Indexed OCR Text

Pages 241-260

:
ربع المنجيات
كتاب التوحيد والتوكل
فإذاً؛ الفعلُ يُستعملُ على وجوهٍ مختلفةٍ ، فلا تتناقضُ هذهِ المعاني إذا
فهمَتْ ولذلكَ قالَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ للذي ناولَهُ التمرةَ: (( خذْها ، لؤْلمْ
تأتِها .. لأَتْكَ))(١) ، أضافَ الإتيانَ إليهِ وإلى التمرةِ، ومعلومٌ أنَّ التمرةَ
لا تأتي على الوجهِ الذي يأتي الإنسانُ إليها .
ولذلكَ لمَّا قالَ ذلكَ التائبُ : أتوبُ إلى اللهِ ولا أتوبُ إلى محمدٍ ..
فقالَ عليهِ الصلاةُ والسلامُ: ((عرفَ الحقَّ لأهلِهِ))(٢) .
فكلُّ مَنْ أضافَ الكلَّ إلى اللهِ تعالى .. فهوَ المحقّقُ الذي عرفَ الحقَّ
والحقيقةَ لأهلِها ، ومَنْ أضافَهُ إلى غيرِهِ .. فهوَ المتجوِّزُ المستعيرُ في
كلامِهِ، وللتجوُّزِ وجهٌ كما أنَّ للحقيقةِ وجهاً ، واسمُ الفاعلِ وضعَهُ واضعُ
اللغةِ للمخترِعِ ، ولكنْ ظنَّ أنَّ الإنسانَ مخترعٌ بقدرتِهِ ، فسمَّاهُ فاعلاً
بحركتِهِ ، وظنَّ أنَّهُ تحقيقٌ، وتوهَّمَ أنَّ نسبتَهُ إلى اللهِ تعالى على سبيلِ
المجازِ ، مثلَ نسبةِ القتلِ إلى الأميرِ ؛ فإنَّهُ مجازٌ بالإضافةِ إلى نسبتِهِ إلى
الجلادِ ، فلمَّا انكشفَ الحقُّ لأهلِهِ .. عرفوا أنَّ الأمرَ بالعكسِ ، وقالوا : إنّ
كانَ الفاعلُ قدْ وضعتهُ أيُّها اللغويُّ للمخترِعِ .. فلا فاعلَ إلا اللهُ، فالاسمُ لهُ
(١) رواه ابن أبي عاصم في ((السنة)) (٢٧٢)، وابن حبان في ((صحيحه)) ( ٣٢٤٠)،
والبيهقي في ((الشعب)) ( ١١٤٦).
(٢) رواه أحمد في ((المسند)) (٤٣٥/٣)، والطبراني في ((الكبير)) (٢٨٦/١)،
والبيهقي في (( الشعب)) (٤١١١) عن الأسود بن سريع رضي الله عنه: أنه صلى الله
عليه وسلم أُتي بأسير ، فقاله .
٢٤١

كتاب التوحيد والتوكل
ربع المنجيات
جن
بالحقيقةِ ولغيرِهِ بالمجازِ ؛ أيْ : تُجُوِّزَ بهِ عمَّا وضعَهُ اللغويُّ لهُ.
ولما جرى حقيقةُ المعنى على لسانِ بعضِ الأعرابِ قصداً أو اتفاقاً ..
صدَّقَهُ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ فقالَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ :
(( أصدقُ بيتٍ قَالَهُ شاعرٌ قولُ لبيدٍ: أَلَا كُلُّ شَيْءٍ ما خَلا آللهَ بَاطِلٌ))(١).
أيْ : كلُّ ما لا قوامَ لهُ بنفسِهِ، وإنَّما قوامُهُ بغيرِهِ .. فهوَ باعتبارِ نفسِهِ
باطلٌ، وإنَّما حقيَتُهُ وحقيقتُهُ بغيرِهِ لا بنفسِهِ .
فإذاً؛ لا حقَّ بالحقيقةِ إلا الحيُّ القيُّومُ الذي ليسَ كمثلِهِ شيءٌ ؛ فإنَّهُ قائمٌ
بذاتِهِ ، وكلُّ ما سواهُ قائمٌ بقدرتِهِ ، فهوَ الحقُّ ، وما سواهُ باطلٌ .
ولذلكَ قالَ سهلٌ : ( يا مسكينُ ؛ كانَ ولمْ تكنْ ، ويكونُ ولا تكونُ ،
فلمَّا كنتَ اليومَ .. صرتَ تقولُ: أنا وأنا؟! كنِ الآنَ كما لمْ تكنْ ؛ فإنَّهُ
اليومَ كما كانَ )(٢)
٠
حر
فإنْ قلتَ : فقدْ ظهرَ الآنَ أنَّ الكلَّ جبرٌ ، فما معنى الثواب والعقابِ ،
والغضبِ والرضا ؟ وكيفَ غضبُهُ على فعلِ نفسِهِ ؟
ـدخ
فاعلمْ : أنَّ معنى ذلكَ قدْ أشرنا إليهِ في كتابِ الشكرِ ، فلا نطوِّلُ
بإعادتِهِ .
(١) رواه البخاري (٣٨٤١)، ومسلم (٢٢٥٦) .
(٢) قوت القلوب (٦/٢) .
٢٤٢
ميكسـ
!

!
ربع المنجيات
كتاب التوحيد والتوكل
ـون
فهذا هوَ القدْرُ الذي رأينا الرمزَ إليهِ مِنَ التوحيدِ الذي يورثُ حالَ
التوكُّلِ ، ولا يتمُّ هذا إلا بالإيمانِ بالرحمةِ والحكمةِ، فإنَّ التوحيدَ يورثُ
النظرَ إلى مسبِّبِ الأسبابِ ، والإيمانُ بالرحمةِ وسعتِها هوَ الذي يورثُ الثقةَ
بمسبِّبِ الأسبابِ ، ولا يتمُّ حالُ التوكُّلِ كما سيأتي إلا بالثقةِ بالوكيلِ ،
وطمأنينةِ القلبِ إلى حسنِ نظرِ الكفيلِ .
وهذا الإيمانُ أيضاً بابٌ عظيمٌ مِنْ أبوابِ الإِيمانِ ، وحكايةُ طريقٍ
المكاشفينَ فيهِ تطولُ ، فلنذكرْ حاصلَهُ ليعتقدَهُ الطالبُ لمقام التوكلِ اعتقاداً
قاطعاً لا یستريبُ فیهِ :
وهوَ أنْ يصدِّقَ تصديقاً يقينياً لا ضعفَ فيهِ ولا ريبَ أَنَّ اللهَ عزَّ وجلَّ لَوْ
خلقَ الخلقَ كلَّهُمْ على عقلٍ أعقلِهِمْ وعلمٍ أعلمِهِمْ ، وخلقَ لهُمْ مِنَ العلمِ
ما تحتملُهُ نفوسُهُمْ، وأفاضَ عليهِمْ مِنَ الحكمةِ ما لا منتهى لوصفِها ، ثمَّ
زادَ مثلَ عددٍ جميعِهِمْ علماً وحكمةً وعقلاً ، ثمَّ كشفَ لهُمْ عواقبَ الأمورِ ،
وأطلعَهُمْ على أسرارِ الملكوتِ ، وعرَّفَهُمْ دقائقَ اللطفِ وخفايا العقوباتِ ،
حتَّى اطلعوا بهِ على الخيرِ والشرِّ، والنفع والضرِّ، ثمَّ أمرَهُمْ أنْ يدبِّروا
الملكَ والملكوتَ بما أُعطوا مِنَ العلوم والحكم .. لما اقتضى تدبيرُ جمیعِهِمْ
معَ التعاونِ والتظاهرِ عليهِ أنْ يُزادَ فيما دبّرَ اللهُ سبحانَهُ الخلقَ بهِ في الدنيا
والآخرةِ جناحُ بعوضةٍ ، ولا أنْ يُنقصَ منها جناحُ بعوضةٍ ، ولا أنْ يُرفعَ منها
ذرَّةٌ، ولا أنْ يُخفضَ منها ذرَّةٌ ، ولا أنْ يُدفعَ مرضٌ أوْ عيبٌ أوْ نقصٌ أَوْ فقرٌ
3
٢٤٣
حر

