِنْ غيرِ مهلةٍ ؟! فبماذا أمنتٍ
استعجالَ الأجلِ ؟! وهبْكِ أنَّكِ وُعدتِ بالإمهالِ مئةَ سنةٍ ؛ أفتظنينَ أنَّ مَنْ
يُطعمُ الدابَةَ في حضيضِ العقبةِ يفلحُ ويقدرُ على قطع العقبةِ بها ؟ إنْ ظننتِ
ذلكَ .. فما أعظمَ جهلَكِ! أرأيتِ لوْ سافرَ رجلٌ ليتفقََّ في الغربةِ ، فأقامَ
فيها سنينَ متعطّلاً بطَّالاً، يَعِدُ نفسَهُ بالتفقُّهِ في السنةِ الأخيرةِ عندَ رجوعِهِ إلى
وطنِهِ .. هلْ كنتِ تضحكينَ مِنْ عقلِهِ وظنِّهِ أنَّ تفقية النفسِ ممَّا يطمعُ فيهِ بمدَّةٍ
قريبةٍ أوْ حسبانَهُ أنَّ مناصبَ الفقهاءِ تُنالُ مِنْ غيرِ تفقُّهِ اعتماداً على كرمِ اللهِ
سبحانَهُ؟! ثمَّ هبْ أنَّ الجهدَ في آخرِ العمرِ نافعٌ ، وأنَّهُ موصلٌ إلى الدرجاتِ
العلا ؛ فلعلَّ اليومَ آخرُ عمرِكِ ، فِلِمَ لا تشتغلينَ فيهِ بذلكَ ؟ فإِنْ أُوحِيَ إليكِ
بالإمهالِ .. فما المانعُ لكِ مِنَ المبادرةِ ، وما الباعثُ لكِ على التسويفِ ؟
هلْ لهُ سببٌ إلا عجزُكِ عنْ مخالفةِ شهوتِكِ لما فيه مِنَ التعبِ والمشقةِ ؟
أفتنتظرينَ يوماً يأتيكِ لا تعسرُ فيهِ مخالفةُ الشهواتِ ، هذا يومٌ لمْ يخلقُّهُ اللهُ
قطُّ، ولا يخلقُهُ ، فلا تكونُ الجنةُ قطُّ إلا محفوفةً بالمكارهِ ، ولا تكونُ
المكارهُ قطُّ خفيفةً على النفوسِ ، وهذا محالٌ وجودُهُ . أما تتأمَّلينَ مذْ كمْ
تَعِدِينَ نفسَكِ وتقولينَ : غداً وغداً؟! فقدْ جاءَ الغدُ وصارَ يوماً ، فكيفَ
وجدتِهِ ؟ أما علمتِ أنَّ الغدَ الذي جاءَ وصارَ يوماً كانَ لهُ حكمُ الأمسِ ؟!
لا بلْ ما تعجزينَ عنهُ اليومَ فأنتِ غداً عنهُ أعجزُ وأعجزُ ؛ لأنَّ الشهوةَ
كالشجرةِ الراسخةِ التي تُعبِّدَ العبدُ بقلعِها ، فإذا عجزَ العبدُ عنْ قلعِها للضعفِ
وأَخَّرَها .. كانَ كمَنْ عجزَ عنْ قلع شجرةٍ وهوَ شابٌ قويٌّ، فأخَّرَها إلى سنةٍ
٢١٠

كتاب المراقبة والمحاسبة
ربع المنجيات
أخرى ، معَ العلمِ بأنَّ طولَ المدَّةِ يزيدُ الشجرةَ قوةً ورسوخاً ، ويزيدُ القالعَ
ضعفاً ووهناً ، فما لا يقدرُ عليهِ في الشبابِ فلا يقدرُ عليهِ قطّ في المشيبِ ،
بلْ مِنَ العناءِ رياضةُ الهَرِم ، ومِنَ التعذيبِ تهذيبُ الذيبِ ، والقضيبُ الرطْبُ
يقبلُ الانحناءَ ، فإذا جفَّ وطالَ عليهِ الزمانُ .. لمْ يقبلْ ذلكَ .
