Indexed OCR Text

Pages 461-480

ربع المنجيات
كتاب المحبة والشوق
تر
قالَ : يراعونَ الظلالَ بالنهارِ كما يراعي الراعي الشفيقُ غنمَهُ ، ويحتُّونَ إِلى
غروبِ الشمسِ كما تحنُّ الطيرُ إلى أوكارِها عندَ الغروبِ، فإذا جنَّهُمُ الليلُ ،
واختلطَ الظلامُ، وفُرشَتِ الفرشُ، ونُصبتِ الأسرَّةُ، وخلا كلُّ حبيبٍ
بحبيبهِ .. نصبوا لي أقدامَهُمْ، وافترشوا لي وجوهَهُمْ وناجَوني بكلامي ،
وتملّقوا لي بإنعامي ، فبيَنَ صارخٍ وباكٍ ، وبينَ متأوِّهٍ وشاكٍ ، وبينَ قائمٍ
وقاعدٍ ، وبينَ راكعٍ وساجدٍ ، بعيني ما يتحمَّلونَ مِنْ أجلي ، وبسمعي
ما يشتكونَ مِنْ حبِّي ، أوَّلُ ما أعطيهِمْ ثلاثاً : أقذفُ مِنْ نوري في قلوبِهِمْ
فيخبرونَ عنِّي كما أخبرُ عنهُمْ، والثانيةُ : لوْ كانَتِ السماواتُ والأرضُ
وما فيهِما في موازينِهِمْ لاستقللتُها لهُمْ، والثالثةُ : أقبلُ بوجهِي عليهِمْ،
فترىُ مَنْ أقبلتُ بوجهي عليهِ يعلمُ أحدٌ ما أريدُ أنْ أعطيَهُ ؟!(١) .
جن
وفي أخبار داوودَ عليهِ السلامُ : أَنَّ اللهَ تعالى أوحى إليهِ : يا داوودُ ؛
إلى كمْ تذكرُ الجنَّةَ ولا تسألُني الشوقَ إليَّ؟! قالَ: يا ربِّ؛ مَنِ المشتاقونَ
إليكَ؟ قالَ : إنَّ المشتاقينَ إليَّ الذينَ صفَيْتُهُمْ مِنْ كلِّ كدرٍ ، وأنبهتُهُمْ
بالحذرِ ، وخرقتُ مِنْ قلوبِهِمْ إليَّ خرقاً ينظرونَ إليَّ، وإنِّي لأحملُ قلوبَهُمْ
بيدي فأضعُها على سمائي ، ثمَّ أدعو نجباءَ ملائكتي ، فإذا اجتمعوا ..
سجدوا لي ، فأقولُ: إنِّي لمْ أدعُكُمْ لتسجدوا لي ، ولكنِّي دعوتُكُمْ لأعرضَ
عليكُمْ قلوبَ المشتاقينَ إليَّ، وأباهي بِكُمْ أهلَ الشوقِ إليَّ، وإنَّ قلوبَهُمْ
(١) قوت القلوب (٦٠/٢) .
٤٦١
حـ

كتاب المحبة والشوق
ربع المنجيات
لتضيءُ في سمائي لملائكتي كما تضيءُ الشمسُ لأهلِ الأرضِ .
يا داوودُ ؛ إنِّي خلقتُ قلوبَ المشتاقِينَ مِنْ رضواني ، ونعَّمتُها بنورِ
وجهي ، واتخذتَهُمْ لنفسي محدثينَ ، وجعلتُ أبدانَهُمْ موضعَ نظري إلى
الأرضِ ، وقطعتُ مِنْ قلوبِهِمْ طريقاً ينظرونَ بهِ إليَّ يزدادونَ في كلِّ يومٍ
شوقاً .
قالَ داوودُ : يا ربِّ؛ أرني أهلَ محبَِّكَ ، فقالَ: يا داوودُ ؛ ائتِ جبلَ
لبنانَ ، فإنَّ فيهِ أربعةَ عشرَ نفساً ، فيهِمْ شبابٌ، وفيهِمْ كهولٌ ، وفيهِمْ
مشايخُ، فإذا أتيْتَهُمْ .. فأقرتْهُمْ مِنِّي السلامَ، وقلْ لهُمْ: إنَّ ربِّكُمْ يقرئُكُمُ
السلامَ ويقولُ لكُمْ : ألا تسألونَ حاجةً ؟ فإنَّكُمْ أحبَّائي وأصفيائي
وأوليائي ، أفرحُ لفرحِكُمْ ، وأسارعُ إلى محبَّتِكُمْ .
فأتاهم داوودُ عليهِ السلامُ ، فوجدَهُمْ عندَ عينٍ مِنَ العيونِ يتفكّرونَ في
عظمةِ اللهِ عزَّ وجلَّ ، فلما نظروا إلى داوودَ عليهِ السلامُ .. نهضوا ليتفرَّقوا
عنهُ، فقالَ داوودُ : إنِّي رسولُ اللهِ إِلَيْكُمْ، جئتُكُمْ لأَبلِّغَكُمْ رسالةَ ربِّكُمْ،
فأقبلوا نحوَهُ وألقوا أسماعَهُمْ نحوَ قولِهِ، وألقَوا أبصارَهُمْ إلى الأرضِ ،
فقالَ داوودُ : إنِّي رسولُ اللهِ إليكُمْ، وهوَ يقرئُكُمُ السلامَ، ويقولُ لكُمْ : ألا
تسألونَ حاجةً؟ ألا تنادوني أسمع صوتَكُمْ وكلامَكُمْ؟ فَإِنَّكُمْ أحبائي
وأصفيائي وأوليائي، أفرحُ لفرحِكُمْ، وأسارعُ إلى محبَِّكُمْ، وأنظرُ إليكُمْ
في كلِّ ساعةٍ نظرَ الوالدةِ الشفيقةِ الرفيقةِ .
ـحن
ـحة
ـدو
قالَ : فجرتِ الدموعُ على خدودِهِمْ .
٤٦٢
٩
amir