كتاب التوحيد والتوكل
ربع المنجيات
أوْ ضرِّ عمَّنْ بُليَ بهِ ، ولا أنْ تُزُالَ صحةٌ أوْ كمالٌ أَوْ غنىٌ أَوْ نفعٌ عمَّنْ أنعمَ اللهُ
بهِ عليهِ ، بلْ كلُّ ما خلقَهُ اللهُ تعالى مِنَ السماواتِ والأرضِ إنْ رجعوا فيها
البصرَ ، وطوَّلوا فيها النظرَ .. ما رأَوا فيها مِنْ تفاوتٍ ولا فطورٍ .
وكلُّ ما قسمَ اللهُ تعالىُ بينَ عبادِهِ مِنْ رزقٍ وأجلٍ ، وسرورٍ وفرحٍ ،
وعجزٍ وقدرةٍ ، وإيمانٍ وكفرٍ ، وطاعةٍ ومعصيةٍ .. فكلُّهُ عدْلٌ محضٌ
لا جورَ فيهِ ، وحقٌّ صِرْفٌ لا ظلمَ فيهِ ، بلْ هوَ على الترتيبِ الواجبِ الحقِّ
على ما ينبغي ، وكما ينبغي ، وبالقدرِ الذي ينبغي ، وليسَ في الإمكانِ
أصلاً أحسنُ منهُ ولا أتمُّ ولا أكملُ(١) ، ولوْ كانَ وادَّخرَهُ معَ القدرةِ ولِمْ
يفعلْهُ .. لكانَ بخلاً يناقضُ الجودَ، وظلماً يناقضُ العدْلَ ، ولوْ لمْ يكنْ
قادراً .. لكانَ عجزاً يناقضُ الإلهيةَ، بلْ كلُّ فقرٍ وضرٍّ في الدنيا فهوَ
نقصانٌ مِنَ الدنيا وزيادةٌ في الآخرةِ ، وكلُّ نقصٍ في الآخرةِ بالإضافةِ إلى
شخصٍ فهوَ نعيمٌ بالإضافةِ إلى غيرِهِ ، إذْ لولا الليلُ .. لما عُرفَ قَدْرُ
النهار ، ولولا المرضُ .. لما تنعَّمَ الأصحاءُ بالصحةِ ، ولولا النارُ ..
(١) هذه هي العبارة المجلجلة التي تلان وتقال: ( ليس في الإمكان أبدع مما كان )، والتي
تحزَّب العلماء لأجلها في حق المصنف رحمه الله أحزاباً ، والمراد هنا : إسقاط قول من
قال بدسِّ هذه العبارة على المصنف ، وهو قول غريب ! إذ العبارة ليست غريبة عن
سياقها ، بل سبقها ولحقها مثيل لها ؛ بنحو لفظها أو بمعناها ، ثم هي ثابتة في جميع
النسخ ، بل وقال الحافظ الزبيدي في ((إتحافه)) (٤٣٠/٩) عن نسخه التي اعتمدها :
( هكذا نص هذه العبارة في سائر نسخ الكتاب ، ولا سيما وفي أواخر بعضها أنها نقلت
من نسخة موثوق بها معتمداً على صحتها ) .
٢٤٤

ربع المنجيات
كتاب التوحيد والتوكل
لما عرفَ أهلُ الجنَّةِ قَدْرَ النعمةِ .
وكما أنَّ فداءَ أرواحِ الإنسِ بأرواحِ البهائمِ وتسليطَهُمْ على ذبحِها ليسَ
بظلمٍ ، بلْ تقديمُ الكاملِ على الناقصِ عينُ العدْلِ .. فكذلكَ تفخيمُ النعمِ
على سكّانِ الجنانِ بتعظيمِ العقوبةِ على أهلِ النيرانِ فداءً لأهلِ الإيمانِ
بأهلِ الكفرانِ عينُ العدْلِ ، وما لمْ يُخلقِ الناقصُ .. لا يُعرفِ
الكاملُ ، ولولا خلقُ البهائم .. لما ظهرَ شرفُ الإنسِ ، فإنَّ الكمالَ
والنقصَ يظهرُ بالإضافةِ ، فمقتضى الجودِ والحكمةِ خلقُ الكاملِ والناقصِ
جميعاً .
وكما أنَّ قطعَ اليدِ إذا تآكلَتْ إبقاءً على الروحِ عدْلٌ؛ لأنَّهُ فداءُ كاملٍ
بناقصِ .. فكذلكَ الأمرُ في التفاوتِ الذي بينَ الخلقِ في القسمةِ في الدنيا
والآخرةِ ، فكلُّ ذلكَ عدْلٌ لا جورَ فيهِ ، وحقٌّ لا لعبَ فيهِ .
وهذا الآنَ بحرٌ آخرُ عظيمُ العمقِ واسعُ الأطرافِ مضطربُ الأمواجِ ،
قريبٌ في السعةِ مِنْ بحرِ التوحيدِ ، فيهِ غرقَ طوائفُ مِنَ القاصرينِ ، ولمْ
يعلموا أنَّ ذلكَ غامضٌ لا يعقلُهُ إلا العالمونَ، ووراءَ ههذا البحرِ سرُّ القدرِ
الذي تحيَّ فيهِ الأكثرونَ ، ومُنعَ مِنْ إفشاءِ سرِّهِ المكاشفونَ .
والحاصلُ : أنَّ الخيرَ والشرَّ مقضيٍّ بهِ ، وقدْ صارَ ما قُضيَ بهِ واجبَ
الحصولِ بعدَ سبقِ المشيئةِ، فلا رادَّ لحكْمِهِ ، ولا معقُّبَ لقضائِهِ ، بلْ كلُّ
صغيرٍ وكبيرٍ مستَطَرٌ، وحصولُهُ بقدر معلوم منتظَرٌ، وما أصابَكَ لمْ يكنْ
٢٤٥
٢٨٠