فإذا كنتِ أيَّتُها النفسُ لا تفهمينَ هذهِ الأمورَ الجليَّةَ وتركنينَ إلى
التسويفِ .. فما لكِ تدَّعينَ الحكمةَ ؟! وأيةُ حماقةٍ تزيدُ على هذهِ الحماقةِ ؟!
ولعلَّكِ تقولينَ : ( ما يمنعُني عنِ الاستقامةِ إلا حرصي على لذَّةِ
الشهواتِ ، وقلَّةُ صبري على الآلام والمشقَّاتِ ) ، فما أجهلَكِ وأقبحَ
اعتذارَكِ! إنْ كنتِ صادقةً في ذلكَ .. فاطلبي التنعُمَ بالشهواتِ الصافيةِ عنِ
الكدوراتِ الدائمةِ أبدَ الآبادِ ، ولا مطمعَ في ذلكَ إلا في الجنةِ ، فإنْ كنتِ
ناظرةً لشهوتِكِ .. فالنظرُ لها في مخالفتِها ، فرَّ أكلةٍ تمنعُ أكَلاتٍ ،
وما قولُكِ في عقلِ مريضٍ أشارَ عليهِ الطبيبُ بتركِ الماءِ الباردِ ثلاثةَ أيام
ليصحَّ ويهنأَ بشربِهِ طولَ عمرِهِ ، وأخبرَهُ أنَّهُ إنْ شربَ ذلكَ .. مرضَ مرضاً
مزمناً ، وامتنعَ عليهِ شربُهُ طولَ العمرِ ، فما مقتضى العقلِ في قضاءٍ حقِّ
الشهوةِ : أيصبرُ ثلاثةَ أيامٍ ليتنعَّمَ طولَ العمرِ ، أمْ يقضي شهوتهُ في الحالِ
خوفاً مِنْ ألمِ المخالفةِ ثلاثةَ أيامٍ حتى يلزمَهُ ألمُ المخالفةِ ثلاثَ مئةٍ يومٍ ،
وثلاثةَ آلافِ يومٍ ، وجميعُ عمرِكِ بالإضافةِ إلى الأبدِ الذي هوَ مدَّةُ نعيمٍ أهلِ
الجنةِ وعذابِ أهلِ النارِ أقلُّ مِنْ ثلاثةِ أيامٍ بالإضافةِ إلى جميعِ العمرِ وإنْ
طالَتْ مَدَّتُهُ ؟
٢١١

كتاب المراقبة والمحاسبة
ربع المنجيات
وليتَ شعري ألمُ الصبرِ عنِ الشهواتِ أعظمُ شدَّةً وأطولُ مدَّةً ، أوْ ألمُ
النارِ في دركاتِ جهنَّمَ ؟! فمَنْ لا يطيقُ الصبرَ على ألمِ المجاهدةِ كيفَ يطيقُ
ألمَ عذابِ اللهِ ؟!
ما أراكِ تتوانينَ عنِ النظرِ لنفسِكِ إلا لكفرٍ خفيٍّ أوْ لحمقٍ جليٍّ :
أمَّا الكفرُ الخفيُّ .. فهوَ ضعفُ إيمانِكِ بيوم الحسابِ ، وقلَّةُ معرفتِكِ
بعظمٍ قَدْرِ الثوابِ والعقابِ .
وأمَّا الحمقُ الجليُّ .. فاعتمادُكِ على كرمِ اللهِ تعالى وعفوِهِ مِنْ غيرِ
التفاتٍ إلى مكرِهِ واستدراجِهِ ، واستغنائِهِ عنْ عبادتِكِ ، معَ أنَّكِ لا تعتمدينَ
على كرمِهِ في لقمةٍ مِنَ الخبزِ ، أوْ حبّةٍ مِنَ المالِ ، أَوْ كلمةٍ واحدةٍ تسمعينَها
مِنَ الخلقِ ، بلْ تتوصَّلينَ إلى غرضِكِ في ذلكَ بجميع الحيلِ ، وبهذا
الجهلِ تستحقينَ لقبَ الحماقةِ مِنْ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ حيثُ
قالَ : ((الكيسُ مَنْ دانَ نفسَهُ وعملَ لما بعدَ الموتِ، والأحمقُ مَنْ أَتَبعَ نفسَهُ
هواها وتمنَّى على اللهِ الأمانيَّ)) (١).