ربع المنجيات
ےے
كتاب المحبة والشوق
فقالَ شيخُهُمْ : سبحانَكَ سبحانَكَ، نحنُ عبيدُكَ وبنو عبيدِكَ ، فاغفرْ لنا
ما قطعَ قلوبنا عنْ ذكرِكَ فيما مضىُ مِنْ أعمارنا .
وقالَ الآخرُ : سبحانَكَ سبحانَكَ ، نحنُ عبيدُكَ وبنو عبيدِكَ ، فامنُنْ
علينا بحسنِ النظرِ فيما بينا وبينَكَ .
وقالَ الآخرُ : سبحانَكَ سبحانَكَ ، نحنُ عبيدُكَ وبنو عبيدِكَ ، أفنجترىءُ
على الدعاءِ وقدْ علمتَ أنَّهُ لا حاجةً لنا في شيءٍ مِنْ أمورِنا ؟! فأدْ لنا لزومَ
الطريقِ إليكَ ، وأتممْ بذلكَ المنَّةَ علينا .
وقالَ الآخرُ : نحنُ مقصرونَ في طلبٍ رضاكَ ، فأعنَّا عليهِ بجودِكَ .
وقالَ الآخرُ: مِنْ نطفةٍ خلقتَنَا، ومننتَ علينا بالتفكّرِ في عظمتِكَ ،
أفيجترىُ على الكلام مَنْ هوَ مشتغلٌ بعظمتِكَ متفكِّرٌ في جلالِكَ، وطلبتُنا
الدنوُ مِنْ نورِكَ .
وقالَ الآخرُ: كلَّتْ ألسنتنا عنْ دعائِكَ لعظيم شأنِكَ، وقرِبِكَ مِنْ
أوليائِكَ ، وكثرةٍ مِنَِّكَ علىُ أهلِ محبَِّكَ .
وقالَ الآخرُ : أنتَ هديتَ قلوبَنا لذكرِكَ، وفرَّغتَنَا للاشتغالِ بكَ ، فاغفرْ
لنا تقصيرَنا في شكرِكَ .
وقالَ الآخرُ : قدْ عرفتَ حاجتَنَا، إنَّما هيَ النظرُ إلى وجهِكَ.
وقالَ الآخرُ : كيفَ يجترئءُ العبدُ على سيِّدِهِ، إذْ أمرتَنَا بالدعاءِ
بجودِكَ .. فهبْ لنا نوراً نهتدي بهِ في الظلماتِ مِنْ أطباقِ السماواتِ .
----
٤٦٣

كتاب المحبة والشوق
ربع المنجيات
حن
وقالَ الآخرُ : ندعوكَ أنْ تقبلَ علينا وتديمَهُ عندَنا(١) .
ـير :
وقالَ الآخرُ : نسألُكَ تمامَ نعمتِكَ فيما وهبتَ لنا ، وتفضَّلتَ بهِ علينا .
وقالَ الآخرُ : لا حاجةً لنا في شيءٍ مِنْ خلقِكَ ، فامنُنْ علينا بالنظرِ إلى
جمالِ وجهكَ .
وقالَ الآخرُ : أسألُكَ مِنْ بِينِهِمْ أنْ تعميَ عيني عنِ النظرِ إلى الدنيا
وأهلِها ، وقلبي عنِ الاشتغالِ بالآخرةِ .
وقالَ الآخرُ : قدْ عرفتُ تباركتَ وتعاليتَ أَنَّكَ تحبُّ أولياءَكَ ، فامننْ
علينا باشتغالِ القلبِ بكَ عنْ كلِّ شيءٍ دونَكَ .
فأوحى اللهُ تعالى إلى داوودَ عليهِ السلامُ : قلْ لَهُمْ: قدْ سمعتُ
كلامَكُمْ، وأجبُتُكُمْ إلى ما أحببتُمْ ، فليفارقْ كلُّ واحدٍ منكُمْ صاحبَهُ ،
وليتخذْ لنفسِهِ سرباً ، فإنِّي كاشفٌ الحجابَ فيما بيني وبينَكُمْ حتَّى تنظروا إلى
نوري وجلالي .
فقالَ داوودُ : يا ربِّ؛ بمَ نالوا هذا منكَ ؟ قالَ : بحسنِ الظنِّ ،
والكفِّ عنِ الدنيا وأهلِها ، والخلواتِ بي ، ومناجاتِهِمْ لي ، وإنَّ هذا منزلٌ
لا ينالُهُ إلا مَنْ رفضَ الدنيا وأهلها ، ولمْ يشتغلْ بشيءٍ مِنْ ذكرِها ، وفرَّغَ قلبَهُ
لي ، واختارَني على جميع خلقي ، فعندَ ذلكَ أعطفُ عليهِ ، وأفرِغُ نفسَهُ،
وأكشفُ الحجابَ فيما بيني وبينَهُ، حتَّى ينظرَ إليَّ نظرَ الناظرِ بعينِهِ إلى
(١) في (ب): (أن تقبل علينا بوجهك)، وكذا في (ع) بزيادة: ( وتديم رغبتنا) .
٤٦٤

ربع المنجيات
كتاب المحبة والشوق
الشيءٍ ، وأريَهُ كرامتي في كلِّ ساعةٍ ، وأقربَهُ مِنْ نورِ وجهي ، إنْ مرضَ ..
مرَّضتُهُ كما تمرِّضُ الوالدةُ الشفيقةُ ولدَها ، وإنْ عطشَ .. أرويتُهُ، وأذيقُهُ
طعمَ ذكري ، فإذا فعلتُ ذلكَ بهِ يا داوودُ .. عميتُ نفسَهُ عنِ الدنيا وأهلِها ،
حج.
و
ولمْ أحبِّها إليهِ ، لا يفترُ عنِ الاشتغالِ بي يستعجلَني القدومَ، وأنا أكرهُ أنْ
أميتَهُ ؛ لأنَّهُ موضعُ نظري مِنْ بينٍ خلقي ، لا يرىُ غيري ولا أرىُ غيرَهُ ، فلوْ
رأيتَهُ يا داوودُ وقد ذابَتْ نفسُهُ، ونحلَ جسمُهُ، وتهشَّمَتْ أعضاؤُهُ ، وانخلعَ
قلبُهُ، إذا سمعَ بذكري أباهي بهِ ملائكتي وأهلَ سماواتي .. يزدادُ خوفاً
وعبادةٌ، وعزَّتي وجلالي يا داوودُ ؛ لأقعدنَّهُ في الفردوسِ ، ولأشفينَّ
صدرَهُ مِنَ النظرِ إليَّ حتَّى يرضى وفوقَ الرضا(١) .
جن
2
وفي أخبارٍ داوودَ عليهِ السلامُ أيضاً : ( قلْ لعبادي المتوجهينَ إلى
محبَّتِي : ما ضرَّكُمْ إذا احتجبتُ عنْ خلقي ، ورفعتُ الحجابَ فيما بيني
وبينَكُمْ حتَّى تنظروا إليَّ بعيونٍ قلوبِكُمْ؟ وما ضرَّكُمْ ما زويتُ عنْكُمْ مِنَ الدنيا
إذا بسطتُ ديني لكُمْ ؟ وما ضرَّكُمْ مسخطةُ الخلقِ إذا التمستُمْ رضائي؟(٢).
من
وفي أخبارِ داوودَ عليهِ السلامُ أيضاً : أنَّ اللهَ تعالى أوحى إليهِ : ( تزعمُ
أنَّكَ تحبُّني ؟ فإنْ كنتَ تحبُّني .. فأخرجُ حبَّ الدنيا مِنْ قَلبِكَ، فإنَّ حبِّي
وحبّها لا يجتمعانِ في قلبٍ ، يا داوودُ ؛ خالصْ حبيبي مخالصةً ، وخالطْ
أهلَ الدنيا مخالطةً ، ودينَكَ فقلدْنيهِ ، ولا تقلِّدْ دينَكَ الرجالَ ، أَمَّا ما استبانَ
(١) نقله صاحب ((القوت)) بطوله. ((إتحاف)) (٦٠٧/٩).
(٢) نقله صاحب ((القوت)). ((إتحاف)) (٦٠٧/٩).
ق
G؟
٤٦٥
ـكن
ـت
.