كتاب التوحيد والتوكل
ربع المتجيات
ليخطئَكَ ، وما أخطأَكَ لمْ يكنْ ليصيبَكَ، ولنقتصرْ على هذهِ المرامزِ مِنْ
علوم المكاشفةِ التي هيَ أصولُ مقامِ التوكُّلِ ، ولنرجعْ إلىُ علمٍ
المعاملةِ (١).
حن
(١) وقد أجاب المصنف رحمه الله تعالى في ((إملائه)) عن سياقه هنا عما اعترضه
المعترضون بأحسن جواب ، وقد عقد الحافظ الزبيدي فصلاً طويلاً في «إتحافه))
(٤٣٤/٩) ساق فيه أقوال المعترضين والمنتصرين.
٢٤٦

ربع المنجيات
كتاب التوحيد والتوكل
الشَّطْرُ الثَّانِيِ مِنَ الْكِتَاب
في أحوال التّكَل وأعماله
وفيه بيانُ حالِ التوُّلِ وبيانُ ما قالَهُ الشيوخُ في حدِّ التوكلِ ، وبيانُ التوكلِ في
الكسبِ للمنفردِ والمعيلِ ، وبيانُ التوكلِ بتركِ الادخارِ ، وبيانُ التوكلِ في دفع
المضارِّ ، وبيانُ التوكلِ في إزالةِ الضررِ بالتداوي وغيرِهِ ، واللهُ الموفقُ برحمتِهِ .
بيان حال التَّوكل
قدْ ذكرنا أنَّ مقامَ التوكلِ ينتظمُ مِنْ علمٍ وحالٍ وعملٍ ، وذكرنا العلمَ .
فأمَّا الحالُ .. فالتوكلُ بالتحقيقِ عبارةٌ عنهُ، وإنَّما العلمُ أصلُهُ ، والعملُ
ثمرتُهُ، وقدْ أكثرَ الخائضونَ في بيانِ حدِّ التوكلِ واختلفَتْ عباراتُهُمْ ، وتكلَّمَ
كلُّ واحدٍ عنْ مقام نفسِهِ ، وأخبرَ عنْ حدِّهِ ، كما جرتْ عادةُ أهلِ التصوُّفِ
بهِ ، ولا فائدةَ في النقلِ والإكثارِ .
فلنكشفِ الغطاءَ عنهُ فنقولُ :
التوكلُ مشتقٌّ مِنَ الوكالةِ ، يُقالَ : وَكَلَ أمرَهُ إلى فلانٍ ؛ أي : فوَّضَهُ إليهِ
واعتمدَ عليهِ فيهِ ، ويُسمَّى الموكولُ إليهِ وكيلاً، ويُسمَّى المفوّضُ إليهِ متكلاً
عليهِ ، ومتوكلاً عليهٍ ، مهما اطمأنَّتْ إليهِ نفسُهُ ووثقَ بهِ ، ولمْ يتهمْهُ فيهِ
بتقصيرٍ ، ولمْ يعتقدْ فيهِ عجزاً وقصوراً .
٢٤٧
2
3

كتاب التوحيد والتوكل
ربع المنجيات
فالتوكلُ عبارةٌ عنِ اعتمادِ القلبِ على الوكيلِ وحدَهُ ، ولنضربِ الوكيلَ
في الخصومةِ مثلاً ؛ فنقولُ : منِ ادُّعِيَ عليهِ دعوى باطلةً بتلبيسٍ فوكلَ
للخصومةِ مَنْ يكشفُ ذلكَ التلبيسَ .. لمْ يكنْ متوكلاً عليهِ ولا واثقَ القلبِ
مطمئنَّ النفسِ بوكيلِهِ إلا إذا اعتقدَ فيهِ أربعة أمور : منتهى الهدايةِ ، ومنتهى
القوَّةِ ، ومنتهى الفصاحةِ ، ومنتهى الشفقةِ .
أمَّا الهدايةُ .. فليعرفَ بها مواقعَ التلبيسِ حتَّى لا يخفى عليهِ مِنْ غوامضٍ
الحيلِ شيءٌ أصلاً .
وأمَّا القدرةُ والقوَّةُ .. فليستجرىءَ على التصريح بالحقِّ ؛ فلا يداهنَ
ولا يخافَ، ولا يستحييَ ولا يجبنَ ، فإنَّهُ ربَّما يطلعُ على وجهِ تلبيسٍ
خصمِهِ فيمنعُهُ الخوفُ أوِ الجبنُ أوِ الحياءُ أوْ صارفٌ آخرُ مِنَ الصوارفِ
المضعفةِ للقلبِ . . عنِ التصريحِ بهِ .
وأمَّا الفصاحةُ .. فهيَ أيضاً مِنَ القدرةِ ، إلا أنَّها قدرةٌ في اللسانِ على
الإفصاحِ عنْ كلِّ ما استجرأَ القلبُ عليهِ وأشارَ إليهِ ، فلا كلُّ عالمٍ بمواقعٍ
التلبيسٍ قادرٌ بذلاقةِ لسانِهِ على حلِّ عقدتِهِ .
وأمَّا منتهى الشفقةِ .. فيكونُ باعثاً لهُ على بذلِ كلِّ ما يقدرُ عليهِ في حقِّهِ
مِنَ المجهودِ ، فإنَّ قدرتَهُ لا تغني دونَ العنايةِ بهِ إذا كانَ لا يهمُّهُ أمرُهُ ،
ولا يبالي بهِ ظفرَ بهِ خصمُهُ أَوْ لمْ يظفرْ ، هلكَ بهِ حقُّهُ أَوْ لمْ يهلكْ .
فإنْ كانَ شاكّاً في هذهِ الأربعةِ ، أوْ في واحدةٍ منها ، أوْ جوَّزَ أنْ يكونَ
٢٤٨