ويحَكِ يا نفسُ ! لا ينبغي أنْ تغرَّكِ الحياةُ الدنيا ، ولا يغرنَّكِ باللهِ
الغرورُ ، فانظري لنفسِكِ ؛ فما أمرُكِ بمهمٌّ لغيرِكِ ، ولا تضيِّعي أوقاتَكِ،
فالأنفاسُ معدودةٌ ، فإذا مضى منكِ نَفَسٌ .. فقدْ ذهبَ بعضُكِ ، فاغتنمي
(١) رواه الترمذي (٢٤٥٩)، وابن ماجه (٤٢٦٠)، وعندهما (والعاجز) بدل
( والأحمق ) .
٢١٢

ربع المنجيات
كتاب المراقبة والمحاسبة
الصحةَ قبلَ السقم ، والفراغَ قبلَ الشغلِ ، والغنى قبلَ الفقرِ ، والشبابَ قبلَ
الهرمِ ، والحياةَ قبلَ الموتِ ، واستعدي للآخرةِ على قدْرِ بقائِكِ فيها .
يا نفسُ ؛ أما تستعدِّينَ للشتاءِ بقدْرِ طولِ مَّتِهِ ؛ فتجمعينَ لهُ القوتَ
والكسوةَ والحطبَ وجميعَ الأسبابِ ، ولا تتكلينَ في ذلكَ على فَضْلِ اللهِ
وكرمِهِ حتى يدفعَ عنكِ البردَ مِنْ غيرِ جبَّةٍ ولبْدٍ وحطبٍ وغيرِ ذلكَ؛ فإنَّهُ قادرٌ
على ذلكَ، أفتظنينَ أيَّتُها النفسُ أنَّ زمهريرَ جهنَّمَ أخفُّ برداً أوْ أقصرُ مدَّةً مِنْ
زمهريرِ الشتاءِ ؟! أفتظنينَ أنَّ العبدَ ينجو منها بغيرِ سعي ؟! هيهاتَ ! كما
لا يندفعُ بردُ الشتاءِ إلا بالجبَّةِ والنارِ وسائرِ الأسبابِ .. فلا یندفعُ حُّ النارِ
وبردُها إلا بحصنِ التوحيدِ وخندقِ الطاعاتِ ، وإنَّما كرمُ اللهِ تعالى في أنْ
عرَّفَكِ طريقَ التحضُّنِ ، ويسَّرَ لكِ أسبابَهُ ، لا في أنْ يدفعَ عنكِ العذابَ دونَ
حصنِهِ ، كما أنَّ كرمَ اللهِ تعالى في دفع بردِ الشتاءِ أنْ خلقَ النارَ ، وهداكِ
لطريقِ استخراجِها مِنْ بينِ حديدةٍ وحجرٍ حتى تدفعي بها بردَ الشتاءِ عنْ
نفسِكِ، وكما أنَّ شراءَ الحطبِ والجبةِ ممَّا يستغني عنهُ خالقُكِ ومولاكِ ،
وإنَّما تشتريهِ لنفسِكِ؛ إذْ خلقَهُ سبباً لاستراحتِكِ .. فطاعاتُكِ ومجاهداتُكِ
أيضاً هوَ مستغنِ عنها، وإنَّما هيَ طريقُكِ إلى نجاتِكِ، فمَنْ أحسنَ ..
فلنفسِهِ ، ومَنْ أساءَ .. فعليها ، واللهُ غنيٌّ عنِ العالمينَ .
2
ويحَكِ يا نفسُ ؛ انزِعي عنْ جهلِكِ ، وقيسي آخرتَكِ بدنياكِ ، فما
خلقُكُمْ ولا بعثُكُمْ إلا كنفسٍ واحدةٍ ، وكما بدأنا أولَّ خلقٍ نعيدُهُ ، وكما
بدأَكُمْ تعودونَ ، وسنةُ اللهِ تعالى لا تجدينَ لها تبديلاً ولا تحويلاً .