كتاب المحبة والشوق
ربع المنجيات
ـكن
ـون
لكَ ممَّا وافقَ محبَّتَي .. فتمسَّكْ بهِ، وأمَّا ما أشكلَ عليكَ .. فقلدْنيهِ، حقّاً
عليَّ أنّي أسارعُ إلى سياستِكَ وتقويمِكَ، وأكونُ قائدَكَ ودليلَكَ أعطيكَ مِنْ
غيرِ أنْ تسألَني ، وأعينُكَ على الشدائدِ ، فإِنِّي قدْ حلفتُ على نفسي أنِّي
لا أثيبُ عبداً إلا عبداً قدْ عرفتُ مِنْ طَلِبَتِهِ وإرادِتِهِ إلقاءَ كنفِهِ بينَ يديَّ ، وأنَّه
لا غنى بهِ عنِّي، فإذا كنتَ كذلكَ .. نزعتُ الذلَّةَ والوحشةَ عنكَ، وأسكنتُ
الغنى قلبَكَ ، فإنِّي قَدْ حلفتُ على نفسي أنَّهُ لا يطمئنُّ عبدٌ لي إلى نفسِهِ ينظرُ
إلى فعالِها .. إلا وكلتُهُ إليها، أضفِ الأشياءَ إليَّ، لا تضادَّ عملَكَ فتكونَ
متعنّاً ، ولا ينتفعَ بكَ مَنْ يصحبُكَ، ولا تحدَّ لمعرفتي حدّاً ، فليسَ لها
غايةٌ ، ومتى طلبتَ منِّي الزيادةَ .. أعطِكَ، ولا تحدَّ للزيادةِ منِّي حدّاً، ثمَّ
أعلمْ بني إسرائيلَ أنَّهُ ليسَ بيني وبينَ أحدٍ مِنْ خلقي نسبٌ ، فلتعظمْ رغبتُهُمْ
وإرادتهُمْ عندي .. أبحْ لهُمْ ما لا عينٌ رأتْ، ولا أذنٌ سمعَتْ، ولا خطرَ
على قلبٍ بشرٍ، ضعْني بينَ عينيكَ ، وانظرْ إليَّ ببصرٍ قلبكَ ، ولا تنظرْ
بعينيكَ التي في رأسِكَ إلى الذينَ حجبتُ عقولَهُمْ عَنِّي فأمرجوها وسختْ
بانقطاع ثوابي عنها(١) ؛ فإنّي حلفتُ بعزَّتي وجلالي لا أفتحُ ثوابي لعبدٍ دخلٌ
في طاعتي للتجربةِ والتسويفِ ، تواضعْ لِمَنْ تعلِّمُهُ ، ولا تطاولْ على
المريدينَ ، فلوْ علمَ أهلُ محبَّتَي منزلةَ المريدينَ عندي .. لكانوا لَهُمْ أرضاً
يمشونَ عليها .
(١) أمرجوها: أفسدوها. وفي (أ): ( فأسرجوها وسمحت)، ومعناه ظاهر ، وفي
(د) : ( فأمرجوها وسخطت ) .
٤٠
حج جن جن حة
٤٦٦

ربع المنجيات
كتاب المحبة والشوق
يا داوودُ؛ لأنْ تخرِجَ مريداً مِنْ سكرةٍ هوَ فيها ، تستنقذُهُ، فأكتبَكَ
عندي جهبذاً ، ومَنْ كتبتُهُ عندي جهبذاً .. لا تكونُ عليهِ وحشةٌ ولا فاقةٌ إلى
المخلوقينَ .
يا داوودُ؛ تمسَّكْ بكلامي ، وخذْ مِنْ نفسِكَ لنفسِكَ ، لا تؤتينْ منها
فأحجبَ عنكَ محبَّتِي ، لا تُؤْيسْ عبادي مِنْ رحمتي .. أقطعْ شهوتَكَ لي ،
فإنَّما أبحتُ الشهواتِ لضَعَفَةِ خلقي ، ما بالُ الأقوياءِ أنْ ينالوا الشهواتِ فإنَّها
تنقصُ حلاوةَ مناجاتي ، وإنَّما عقوبةُ الأقوياءِ عندي في موضع التناولِ ،
أدنىُ ما يصلُ إليهِمْ أَنْ أحجبَ عقولَهُمْ عنِّي، فإنِّي لمْ أرضَ الدنيا لحبيبي
ونزهتُهُ عنها .
%
يا داوودُ ؛ لا تجعلْ بيني وبينَكَ عالماً يحجبُّكَ بسكرِهِ عنْ محبَّتي ،
أولئكَ قطَّاعُ الطريقِ على عبادي المريدينَ ، استعنْ على تركِ الشهواتِ
بإدمانِ الصومِ، وإيّاكَ والتجربةَ في الإفطارِ، فإنَّ محبّي للصومِ إدمانُهُ(١).
يا داوودُ ؛ تحبَّبْ إليَّ بمعاداةِ نفسِكَ، امنعْها الشهواتِ أنظرْ إليكَ ،
وترى الحجبَ بيني وبينَكَ مرفوعةً ، إنَّما أداريكَ مداراةً لتقوى على ثوابي إذا
مننتُ بهِ عليكَ، وإنِّي أحبسُهُ عنكَ وأنتَ متمسِّكٌ بطاعتي)(٢).
وأوحى اللهُ تعالى إلى داوودَ عليهِ السلامُ : ( يا داوودُ ؛ لوْ يعلمُ
(١) وفي (أ) : ( يعجبني من الصوم إدمانُهُ) .
(٢) ساقه صاحب ((القوت)) بطوله. ((إتحاف)) (٦٠٨/٩).
٤٦٧