ربع المنجيات
كتاب التوحيد والتوكل
خصمُهُ أكملَ في هذهِ الأربعةِ منهُ .. لمْ تطمئنَّ نفسُهُ إلى وكيلِهِ ، بلْ يبقى
منزعجَ القلبِ ، مستغرقَ الهمِّ بالحيلةِ والتدبيرِ ليدفعَ ما يحذرُهُ مِنْ قصورِ
وكيلِهِ وسطوةِ خصمِهِ ، ويكونُ تفاوتُ أحوالِهِ في شدَّةِ الثقةِ والطُّمأنينةِ
بحسبِ تفاوتِ قوَّةِ اعتقادِهِ لهذهِ الخصالِ فيهِ .
والاعتقاداتُ والظنونُ في القوَّةِ والضعفِ تتفاوتُ تفاوتاً لا ينحصرُ ، فلا
جرمَ تتفاوتُ أحوالُ المتوكِّلِ في قوَّةِ الطُّمأنينةِ والثقةِ تفاوتاً لا ينحصرُ ، إلى
أنْ ينتهيَ إلى اليقينِ الذي لا ضعفَ فيهِ ، كما لوْ كانَ الوكيلُ والدَ الموكِّلِ ،
وهوَ الذي يسعى لجمع الحلالِ والحرام لأجلِهِ ، فإنَّهُ يحصلُ لهُ يقينٌ بمنتهى
الشفقةِ والعنايةِ ، فتصيرُ خصلةٌ واحدةٌ مِنَ الخصالِ الأربعةِ قطعيةٌ ، وكذلكَ
سائرُ الخصالِ يُتصوَّرُ أَنْ يحصلَ القطعُ بهِ ، وذلكَ بطولِ الممارسةِ
والتجربةِ ، وتواترٍ الأخبارِ بأنَّهُ أفصحُ الناسِ لساناً ، وأقواهم بياناً ،
وأقدرُهُمْ على نصرة الحقِّ ، بلْ على تصويرِ الحقِّ بالباطلِ والباطلِ بالحقِّ .
فإذا عرفتَ التوكلَ في هذا المثالِ .. فقسِ التوكل على اللهِ تعالىُ عليهِ ،
فإنْ ثبتَ في نفسِكَ بكشفٍ أوْ باعتقادٍ جازم أنَّهُ لا فاعلَ إلا اللهُ كما سبقَ ،
واعتقدتَ معَ ذلكَ تمامَ العلمِ والقدرةِ على كفايةِ العبادِ ، ثمَّ تمامَ العطفِ
والعنايةِ والرحمةِ بجملةِ العبادِ وبالآحادِ ، وأنَّهُ ليسَ وراءَ منتهى قدرتِهِ
قدرةٌ، ولا وراءَ منتهىُ علمِهِ علمٌ ، ولا وراءَ منتهى عنايتِهِ بكَ ورحمتِهِ لكَ
عنايةٌ ورحمةٌ .. اتكلَ - لا محالةَ - قلبُكَ عليهِ وحدَهُ، ولمْ يلتفتْ إلى غيرِهِ
بوجهٍ ، ولا إلى نفسِهِ وحولِهِ وقوَّتِهِ ، فإنَّهُ لا حولَ ولا قوَّةَ إلا باللهِ ، كما
٢٤٩
حن

كتاب التوحيد والتوكل
ربع المنجيات
سبقَ في التوحيدِ عندَ ذكرِ الحركةِ والقدرةِ ، فإنَّ الحولَ عبارةٌ عنِ الحركةِ ،
والقوّةَ عبارةٌ عنِ القدرةِ .
فإنْ كنتَ لا تجدُ هذهِ الحالةَ مِنْ نفسِكَ .. فسببُهُ أحدُ أمرينٍ : إمَّا
ضعفُ اليقينِ بإحدى هذهِ الخصالِ الأربعةِ ، وإمَّا ضعفُ القلبِ ومرضُهُ
باستيلاءِ الجبنِ عليهِ ، وانزعاجُهُ بسببِ الأوهام الغالبةِ عليهِ ، فإنَّ القلبَ قدْ
ينزعجُ تبعاً للوهمِ وطاعةً لهُ مِنْ غيرِ نقصانٍ في اليقينِ ؛ فإنَّ مَنْ يتناولُ عسلاً
فشُبَِّ بينَ يديهِ بالعذرةِ .. ربَّما نفرَ طبعُهُ عنهُ وتعذَّرَ عليهِ تناولُهُ، ولوْ كُلِّفَ
العاقلُ أنْ يبيتَ معَ الميتِ في قبرٍ أوْ فراشٍ أَوْ بيتٍ .. نفرَ طبعُهُ وإنْ كانَ متيقناً
بكونِهِ ميتاً ، وأنَّهُ جمادٌ في الحالِ ، وأنَّ سنةَ اللهِ تعالى مطردةٌ بأنَّهُ لا يحشرُهُ
الآنَ ولا يحييهِ وإنْ كانَ قادراً عليهِ ؛ كما أنَّها مطردةٌ بألا يقلبَ القلم الذي في
يدِهِ حيَّةً ، ولا يقلب السنورَ أسداً وإنْ كانَ قادراً عليهٍ، ومعَ أنَّهُ لا يشكُّ في
هذا اليقينِ ينفرُ طبعُهُ عنْ مضاجعةِ الميتِ في فراشٍ لهُ أوِ المبيتِ معَهُ في بيتٍ
ولا ينفرُ عنْ سائرِ الجماداتِ ، وذلكَ جبنٌ في القلبِ ، وهوَ نوعُ ضعفٍ قلَّما
يخلو الإنسانُ عنْ شيءٍ منهُ وإِنْ قلَّ، وقدْ يقوى فيصيرُ مرضاً ، حتَّى يخافَ
أنْ يبيتَ في البيتِ وحدَهُ معَ إغلاقِ البابِ وإحكامِهِ !
ثن حج حن حن
فإذاً ؛ لا يتمُّ التوكلُ إلا بقوَّةِ القلبِ وقوَّةِ اليقينِ جميعاً ؛ إذْ بهِما يحصلُ
سكونُ القلبِ وطمأنينتُهُ ، فالسكونُ في القلبِ شيءٌ ، واليقينُ شيءٌ آخرُ،
فكمْ مِنْ يقينٍ لا طمأنينةَ معَهُ ؛ كما قالَ تعالى لإبراهيمَ عليهِ السلامُ: ﴿أَوَلَمْ
تُؤْمِنٌ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَظْمَيِنَ قَلْبِى﴾، فالتمسَ أنْ يكونَ مشاهداً إحياءَ الميتِ
٢٥٠