٢١٣

كتاب المراقبة والمحاسبة البرج
ربع المنجيات
ويحَكِ يا نفسُ ! ما أراكِ إلا ألفتِ الدنيا وأنستِ بها ، فعسرَ عليكِ
مفارقتُها وأنتِ مقبلةٌ على مقاربتِها ، وتؤكدينَ في نفسِكِ موذَّتَها ، فاحسبي
أنَّكِ غافلةٌ عنْ عقابِ اللهِ وثوابِهِ ، وعنْ أهوالِ القيامةِ وأحوالِها ، فما أنتِ
مؤمنةٌ بالموتِ المفرِّقِ بينَكِ وبينَ محابِّكِ؟ أفتري أنَّ مَنْ يدخلُ دارَ ملكٍ
ليخرجَ مِنَ الجانبِ الآخرِ ، فمدَّ بصرَهُ إلى وجهٍ مليح يعلمُ أنَّهُ يستغرقُ ذلكَ
قلبَهُ ، ثمَّ يضطرُّ - لا محالةَ - إلى مفارقتِهِ .. أهوَ معدودٌ مِنَ العقلاءِ أمْ مِنَ
الحمقى ؟
أما تعلمينَ أنَّ الدنيا دارٌ لملكِ الملوكِ، وما لكِ فيها إلا مجازٌ ، وكلُّ
ما فيها لا يصحبُ المجتازينَ بها بعدَ الموتِ ، ولذلكَ قالَ سيِّدُ البشرِ
صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ : ((إنَّ روحَ القدسِ نفثَ في رُوعي : أحببْ مَنْ أحببتَ
فإنَّكَ مفارقُهُ(١) ، واعملْ ما شئتَ فإنَّكَ مجزيٌّ بهِ، وعشْ ما شئتَ فإنَّكَّ
ميتٌ))(٢).
ويحَكِ يا نفسُ ! أما تعلمينَ أنَّ كلَّ مَنْ يلتفتُ إلى ملاذٌّ الدنيا ، ويأنسُ
بها معَ أنَّ الموتَ مِنْ ورائِهِ .. فإنَّما يستكثرُ مِنَ الحسرةِ عندَ المفارقةِ ، وإنَّما
يتزوَّدُ مِنَ السمِّ المهلكِ وهوَ لا يدري ؟! أوما تنظرينَ إلى الذينَ مضوا كيفَ
(١) في غير ( ص ) : ( ما ) بدل ( من ) .
(٢) روى لفظ: ((إن روح القدس نفث في روعي)) عبد الرزاق في ((المصنف))
(١٢٥/١١)، وأبو نعيم في «الحلية)) (٢٧/١٠)، وتتمة الحديث رواها أبو نعيم
في ((الحلية)) (٢٠٢/٣)، والبيهقي في ((الشعب)) (١٠٠٥٨).
٠٠٠٩٠
٢١٤

ربع المنجيات
كتاب المراقبة والمحاسبة
بنوا وعلَوا، ثمَّ ذهبوا وخلّوا، وكيفَ أورثَ اللهُ أرضَهُمْ وديارَهُمْ أعداءَهُمْ،
أما ترينَهُمْ (١) كيفَ يجمعونَ ما لا يأكلونَ، ويبنونَ ما لا يسكنونَ، ويؤملونَ
ما لا يدركونَ ، يبني كلُّ واحدٍ قصراً مرفوعاً إلى جهةِ السماءِ ، ومقرُّهُ قبرٌ
محفورٌ تحتَ الأرضِ ، فهلْ في الدنيا حمقٌ وانتكاسٌ أعظمُ مِنْ هذا؟!
يعمُرُ الواحدُ دنياهُ وهوَ مرتحلٌ عنها يقيناً، ويخرِّبُ آخرتَهُ وهوَ صائرٌ إليها
قطعاً ! أما تستحيينَ يا نفسُ مِنْ مساعدة هؤلاءِ الحمقى على حماقتِهِمْ .
