Indexed OCR Text
Pages 221-240
ربع المنجيات كتاب التوحيد والتوكل حر حن وهوَ يكتبُ على الدوام في قلوبِ البشرِ كلِّهِمْ أصنافَ العلوم ، وكأنَّ لهُ في كلٌّ قلبٍ رأساً ولا رأسَ لهُ ، فقضى منهُ العجبَ وقالَ : نعمَ الرفيقُ العلمُ ، جزاهُ اللهُ عِنِّي خيراً إذِ الآنَ ظهرَ لي صدقُ أنبائِهِ عنْ أوصافِ القلمِ ، فإنِّي أراهُ قلماً لا كالأقلام . فعندَ هذا ودَّعَ العلمَ وشكرَهُ ، وقالَ : قَدْ طالَ مقامي عندَكَ ، ومرادَّتي لكَ، وأنا عازمٌ على أنْ أسافرَ إلى حضرةِ القلمِ فأسألَهُ عنْ شأنِهِ . فسافرَ إليهِ ، وقالَ : ما بالُكَ أيُّها القلمُ تخطُّ على الدوام في القلوبِ مِنَ العلوم ما تبعثُ بهِ الإراداتِ إلى إِشخاصِ القدرةِ وصرفِها إلى المقدوراتِ ؟ فقالَ : لقدْ نسيتَ ما رأيتَ في عالمِ الملكِ والشهادةِ وسمعتهُ مِنْ جواب القلمِ إذْ سألتَهُ فأحالَكَ على اليدِ ؟ قالَ : لا ، قالَ : فجوابي مثلُ جوابِهِ . قالَ : وكيفَ وأنتَ لا تشبهُهُ ؟ قالَ القلمُ : أما سمعتَ أَنَّ اللهَ تعالى خلقَ آدَمَ على صورتِهِ ؟ قالَ : نعمْ ، قالَ : فسلْ عنْ شأني الملقبَ بيمينِ الملِكِ ؛ فإنّي في قبضتِهِ ، هوَ الذي يردِّدُني ، وأنا مقهورٌ مسخِّرٌ ، فلا فرقَ بينَ القلمِ الإلهيُّ وقلمِ الآدميِّ في معنى التسخيرِ ، وإنَّما الفرقُ في ظاهرِ الصورةِ . فقالَ : ومَنْ يمينُ الملِكِ؟ فقالَ القلمُ : أما سمعتَ قولَهُ تعالى : وَالسَّمَوَتُ مَطْوِيَتُ بَِمِينِهِ﴾ قالَ: نعمْ، قالَ : فالأقلامُ أيضاً في قبضةِ يمينِهِ ، هوَ الذي يردِّدُها . ٢٢١ بمن كتاب التوحيد والتوكل ٢٠١٦٠٠٠ ربع المنجيات فسافرَ السالكُ مِنْ حضرةِ القلمِ إلى حضرةِ اليمينِ حتَّى شاهدَهُ ، ورأى مِنْ عجائبهِ ما يزيدُ على عجائبِ القلمٍ ، ولا يجوزُ وصفُّ شيءٍ مِنْ ذلكَ ولا شرحُهُ ، بلْ لا تحوي مجلداتٌ كثيرةٌ عشرَ عَشِيرٍ وصفِهِ ، والجملةُ فيهِ : أنَّهُ يميزٌ لا كالأيمانِ، ويدٌ لا كالأيدي ، وإصبعٌ لا كالأصابع ، فرأى القلمَ محرَّكاً في قبضتِهِ ، فظهرَ لهُ عذرُ القلمِ ، فسألَ اليمينَ عنْ شأنِهِ وتحریکِهِ للقلمِ ، فقالَ : جوابي ما سمعتهُ مِنَ اليمينِ التي رأيتَها في عالمِ الشهادةِ ، وهوَ الحوالةُ على القدرةِ؛ إذِ اليدُ لا حكمَ لها في نفسِها ، وإنَّما محرِّكُها القدرةُ لا محالةٌ . فسافرَ السالكُ إلى عالمِ القدرةِ ، ورأى فيهِ مِنَ العجائبِ ما استحقرَ عندَها ما قبلَهُ ، وسألَها عنْ تحريكِ اليمينِ ، فقالَتْ : إنَّما أنا صفةٌ ، فاسألٍ القادرَ ؛ إذِ العهدةُ على الموصوفاتِ لا على الصفاتِ . . وعندَ هذا كادَ أنْ يزيغَ ويطلقَ بالجرأةِ لسانَ السؤالِ ، فَثُبِّتَ بالقولِ الثابتِ ونُوديَ مِنْ وراءِ حجابِ سرادقاتِ الحضرةِ: ﴿لَا يُسْئَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْتَلُونَ﴾، فغشيَتْهُ هيبةُ الحضرةِ ، فخرَّ صعقاً يضطربُ في