ربع المنجيات
كتاب التوحيد والتوكل
بعينِهِ ليثبتَ في خيالِهِ ، فإنَّ النفسَ تتبعُ الخيالَ وتطمئنُ بهِ ولا تطمئنُّ باليقينِ
في ابتداءِ أمرِهِ إلى أنْ تبلغَ بالآخرةِ إلى درجةِ النفسِ المطمئنَّةِ ، وذلكَ
لا يكونُ في البدايةِ أصلاً، وكمْ مِنْ مطمئنٌّ لا يقينَ لهُ ، كسائرِ أربابِ المللِ
والمذاهبِ ؛ فإنَّ اليهوديَّ مطمئنُّ القلبِ إلى تهوُّدِهِ ، وكذا النصرانيُّ ،
ولا يقينَ لهُمْ أصلاً، وإنَّما يتَبعونَ الظنَّ وما تهوى الأنفسُ، ولقدْ جاءَهُمْ
مِنْ ربِّهِمُ الهدىُ وهوَ سببُ اليقينِ ، إلا أنَّهُمْ معرضونَ عنهُ .
فإذاً ؛ الجبنُ والجرأةُ غرائزُ ، ولا ينفعُ اليقينُ معَها ، فهيَ أحدُ الأسبابِ
التي تضادُّ حالَ التوكُّلِ ؛ كما أنَّ ضعفَ اليقينِ بالخصالِ الأربعةِ أحدُ
الأسبابِ ، وإذا اجتمعَتْ هذهِ الأسبابُ .. حصلَتِ الثقةُ باللهِ تعالى .
وقدْ قيلَ : ( مكتوبٌ في التوراةِ: ملعونٌ مَنْ ثقتُّهُ إنسانٌ مثلُهُ)(١)
وقدْ قالَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: ((مَنِ اعتزَّ بالعبيدِ .. أذلَّهُ اللهُ))(٢)
ء
وإذا انكشفَ لكَ معنى التوكلِ وعُلمَتِ الحالةُ التي سُمِّيَتْ توكلاً ..
فاعلمْ أنَّ تلكَ الحالةَ لها في القوَّةِ والضعفِ ثلاثُ درجاتٍ :
ـيو
(١) كذا في ((القوت)) (٤/٢) عن يحيى بن أبي كثير، ورواه أبو نعيم في (( الحلية))
(٣٦٣/٩) عن ذي النون المصري .
(٢) كذا في ((القوت)) (٤/٢)، ورواه العقيلي في ((الضعفاء)) (٦٦٩/٢)، وأبو نعيم
في ((الحلية)) (١٧٤/٢)، والقضاعي في ((مسند الشهاب)) (٣٥٠).
مثل
٢٥١
--- --

كتاب التوحيد والتوكل
ربع المنجيات
الدرجةُ الأولىُ : ما ذكرناهُ ، وهوَ أنْ يكونَ حالُهُ في حقِّ اللهِ تعالى والثقةِ
بكفالتِهِ وعنايتِهِ كحالِهِ في الثقةِ بالوكيلِ .
الثانيةُ - وهيَ أقوى - : أنْ يكونَ حالُهُ معَ اللهِ تعالىُ كحالِ الطفلِ مع
أمِّهِ ، فإنَّهُ لا يعرفُ غيرَها ، ولا يفزعُ إلى أحدٍ سواها ، ولا يعتمدُ إلا
إِيَّاها، فإِنْ رآها .. تعلَّقَ في كلِّ حالٍ بذيلِها ولمْ يخلُّها، وإنْ نابَهُ أمرٌ في
غيبتِها .. كانَ أوَّلُ سابقٍ إلى لسانِهِ: ( يا أمَّاهُ) ، وأوَّلُ خاطرٍ يخطرُ على
قلبهِ أمُّهُ ؛ فإنَّها مفزعُهُ ، فإنَّهُ قَدْ وثقَ بكفالتِها وكفايتِها وشفقتِها ؛ ثقةً بها
ليسَتْ خاليةً عنْ نوع إدراكِ بالتمييزِ الذي لهُ ، ويُظنُّ أنَّهُ طبعٌ مِنْ حيثُ إنَّ
الصبيَّ لوْ طُولبَ بتفصيلِ هذهِ الخصالِ .. لمْ يقدرْ على تلفيقِ لفظِهِ ،
ولا على إحضارِهِ مفصَّلاً في ذهنِهِ ، ولكنْ كلُّ ذلكَ وراءَ الإدراكِ .
فمَنْ كانَ تألُهُهُ إلى اللهِ عزَّ وجلَّ ونظرُهُ إليهِ واعتمادُهُ عليهِ .. كَلِفَ بهِ كما
يكلَفُ الصبيُّ بأمِّهِ، فيكونُ متوكلاً حقّاً ، فإنَّ الطفلَ متوكِّلٌ على أمِّهِ .
والفرقُ بينَ هذا وبينَ الأوَّلِ: أنَّ هذا متوكُّلٌ وقدْ فِيَ في توُّلِهِ عنْ
توكُّلِهِ ؛ إذْ ليسَ يلتفتُ قلبُهُ إلى التوكلِ وحقيقتِهِ ، بلْ إلى المتوكّلِ عليهِ
فقطْ، فلا مجالَ في قلبهِ لغيرِ المتوكّلِ عليهِ، وأمَّا الأوَّلُ .. فمتوكلٌ
بالتكلُّفِ والكسبِ ، وليس فانياً عنْ توكُّلِهِ ؛ لأنَّ لهُ التفاتا (١) إلى توكلِهِ
وشعوراً بهِ ، وذلكَ شغلٌ صارفُ عنْ ملاحظةِ المتوكَّلِ عليهِ وحدَهُ .
(١) في غير (ج): (أي: له التفات) بدل ( لأن له التفاتاً).
محر
٢٥٢

ربع المنجيات
كتاب التوحيد والتوكل
وإلى هذهِ الدرجةِ أشارَ سهلٌ حيثُ سُئِلَ عنِ التوكل ما أدناهُ ؟ قالَ :
تركُ الأمانيِّ، قيلَ: وأوسطُهُ ؟ قالَ : تركُ الاختيارِ - وهوَ إشارةٌ إلى الدرجةِ
الثانية - وسُئِلَ عنْ أعلاهُ؟ فلمْ يذكرْهُ، وقالَ: لا يعرفُهُ إلا مَنْ بلغَ
أوسطَهُ(١) .
الثالثةُ - وهيَ أعلاها - : أنْ يكونَ بينَ يدي اللهِ تعالى في حركاتِهِ وسكناتِهِ
مثلَ الميتِ بينَ يدي الغاسلِ ، لا يفارقُهُ إلا في أنَّهُ يرىْ نفسَهُ ميتاً تحرِّكُهُ
القدرةُ الأزليَّةُ كما تحرِّكُ يدُ الغاسلِ الميتَ، وهوَ الذي قَويَ يقينُهُ (٢) بأنَّهُ
مجرى الحركةِ والقدرة والإرادةِ والعلمٍ وسائرِ الصفاتِ ، وأنَّ كلَّهُ يحدثُ
جبراً، فيكونُ عينَ الانتظارِ لما يجري عليهِ (٣) ، ويفارقُ الصبيَّ؛ فإنَّ
الصبيَّ يفزعُ إلى أمِّهِ ويصيحُ ، ويتعلَّقُ بذيلِها ويعدو خلفَها ، بلْ مثالُ هذا
مثالُ صبيٍّ علمَ أنَّهُ وإنْ لمْ يزعقْ بأمِّهِ .. فالأمُ تطلبُهُ، وأنَّهُ وإنْ لمْ يتعلَّقْ
بذيلِ أمِّهِ .. فالأمُّ تحملُهُ، وإنْ لمْ يسألْها اللبنَ .. فالأمُّ تفاتحُهُ وتسقيهِ (٤).
وهذا المقامُ في التوكُّلِ يثمرُ تركَ الدعاءِ والسؤالِ منهُ ؛ ثقةً بكرمِهِ
وعنايتِهِ ، وأنَّهُ يُعطي ابتداءً أفضلَ ممَّا يُسألُ، فَكمْ مِنْ نعمةٍ ابتدأَها قبلَ
(١) قوت القلوب (٤/٢) .
(٢) في (أ): ( وهو الذي يرى نفسه) .
(٣) والعبارة في ((الإتحاف)) (٤٦٤/٩): (وأن كلاًّ يحدث جبراً، فيكون بائناً عن
الانتظار لما يجري عليهِ ) .
(٤) في (أ، ع): ( تعالجه) بدل ( تفاتحه)، وفي (ج، ن): (فالأم تبتدىء
وترضعه ) بدل ( فالأم تفاتحه وتسقيه ) .
٢٥٣