واحسبي أنَّكِ لستِ ذاتَ بصيرةٍ تهتدي إلى هذهِ الأمورِ ، وإنَّما تميلينَ
بالطبع إلى التشبُّهِ والاقتداءِ ، فقيسي عقلَ الأنبياءِ والعلماءِ والحكماءِ بعقلٍ
هؤلاءِ المكبِّينَ على الدنيا ، واقتدي مِنَ الفريقينِ بمَنْ هوَ أعقلُ عندَكِ إنْ
كنتِ تعتقدينَ في نفسِكِ العقلَ والذكاءَ .
يا نفسُ ؛ ما أعجبَ أمرَكِ وأشدَّ جهلَكِ وأظهرَ طغيانَكِ ! عجباً لكِ !
كيفَ تعمينَ عنْ هذهِ الأمورِ الواضحةِ الجليّةِ ولعلَّكِ يا نفسُ أسكرَكِ حبُّ
الجاهِ ، وأدهشَكِ عنْ فهمِها، أوَما تتفكرينَ أنَّ الجاهَ لا معنى لهُ إلا ميلُ
القلوبِ منْ بعضِ الناسِ إليكِ ؟ فاحسبي أنَّ كلَّ مَنْ على وجهِ الأرضِ سجدَ
لكِ وأطاعَكِ ، أفما تعرفينَ أنَّهُ بعدَ خمسينَ سنةً لا تبقينَ أنتِ ولا أحدٌ ممَّنْ
على وجهِ الأرضِ ممَّنْ عبدَكِ وسجدَ لكِ ، وسيأتي زمانٌ لا يبقى
ذكرُكِ ولا ذكرُ مَنْ ذكرَكِ؛ كما أتى على الملوكِ الذينَ كانوا مِنْ قبلِكِ ،
(١) في جميع النسخ: (أما تراهم)، والمثبت من (ق) .
٢١٥

كتاب المراقبة والمحاسبة
ربع المنجيات
فـ﴿ هَلْ تُحِسُّ مِنْهُم مِّنْ أَحَدٍ أَوْ تَسْمَعُ لَهُمْ رِكْزًّا﴾، فكيفَ تبيعينَ يا نفسُ ما يبقى
أبدَ الآبادِ بما لا يبقى أكثرَ مِنْ خمسينَ سنةً إِنْ بقيَ ؟! هذا إنْ كنتِ ملكاً مِنْ
ملوكِ الأرضِ ، سلمَ لكِ الشرقُ والغربُ ، حتى أذعنَتْ لكِ الرقابُ ،
وانتظمَتْ لكِ الأسبابُ ، كيفَ ويأبى إدبارُكِ وشقاوتُكِ أنْ يسلمَ لكِ أمرُ
محلتِكِ ، بلْ أمرُ دارِكِ فضلاً عنْ محلتِكِ ؟! فإنْ كنتِ يا نفسُ لا تتركينَ
الدنيا رغبةً في الآخرةِ لجهلِكِ وعمى بصيرتِكِ .. فما لكِ لا تتركينَها ترفُّعاً
عنْ خسَّةِ شركائها ، وتنزُّهاً عنْ كثرةِ عنائِها ، وتوقِّياً مِنْ سرعةِ فنائِها ؟! أمْ
ما لكِ لا تزهدينَ في قليلِها بعدَ أنْ زهدَ فيكِ كثيرُها ؟! وما لكِ تفرحينَ بدنيا
إنْ ساعدَتْكِ .. فلا تخلو بلدُكِ عنْ جماعةٍ منَ اليهودِ والمجوسِ يسبقونَكِ
بها ، ويزيدونَ عليكِ في نعيمِها وزينتِها ، فأفِّ لدنيا يسبقُكِ بها هؤلاءِ
الأخسَّاءُ ، فما أجهلَكِ وأخسَّ همَّتَكِ وأسقطَ رأيكِ ! إذْ رغبتٍ عنْ أنْ تكوني
في زمرةِ المقرَّبينَ مِنَ النبيينَ والصدِّيقِينَ في جوارِ ربِّ العالمينَ أبدَ الآبدينِ ؛
لتكوني في صفِّ النعالِ مِنْ جملةِ الحمقى الجاهلينَ أياماً قلائلَ ، فيا حسرةً
عليكِ إذْ خسرتِ الدنيا والدينَ .
