Indexed OCR Text

Pages 21-40

ربع المنجيات
كتاب النية والإخلاص
المحرِّكةِ إليهِ ، فخلقَ اللهُ تعالى لهُ الميلَ والرغبةَ والإرادةَ ، وأعني بهِ نزوعاً
في نفسِهِ إليهِ ، وتوجُّهاً في قلبهِ إليهِ .
ثمَّ ذلكَ لا يكفيهِ ، فَكَمْ مِنْ مشاهدٍ طعاماً راغبٍ فيهِ مريدٍ تناولَهُ عاجزٌ
عنهُ لكونِهِ زَمِناً ، فخُلقَتْ لهُ القدرةُ والأعضاءُ المتحرّكةُ حتَّى يتمَّ بهِ التناولُ ،
والعضوُ لا يتحرَّكُ إلا بالقدرةِ ، والقدرةُ تنتظرُ،ـيةَ الباعثةَ، والداعيةُ
تنتظرُ العلمَ والمعرفةَ ، أوِ الظنَّ والاعتقادَ ، وهوَ أنْ يقوى في نفسِهِ كونٌ
الشيءِ موافقاً لهُ ، فإذا جزمَتِ المعرفةُ بأنَّ الشيءَ موافقٌ، ولا بدَّ أنْ يفعلَ ،
وسلمَتْ عنْ معارضةِ باعثٍ آخرَ صارفٍ عنهُ .. انبعثَتِ الإرادةُ، وتحقَّقَ
الميلُ، فإذا انبعثَتِ الإرادةُ .. انتهضَتِ القدرةُ لتحريكِ الأعضاءِ ، فالقدرةُ
خادمةٌ للإرادةِ ، والإرادةُ تابعةٌ لحكم الاعتقادِ والمعرفةِ ، فالنيةُ : عبارةٌ عن
الصفةِ المتوسطةِ ، وهيَ الإرادةُ وانبعاثُ النفسِ بحكمِ الرغبةِ والميلِ إلى
ما هوَ موافقٌ للغرضِ ؛ إمَّا في الحالِ ، وإمَّا في المآلِ .
فالمحرِّكُ الأوَّلُ هوَ الغرضُ المطلوبُ ، وهوَ الباعثُ ، والغرضُ الباعثُ
هوَ المقصدُ المنويُّ، والانبعاثُ هوَ القصدُ والنيةُ ، وانتهاضُ القدرةِ لخدمةِ
الإرادةِ بتحريكِ الأعضاءِ هوَ العملُ ، إلا أنَّ انتهاضَ القدرةِ للعملِ قَدْ يكونُ
بباعثٍ واحدٍ ، وقدْ يكونُ بباعثينِ اجتمعا في فعلٍ واحدٍ ، وإذا كانَ
بباعثينٍ .. فقدْ يكونُ كلُّ واحدٍ بحيثُ لوِ انفردَ لكانَ ملياً بإنهاضِ القدرةِ ،
وقدْ يكونُ كلُّ واحدٍ قاصراً عنهُ إلا بالاجتماع ، وقدْ يكونُ أحدُهُما كافياً لولا
الآخرُ، لكن الآخرُ انتهضَ عاضداً لهُ ومعاوناً ، فيخرجُ مِنْ هذا التقسيم
٢١

كتاب النية والإخلاص
ربع المنجيات
أربعةُ أقسام ، فلنذكرْ لكلِّ واحدٍ مثالاً واسماً .
G
أمَّا الأوَّلُ : فهوَ أنْ ينفردَ الباعثُ الواحدُ ويتجرَّدَ : كما إذا هجمَ على
الإنسانِ سبعٌ ، فكلَّما رآهُ .. قامَ مِنْ موضعِهِ ، فلا مزعجَ لهُ إلا غرضُ الهربِ
مِنَ السبع ، فإنَّهُ رأى السبعَ وعرفَهُ ضارّاً ، فانبعثَتْ نفسُهُ إلى الهربِ ورغبَتْ
فيهِ ، فانتهضَتِ القدرةُ عاملةً بمقتضى الانبعاثِ، فيُقالُ: نيتُهُ الفرارُ مِنَ
السبعٍ ، لا نيةَ لَهُ في القيامِ غيرُهُ، وهذهِ النيةُ تسمَّى خالصةً ، ويسمَّى العملُ
بموجبها إخلاصاً بالإضافةِ إلى الغرضِ الباعثِ ، ومعناهُ : أنَّهُ خلصَ عنْ
مشاركةٍ غيرِهِ وممازجتِهِ .
وأمَّا الثاني : فهوَ أنْ يجتمعَ باعثانِ كلُّ واحدٍ مستقلٌّ بالإنهاضِ لوِ انفردَ :
ومثالُهُ مِنَ المحسوسِ : أنْ يتعاونَ رجلانِ على حملِ شيءٍ بمقدارٍ مِنَ القوَّةِ
كانَ كافياً في الحملِ لوِ انفردَ ، ومثالُهُ في غرضِنا : أنْ يسألَهُ قريبُهُ الفقيرُ
حاجةٌ فيقضيَها لفقرِهِ وقرابتِهِ ، وعلمَ أنَّهُ لولا فقرُهُ .. لكانَ يقضيها بمجرَّدٍ
القرابةِ، وأنَّهُ لولا قرابتُهُ .. لكانَ يقضيها بمجرَّدِ الفقرِ ، وعلمَ ذلكَ مِنْ نفسِهِ
بأنْ يحضرَهُ قريبٌ غنيٌّ فيرغبُ في قضاءِ حاجتِهِ ، وفقيرٌ أجنبيٌّ فيرغبُ أيضاً
فيهِ، وكذلكَ مَنْ أمرَهُ الطبيبُ بتركِ الطعام ، ودخلَ عليهِ يومُ عرفةَ ، فصامَ ،
وهوَ يعلمُ أنَّهُ لوْ لمْ يكنْ يومَ عرفةَ .. لكانَ يتركُ الطعامَ حميةً ، ولولا
٢٢