كتاب المحبة والشوق
ربع المنجيات
المدبرونَ عِنِّي كيفَ انتظاري لُهُمْ، ورفقي بِهِمْ، وشوقي إلى تركِ
معاصيهِمْ .. لماتوا شوقاً إليَّ، وتقطَّعَتْ أوصالُهُمْ مِنْ محبَّتَي.
بيري
يا داوودُ ؛ هذهِ إرادتي في المدبرينَ عنِّي، فكيفَ إرادتي في المقبلينَ
عليَّ ؟
*G
يا داوودُ ؛ أحوجُ ما يكونُ العبدُ إليَّ إذا استغنى عنِّي، وأرحمُ ما أكونُ
بعبدي إذا أدبرَ عنِّي ، وأجلُّ ما يكونُ عندي إذا رجعَ إليَّ)(١).
فهذهِ الأخبارُ ونظائرُها ممَّا لا يُحصى تدلُّ على إثباتِ المحبَّةِ والشوقِ
والأنسِ ، وأمَّا تحقيقُ معناها .. فينكشفُ بما سبقَ .
١٢٠٩
(١) أورده الخركوشى فى ((تهذيب الأسرار)) (ص ١٠٨).
**
٤٦٨

ربع المنجيات
كتاب المحبة والشوق
حر
بيان محبّة الله للعبد ومعناها
ـدة
اعلمْ : أنَّ شواهدَ القرآنِ متظاهرةٌ على أنَّ اللهَ تعالى يحبُّ عبدَهُ ، فلا بدَّ
مِنْ معرفةِ معنى ذلكَ ، ولنقدِّم الشواهدَ على محبَّتِهِ .
فقدْ قالَ اللهُ تعالى: ﴿يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ ﴾.
وقال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَتِلُونَ فِىسَبِيلِهِ صَفًا﴾
٠
وقال تعالى: ﴿ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّبِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ﴾.
ولذلكَ ردَّ سبحانَهُ على مَن ادعى أنَّهُ حبيبُ اللهِ فقالَ: ﴿قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ
بِذُنُوبِكُمْ﴾ .
وقدْ روى أنسٌ عنِ النبيِّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ أنَّهُ قالَ: ((إذا أحبَّ اللهُ
تعالى عبداً .. لمْ يضرُّهُ ذنبٌ، والتائبُ مِنَ الذنبِ كمَنْ لا ذنبَ لهُ - ثمَّ
تلا -: ﴿ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّبِينَ﴾))(١)، ومعناهُ: أنَّهُ إذا أحبَّهُ .. تابَ عليهِ قبلَ
الموتِ ، فلمْ تضرُّهُ الذنوبُ الماضيةُ وإنْ كثرَتْ كما لا يضرُّ الكفرُ الماضي
بعدَ الإسلامِ .
(١) كذا في ((القوت)) (٥٠/٢)، حيث قال قبله: ( وروينا عن إسماعيل بن أبان ، عن
أنس ... )، ورواه القشيري في ((رسالته)) (ص ١٧٨)، وأورده الديلمي في ((مسند
الفردوس)) (٢٤٣٢)، ورواه ابن النجار في ((ذيل تاريخ بغداد)) (٥٥/١٨) من طريق
القشيري، وأما لفظ: (( التائب من الذنب كمن لا ذنب له )» مفرداً .. فقد رواه ابن ماجه
( ٤٢٥٠ ) .
٤٦٩

كتاب المحبة والشوق
ربع المنجيات
وقدِ اشترطَ اللهُ تعالى المحبَّةِ غفرانَ الذنبِ فقالَ: ﴿قُلٌ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ
فَتَّبِعُونِ يُحْبِبْكُمُ اَللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ﴾ .
وقالَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: ((إنَّ اللهَ تعالى يعطي الدنيا مَنْ
يحبُّ ومَنْ لا يحبُّ ، ولا يعطي الإيمانَ إلا مَنْ يحبُّ)) (١) .
وقالَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: ((مَنْ تواضعَ للهِ .. رفعَهُ اللهُ،
ومَنْ تَكبَّرَ .. وضعَهُ اللهُ، ومَنْ أكثرَ ذكرَ اللهِ .. أحبَّهُ اللهُ))(٢).
وقالَ عليهِ الصلاةُ والسلامُ: (( قالَ اللهُ تعالى: لا يزالُ العبدُ يتقرَّبُ إليَّ
بالنوافلِ حتَّى أحبَّهُ، فإذا أحببتُهُ .. كنتُ سمعَهُ الذي يسمعُ بهِ وبصرَهُ الذي
يبصرُ بهِ ... )) الحديثَ(٣).
وقالَ زيدُ بنُ أسلمَ : ( إنَّ اللهَ تعالى ليحبُّ العبدَ حتَّى يبلغَ مِنْ حبِّهِ لهُ أنْ
يقولَ : اعملْ ما شئتَ ؛ فقدْ غفرتُ لكَ)(٤) .
وما وردَ مِنْ ألفاظِ المحبَّةِ خارجٌ عنِ الحصرِ ، وقدْ ذكرنا أنَّ محبَّةَ العبدِ
للهِ تعالى حقيقةٌ وليسَتْ بمجازٍ ، إذِ المحبَّةُ في وضع اللسانِ عبارةٌ عنْ ميلٍ
سيدبـ
(١) رواه أحمد في ((المسند)) (٣٨٧/١)، والحاكم في ((المستدرك)) (٣٣/١)،
وأبو نعيم في (( الحلية)» ( ١٦٥/٤).
(٢) رواه ابن ماجه (٤١٧٦) بنحوه، ودون زيادة: ((ومن أكثر ذكر الله ... )) وهي عند ابن
أبي الدنيا في (( التواضع والخمول)) ( ٧٧).
(٣) رواه البخاري (٦٥٠٢) .
(٤) كذا في ((القوت)) (٥٠/٢)، وأصله عند البخاري ( ٧٥٠٧)، ومسلم ( ٢٧٥٨)
واللفظ له .
جن حج جم حن
٤٧٠