فبادري - ويحَكِ يا نفسُ - فقدْ أشرفتِ على الهلاكِ ، واقتربَ الموتُ ،
ووردَ النذيرُ، فمَنْ ذا يصلِّي عنكِ بعدَ الموتِ ، ومَنْ ذا يصومُ عنكِ بعدَ
الموتِ ، ومَنْ ذا يترضَّى عنكِ ربَّكِ بعدَ الموتِ ؟!
ويحَكِ يا نفسُ ! ما لكِ إلا أيامٌ معدودةٌ هيَ بضاعتُكِ ، إنِ اتجرتِ فيها
وقدْ ضيَّعتِ أكثرَها ؛ فلوْ بكيتِ بقيةَ عمرِكِ على ما ضيَّعتِ منها .. لكنتِ
٢١٦

كتاب المراقبة والمحاسبة
ربع المنجيات
مقصرةً في حقِّ نفسِكِ ، فكيفَ إذا ضيَّعتِ البقيةَ وأصررتِ على عادتِكِ ؟!
أما تعلمينَ يا نفسُ أنَّ الموتَ موعدُكِ، والقبرَ بيتُكِ ، والترابَ
فراشُكِ ، والدودَ أنيسُكِ، والفزعَ الأكبرَ بينَ يديكِ ، أما علمتِ يا نفسُ أنَّ
عسكرَ الموتى على بابِ البلدِ ينتظرونَكِ، وقدْ آلوا كلُّهُمْ على أَنفسِهِمْ
بالأيمانِ المغلَّظةِ أنَّهُمْ لا يبرحونَ مِنْ مكانِهِمْ ما لمْ يأخذوكِ معَهُمْ .
أما تعلمينَ يا نفسُ أنَّهُمْ يتمنَّونَ الرجعةَ إلى الدنيا يوماً ليشتغلوا بتداركِ
ما فرطَ منهُمْ ، وأنتِ في أمنيَّيِّهِمْ ، ويومٌ مِنْ عمرِكِ لَوْ بيعَ منهم بالدنيا
بحذافيرِها .. لاشتروهُ لوْ قدروا عليهِ، وأنتِ تضيعينَ أَيَّامَكِ في الغفلةِ
والبطالةِ .
ويحَكِ يا نفسُ ! أما تستحيينَ ؟! تزيّنينَ ظاهرَكِ للخلقِ ، وتبارزينَ اللهَ
في السرِّ بالعظائمِ ، أفتستحيينَ مِنَ الخلقِ ولا تستحيينَ مِنَ الخالقِ ؟!
ويحَكِ ! أهوَ أهونُ الناظرينَ عليكِ ؟! أتأمرينَ الناسَ بالخيرِ وأنتِ متلطّخةٌ
بالرذائلِ ، تدعينَ إلى البرِّ وأنتِ منهُ فارّةٌ ، وتذكرينَ باللهِ وأنتِ لهُ ناسيةٌ ،
أما تعلمينَ يا نفسُ أنَّ المذنبَ أنتنُ مِنَ العذرةِ ، وأنَّ العذرةَ لا تطهِّرُ
غيرَها ؟! فلِمَ تطمعينَ في تطهيرِ غيرِكِ وأنتِ غيرُ طيِّةٍ في نفسِكِ ؟!
ويحَكِ يا نفسُ ! لوْ عرفتِ نفسَكِ حقَّ المعرفةِ .. لظننتِ أنَّ الناسَ
ما يصيبُهُمْ بلاءٌ إلا بشؤمِكِ .
ويحَكِ يا نفسُ ! قدْ جعلتِ نفسَكِ حماراً لإبليسَ يقودُكِ إلى حيثُ
٢١٧

كتاب المراقبة والمحاسبة
ربع المنجيات
يريدُ ، ويسخرُ بكِ، ومعَ هذا فتعجبينَ بعملِكِ وفيهِ مِنَ الآفاتِ ما لوْ نجوتِ
منها رأساً برأسٍ .. لكانَ الربحُ في يديكِ، وكيفَ تعجبينَ بعملِكِ معَ كثرةٍ
خطاياكِ وزلَلِكِ ، وقدْ لعنَ اللهُ إبليسَ بخطيئةٍ واحدةٍ بعدَ أنْ عبدَهُ مئتي ألفٍ
سنةٍ ، وأخرجَ آدَمَ مِنَ الجنةِ بخطيئةٍ واحدةٍ معَ كونِهِ نبيَّهُ وصفيَّهُ ؟!