كتاب النية والإخلاص
ربع المنجيات
الحميةُ .. لكان يتركُهُ لأجل أنَّهُ يومُ عرفةَ ، وقدِ اجتمعا جميعاً ، فأقدَم على
الفعلِ وكانَ الباعثُ الثاني رفيقَ الأوَّلِ ، فلنسمِّ هذا مرافقةَ البواعثِ .
والثالثُ : ألا يستقلَّ كلُّ واحدٍ لوٍ انفردَ ، ولكنْ قويَ مجموعُهُما على
إنهاضِ القدرةِ ، ومثالُهُ في المحسوسِ : أنْ يتعاونَ ضعيفانٍ على حملِ ما لا
ينفردُ أحدُهُما بهِ ، ومثالُهُ في غرضِنا : أَنْ يقصدَهُ قريبُهُ الغنيُّ فيطلبُ درهماً
فلا يعطيهِ ، ويقصِدُهُ الأجنبيُّ الفقيرُ فيطلبُ درهماً فلا يعطيهِ ، ثمَّ يقصدُهُ
الفقيرُ القريبُ فيعطيهِ ، فيكونُ انبعاثُ داعيتِهِ بمجموع الباعثينِ ، وهوَ القرابةُ
والفقرُ، وكذلكَ الرجلُ يتصدَّقُ بينَ يديِ الناسِ لغرضِ الثوابِ ولغرضٍ
الثناءِ، ويكونُ بحيثُ لوْ كانَ منفرداً .. لكانَ لا يبعثُهُ مجرَّدُ قصدِ الثوابِ على
العطاءِ ، ولوْ كانَ الطالبُ فاسقاً لا ثوابَ في التصدُّقِ عليهِ .. لكانَ لا يبعثُهُ
مجرَّدُ الرياءِ على العطاءِ ، ولمَّا اجتمعا .. أورثا بمجموعِهِما تحريكَ
القلبِ ، ولنسمِّ هذا الجنسَ مشاركةً .
والرابعُ : أنْ يكونَ أحدُ الباعثينِ مستقلاً لوِ انفردَ بنفسِهِ والثاني
لا يستقلُّ، ولكنْ لمَّا انضافَ إليهِ .. لمْ ينفكَ عنْ تأثيرٍ بالإعانةِ والتسهيلِ ،
ومثالُهُ في المحسوس : أنْ يعاونَ الضعيفُ الرجلَ القويَّ على الحملِ ، ولوِ
انفردَ القويُّ .. لاستقلَّ، ولوِ انفردَ الضعيفُ .. لمْ يستقلَّ، فإنَّ ذلكَ
٢٣

كتاب النية والإخلاص
ربع المنجيات
بالجملةِ يسهِّلُ العملَ ويؤثِّرُ في تخفيفِهِ ، ومثالُهُ في غرضِنا : أنْ يكونَ
للإنسانِ وردٌ في الصلاةِ وعادةٌ في الصدقاتِ ، فاتفقَ أنْ حضرَ في وقتِها
جماعةٌ مِنَ الناسِ ، فصارَ الفعلُ أخفَّ عليهِ بسببٍ مشاهدتِهِمْ، وعلمَ مِنْ
نفسِهِ أنَّهُ لوْ كانَ منفرداً خالياً .. لمْ يفترْ عنْ عملِهِ ، وعلمَ أنَّ عملَهُ لوْ لمْ يكنْ
طاعةً .. لمْ يكنْ مجرَّدُ الرياءِ يحملُهُ عليهِ ، فهوَ شوْبٌ تطرَّقَ إلى النيةِ ،
ولنسمّ هذا الجنسَ معاونةً .
فالباعثُ الثاني إمَّا أنْ يكونَ رفيقاً، أوْ شريكاً ، أوْ معيناً ، وسنذكرُ
حكمَها في بابِ الإخلاصِ ، والغرضُ الآنَ بيانُ أقسام النِيَّاتِ ، فإنَّ العملَ
تابعٌ للباعثِ عليهِ ، فيكتسبُ الحكمَ منهُ، ولذلكَ قيلَ: (( إنَّما الأعمالُ
بالنّيَّاتِ))(١) ، لأنَّها تابعةٌ لا حكمَ لها في نفسِها ، وإنَّما الحكمُ للمتبوعِ .
(١) رواه البخاري (١)، ومسلم ( ١٩٠٧).
٢٤

ربع المنجيات
كتاب النية والإخلاص
بيان سنة قوله صلى الله عليه وسلم:((نية المؤمن فسير من عمله)(١)
اعلمْ : أَنَّهُ قدْ يُظنُّ أنَّ سببَ ههذا الترجيح أنَّ النيةَ سرّ لا يطلعُ عليهِ
إلا اللهُ تعالى، والعملَ ظاهرٌ، ولعملِ السرِّ فضلٌ، وهذا صحيحٌ ، ولكنْ
ليسَ هوَ المرادَ ؛ لأنَّهُ لو نوى أنْ يذكرَ اللهَ تعالىُ بقلبهِ أوْ يتفكّرَ في مصالحٍ
المسلمينَ ، فيقتضي عمومُ الحديثِ أنْ تكونَ نيةُ التفكّرِ خيراً مِنْ التفكّرِ .
وقدْ يُظُّ أنَّ سببَ الترجيح أنَّ النيةَ تدومُ إلى آخرِ العملِ ، والأعمالَ
لا تدومُ، وهوَ ضعيفٌ؛ لأنَّ ذلكَ يرجعُ معناهُ إلى أنَّ العملَ الكثيرَ خيرٌ مِنَ
القليلِ ، بلْ ليسَ كذلكَ ، فإنَّ نيةَ أعمالِ الصلاةِ قدْ لا تدومُ إلا في لحظاتٍ
معدودةٍ ، والأعمالُ تدومُ ، والعمومُ يقتضي أنْ تكونَ نيتُهُ خيراً مِنْ عملِهِ .
وقدْ يقالُ : إنَّ معناهُ أنَّ النيةَ بمجرَّدِها خيرٌ مِنَ العملِ بمجرَّدِهِ دونَ النيةِ ،
وهوَ كذلكَ، ولكنَّهُ بعيدٌ أنْ يكونَ هوَ المرادَ ؛ إذِ العملُ بلا نيةٍ أوْ على الغفلةِ
لا خيرَ فيهِ أصلاً، والنيةُ بمجرَّدِها خيرٌ، وظاهرُ الترجيحِ للمشتركينِ في
أصلِ الخيرِ (٢).
بلِ المعنيُّ بهِ : أنَّ كلَّ طاعةٍ تنتظمُ بنيةٍ وعملٍ .. كانَتِ النيةُ مِنْ جملةِ
(١) رواه الطبراني في ((الكبير)) (١٨٥/٦)، وأبو نعيم في ((الحلية)) (٢٥٥/٣)،
والقضاعي في ((مسند الشهاب)) (١٤٧)، والبيهقي في ((الشعب)) (٦٤٤٥)،
والخطيب في ((تاريخ بغداد)) (٢٣٦/٩).
(٢) وهنا لا اشتراك. ((إتحاف)) (١٦/١٠).
٢٥