دىھ
ربع المنجيات
كتاب المحبة والشوق
النفسِ إلى الشيءِ الموافقِ ، والعشقُ عبارةٌ عنِ الميلِ الغالبِ المفرطِ ، وقدْ
بيَّنَّا أنَّ الإحسانَ موافقٌ للنفسِ، والجمالَ موافقٌ أيضاً، وأنَّ الجمالَ
والإحسانَ تارةً يُدركُ بالبصرِ ، وتارةً يُدركُ بالبصيرةِ ، والحبُّ يتبعُ كلَّ واحدٍ
منهُما ، فلا يختصُّ بالبصرِ .
فأمَّا حبُّ اللهِ تعالى للعبدِ .. فلا يمكنُ أنْ يكونَ بهذا المعنى أصلاً ، بلٍ
الأسامي كلُّها إذا أُطلقَتْ على اللهِ تعالى وعلى غيرِ اللهِ .. لمْ تنطلقْ عليهِما
بمعنىّ واحدٍ أصلاً، حتَّى إنَّ اسمَ الوجودِ الذي هوَ أعمُّ الأسماءِ اشتراكاً
لا يشملُ الخالقَ والخلقَ على وجهٍ واحدٍ ، بلْ كلُّ ما سوى اللهِ تعالى وجودُهُ
مستفادٌ مِنْ وجودِ اللهِ تعالى، فالوجودُ التابعُ لا يكونُ مساوياً للوجودِ
المتبوع ، وإنَّما الاستواءُ في إطلاقِ الاسمِ .
نظيرُهُ : اشتراكُ الفرسِ والشجرِ في اسمِ الجسمِ ؛ إذْ معنى الجسميّةِ
وحقيقتُها متشابهٌ فيهما مِنْ غيرِ استحقاقِ أحدِهِما لأنْ يكونَ فيهِ أصلاً ،
فليسَتِ الجسميَّةُ لأحدِهِما مستفادةً مِنَ الآخرِ ، وليسَ كذلكَ اسمُ الوجودِ للهِ
تعالى ولا لخلقِهِ .
حي
وهذا التباعدُ في سائرِ الأسامي أظهرُ ؛ كالعلمِ ، والإرادةِ ، والقدرةِ ،
وغيرِها ، فكلُّ ذلكَ لا يشبهُ فيهِ الخالقُ الخلقَ ، وواضعُ اللغةِ إنَّما وضعَ
هذهِ الأساميَ أوَّلاً للخلقِ ، فإنَّ الخلقَ أسبقُ إلى العقولِ والأفهامِ مِنَ
الخالقِ ، فكانَ استعمالُها في حقِّ الخالقِ بطريقِ الاستعارةِ والتجوُّزِ والنقلِ .
والمحبّةُ في وضع اللسانِ عبارةٌ عنْ ميلِ النفسِ إلى موافقٍ ملائمٍ ، وهذا
٤٧١

كتاب المحبة والشوق
ربع المنجيات
إنَّما يُتصوَّرُ في نفسِ ناقصةٍ فاتَها ما يوافقُها ، فتستفيدُ بنيلِهِ كمالاً ، فتلتذُّ
بنيلِهِ ، وهذا محالٌ على اللهِ تعالى، فإنَّ كلَّ كمالٍ وجمالٍ وبهاءٍ وجلالٍ
ممكنٌ في حقِّ الإلهيّةِ فهوَ حاضرٌ وحاصلٌ وواجبُ الحصولِ أبداً وأزلاً ،
ولا يُتصوَّرُ تجدُّدُهُ ولا زوالُهُ، فلا يكونُ لهُ إلى غيرِهِ نظرٌ مِنْ حيثُ إنَّه غيرُهُ،
بلْ نظرُهُ إلى ذاتِهِ وإلى أفعالِهِ فقطْ ، وليسَ في الوجودِ إلا ذاتُهُ وأفعالُهُ .
ولذلكَ قالَ الشيخُ أبو سعيدِ المِيْهنيُّ رحمَهُ اللهُ لمَّا قُرِىءَ عليهِ قولُهُ
تعالى: ﴿يُحِبُهُمْ وَيُحِبُّونَهُ﴾، فقالَ: ( بحقِّ يحبُّهُمْ، فإنَّهُ ليسَ يحبُّ إلا
نفسَهُ)، على معنى أنَّهُ الكلُّ، وأنْ ليسَ في الوجودِ غيرُهُ ، فَمَنْ لا يحبُّ
إلا نفسَهُ وأفعالَ نفسِهِ وتصانيفَ نفسِهِ .. فلا يجاوزُ حبُّهُ ذاتَهُ وتوابعَ ذاتِهِ مِنْ
حيثُ هيَ متعلِّقةٌ بذاتِهِ ، فهوَ إذاً لا يحبُّ إلا نفسَهُ .
وما وردَ مِنَ الألفاظِ في حبِّهِ لعبادِهِ .. فهوَ مؤوَّلٌ، ويرجعُ معناهُ إلى
كشفِ الحجابِ عنْ قلبِهِ حتَّى يراهُ بقلبِهِ ، وإلى تمكينِهِ إِيَّهُ مِنَ القربِ منهُ ،
وإلى إرادتِهِ ذلكَ بهِ في الأزلِ، فحبُّهُ لمَنْ أحبَّهُ أزليٌّ مهما أُضيفَ إلى الإرادةِ
الأزليَّةِ التي اقتضتْ تمكينَ هذا العبدِ مِنْ سلوكِ طرقِ القربِ ، وإذا أُضيفَ
إلى فعلِهِ الذي يكشفُ الحجابَ عنْ قلبِ عبدِهِ . . فهوَ حادثٌ يحدثُ بحدوثِ
السببِ المقتضي لهُ، كما قالَ اللهُ تعالى: (( ولا يزالُ يتقرَّبُ إليَّ بالنوافلِ
حتَّى أحبَّهُ ))(١) ، فيكونُ تقرُّبُهُ بالنوافلِ سبباً لصفاءِ باطنِهِ ، وارتفاع الحجابِ
(١) كذا في جميع النسخ: (ولا يزال يتقرب ... ) .
٤٧٢