ويحَكِ يا نفسُ ! ما أغدَركِ !
ويحَكِ يا نفسُ ! ما أوقحَكِ !
ويحَكِ يا نفسُ ! ما أجهلَكِ وما أجرأَكِ على المعاصي !
ويحَكِ كمْ تعقدينَ فتنقضينَ .
ويحَكِ كمْ تعهدينَ فتغدرينَ .
ويحَكِ يا نفسُ ! أتشتغلينَ معَ هذهِ الخطايا بعمارةِ دنياكِ كأنَّكِ غيرُ
مرتحلةٍ عنها ؟! أما تنظرينَ إلى أهلِ القبورِ كيفَ كانوا جمعوا كثيراً ، وبنَوا
مشيداً ، وأمَّلوا بعيداً ، فأصبحَ جمعُهُمْ بوراً ، وبنيانهم قبوراً ، وأملُهُمْ
غروراً ؟!
ويحَكِ يا نفسُ ! أما لكِ بهِمْ عبرةٌ ؟! أما لكِ إليهِمْ نظرةٌ ؟! أتظنينَ أنَّهُمْ
دعوا إلى الآخرةِ وأَنتٍ مِنَ المخلَّدينَ ؟! هيهاتَ هيهاتَ! ساءَ ما تتوهَّمينَ ،
ما أنتِ إلا في هدم عمرِكِ منذُ سقطتِ مِنْ بطنِ أمُّكِ ، فابني على وجهِ
الأرضِ قصرَكِ، فإِنَّ بطنَها عنْ قليلٍ يكونُ قبرَكِ ! أما تخافينَ إذا بلغَتِ
النفسُ منكِ التراقيَ أنْ تبدوَ رسلُ ربِّكِ منحدرةٌ إليكِ بسوادِ الألوانِ ، وكلَح
٢١٨

ربع المنجيات
كتاب المراقبة والمحاسبة عن!
الوجوهِ ، وبشرى العذاب ؟! فهلْ ينفعُكِ حينئذٍ الندمُ، أَوْ يُقبلُ منكِ
الحزنُ ، أَوْ يُرحمُ منكِ البكاءُ ؟
والعجبُ كلُّ العجبِ منكِ يا نفسُ أنَّكِ معَ هذا تدَّعينَ البصيرةَ والفطنةَ ،
ومِنْ فطنتِكِ أنَّكِ تفرحينَ كلَّ يومٍ بزيادةِ مالِكِ ، ولا تحزنينَ بنقصانِ
عمرِكِ ، وما نفعُ مالٍ يزيدُ وعمرٍ ينقصُ ؟!
ويحَكِ يا نفسُ ! تعرضينَ عنِ الآخرةِ وهيَ مقبلةٌ عليكِ ، وتقبلينَ على
الدنيا وهيَ معرضةٌ عنكِ ، فكمْ مِنْ مستقبلٍ يوماً لمْ يستكملُهُ ، وكمْ مِنْ
مؤمِّلٍ لغدٍ لمْ يبلغْهُ ، فأنتِ تشاهدينَ ذلكَ في إخوانِكِ وأقاربِكِ وجيرانِكِ ،
وترينَ تحسُّرَهُمْ عندَ الموتِ ، ثمَّ لا ترجعينَ عنْ جهالِتِكِ !