كتاب النية والإخلاص
ربع المنجيات
الخيراتِ ، وكانَ العملُ مِنْ جملةِ الخيراتِ ، ولكنَّ النيةَ مِنْ جملةِ الطاعةِ
خيرٌ مِنَ العملِ ؛ أيْ : لكلِّ واحدٍ منهما أثرٌ في المقصودِ ، وأثرُ النيةِ أكثرُ
مِنْ أثرِ العملِ ، فمعناهُ : نيةُ المؤمنِ مِنْ جملةِ طاعتِهِ خيرٌ مِنْ عملِهِ الذي هوَ
مِنْ جملةِ طاعتِهِ ، والغرضُ أنَّ للعبدِ اختياراً في النيةِ وفي العملِ ، فهما
عملانِ ، والنيةُ مِنَ الجملةِ خيرُهُما ، فهذا معناهُ .
وأمَّا سببُ كونِها خيراً ومترجحةً على العملِ .. فلا يفهمُهُ إلا مَنْ فهمَ
مقصدَ الدينِ وطريقَهُ ومبلغَ أثرِ الطرقِ في الإيصالِ إلى المقصدِ ، وقاسَ
بعضَ الآثارِ بالبعضِ ، حتَّى يظهرَ لهُ بعدَ ذلكَ الأرجحُ بالإضافةِ إلى
المقصودِ، فَمَنْ قالَ: الخبزُ خيرٌ مِنَ الفاكهةِ .. فإنَّما يعني بهِ أنَّهُ خيرٌ
بالإضافةِ إلى مقصودِ القوتِ والاغتذاءِ ، ولا يفهمُ ذلكَ إلا مَنْ فهمَ أنَّ للغذاءِ
مقصداً؛ وهوَ الصحةُ والبقاءُ، وأنَّ الأغذيةَ مختلفةُ الآثارِ فيها ، وفهمَ أثرَ
كلِّ واحدٍ ، وقاسَ بعضَها بالبعضِ ، فالطاعاتُ غذاءُ القلوبِ ، والمقصودُ
شفاؤها وبقاؤها ، وسلامتُها في الآخرةِ وسعادتُها ، وتنقُّمُها بلقاءِ اللهِ
تعالى ، فالمقصدُ لذةُ السعادةِ بلقاءِ اللهِ فقطْ ، ولنْ يتنعَّمَ بلقاءِ الله عزَّ وجلَّ
إلا مَنْ ماتَ محبّاً للهِ تعالى عارفاً باللهِ ، ولنْ يحبّهُ إلا مَنْ عرفَهُ ، ولنْ يأنسَ بهِ
إلا مَنْ طالَ ذكرُهُ لهُ ، فالأنسُ يحصلُ بدوام الذكرِ ، والمعرفةُ تحصلُ بدوامٍ
الفكرِ ، والمحبةُ تتبعُ المعرفةَ بالضرورةِ ، ولنْ يتفرَّغَ القلبُ لدوامِ الذكرِ
والفكرِ إلا إذا فرغُ مِنْ شواغلِ الدنيا ، ولنْ يتفرَّغَ مِنْ شواغلِها إلا إذا انقطعَ
عنهُ شهواتُها ، حتَّى يصيرَ مائلاً إلى الخيرِ مريداً لهُ ، نافراً عنِ الشرِّ مبغضاً
٢٦

ربع المنجيات
كتاب النية والإخلاص
لهُ، وإنَّما يميلُ إلى الخيراتِ والطاعاتِ إذا علمَ أنَّ سعادتَهُ في الآخرةِ منوطةٌ
بها ، كما يميلُ العاقلُ إلى الفصدِ والحجامةِ لعلمِهِ بأنَّ سلامتَهُ فيهما .
وإذا حصلَ أصلُ الميلِ بالمعرفةِ فإنَّما يقوى بالعملِ بمقتضى الميلِ
والمواظبةِ عليهِ ، فإنَّ المواظبةَ على مقتضى صفاتِ القلبِ وإرادتِها بالعملِ
تجري مجرى الغذاءِ والقوتِ لتلكَ الصفةِ ، حتى تترشحُ الصفةُ وتقوى بسببها ،
فالمائلُ إلى طلبِ العلمِ أوْ طلبِ الرئاسةِ لا يكونُ ميلُهُ في الابتداءِ إلا ضعيفاً ،
فإنِ اتبعَ مقتضى الميلِ واشتغلَ بالعلمِ وتربيةِ الرئاسةِ والأعمالِ المطلوبةِ
لذلكَ .. تأَّدَ ميلُهُ ورسخَ ، وعسرَ عليهِ النزوعُ ، وإنْ خالفَ مقتضى ميلِهِ ..
ضعفَ ميلُهُ وانكسرَ ، وربما زالَ وانمحقَ ، بلِ الذي ينظرُ إلى وجهٍ حسنٍ مثلاً
فيميلُ إليهِ طبعُهُ ميلاً ضعيفاً لوٍ اتبعَهُ وعملَ بمقتضاهُ ، فداومَ على النظرِ
والمجالسةِ والمخالطةِ والمجاورةِ .. تأكَّدَ ميلُهُ حتَّى يخرجَ أمرُهُ عنِ اختيارِهِ ،
فلا يقدرُ على النزوع عنهُ، ولوْ فطمَ نفسَهُ ابتداءً وخالفَ مقتضى ميلِهِ .. لكانَ
ذلكَ كقطع القوتِ والغذاءِ عنْ صفةِ الميلِ ، ويكونُ ذلكَ زبراً ودفعاً في
وجههٍ ، حتَّى يضعفَ وينكسرَ بسببِهِ ، أَوْ ينقمعَ وينمحيَ .
وهكذا جميعُ الصفاتِ ، والخيراتُ والطاعاتُ كلُّها هيَ التي تُرَادُ بها
الآخرةُ ، والشرورُ كلُّها هيَ التي تُرادُ بها الدنيا للدنيا لا للآخرةِ ، وميلُ
النفسِ إلى الخيراتِ الأخرويَّةِ وانصرافُها عنِ الدنيويَّةِ هوَ الذي يفرِّغُها للذكرِ
والفكرِ ، ولنْ يتأكَّدَ ذلكَ إلا بالمواظبةِ على أعمالِ الطاعاتِ وتركِ المعاصي
بالجوارحِ ؛ لأنَّ بينَ الجوارحِ وبينَ القلبِ علاقةً ، حتَّى إِنَّهُ يتأثرُ كلُّ واحدٍ
٢٧