.----
ربع المنجيات
كتاب المحبة والشوق
حن
عنْ قلبِهِ ، وحصولِهِ في درجةِ القربِ مِنْ ربِّهِ ، وكلُّ ذلكَ فعلُ اللهِ تعالى
ولطفُهُ بهِ ، فهوَ معنی حبِّهِ .
ولا يُفهمُ هذا إلا بمثالٍ: وهو أنَّ الملكَ قَدْ يقرِّبُ عبدَهُ مِنْ نفسِهِ ،
ويأذنُ لهُ في كلِّ وقتٍ في حضورِ بساطِهِ ؛ لميلِ الملكِ إليهِ ؛ إمَّا لينصرَهُ
بقوَّتِهِ ، أَوْ ليستريحَ بمشاهدتِهِ، أَوْ ليستشيرَهُ في رأيِهِ ، أَوْ لِيهِّىءَ أسبابَ
طعامِهِ وشرابِهِ ، فيُقالُ: إنَّ الملكَ يحبُّهُ ، ويكونُ معناهُ : ميلَهُ إليهِ لما فيهِ
مِنَ المعنى الموافقِ الملائمِ لهُ .
وقدْ يقرِّبُ عبداً ولا يمنعُهُ مِنَ الدخولِ عليهِ ، لا للانتفاعِ بهِ
والاستنجادِ ، ولكنْ لكونِ العبدِ في نفسِهِ موصوفاً مِنَ الأخلاقِ الرضيّةِ
والخصالِ الحميدةِ بما يليقُ بهِ أنْ يكونَ قريباً مِنْ حضرةِ الملكِ، وافرَ الحظَ
مِنْ قربِهِ ، معَ أنَّ الملكَ لا غرضَ لهُ فيهِ أصلاً ، فإذا رفعَ الملكُ الحجابَ
بينَهُ وبينَهُ .. يُقالُ: قَدْ أحبَّهُ، وإذا اكتسبَ مِنَ الخصالِ الحميدةِ ما اقتضى
رفعَ الحجابِ .. يُقالُ: قَدْ توصَّلَ وحبَّبَ نفسَهُ إلى الملكِ.
فحبُّ اللهِ للعبدِ إنَّما يكونُ بالمعنى الثاني ، لا بالمعنى الأوَّلِ ، وإنَّما
يصحُّ تمثيلُهُ بالمعنى الثاني بشرطِ ألا يسبقَ إلى فهمِكَ دخولُ تغيّرِ عليهِ عندَ
تجدُّدِ القربِ ، فإنَّ الحبيبَ هوَ القريبُ مِنَ اللهِ تعالى، والقرْبُ مِنَ اللهِ تعالى
و
في البعدِ مِنْ صفاتِ البهائمِ والسباع والشياطينِ ، والتخلَّقِ بمكارم الأخلاقِ
التي هيَ الأخلاقُ الإلهيّةُ ، فهوَ قربٌ بالصفةِ لا بالمكانِ ، ومَنْ لمْ يكنْ
قريباً .. فصارَ قريباً ، فقدْ تغيَّرَ ، فربّما يظنُّ بهذا أنَّ القربَ لما تجدَّدَ ، فقدْ
٤٧٣
دن
%

كتاب المحبة والشوق
ربع المنجيات
تغيَّرَ وصفُ العبدِ والربِّ جميعاً ، إذْ صارَ قريباً بعدَ أنْ لمْ يكنْ ، وهوَ محالٌ
في حقِّ اللهِ تعالى ؛ إذِ التغيُّرُ عليهِ محالٌ، بلْ لا يزالُ في نعوتِ الكمالِ
والجلالِ على ما كانَ عليهِ في أزلِ الآزالِ .
ولا ينكشفُ هذا إلا بمثالِ القربِ بينَ الأشخاصِ : فإنَّ الشخصينِ قدْ
يتقاربانِ بتحرُّكِهِما جميعاً ، وقدْ يكونُ أحدُهُما ثابتاً ، فيتحرَّكُ الآخرُ ،
فيحصلُ القربُ بتغيّرٍ في أحدِهِمِا مِنْ غيرِ تغيّرٍ في الآخرِ ، بلِ القربُ في
الصفاتِ أيضاً كذلكَ ، فإنَّ التلميذَ يطلبُ القربَ مِنْ درجةِ أستاذِهِ في كمالٍ
العلمِ وجمالِهِ ، والأستاذُ واقفٌ في كمالِ علمِهِ غيرُ متحرِّكِ بالنزولِ إلى
درجةٍ تلميذِهِ ، والتلميذُ متحرِّكُ مترقٌّ مِنْ حضيضِ الجهلِ إلى يفاعِ العلمِ ،
فلا يزالُ دائباً في التغيُّرِ ، والترقِّي إلى أنْ يقربَ مِنْ أستاذِهِ ، والأستاذُ ثابتٌ
غيرُ متغيِّرِ ؛ فكذلكَ ينبغي أنْ يُفهمَ ترقِّي العبدِ في درجاتِ القربِ ، فكلَّما
صارَ أكملَ صفةً، وأتمَّ علماً وإحاطةً بحقائقِ الأمورِ ، وأثبتَ قوَّةً في قهرِ
الشيطانِ وقمع الشهواتِ ، وأظهرَ نزاهةً عنِ الرذائلِ .. صارَ أقربَ مِنْ درجةٍ
الكمالِ ، ومنتهى الكمالِ اللهِ تعالى، وقربُ كلِّ واحدٍ مِنَ اللهِ تعالى بقدْرِ
کمالِهِ .
ـكن
حن
نعمْ ، قدْ يقدرُ التلميذُ على القربِ مِنَ الأستاذِ وعلى مساواتِهِ وعلى
مجاوزتِهِ ، وذلكَ في حقِّ اللهِ تعالى محالٌ، فإنَّهُ لا نهايةَ لكمالِهِ ، وسلوكهُ
العبدِ في درجاتِ الكمالِ متناهٍ ، ولا ينتهي إلا إلى حدٍّ محدودٍ ، فلا مطمعَ
لهُ في المساواةِ .
٤٧٤

ربع المنجيات
كتاب المحبة والشوق
ثمُّ درجاتُ القرب تتفاوتُ تفاوتاً لا نهايةَ لهُ أيضاً ؛ لأجل انتفاءِ النهايةِ
عنْ ذلكَ الكمالِ .
ـتن
فإذاً ؛ محبَّةُ اللهِ للعبدِ تقريبُهُ مِنْ نفسِهِ بدفع الشواغلِ والمعاصي عنهُ ،
وتطهيرُ باطِنِهِ عنْ كدوراتِ الدنيا ، ورفعُ الحجابِ عنْ قلبهِ حتَّى يشاهدَهُ كأنَّهُ
يراهُ بقلبهِ ، وأمَّا محبةُ العبدِ للهِ .. فهوَ ميلُهُ إلى درْكِ هذا الكمالِ الذي هوَ
مفلسٌ عنهُ فاقدٌ لهُ ، فلا جرمَ يشتاقُ إلى ما فاتَةُ، وإذا أدركَ منهُ شيئاً .. يلتذُّ
بهِ ، والشوقُ والمحبَّةُ بهذا المعنى محالٌ على الله تعالى .
-
فإِنْ قلتَ : محبَّةُ اللهِ تعالى للعبدِ أمرٌ ملتبسٌ، فبمَ يعرفُ العبدُ أنَّهُ
حبيبُ اللهِ ؟
فأقولُ: يُستدلُّ عليهِ بعلاماتِهِ، وقدْ قالَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: ((إذا
أحبَّ اللهُ عبداً .. ابتلاهُ، فإذا أحبَّهُ الحبَّ البالغَ .. اقتناهُ))، قيلَ:
وما اقتناءُ؟ قالَ: ((لَمْ يتركْ لهُ أهلاً ولا مالاً))(١).
فعلامةُ محبةِ اللهِ للعبدِ أنْ يوحشَهُ مِنْ غيرِهِ ، ويحولَ بينَهُ وبينَ غيرِهِ ،
قيلَ لعيسى عليه السلامُ : لِمَ لا تشتري حماراً فتركبَهُ ؟ فقالَ : أنا أعزّ
(١) قوت القلوب (٢٤٣/١)، ورواه ابن أبي عاصم في ((الآحاد والمثاني)) (٢٤٩٩)،
والدولابي في (( الكنى والأسماء)) (٤٦/١)، وهو عند الديلمي في (( مسند الفردوس ))
(٩٦٨) كلهم من حديث أبي عنبة الخولاني رضي الله عنه مرفوعاً .
٤٧٥