كتاب التوحيد والتوكل
ربع المنجيات
السؤالِ والدعاءِ وبغيرِ الاستحقاقِ . والمقامُ الثاني لا يقتضي تركَ الدعاءِ
والسؤالِ منهُ، وإنَّما يقتضي تركَ السؤالِ مِنْ غيرِهِ فقطْ .
فإنْ قلتَ : فهذهِ الأحوالُ هلْ يُتصوَّرُ وجودُها ؟
فاعلمْ : أنَّ ذلكَ ليسَ بمحالٍ ، ولكنَّهُ عزيزٌ نادرٌ ، والمقامُ الثاني
والثالثُ أعزُّها ، والأوَّلُ أقربُ إلى الإمكانِ .
ثمَّ إذا وُجدَ الثاني والثالثُ .. فدوامُهُ أبعدُ منهُ ، بلْ يكادُ لا يكونُ المقامُ
الثالثُ في دوامِهِ إلا كصفرةِ الوجلِ ؛ فإنَّ انبساطَ القلبِ إلى ملاحظةِ الحولِ
والقوَّةِ والأسبابِ طبْعٌ، وانقباضُهُ عارضٌ، كما أنَّ انبساطَ الدم إلى جميعٍ
الأطرافِ طبعٌ وانقباضُهُ عارضٌ ، والوجلُ عبارةٌ عنِ انقباضِ الدمِ عنْ ظاهرٍ
البشرةِ إلى الباطنِ ، حتَّى تنمحيَ عنْ ظاهرِ البشرةِ الحمرةُ التي كانَتْ تتراءى
مِنْ وراءِ الرقيقِ مِنْ سترِ البشرةِ ، فإنَّ البشرةَ سترٌ رقيقٌ تتراءىُ مِنْ ورائِهِ حمرةٌ
الدم، وانقباضُهُ يُوجبُ الصفرةَ، وذلكَ لا يدومُ ، وكذلكَ انقباضُ القلبِ
بالكليّةِ عنْ ملاحظةِ الحولِ والقوَّةِ وسائرِ الأسبابِ الظاهرةِ لا يدومُ .
وأمَّا المقامُ الثاني .. فيشبهُ صفرةَ المحموم، فإنَّهُ قَدْ يدومُ يوماً
ويومينٍ ، والأوَّلُ يشبهُ صفرةَ مريضٍ استحكمَ مرضُهُ ، فلا يبعدُ أنْ يدومَ ،
ولا يبعدُ أنْ يزولَ .
٢
٢٥٤
حن

ربع المنجيات
كتاب التوحيد والتوكل
فإنْ قلتَ : فهلْ يبقىُ معَ العبدِ تدبيرٌ وتعلَّقٌ بالأسبابِ في هذهِ الأحوالِ؟
فاعلمْ : أنَّ المقامَ الثالثَ ينفي التدبيرَ رأساً ما دامَتِ الحالةُ باقيةً، بلْ
يكونُ صاحبُها كالمبهوتِ .
والمقامُ الثاني ينفي كلَّ تدبيرٍ إلا مِنْ حيثُ الفزعُ إلى اللهِ تعالى بالدعاءِ
والابتهالِ ؛ كتدبيرِ الطفلِ في التعلَّقِ بأمِّهِ فقطْ .
والمقامُ الأوَّلُ لا ينفي أصلَ التدبيرِ والاختيارِ ، ولكنْ ينفي بعضَ
التدبيراتِ ؛ كالمتوكلِ على وكيلِهِ في الخصومِةِ ؛ فإنَّهُ يتركُ تدبيرَهُ مِنْ جهةٍ
غيرِ الوكيلِ ، ولكنْ لا يتركُ التدبيرَ الذي أشارَ إليهِ وكيلُهُ بهِ ، أوِ التدبيرَ الذي
عرفَهُ مِنْ عادتِهِ وسنَّتِهِ دونَ صريحِ إشارتِهِ .
فأمَّا الذي يعرفُهُ بإشارتِهِ فأنْ يقولَ لهُ: لستُ أتكلّمُ إلا في حضورِكَ ،
فيشتغلُ - لا محالةَ - بالتدبيرِ للحضورِ ، ولا يكونُ هذا مناقضاً توُّلَهُ عليهِ ؛
إذْ هوَ ليسَ فزعاً منهُ إلى حولِ نفسِهِ وقوَّتِهِ في إظهارِ الحجَّةِ ، ولا إلى حولِ
غيرِهِ ، بلْ مِنْ تمام توكُّلِهِ عليهِ أنْ يفعلَ ما رسمَهُ لهُ ؛ إذْ لَوْ لمْ يكنْ متوكلاً
عليهِ ولا معتمداً لهُ في قولِهِ .. لما حضرَ بقولِهِ .
وأمَّا المعلومُ مِنْ عادتِهِ واطرادِ سنَّتِهِ .. فهوَ أنْ يعلمَ مِنْ عادتِهِ أنَّهُ لا يحاجُّ
الخصمَ إلا مِنَ السجلِّ ، فتمامُ توكُّلِهِ إنْ كانَ متوكلاً عليهِ أنْ يكونَ معوِّلاً
على سنتِهِ وعادتِهِ ووافياً بمقتضاها ، وهوَ أنْ يحملَ السجلَّ معَ نفسِهِ إليهِ عندَ
مخاصمتِهِ .
45
٢٥٥