كتاب النية والإخلاص
ربع المنجيات
منهما بالآخرِ ، فترى العضوَ إذا أصابَتْهُ جراحةٌ تألَّمَ بها القلبُ ، وترى القلبَ
إذا تألَّمَ بعلمِهِ بموتِ عزيزٍ مِنْ أعزَّتِهِ أوْ بهجوم أمرٍ مَخُوفٍ .. تأثرتْ بهِ
الأعضاءُ ، وارتعدَتِ الفرائصُ ، وتغيَّرَ اللونُ، إلا أنَّ القلبَ هوَ الأصلُ
المتبوعُ ، فكأنَّةُ الأميرُ والراعي ، والجوارحُ كالخدم والرعايا والأتباع ،
فالجوارحُ خادمةٌ للقلبِ بتأكيدِ صفاتِها فيهِ ، فالقلبُ هوَ المقصودُ ،
والأعضاءُ آلاتٌ موصلةٌ إلى المقصودِ .
ولذلكَ قالَ النبيُّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ : ((إنَّ في الجسدِ مضغةً ، إذا
صلحَتْ .. صلحَ لها سائرُ الجسدِ))(١) .
وقالَ عليهِ الصلاةُ والسلامُ: ((اللهُمَّ؛ أصلح الراعيَ والرعيةَ)) (٢)،
وأرادَ بالراعي القلبَ .
وقالَ اللهُ تعالى: ﴿لَن يَنَالَ اللَّهَ لُومُهَا وَلَا دِمَاؤُهَا وَلَكِن يَنَالُّهُ النَّقْوَى
مِنكُمْ﴾ ، وهيَ صفةُ القلبِ .
فمِنْ هذا الوجهِ يجبُ - لا محالةَ - أنْ تكونَ أعمالُ القلبِ على الجملةِ
أفضلَ مِنْ حركاتِ الجوارحِ ، ثمَّ يجبُ أنْ تكونَ النيةُ مِنْ جملتِها أفضلَ ؛
لأنَّها عبارةٌ عنْ ميلِ القلبِ إلى الخيرِ وإرادِهِ لهُ، وغرضُنا مِنَ الأعمالِ
بالجوارحِ أنْ يُعوَّدَ القلبُ إرادةَ الخيرِ ، ويُؤْكَّدَ فيهِ الميلُ إليهِ ؛ ليتفرَّغَ مِنْ
(١) رواه البخاري ( ٥٢)، ومسلم ( ١٥٩٩) .
(٢) قال الحافظ العراقي: ( لم أجده). ((إتحاف)) ( ١٧/١٠).
٢٨

کتاب النية والإخلاص
ربع المنجيات
شهواتِ الدنيا ، ويكبَّ على الذكرِ والفكرِ ، فبالضرورةِ يكونُ خيراً بالإضافةِ
إلى الغرضِ ؛ لأنَّهُ متمكِّنٌّ مِنْ نفسِ المقصودِ ، وهذا كما أنَّ المعدةَ إذا تألَّمَتْ
فقدْ تُداوى بأنْ يُوضعَ الطلاءُ على الصدرِ ، وتُداوى بالشربِ والدواءِ الواصلِ
إلى المعدةِ .. فالشربُ خيرٌ مِنْ طلاءِ الصدرِ ؛ لأنَّ طلاءَ الصدرِ أيضاً إنَّمَا أُرِيدَ
بهِ أنْ يسريَ منهُ الأثرُّ إلى المعدةِ، فما يلاقي عينَ المعدةِ فهوَ خيرٌ وأنفعُ .
فهكذا ينبغي أنْ تفهمَ تأثيرَ الطاعاتِ كلِّها ؛ إذِ المطلوبُ منها تغييرُ
القلوب وتبديلُ صِفاتِها فقطْ دونَ الجوارحِ ، فلا تظنَّنَّ أنَّ في وضع الجبهةِ
على الأرضِ غرضاً مِنْ حيثُ إنَّهُ جمعٌ بينَ الجبهةِ والأرضِ ، بلْ مِنْ حيثُ إنَّهُ
بحكم العادةِ يؤكِّدُ صفةَ التواضع في القلبِ ، فإنَّ مَنْ يجدُ في نفسِهِ تواضعاً
فإذا استعانَ بأعضائِهِ وصوَّرَها بصورةِ التواضع .. تأكَّدَ تواضعُهُ، ومَنْ وجدَ
في قلبِهِ رقَّةً على يتيمٍ ، فإذا مسحَ رأسَهُ وقبَّلَهُ .. تأكَّدَتِ الرقَّةُ في قلبهِ ،
ولهذا لمْ يكنِ العملُ بغيرِ نيةٍ مفيداً أصلاً ؛ لأنَّ مَنْ يمسحُ رأسَ يتيمٍ وهوَ
غافلٌ بقلبِهِ ، أوْ ظانٌّ أنَّهُ يمسحُ ثوباً .. لمْ يسرِ مِنْ أعضائِهِ أثرٌ إلى قلبِهِ لتأكيدِ
الرقَّةِ ، وكذلكَ مَنْ يسجدُ غافلاً وهوَ مشغولُ الهمّ بأعراضِ الدنيا .. لم يسرِ
مِنْ جبهتِهِ ووضعِها على الأرضِ أثرٌ إلى قلبِهِ يتأكدُ بهِ التواضعُ ، فكانَ وجودُ
ذاكَ كعدمِهِ ، وما ساوى وجودُهُ عدمَهُ بالإضافةِ إلى الغرضِ المطلوبِ منهُ
يُسمَّى باطلاً، فيُقالُ: العبادةُ بغيرِ نيةٍ باطلٌ، وهذا معناهُ إذا فُعِلَ عنْ
غفلةٍ ، فإذا قُصِدَ بهِ رياءٌ أوْ تعظيمُ شخصٍ آخرَ .. لمْ يكنْ وجودُهُ كعدمِهِ ،
بلْ زادَهُ شرّاً ؛ فإنَّهُ لمْ يؤكِّدِ الصفةَ المطلوبَ تأكيدُها حتَّى أكَّدَ الصفةَ
٢٩

كتاب النية والإخلاص
ربع المنجيات
:
المطلوبَ قمعُها ، وهيَ صفةُ الرياءِ التي هيَ مِنَ الميلِ إلى الدنيا .
فههذا وجهُ كونِ النيةِ خيراً مِنَ العملِ ، وبهذا أيضاً يُعرفُ معنى قولِهِ
صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: ((مَنْ همَّ بحسنةٍ فلمْ يعملْها .. كُتَبَتْ لهُ حسنةً)) (١)،
لأنَّ همَّ القلبِ هوَ ميلُهُ إلى الخيرِ وانصرافُهُ عنِ الهوى وحبِّ الدنيا ، وهوَ
غايةُ الحسناتِ ، وإنَّما الإتمامُ بالعملِ يزيدُها تأكيداً ، فليسَ المقصودُ مِنْ
إراقةِ دمِ القربانِ الدمَ واللحمَ ، بلْ ميلُ القلبِ عنْ حبِّ الدنيا ، وبذلِها إيثاراً
لوجهِ اللهِ تعالى، وهذهِ الصفةُ قدْ حصلَتْ عندَ جزم النيةِ والهمَّةِ وإنْ عاقَ
عنِ العملِ عائقٌ ، فلنْ ينالَ اللهَ لحومُها ولا دماؤُها ، ولكنْ ينالُهُ التقوى
منكُمْ ، والتقوى هاهنا ، أعني القلبَ، ولذلكَ قالَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ :
((إِنَّ قوماً بالمدينةِ قدْ شركونا في جهادِنا)) كما رويناه(٢)؛ لأنَّ قلوبَهُمْ في
صدقِ إرادةِ الخيرِ ، وبذلِ المالِ والنفسِ ، والرغبةِ في طلبِ الشهادةِ وإعلاءِ
كلمةِ اللهِ تعالىُ .. كقلوبِ الخارجينَ في الجهادِ ، وإنَّما فارقوهُمْ بالأبدانِ
العوائقَ تخصُّ الأسبابَ الخارجةَ عنِ القلبِ ، وذلكَ غيرُ مطلوبٍ إلا لتأكيدِ
هذهِ الصفاتِ .
وبهذهِ المعاني تُفُهمُ جميعُ الأحاديثِ التي أوردناها في فضيلةِ النيةِ ،
فاعرضْها عليها ؛ لينكشفَ لكَ أسرارُها ، فلا نطوِّلُ بالإعادةِ .
(١) رواه البخاري (٦٤٩١)، ومسلم (١٣١) .
(٢) رواه بنحوه البخاري ( ٤٤٢٣)، وأبو داوود ( ٢٥٠٨)، وابن ماجه ( ٢٧٦٤).
٣٠