كتاب المحبة والشوق
ربع المنجيات
على اللهِ تعالىُ مِنْ أَنْ يشغلَني عنْ نفسِهِ بحمارٍ (١).
وفي الخبرِ: ((إذا أحبَّ اللهُ عبداً .. ابتلاهُ، فإنْ صبرَ .. اجتباهُ ، فإنّ
رضيَ .. اصطفاهُ))(٢) .
وقالَ بعضُ العلماءِ : ( إذا رأيتَكَ تحبُّهُ، ورأيتَهُ يبتليكَ .. فاعلمْ أنَّهُ يريدُ
أنْ يصافيَكَ)(٣).
0
وقالَ بعضُ المريدينَ لأستاذِهِ : قدْ طُولعتُ بشيءٍ مِنَ المحبَّةِ ، فقالَ:
يا بنيَّ ؛ هلِ ابتلاكَ بمحبوبٍ سواهُ فآثرتَ عليهِ إِيَّاهُ؟ قالَ: لا ، قالَ : فلا
تطمعْ في المحبَّةِ ؛ فإنَّهُ لا يعطيها عبداً حتَّى يبلوَهُ(٤) .
وقدْ قالَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ : ((إذا أحبَّ اللهُ عبداً .. جعلَ
لهُ واعظاً مِنْ نفسِهِ، وزاجراً مِنْ قلبهِ يأمرُهُ وينهاهُ))(٥).
(١) رواه ابن أبي شيبة في ((المصنف)) (٣٥٣٧٦)، والبيهقي في (( الزهد الكبير))
( ٢٨٥ ) .
(٢) كذا في ((القوت)) (٥٣/٢)، وأورده الديلمي في ((مسند الفردوس)) (٩٧١) من
حديث علي كرم الله وجهه .
(٣)
قوت القلوب (٢/ ٥٣ ) .
(٤) قوت القلوب (٥٣/٢).
(٥) قال الحافظ العراقي: (رواه الديلمي في ((مسند الفردوس)) من حديث أم سلمة بإسناد
حسن بلفظ: ((إذا أراد الله بعبد خيراً ... ))). ((إتحاف)) (٦١٤/٩)، ورواه معلقاً
أبو نعيم في «الحلية)) (٩٩/١٠) عن الحارث المحاسبي، و(٢٦٤/٢) من كلام ابن
سيرين .
٤٧٦

ربع المنجيات
حن
كتاب المحبة والشوق
وقدْ قالَ عليهِ الصلاةُ والسلامُ: ((إذا أرادَ اللهُ بعبدٍ خيراً .. بصَّرَهُ بعيوبِ
نفسِهِ))(١) .
دن
فأخصُّ علاماتِهِ حبُّهُ للهِ ؛ فإنَّ ذلكَ يدلُّ على حبِّ اللهِ .
وأمَّا الفعلُ الدالُّ على كونِهِ محبوباً .. فهوَ أنْ يتولَّى اللهُ تعالى أمرَهُ؛
ظاهرَهُ وباطنَهُ ، سرَّهُ وجهرَهُ ، فيكونَ هوَ المشيرَ عليهِ ، والمدبِّرَ لأمرِهِ ،
والمزيِّنَ لأخلاقِهِ ، والمستعملَ لجوارحِهِ ، والمسدِّدَ لظاهرِهِ وباطنِهِ ،
والجاعلَ همومَهُ همّاً واحداً، والمبغضَ للدنيا في قلبِهِ ، والموحشَ لهُ مِنْ
غيرِهِ ، والمؤنسَ لهُ بِلذَّةِ المناجاةِ في خلواتِهِ ، والكاشفَ لهُ عنْ الحجبِ بينَهُ
وبينَ معرفتِهِ ، فهذا وأمثالُهُ هوَ علامةُ حبِّ اللهِ تعالى للعبدِ .
فلنذكرِ الآنَ علاماتِ محبَّةِ العبدِ اللهِ تعالى ؛ فإنَّها أيضاً علاماتُ حبِّ اللهِ
للعبد .
حخ ع جن جن
(١) رواه البيهقي في ((الشعب)) (١٠٠٥٣) عن محمد بن كعب القرظي مرسلاً، والديلمي
في « مسند الفردوس)» ( ٩٣٥ ) من حديث أنس رضي الله عنه .
٤٧٧
ـن

ته
كتاب المحبة والشوق
ربع المنجيات
القول في علامات محبة العبد الله تعانى
2,0
اعلمْ : أنَّ المحبَّةَ قدْ يدَّعيها كلُّ أحدٍ ، وما أسهلَ الدعوى وما أعزَّ
المعنى ، فلا ينبغي أنْ يغترَّ الإنسانُ بتلبيسِ الشيطانِ وخداع النفسِ مهما ادَّعتْ
محبََّ اللهِ تعالى ما لمْ يمتحنْها بالعلاماتِ ، ولمْ يطالبْها بالبراهينِ والأدلَّةِ .
ے
والمحبَّةُ شجرةٌ طيّةٌ أصلُها ثابتٌ وفرعُها في السماءِ ، وثمارُها تظهرُ
على القلبِ واللسانِ والجوارحِ ، وتدلُّ تلكَ الآثارُ الفائضةُ منها على القلبِ
والجوارحِ على المحبَّةِ دلالةَ الدخانِ على النارِ ، ودلالةَ الثمارِ على
الأشجار ، وهيَ كثيرةٌ .
حن
حج عن حق جن ح جن حن حق حن جنّ
فمنها : حبُّ لقاءِ الحبيبِ بطريقِ الكشفِ والمشاهدةِ في دارِ السلامِ :
فلا يُتصوَّرُ أنْ يحبَّ القلبُ محبوباً إلا ويحبُّ مشاهدتهُ ولقاءَهُ ، وإذا علمَ
أنَّهُ لا وصولَ إلا بالارتحالِ مِنَ الدنيا ومفارقتِها بالموتِ .. فينبغي أنْ يكونَ
محبّاً للموتِ غيرَ فارٍّ منهُ، فإنَّ المحبَّ لا يثقلُ عليهِ السفرُ عنْ وطنِهِ إلى
مستقرٌّ محبوبِهِ ليتنعَّمَ بمشاهدتِهِ ، والموتُ مفتاحُ اللقاءِ وبابُ الدخولِ إلى
المشاهدة .
قالَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: ((مَنْ أحبَّ لقاءَ اللهِ .. أحبَّ اللهُ لقاءَهُ))(١).
(١) رواه البخاري (٦٥٠٧)، ومسلم ( ٢٦٨٣).
ـن؟
٤٧٨
حں
٠ ٥