كتاب التوحيد والتوكل
ربع المنجيات
فإذاً ؛ لا يستغني عنِ التدبيرِ في الحضورِ وعنِ التدبيرِ في إحضارٍ
السجلِّ ، ولوْ تركَ شيئاً مِنْ ذلكَ .. كانَ نقصاً في توكُّلِهِ ، فكيفَ يكونُ فعلُهُ
نقصاً فیهِ ؟!
نعمْ ، بعدَ أنْ حضرَ وفاءٌ بإشارتِهِ وأحضرَ السجلَّ وفاءٌ بسنَّتِهِ وعادتِهِ ،
وقعدَ ناظراً إلى محاجَّتِهِ .. فقدْ ينتهي إلى المقام الثاني والثالثِ في
حضورِهِ ، حتَّى يبقى كالمبهوتِ المنتظرِ لا يفزعُ إلى حولِهِ وقوَّتِهِ ، إذْ لمْ يبقَ
لهُ حولٌ ولا قوَّةٌ ، وقدْ كانَ فزعُهُ إلى حولِهِ وقوَّتِهِ في الحضورِ وإحضارٍ
السجلٌ بإشارةِ الوكيلِ وسنَّتِهِ ، وقدِ انتهى نهايتَهُ ، فلمْ يبقَ إلا طُمأنينةُ النفسِ
والثقةُ بالوكيلِ والانتظارُ لما يجري .
وإذا تأمَّلْتَ هذا .. اندفعَ عنكَ كلُّ إشكالٍ في التوكلِ ، وفهمتَ أنَّهُ ليسَ
مِنْ شرطِ التوُلِ تركُ كلِّ تدبيرٍ وعملٍ ، وأنَّ كلَّ تدبيرٍ وعملٍ لا يجوزُ أيضاً
معَ التوكلِ ، بلْ هوَ على الانقسامِ ، وسيأتي تفصيلُهُ في الأعمالِ .
فإِذاً؛ فزعُ الموكَّلِ إلى حولِهِ وقوَّتِهِ في الحضورِ والإحضارِ لا يناقضُ
التوكُّلَ ؛ لأنَّهُ يعلمُ أنَّهُ لولا الوكيلُ .. لكانَ حضورُهُ وإحضارُهُ باطلاً وتعبأ
محضاً بلا جدوى .
جم
فإذاً؛ لمْ يصرْ مفيداً مِنْ حيثُ إنَّهُ حولُهُ وقوَّتُهُ، بلْ مِنْ حيثُ إنَّ الوكيلَ
جعلَهُ مفيداً لمحاجَّتِهِ ، وعرَّفَهُ ذلكَ بإشارتِهِ وسنَّتِهِ .
فإِذاً؛ لا حولَ ولا قوَّةَ لهُ إلا بالوكيلِ ، إلا أنَّ هذهِ الكلمةَ لا يكملُ
٢٥٦

ربع المنجيات
محز
كتاب التوحيد والتوكل
معناها في حقِّ الوكيلِ ؛ لأنَّهُ ليسَ خالقَ حولِهِ وقوَّتِهِ ، بلْ هوَ جاعلٌ لَهُما
مفيدينٍ في أنفسِهِما ، ولمْ يكونا مفيدينِ لولا فعلُهُ ، وإنَّما يصدقُ ذلكَ في
حقِّ الوكيلِ الحقِّ، وهوَ اللهُ تعالى ؛ إذْ هوَ خالقُ الحولِ والقوَّةِ كما سبقَ في
التوحيدٍ ، وهوَ الذي جعلَهُما مفيدين ؛ إذْ جعلَهُما شرطاً لما سيخلقُهُ مِنْ
بعدِهِما مِنَ الفوائدِ والمقاصدِ .
فإذاً ؛ لا حولَ ولا قوّةَ إلا باللهِ حقّاً وصدقاً، فمَنْ شاهدَ هذا كذلكَ ..
كانَ لهُ الثوابُ العظيمُ الذي وردَتْ بهِ الأخبارُ فيمَنْ يقولُ : لا حولَ ولا قوَّةً
إلا باللهِ(١)، وذلكَ قَدْ يُستبعدُ فيُقالُ: كيفَ يُعطى هذا الثوابَ كلَّهُ بههذهِ
الكلمةِ معَ سهولتِها على اللسانِ وسهولةِ اعتقادِ القلبِ بمفهوم لفظِها ؟!
وهيهاتَ ! فإنَّما ذلكَ جزاءٌ على هذهِ المشاهدةِ التي ذكرناها في
التوحيدِ ، ونسبةُ هذهِ الكلمةِ وثوابِها إلى كلمةِ لا إلهَ إلا اللهُ وثوابِها ..
كنسبةِ معنى إحداهما إلى الأخرى ؛ إذْ في هذهِ الكلمةِ إضافةُ شيئينٍ إلى اللهِ
تعالى فقطْ، وهما الحولُ والقوَّةُ، وأمَّا كلمةُ لا إلهَ إلا اللهُ .. فهوَ نسبةٌ
الكلِّ إليهِ ، فانظرْ إلى التفاوتِ بينَ الكلِّ وبينَ شيئينٍ لتعرفَ بهِ ثوابَ لا إلهَ
إلا اللهُ بالإضافةِ إلى هذا .
والى.
(١) فمنها : ما رواه البخاري (٦٣٨٤) من حديث أبي موسى رضي الله عنه مرفوعاً:
(( ... فقال : يا عبد الله بن قيس ؛ قل : لا حول ولا قوة إلا بالله ؛ فإنها كنز من كنوز
الجنة))، ومنها: ما رواه الحاكم في ((المستدرك)» (٥٤٢/١) عن أبي هريرة
رضي الله عنه مرفوعاً: (( من قال: لا حول ولا قوة إلا بالله .. كان دواء من تسعة
وتسعين داء، أيسرها الهمّ))، وانظر ((الإتحاف)) ( ٤٦٦/٩).
٢٥٧

كتاب التوحيد والتوكل
ربع المنجيات
سبيس
ے
وكما ذكرنا مِنْ قبلُ أنَّ للتوحيدِ قشرينٍ ولبّينِ .. فكذلكَ لهذهِ الكلمةِ
ولسائرِ الكلماتِ، وأكثرُ الخلقِ قُيِّدوا بالقشرينِ وما طرقوا إلى اللبَّيْنِ، وإلى
اللَّينِ الإشارةُ بقولِهِ عليهِ الصلاةُ والسلامُ: ((مَنْ قالَ: لا إلهَ إلا اللهُ صادقاً
منْ قلبهِ مخلصاً .. وجبَتْ لهُ الجنَّةُ)) (١) ، وحيثُ أطلقَ مِنْ غيرِ ذكرِ الصدقِ
والإخلاصِ .. أرادَ بالمطلقِ هذا المقيَّدَ، كما أضافَ المغفرةَ إلى الإيمانِ
والعملِ الصالحِ في بعضِ المواضع ، وأضافَها إلى مجرَّدِ الإيمانِ في بعضٍ
المواضع ، والمرادُ بهِ المقيَّدُ بالعملِ الصالح ، فالملكُ لا يُنالُ بالحديثِ ،
وحركةُ اللسانِ حديثٌ، وعقدُ القلبِ أيضاً حديثٌ ، ولكنَّهُ حديثُ نفسٍ ،
وإنَّما الصدقُ والإخلاصُ وراءَهما ، ولا يُنصبُ سريرُ الملكِ إلا للمقرَّبينَ ،
وهُمُ المخلصونَ .
نعمْ، لمَنْ يقربُ منهُمْ في الرتبةِ مِنْ أصحابِ اليمينِ أيضاً درجاتٌ
عندَ اللهِ تعالىُ وإنْ كانتْ لا تنتهي إلى الملكِ، أما ترى أنَّ اللهَ تعالى لمَّا ذكرَ
في سورة الواقعةِ المقرّبينَ السابقينَ .. تعرَّضَ لسريرِ الملكِ فقالَ: ﴿عَلَى
سُرُرٍ قَوْضُونَةٍ مُتَّكِتِينَ عَلَيْهَا مُتَقَِلِينَ﴾، ولما انتهى إلى أصحابِ اليمينِ ..
ما زادَ على ذكرِ الماءِ والظلِّ والفواكِهِ والأشجارِ والحورِ العينِ ، وكلُّ ذلكَ
منْ لذَّاتِ المنظورِ والمشروبِ والمأكولِ والمنكوحِ ، ويُتصوَّرُ ذلكَ للبهائم
(١) رواه ابن خزيمة في ((التوحيد)) (٥٠٤) من حديث أنس رضي الله عنه مرفوعاً ، ورواه
أبو يعلى في (( مسنده)) ( ٦٢٢٢) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه، والطبراني في
(« الأوسط)) (١٢٥٧) من حديث زيد بن أرقم رضي الله عنه كلاهما مرفوعاً بنحوه .
٢٥٨
ـان
٠٠٠٠٠٠