فاحذري أيَّتُها النفسُ المسكينةُ يوماً آلى اللهُ فيهِ على نفسِهِ ألا يتركَ عبداً
أمرَهُ في الدنيا ونهاهُ حتى يسألَهُ عنْ عملِهِ ؛ دقيقِهِ وجليلِهِ ، سرُّهِ وعلانيتِهِ ،
فانظري يا نفسُ بأيِّ بدنٍ تقفينَ بينَ يديِ اللهِ ؟ وبأيٍّ لسانٍ تجيبينَ ؟ وأَعدِّي
للسؤالِ جواباً ، وللجوابِ صواباً ، واعملي بقيّةَ عمرِكِ في أيامٍ قصارٍ لأيامٍ
طوالٍ ، وفي دارِ زوالٍ لدارِ مُقامةٍ ، وفي دارِ حزنٍ ونصَبٍ لدارِ نعيمٍ
وخلودٍ ، اعملي قبلَ ألا تعملي ، اخرجي مِنَ الدنيا اختياراً خروجَ الأحرارِ
قبلَ أنْ تخرجي منها على الاضطرارِ ، ولا تفرحي بما يساعدُكِ مِنْ زهراتِ
الدنيا ، فربّ مسرورٍ مغبونٌ، وربَ مغبونٍ لا يشعرُ ، فويلٌ لمَنْ لهُ الويلُ ثمَّ
لا يشعرُ، يضحكُ ويفرحُ، ويلهو ويمرحُ ، ويأكلُ ويشربُ، وقدْ حقَّ لهُ
في كتابِ اللهِ تعالى أنَّهُ مِنْ وقودِ النارِ !
٢١٩

كتاب المراقبة والمحاسبة
ربع المنجيات
فليكنْ نظرُّكِ يا نفسُ إلى الدنيا اعتباراً ، وسعيُكِ لها اضطراراً ، ورفضُكِ
لها اختياراً، وطلبُكِ للآخرةِ ابتداراً ، ولا تكوني ممَّنْ يعجزُ عنْ شکرٍ
ما أُوتِيَ ، ويبتغي الزيادةَ فيما بقيَ ، وينهى الناسَ ولا ينتهي .
واعلمي يا نفسُ أنَّهُ ليسَ للدينِ عوضٌ ، ولا للإيمانِ بدلٌ ، ولا للجسدِ
خلفٌ، ومَنْ كانَتْ مطيَّتُهُ الليلَ والنهارَ .. فإنَّهُ يُسارُ بهِ وإنْ لمْ يسرْ.
فاتعظي يا نفسُ بهذهِ الموعظةِ ، واقبلي هذهِ النصيحةَ ، فإنَّ مَنْ
أعرضَ عنِ الموعظةِ .. فقدْ رضيَ بالنارِ ، وما أراكِ بها راضيةً ، ولا لهذهِ
الموعظةِ واعيةٌ ، فإِنْ كانَتِ القساوةُ تمنعُكِ عنْ قبولِ الموعظةِ .. فاستعيني
عليها بدوامِ التهجُّدِ والقيام ؛ فإنْ لمْ تزلْ .. فبالمواظبة على الصيام ، فإنّ
لمْ تزلْ .. فبقلةِ المخالطةِ والكلام، فإِنْ لمْ تزلْ .. فبصلةِ الأرحام ،
واللطفِ بالأيتامِ ، فإِنْ لمْ تزلْ .. فاعلمي أنَّ اللهَ قدْ طبعَ على قلبكِ وأقفلَ
عليهِ ، وأنَّهُ قدْ تراكمَتْ ظلمةُ الذنوبِ على ظاهرِهِ وباطنِهِ ، فوطُّني نفسَكِ
على النارِ ، فقدْ خلقَ اللهُ الجنةَ وخلقَ لها أهلاً ، وخلقَ النارَ وخلقَ لها
أهلاً، فكلٌّ ميسَّرٌ لما خُلِقَ لهُ ، فإنْ لمْ يبقَ فيكِ مجالٌ للوعظِ .. فاقنطي مِنْ
نفسِكِ، والقنوطُ كبيرةٌ مِنَ الكبائرِ نعوذُ باللهِ مِنْ ذلكَ ، فلا سبيلَ لكِ إلى
القنوطِ ، ولا سبيلَ لكِ إلى الرجاءِ معَ انسدادِ طرقِ الخيرِ عليكِ ، فإِنَّ ذلكَ
اغترارٌ وليسَ برجاءٍ ، فانظري الآنَ هلْ يأخذُكِ حزنٌ على هذهِ المصيبةِ التي
ابتليتِ بها ؟ وهلْ تسمحُ عينُكِ بدمعةٍ رحمةً منكِ على نفسِكِ ، فإنْ
٢٢٠