ربع المنجيات
كتاب المحبة والشوق
وقالَ حذيفةُ عندَ الموتِ : ( حبيبٌ جاءَ على فاقةٍ ، لا أفلحَ مَنْ
ندمَ)(١) .
وقالَ بعضُ السلفِ : ( ما مِنْ خصلةٍ أحبُّ إلى اللهِ أنْ تكونَ في العبدِ بعدَ
حبِّ لقائِهِ مِنْ كثرةِ السجودِ )(٢)، فقدَّمَ حبَّ لقاءِ اللهِ على السجودِ .
وقدْ شرطَ اللهُ سبحانَهُ لحقيقةِ الصدقِ في الحبِّ القتلَ في سبيلِ اللهِ حيثُ
قالوا : إنَّا نحبُّ اللهَ، فجعلَ القتلَ في سبيلِ اللهِ وطلبَ الشهادةِ علامتَهُ
فقالَ: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَتِلُونَ فِى سَبِيلِهِ، صَفًّا﴾، وقالَ عزَّ وجلَّ:
﴿يُقَطِلُونَ فِ سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ﴾.
سكن شن.
٨٠٠
وفي وصيّةِ أبي بكرٍ لعمرَ رضيَ اللهُ عنهُما : ( الحقُّ ثقيلٌ ، وهوَ معَ ثقِلِهِ
مريءٌ، والباطلُ خفيفٌ، وهوَ معَ خفَّتِهِ وبيءٌ، فإنْ حفظتَ وصيِّي .. لمْ
يكنْ غائبٌ أحبَّ إليكَ مِنَ الموتِ وهوَ مدركُكَ، وإنْ ضيَّعتَ وصيِِّي .. لمْ
يكنْ غائبٌ أبغضَ إليكَ مِنَ الموتِ ولنْ تعجزَهُ )(٣) .
ويُروى عنْ إسحاقَ بنِ سعدِ بنِ أبي وقاصٍ قالَ : حدَّثَي أبي أنَّ
عبدَ اللهِ بنَ جحشٍ قالَ لهُ يومَ أحدٍ : ألا ندعو اللهَ تعالىُ ، فخلَوا في ناحيةٍ ،
فدعا عبدُ اللهِ بنُ جحشٍ فقالَ : يا ربِّ ؛ إنِّي أقسمتُ عليكَ إذا لقيتُ العدوَّ
(١) رواه ابن أبي شيبة في ((المصنف)) (٣٨٣٥٨)، والحاكم في ((المستدرك)) (٥٠٢/٤).
(٢) قوت القلوب (٥١/٢) .
(٣) كذا في ((القوت)) (٥١/٢)، ورواها بنحوها ابن المبارك في ((الزهد)) (٩١٤)،
وأبو نعيم في «الحلية)) (٣٧/١).
٢٤٠
٤٧٩

كتاب المحبة والشوق
ربع المنجيات
جد
غداً .. فلقِّني رجلاً شديداً بأسُهُ، شديداً حردُهُ ، أقاتلُهُ فيكَ ويقاتلُني ثمَّ يأخذُني
فيجدعُ أنفي وأذني ، ويبقرُ بطني، فإذا لقيتُكَ غداً .. قلتَ: يا عبدَ اللهِ ؛ مَنْ
جدعَ أنفَكَ وأذنَكَ ؟ فأقولُ: فيكَ وفي رسولِكَ، فتقولُ : صدقتَ . قالَ
سعدٌ: ( فلقدْ رأيتُهُ آخرَ النهارِ وإنَّ أنفَهُ وأذنَّهُ لمعلقتانِ في خيطٍ ) ، قالَ
سعيدُ بنُ المسيَّبِ : ( أرجو أنْ يبزَّ اللهُ آخرَ قسمِهِ كما أبرَّ أوَّلَهُ)(١).
وقدْ كانَ الثوريُّ وبشرٌ الحافي يقولانَ : ( لا يكرهُ الموتَ إلا
مريبٌ)(٢) ؛ لأَنَّ الحبيبَ على كلِّ حالٍ لا يكرهُ لقاءَ حبيبِهِ .
وقالَ البُوَيْطِيُّ لبعضِ الزهَّادِ : أتحبُّ الموتَ ؟ فكأنَّهُ توقَّفَ ، فقالَ : لوْ
كنتَ صادقاً .. لأحببتَهُ، وتلا قولَهُ تعالى: ﴿فَتَمَنَّوَأْ أَلْمَوْتَ إِن كُنتُمْ
صَدِقِينَ﴾، فقالَ الرجلُ: فقدْ قالَ النبيُّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: ((لا
يتمنينَّ أحدُكُمُ الموتَ))(٣)، فقالَ: إنَّما قالَهُ لضرّ نزلَ بهِ ؛ لأنَّ الرضا
بقضاءِ اللهِ تعالى أفضلُ مِنْ طلبِ الفرارِ منهُ(٤)
(١) رواه الحاكم في ((المستدرك)) (٧٦/٢)، وأبو نعيم في «الحلية)) (١٠٨/١) مع
قول ابن المسيب بعده .
(٢) قوت القلوب (٥١/٢) .
(٣) رواه البخاري (٥٦٧١)، ومسلم (٢٦٨٠).
(٤) نقله صاحب ((القوت)). ( ((إتحاف)) (٦١٧/٩)، ونقل قوله بعده: ( لأن التائب
إذا صدقت توبته .. طلب الموت خشية الحول عن حاله ، فإذا كان كذلك .. كان هو
حال التائب الذي هو حبيب الله ) .
٤٨٠
ـتر