ربع المنجيات
کتاب النية والإخلاص
بيان تفصيل الأعمال المتعلقة بالنّيّة
اعلمْ : أنَّ الأعمالَ وإنِ انقسمَتْ أقساماً كثيرةً ؛ مِنْ فعلٍ وقولٍ ، وحركةٍ
وسكونٍ ، وجلبٍ ودفعٍ ، وفكرٍ وذكرٍ ، وغيرِ ذلكَ ممَّا لا يُتصوَّرُ إحصاؤُهُ
واستقصاؤُهُ .. فهيَ ثلاثةُ أقسام : معاصٍ ، وطاعاتٌ ، ومباحاتٌ.
القسمُ الأوَّلُ : المعاصي :
وهيَ لا تتغيَّرُ عنْ موضوعاتِها بالنيةِ ، فلا ينبغي أنْ يفهمَ الجاهلُ ذلكَ مِنْ
عموم قولِهِ عليهِ الصلاةُ والسلامُ: ((إنَّما الأعمالُ بالنياتِ )) فيظنَّ أنَّ
المعصيةَ تنقلبُ طاعةً بالنيةِ ؛ كالذي يغتابُ إنساناً مراعاةً لقلبٍ غيرِهِ ، أوْ
يطعمُ فقيراً مِنْ مالِ غيرِهِ ، أوْ يبني مدرسةً أوْ مسجداً أوْ رباطاً مِنْ مالٍ حرامٍ
وقصدُهُ الخيرُ، فهذا كلُّهُ جهلٌ ، والنيةُ لا تؤثِّرُ في إخراجِهِ عنْ كونِهِ ظلماً
وعدواناً ومعصيةً ، بلْ قصدُهُ الخيرَ بالشرٌّ على خلافِ مقتضى الشرعِ شرٌّ
آخرُ، فإنْ عرفَهُ .. فهوَ معاندٌ للشرع ، وإنْ جهلَهُ .. فهوَ عاصٍ بجهلِهِ؛ إذْ
طلبُ العلمِ فريضةٌ على كلِّ مسلمٍ ، والخيراتُ إنَّما عُرِفَ كونُها خيراتٍ
بالشرع ، فكيفَ يمكنُ أنْ يكونَ الشرُّ خيراً ؟! هيهاتَ ! بلِ المروِّجُ لذلكَ
على القلبِ خفيُّ الشهوةِ وباطنُ الهوى ، فإِنَّ القلب إذا كانَ مائلاً إلى طلبٍ
الجاهِ ، واستمالةِ قلوبِ الناسِ ، وسائرِ حظوظِ النفسِ .. توسَّلَ الشيطانُ بهِ
إلى التلبيسٍ على الجاهلِ .
٣١

كتاب النية والإخلاص
ربع المنجيات
ولذلكَ قالَ سهلٌ رحمهُ اللهُ تعالى : ما عُصِيَ اللهُ تعالى بمعصيةٍ أعظمَ مِنَ
الجهلِ ، قيلَ : يا أبا محمدٍ ؛ هلْ تعرفُ شيئاً أشدَّ مِنَ الجهلِ ؟ قالَ :
نعمِ ، الجهلُ بالجهلِ(١) .
وهوَ كما قالَ ؛ لأنَّ الجهلَ بالجهلِ يسدُّ بالكليّةِ بابَ التعلُّم ، فمَنْ يظنُ
بالكليّةِ بنفسِهِ أنَّهُ عالمٌ .. فكيفَ يتعلَّمُ ؟
وكذلكَ أفضلُ ما أُطيعَ اللهُ تعالى بهِ العلمُ ، ورأسُ العلمِ العلمُ بالعلمِ ،
كما أنَّ رأسَ الجهلِ الجهلُ بالجهلِ ، فإنَّ مَنْ لا يعلمُ العلمَ النافعَ مِنَ العلمِ
الضارِّ .. اشتغلَ بما أكبَّ الناسُ عليهِ مِنَ العلومِ المزخرفةِ التي هيَ وسائلُهُمْ
إلى الدنيا ، وذلكَ هوَ مادةُ الجهلِ ومنبعُ فسادِ العالمِ .
والمقصودُ أنَّ مَنْ قصدَ الخيرَ بمعصيةٍ عنْ جهلِ .. فهوَ غيرُ معذور ، إلا
إذا كانَ قريبَ العهدِ بالإسلامِ ولمْ يجدْ بعدُ مهلةً للتعلُّمِ .
وقدْ قالَ اللهُ سبحانَهُ : ﴿فَسَتَلُواْ أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾.
وقالَ النبيُّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ : (( لا يُعذرُ الجاهلُ على الجهلِ ،
ولا يحلُّ للجاهلِ أنْ يسكتَ على جهلِهِ ، ولا للعالم أن يسكتَ على
علمِهِ))(٢).
ويقربُ مِنْ تقرُّبِ السلاطينِ ببناءِ المساجدِ والمدارسِ بالمالِ الحرامِ
(١) قوت القلوب (١٥٣/٢).
(٢) كذا في ((القوت)) (١٥٣/٢)، ورواه الطبراني في «الأوسط)) (٥٣٦١) بنحوه .
٣٢