ربع المنجيات
مـ
كتاب التوحيد والتوكل
ـة
على الدوام ، وأينَ لذَّاتُ البهائم مِنْ لذةِ الملكِ والنزولِ في أعلى عليينَ في
جوارِ ربِّ العالمينَ ؟!
53-
ولوْ كانَ لههذهِ اللذَّاتِ قدْرٌ .. لما وُسِّعَتْ على البهائم، ولما رُفِعَ عنها
درجةُ الملائكةِ .
أفترى أنَّ أحوالَ البهائمِ وهيَ مسيَّةٌ في الرياضِ ، متنعمةٌ بالمياهِ
والأشجار وأصنافِ المأكولاتِ ، متمتعةٌ بالنزوانِ والسفادِ .. أعلى وألذُّ
وأشرفُ وأجدرُ بأنْ تكونَ عندَ ذوي الكمالِ مغبوطةً مِنْ أحوالِ الملائكةِ في
سرورِهِمْ بالقربِ مِنْ جوارِ ربِّ العالمينَ في أعلى عليينَ ؟!
هيهات هيهاتَ! ما أبعدَ عنِ التحصيلِ مَنْ إذا خُيِّرَ بينَ أنْ يكونَ حماراً أوْ
يكونَ في درجةٍ جبريلَ عليهِ السلامُ فيختارُ درجةَ الحمارِ على درجةٍ جبريلَ !
وليسَ يخفى أنَّ شبهَ كلِّ شيءٍ منجذبٌ إليهِ، وأنَّ النفسَ التي نزوعُها إلى
صنعةِ الأساكِفَةِ أكثرُ مِنْ نزوعِها إلى صنعةِ الكتابةِ .. فهوَ بالأساكفةِ أشبهُ في
جوهرِهِ منهُ بالكُتَّابِ(١) ، فكذلكَ مَنْ نزوعُ نفسِهِ إلى نيلِ لذَّاتِ البهائمِ أكثرُ
مِنْ نزوعِها إلى نيلِ لذَّاتِ الملائكةِ .. فهوَ بالبهائم أشبهُ منهُ بالملائكةِ
لا محالةَ، وهؤلاءِ هُمُ الذينَ يُقالُ فِيهِمْ: ﴿أُوْلَئِكَ كَلْأَنْعَمِ بَلَّ هُمْ أَضَلُّ﴾ ،
وإنَّما كانوا أضلَّ لأنَّ الأنعامَ ليسَ في قوَّتِها طلبُ درجةِ الملائكةِ ، فتركُها
(١) تقدم الحديث عن القول بالمشابهة ، والأساكفة : جمع إسكاف ، ويطلق على كل
صانع ، وهو هنا الخراز الذي يعمل في الأحذية .
ته
قتّ.
٢٥٩
كن
حن ون
مصر
ـمسـ

كتاب التوحيد والتوكل
ربع المنجيات
الطلبَ للعجزِ، وأمَّا الإنسانُ .. ففي قوَّتِهِ ذلكَ، والقادرُ على نيلِ الكمالِ
أحرى بالذمِّ وأجدرُ بالنسبةِ إلى الضلالِ مهما تقاعدَ عنْ طلبِ الكمالِ .
وإذا كانَ هذا كلاماً معترضاً .. فلنرجع إلى المقصودِ ، فقدْ بيَّنا معنى
قولٍ : لا إلهَ إلا اللهُ، ومعنى قولِ: لا حولَ ولا قوَّةَ إلا باللهِ، ومَنْ ليسَ
قائلاً بهما عنْ مشاهدةٍ .. فلا يُتصوَّرُ منهُ حالُ التوكلِ .
فإنْ قلتَ : ليسَ في قولِكَ: لا حولَ ولا قوَّةً إلا باللهِ إلا نسبةُ شيئينٍ
إلى اللهِ ، فلو قالَ قائلٌ: السماءُ والأرضُ خلقُ اللهِ . . فهلْ يكونُ ثوابُهُ مثلَ
ثوابِهِ ؟
فأقولُ: لا، لأنَّ الثوابَ على قدْرِ درجةِ المثابِ عليهِ ، ولا مساواةَ بينَ
الدرجتينِ ، ولا يُنظرُ إلى عظمِ السماءِ والأرضِ وصغرِ الحولِ والقوّةِ إِنْ جازَ
وصفُهُما بالصغرِ تجوُّزاً، فليسَتِ الأمورُ بعظمِ الأشخاصِ ، بلْ كلُّ عاميٍّ
يفهمُ أنَّ الأرضَ والسماءَ ليسَتَا مِنْ جهةِ الآدميينَ ، بلْ هما مِنْ خلقِ اللهِ
تعالى ، فأمَّا الحولُ والقوَّةُ .. فقدْ أشكلَ أمرُهُما على المعتزلة والفلاسفةِ
وطوائفَ كثيرةٍ ممَّنْ يدَّعي أنَّهُ يدقُّقُ النظرَ في الرأيِ والمعقولِ حتَّى يشقُّ
الشعْرَ بحدَّةِ نظرِهِ ، فهيَ مهلكةٌ مخطرةٌ، ومزلَّةٌ عظيمةٌ ، هلكَ فيها
الغافلونَ ؛ إذْ أثبتوا لأنفسِهِمْ أمراً ، وهوَ شركٌ في التوحيدِ وإثباتُ خالقٍ
سوى اللهِ تعالى، فمَنْ جاوزَ هذهِ العقبةَ بتوفيقِ اللهِ إِيَّاهُ .. فقدْ علتْ رتبتُهُ،
وعظُمَتْ درجتُهُ ، فهوَ الذي يصدقُ قولُهُ : لا حولَ ولا قوَّةَ إلا باللهِ .
حن
٢٦٠