ربع المنجيات
كتاب النية والإخلاص
تقرُّبُ العلماءِ السوءِ بتعليمِ العلمِ للسفهاءِ والأشرارِ ، المشغولينَ بالفسقِ
والفجورِ ، القاصرينَ هممَهُمْ على مماراةِ العلماءِ ومباراةِ السفهاءِ ،
واستمالةِ وجوهِ الناسِ ، وجمع حُطامِ الدنيا ، وأخذِ أموالِ السلاطينِ
واليتامى والمساكينِ ، فإنَّ هؤلاءِ إذا تعلَّموا .. كانوا قطَّاعَ طريقِ اللهِ ،
وانتهضَ كلُّ واحدٍ منهُمْ في بلدتِهِ نائباً عنِ الدجّالِ ، يتكالبُ على الدنيا ،
ويتبعُ الهوىُ ، ويتباعدُ عنِ التقوى ، ويستجرىءُ الناسُ بسببٍ مشاهدتِهِ على
معاصي اللهِ ، ثمَّ قدْ ينتشرُ ذلكَ العلمُ إلى مثلِهِ وأمثالِهِ ، ويتخذونَهُ أيضاً آلةً
ووسيلةً في الشرِّ واتباع الهوى، ويتسلسلُ ذلكَ ، ووبالُ جميعِهِ يرجعُ إلى
المعلِّم الذي علَّمَهُ العلمَ معَ علمِهِ بفسادِ نيتِهِ وقصدِهِ ، ومشاهدتِهِ أنواعَ
المعاصي مِنْ أقوالِهِ وأفعالِهِ ، وفي مطعمِهِ وملبسِهِ ومسكنِهِ ، فيموتُ هذا
العالمُ وتبقى آثارُ شرِّهِ منتشرةً في العالمِ ألف سنةٍ وألفي سنةٍ ، وطوبى لمَنْ
إذا ماتَ .. ماتَتْ معهُ ذنوبُهُ .
ثمَّ العجبُ مِنْ جهلِهِ حيثُ يقولُ: ( إنَّما الأعمالُ بالنياتِ ، وقدْ قصدتُ
بذلكَ نشرَ علمِ الدينِ ، فإن استعملَهُ هوَ في الفسادِ .. فالمعصيةُ منهُ
لا مِنِّي ، وما قصدتُ بهِ إلا أنْ يستعينَ بهِ على الخيرِ ) ، وإنَّما حبُّ الرئاسةِ
والاستتباع والتفاخرِ بعلوِّ العلمِ يحسِّنُ ذلكَ في قلبِهِ ، والشيطانُ بواسطةِ حبُّ
الرئاسةِ يلُِّ عليهِ ، وليت شعري ما جوابُهُ عمَّنْ وهبَ سيفاً مِنْ قاطع
طريقٍ ، وأعدَّ لهُ خيلاً وأسباباً يستعينُ بها على مقصودِهِ ، ويقولُ : ( إنَّما
أردتُ البذلَ والسخاءَ ، والتخلُّقَ بأخلاقِ اللهِ تعالى ، وقصدتُ بهِ أنْ يغزوَ
٣٣
لمتره

كتاب النية والإخلاص
ربع المنجيات
بههذا السيفِ والخيلِ في سبيلِ اللهِ ، فإنَّ إعدادَ الخيلِ والرباطِ والقوَّةِ للغزاةِ
مِنْ أفضلِ القرباتِ ، فإنْ هوَ صرفَهُ إلى قطع الطريقِ .. فهوَ العاصي ) ، وقدْ
أجمعَ الفقهاءُ على أنَّ ذلك حرامٌ ، معَ أنَّ السخاءَ هوَ أحبُّ الأخلاقِ إلى اللهِ
تعالى، حتى قالَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: (( إن اللهِ تعالىُ ثلاثَ مئةٍ
خُلُقٍ ، مَنْ تقرَّبَ إليهِ بواحدٍ منها .. دخلَ الجنةَ، وأحبُّها إليهِ السخاءُ)) (١) ،
فليتَ شعري لِمَ حرُمَ هذا السخاءُ ؟ ولِمَ وجبَ عليهِ أنْ ينظرَ إلى قرينةِ الحالِ
مِنْ هذا الظالمٍ ؛ فإذا لاحَ لهُ مِنْ عادتِهِ أنَّهُ يستعينُ بالسلاح على الشرِّ ..
فينبغي أنْ يسعى في سلبٍ سلاحِهِ ، لا في أنْ يمدَّهُ بغيرِهِ ؟
والعلمُ سلاحٌ يقاتلُ بهِ الشيطانُ وأعداءُ اللهِ ، وقدْ يعاونُ بهِ أعداءَ اللهِ
تعالى، وهوَ الهوى ، فمَنْ لا يزالُ مؤثراً لدنياه على دينِهِ ، ولهواهُ على
آخرتِهِ ، وهوَ عاجزٌ عنها لقلَّةٍ فضلِهِ .. فكيفَ يجوزُ إمدادُهُ بنوع علمٍ يتمكّنُ
بهِ مِنَ الوصولِ إِلی شهواتِهِ ؟!
بلْ لمْ يزلْ علماءُ السلفِ رحمهمُ اللهُ يتفقدونَ أحوالَ مَنْ يتردّدُ إليهِمْ ،
فلوْ رأوا من واحدٍ منهُمْ تقصيراً في نفلٍ مِنَ النوافلِ .. أنكروهُ وتركوا
إكرامَهُ، وإذا رأوا منهُ فجوراً واستحلالَ حرام .. هجروهُ ونفَوهُ عنْ
مجالسِهِمْ، وتركوا تكليمَهُ فضلاً عنْ تعليمِهِ ؛ لعلمِهِمْ بأنَّ مَنْ تعلَّمَ مسألةً
(١) قوت القلوب (٧٨/٢)، ورواه الطبراني في ((الأوسط)) (١٠٩٧)، وأبو الشيخ في
(العظمة)) (١٦١ ) بنحوه .
٣٤

ربع المنجيات
کتاب النية والإخلاص
ولمْ يعملْ بها وجاوزَها إلى غيرِها .. فليسَ يطلبُ إلا آلَةَ الشرِّ، وقدْ تعوَّذَ
جميعُ السلفِ باللهِ مِنَ العالمِ الفاجرِ ، وما تعوَّذُوا مِنَ الفاجرِ الجاهلِ .
وحُكِيَ عنْ بعضٍ أصحابِ أحمدَ ابنِ حنبلٍ رحمهُ اللهُ أنَّهُ كانَ يتردّدُ إليهِ
سنينَ ، ثُمَّ اتفقَ أنْ أعرضَ عنهُ أحمدُ، وهجرَهُ وصارَ لا يكلِّمُهُ ، فلمْ يزلْ
يسألُهُ عنْ تغيُّرِهِ عليهِ وهوَ لا يذكرُهُ حتى قالَ لهُ : بلغني أنَّكَ طِيَّنْتَ حائطَ
دارِكَ مِنْ جانبِ الشارع ، فقدْ أخذتَ قدْرَ سمكِ الطينِ ، وهوَ أَنْمُلةٌ مِنْ
شارعِ المسلمينَ ، فلا تصلحُ لتعلُّمِ العلمِ (١) .
فهكذا كانَتْ مراقبةُ السلفِ لأحوالِ طلبةِ العلمِ .
وهذا وأمثالُهُ ممَّا يلتبسُ على الأغبياءِ وأتباع الشيطانِ وإِنْ كانوا أربابَ
الطيالسةِ والأكمام الواسعةِ وأصحابَ الألسنةِ الطويلةِ والفضْلِ الكثيرِ ؛
أعني : الفضلَ مِنَ العلومِ التي لا تشتملُ على التحذيرِ مِنَ الدنيا والزجرِ
عنها ، والترغيبِ في الآخرةِ والدعاءِ إليها ، بلْ هيَ العلومُ التي تتعلَّقُ
بالخلقِ ، ويُتوصَّلُ بها إلى جمعِ الحُطامِ ، واستباعِ الناسِ والتقدُّم على
الأقرانِ .
فإذاً؛ قولُهُ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: ((إنَّما الأعمالُ بالنيَّاتِ)) يختصُّ مِنَ
الأقسام الثلاثةِ بالطاعاتِ والمباحاتِ دونَ المعاصي ؛ إذِ الطاعةُ تنقلبُ
(١) أورده صاحب ((القوت)) (٦٩/١)، ثم إن الرجل هدم حائطه وأخَّره إصبعاً ثم طينه
من خارج ، فأقبل عليه الإمام أحمد ، رحمهما الله تعالى .
٣٥

كتاب النية والإخلاص
ربع المنجيات
معصيةً بالقصدِ ، والمباحُ ينقلبُ معصيةً وطاعةٌ بالقصدِ ، فأمَّا المعصيةُ ..
فلا تنقلبُ طاعةً بالقصدِ أصلاً ، نعمْ، للنيةِ دخلٌ فيها ، وهوَ أنَّهُ إِذا انضافَ
إليها قُصودٌ خبيئةٌ .. تضاعفَ وزرُها، وعظُمَ وبالُها ، كما ذكرنا ذلكَ في
كتابِ التوبةِ .
القسمُ الثاني : الطاعاتُ :
وهيَ مرتبطةٌ بالنياتِ في أصلِ صحتِها ، وفي تضاعفٍ فضلِها .
أمَّا الأصلُ .. فهوَ أنْ ينويَ بها عبادةَ اللهِ تعالى لا غيرَ، فإنْ نوى
الرياءَ .. صارَتْ معصيةً .
وأمَّا تضاعفُ الفضلِ .. فبكثرةِ النياتِ الحسنةِ ، فإنَّ الطاعةَ الواحدةَ
يمكنُ أنْ ينويَ بها خيراتٍ كثيرةٌ ، فيكونُ لهُ بكلِّ نيةٍ ثوابٌ ؛ إذْ كلُّ واحدةٍ
منها حسنةٌ، ثمَّ تضاعفُ كلُّ حسنةٍ عشرَ أمثالِها كما وردَ بهِ الخبرُ(١).
ومثالُهُ : القعودُ في المسجدِ ؛ فإنَّهُ طاعةٌ ، ويمكنُ أنْ ينويَ فيهِ نیاتٍ
كثيرةً حتى يصيرَ مِنْ فضائلِ أعمالِ المتقينَ ، ويبلغَ بهِ درجاتِ المقربينَ :
أوَّلُها : أنْ يعتقدَ أنَّهُ بيتُ اللهِ، وأنَّ داخلَهُ زائرٌ للهِ ، فيقصدُ بهِ زيارةَ
مولاهُ رجاءً لما وعدَهُ بهِ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ حيثُ قالَ: (( مَنْ
(١) رواه هناد في ((الزهد)) ( ٨٩٥) .
٣٦

ربع المنجيات
کتاب النية والإخلاص
قعدَ في المسجدِ .. فقدْ زارَ اللهَ تعالى، وحقُّ على المزورِ إكرامُ
زائرِهٍ)»(١) .
وثانيها : أنْ ينتظرَ الصلاةَ بعدَ الصلاةِ ، فيكونَ في جملةِ انتظارِهِ في
الصلاةِ ، وهوَ معنى قولهِ تعالى: ﴿وَرَابِطُواْ﴾(٢).
وثالثُها: الترقُّبُ بكفِّ السمع والبصرِ والأعضاءِ عنِ الحركاتِ
والتردُّداتِ ؛ فإنَّ الاعتكافَ كفِّ، وهوَ في معنى الصومِ، وهوَ نوعُ
ترقُّبٍ ، ولذلكَ قالَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: ((رهبانيةُ أمَّتي القعودُ
في المساجدِ))(٣) ..
ورابعُها : عكوفُ الهمّ على اللهِ ، ولزومُ السرِّ للفكرِ في الآخرةِ، ودفعُ
الشواغلِ الصارفةِ عنهُ بالاعتزالِ إلى المسجدِ .
وخامسُها : التجرُّدُ لذكرِ اللهِ، أَوْ لاستماع ذكرِهِ ، وللتذكيرِ بهِ ، كما
(١) قوت القلوب (١٥٤/٢)، ورواه ابن حبان في ((المجروحين)) (٦٢/٢).
(٢) إذروى مسلم (٢٥١) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه : أن رسول الله صلى الله عليه
وسلم قال: (( ألا أدلكم على ما يمحو الله به الخطايا، ويرفع به الدرجات؟)) قالوا :
بلى يا رسول الله، قال: (( إسباغ الوضوء على المكاره ، وكثرة الخطا إلى المساجد ،
وانتظار الصلاة بعد الصلاة ؛ فذلكم الرباط)) .
(٣) كذا في ((القوت)) (١٥٤/٢)، ورواه أبو نعيم في ((معرفة الصحابة)) (١٩٥٧/٤)
من حديث أنس قال : مات ابن لعثمان بن مظعون ، فاشتد حزنه عليه حتى اتخذ مسجداً
في داره يتعبد فيه ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((إنها لم تكتب علينا الرهبانية
يا عثمان، إن رهبانية أمتي في المساجد وانتظار الصلوات والحج والعمرة ... ))
الحديث .
٣٧

كتاب النية والإخلاص
ربع المنجيات
رُوِيَ في الخبرِ : (( مَنْ غدا إلى المسجدِ ليذكرَ اللهَ تعالى أوْ يذكِّرَ بهِ .. كانَ
كالمجاهدِ في سبيلِ اللهِ )»(١) .
وسادسُها : أنْ يقصدَ إفادةَ علمٍ بأمرٍ بمعروفٍ ونهي عن منكرٍ ؛ إذِ
المسجدُ لا يخلو عمَّنْ يسيءُ صلاتَةُ، أوْ يتعاطى ما لا يحلُّ لهُ ، فيأمرُهُ
بالمعروفِ ، ويرشدُهُ إلى الدينِ ، فيكونُ شريكاً معَهُ في خيرِهِ الذي يعلمُ
منهُ ، فتتضاعفُ خيراتُهُ .
وسابعُها : أنْ يستفيدَ أخاً في اللهِ تعالى ، فإنَّ ذلكَ غنيمةٌ وذخيرةٌ للدار
الآخرةِ ، والمسجدُ مُعَشَّشُ أهلِ الدينِ المحبِينَ للهِ وفي اللهِ .
وثامنُها : أنْ يتركَ الذنوبَ حياءً مِنَ اللهِ تعالى ، وحياءً مِنْ أنْ يتعاطى في
بيتِ اللهِ ما يقتضي هتكَ الحرمةِ ، وقدْ قالَ الحسنُ بنُ عليٍّ رضيَ اللهُ
عنهُما : ( مَنْ أدمنَ الاختلافَ إلى المسجدِ .. رزقَهُ اللهُ إحدى سبع
خصالٍ : أخاً مستفاداً في الله ، أوْ رحمةً مستنزلةً ، أوْ علماً مستطرفاً ، أوْ
كلمةٌ تدلُّهُ على هدىً ، أوْ تصرفُهُ عنْ ردِىّ ، أَوْ يتركُ الذنوبَ خشيةً أوْ
حياءً))(٢).
(١) كذا في ((القوت)) (١٥٤/٢)، وقد رواه أحمد في ((المسند)) (٣٥٠/٢)، وابن
حبان في ((صحيحه)) ( ٨٧) من حديث أبي هريرة مرفوعاً بلفظ: (( من دخل مسجدنا
هذا ليتعلَّمَ خيراً ، أو ليعلمه .. كان كالمجاهد في سبيل الله، ومن دخله لغير ذلك ..
کان کالناظر إلى ما ليس له )" .
(٢) كذا في ((القوت)) (١٥٥/٢)، ورواه الطبراني في ((الكبير)) (٨٨/٣).
٣٨

ربع المنجيات
كتاب النية والإخلاص
فهذا طريقُ تكثيرِ النياتِ ، وقسْ بهِ سائرَ الطاعاتِ والمباحاتِ ؛ إذْ
ما مِنْ طاعةٍ إلا وتحتملُ نياتٍ كثيرةً ، وإنَّما تحضرُ في قلبِ العبدِ المؤمنِ
بقدْرِ جدِّهِ في طلبِ الخيرِ ، وتشمُّرِهِ لهُ ، وتفكّرِهِ فيهِ ، فبهذا تزكو الأعمالُ
وتتضاعفُ الحسناتُ .
القسمُ الثالثُ : المباحاتُ :
وما مِنْ شيءٍ مِنَ المباحاتِ إلا ويحتملُ نيةً أَوْ نياتٍ يصيرُ بها مِنْ محاسنٍ
القرباتِ ، ويُنالُ بها معالي الدرجاتِ، فما أعظمَ خسرانَ مَنْ يغفُلُ عنها ،
ويتعاطاها تعاطيَ البهائمِ المهملةِ عنْ سهوٍ وغفلةٍ !
ولا ينبغي أنْ يستحقرَ العبدُ شيئاً مِنَ الخطراتِ والخطواتِ واللحظاتِ ،
فكلُّ ذلكَ يُسألُ عنهُ يومَ القيامةِ أنَّهُ لِمَ فعلَهُ ، وما الذي قصدَ بهِ ، هذا في
مباحٍ محضٍ لا يشوبُهُ كراهةٌ ، ولذلكَ قالَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: (( حلالُها
حسابٌ، وحرامُها عذابٌ))(١).
وفي حديثٍ معاذٍ بنِ جبلٍ : أنَّ النبيَّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ قالَ: ((إنَّ
العبدَ ليُسألُ يومَ القيامةِ عنْ كلِّ شيءٍ ، حتَّى عنْ كحلِ عينيهِ ، وعنْ فتاتِ
الطينةِ بإصبعيهِ ، وعنْ لمسِهِ ثوبَ أخيهِ)) (٢).
(١) رواه الديلمي في ((مسند الفردوس)) ( ٨١٩٢).
(٢) كذا في ((القوت)) (١٦٢/٢)، وقد رواه ابن أبي حاتم في ((تفسيره)) ( ١٧١٩٠)،
وأبو نعيم في ((الحلية)) (١٠/ ٣١).
٣٩

كتاب النية والإخلاص
ربع المنجيات
وفي خبرٍ آخرَ : (( مَنْ تطيَّبَ اللهِ تعالى .. جاءَ يومَ القيامةِ وريحُهُ أطيبُ
مِنَ المسكِ، ومَنْ تطيّبَ لغيرِ اللهِ تعالى .. جاءَ يومَ القيامةِ وريحُهُ أنتنُ مِنَ
الجيفةِ))(١) ، فاستعمالُ الطيبِ مباحٌ، ولكنْ لا بدَّ فيهِ مِنْ نيةٍ .
فإنْ قلتَ : فما الذي يمكنُ أنْ يُنوى بالطيبِ وهوَ حظّ مِنْ حظوظِ
النفسِ ؟ وكيفَ يُتَطيِّبُ للهِ ؟
فاعلم : أنَّ مَنْ يتطيّبُ مثلاً يومَ الجمعةِ وفي سائرِ الأوقاتِ يُتصوَّرُ أنْ
يقصدَ التنقُّمَ بلذاتِ الدنيا ، أوْ يقصدَ بهِ إظهارَ التفاخرِ بكثرةِ المالِ ليحسدَهُ
الأقرانُ، أوْ يقصدَ بهِ رياءَ الخلقِ ليقومَ لهُ الجاهُ في قلوبِهِمْ ويُذكرَ بطيبٍ
الرائحةِ ، أَوْ ليتودَّدَ بهِ إلى قلوبِ النساءِ الأجنبياتِ إذا كانَ مستحلاً للنظر
إليهنَّ، ولأمورٍ أخرَ لا تُحصى ، وكلُّ هذا يجعلُ التطيُّبَ معصيةً ، فبذلكَ
يكونُ أنتنَ مِنَ الجيفةِ في القيامةِ ، إلا القصدَ الأوَّلَ ؛ وهوَ التلذُّذُ والتنُّمُ ،
فإنَّ ذلكَ ليسَ بمعصيةٍ ، إلا أنَّهُ يُسألُ عنهُ ، ومَنْ نُوقشَ الحسابَ .. عُذِّبَ ،
ومَنْ أتى شيئاً مِنْ مباحِ الدنيا .. لمْ يُعذَّبْ عليهِ في الآخرةِ ، ولكنْ ينقصُ مِنْ
نعيمِ الآخرةِ لهُ بقدرِهِ ، وناهيكَ خسراناً بأنْ يستعجلَ ما يفنى ، ويخسرَ زيادةً
نعيمٍ يبقى .
(١) رواه عبد الرزاق في ((المصنف)) (٣١٩/٤) عن إسحاق بن أبي طلحة مرسلاً .
٠.٠ .٣١٥
١٠٠٠٠
٤٠