غشيتِهِ مدةٌ ، فلمَّا أفاقَ .. قالَ: سبحانَكَ! ما أعظمَ شائَكَ! تبتُ إليكَ(١) ، وتوكلتُ عليكَ(٢)، وآمنتُ بأنَّكَ الملكُ الجبّارُ، الواحدُ القهَّارُ، فلا أخافُ غيرَكَ، ش (١) أي: رجعت عما كنت عازماً عليه في السؤال عن مثل هذه الحقائق. ((إتحاف)) (٤٠٩/٩). (٢) فلا يتم مقام التوكل إلا بعد ملاحظة عظمة شأنه وألوهيته ، والانصراف إليه بكليته . « إتحاف)) (٤٠٩/٩) . ٢٢٢ ٠٬٠٠ ربع المنجيات كتاب التوحيد والتوكل ولا أرجو سواكَ ، ولا أعوذُ إلا بعفوِكَ مِنْ عقائِكَ ، وبرضاكَ مِنْ سخطِكَ ، وما لي إلا أنْ أسألَكَ وأتضرعَ إليكَ وأبتهلَ بينَ يديكَ، فأقولُ : اشرحْ لي صدري لأعرفَكَ ، واحللْ عقدةً مِنْ لساني لأثنيَ عليكَ . ـحن فنُوديَ مِنْ وراءِ الحجابِ : إِيَّاكَ أنْ تطمعَ في الثناءِ ، وتزيدَ على سيِّدِ الأنبياءِ ، بلِ ارجعْ إليهِ، فما آتَاكَ فخذْهُ، وما نهاكَ عنهُ فانتهِ عنهُ، وما قالَهُ فقلْهُ، فإنَّهُ ما زادَ في هذهِ الحضرةِ على أَنْ قالَ: « سبحانَكَ ! لا أحصي ثناءً عليكَ، أنتَ كما أثنيتَ على نفسِكَ))(١). فقالَ : إلهي ؛ إنْ لمْ يكنْ للسانِ جرأةٌ على الثناءِ عليكَ .. فهلْ للقلبِ مطمعٌ في معرفتِكَ ؟ فنُوديَ : إِيَّاكَ وأنْ تتخطى رقابَ الصدِّيقينَ ، فارجعْ إلى الصدِّيقِ الأكبرِ واقتدٍ بهِ، فإنَّ أصحابَ سيِّدِ الأنبياءِ كالنجوم ، بأيُّهِمُ اقتديتُمْ .. اهتديتُمْ(٢)، أما سمعتَهُ يقولُ: (العجزُ عنْ درْكِ الإدراكِ إدراكٌ) ؟ فيكفيكَ (١) رواه مسلم ( ٤٨٦ ). (٢) وقد ورد هذا مرفوعاً، ومن المرفوع ما رواه مسلم (٢٥٣١) من حديث أبي موسى الأشعري رضي الله عنه مرفوعاً: (( النجوم أمنة للسماء، فإذا ذهبت النجوم .. أتى السماء ما توعد، وأنا أمنة لأصحابي ، فإذا ذهبت .. أتى أصحابي ما يوعدون ، وأصحابي أمنة لأمتي ، فإذا ذهب أصحابي .. أتى أمتي ما يوعدون))، وهذا الحديث - كما قال البيهقي في (( الاعتقاد)) (ص٤٣٩) - يؤدي بعض معنى الأثر المشهور : ((أصحابي كالنجوم، بأيهم اقتديتم .. اهتديتم)). ٢٢٣ حن كتاب التوحيد والتوكل ربع المنجيات نصيباً مِنْ حضرتِنا أنْ تعرفَ أنَّكَ محرومٌ عنْ حضرتِنا ، عاجزٌ عنْ ملاحظةِ جمالِنا وجلالِنا . فعندَ هذا رجعَ السالكُ واعتذرَ عنْ أسولتِهِ ومعاتباتِهِ (١) ، وقالَ لليمينِ والقلمِ والعلمِ والإرادةِ والقدرةِ وما بعدَها : اقبلوا عذري ؛ فإنِّي كنتُ غريباً حديثَ العهدِ بالدخولِ في هذهِ البلادِ ، ولكلِّ داخلِ دهشةٌ ، فما كانَ إنكاري عليكُمْ إلا عنْ قصورٍ وجهلٍ ، والآنَ قدْ صحَّ عندي عذرُكُمْ، وانكشفَ لي أنَّ المنفردَ بالملكِ والملكوتِ والعزةِ والجبروتِ .. هوَ الواحدُ القهَّارُ، فما أنتُمْ إلا مسخَّرونَ تحتَ قهرِهِ وقدرتِهِ، مردّدونَ في قضتِهِ ، وهوَ الأوَّلُ والآخرُ ، والظاهرُ والباطنُ . فلمَّا ذكرَ ذلكَ في عالم الشهادةِ .. استُبعدَ منهُ ذلكَ، وقيلَ لهُ : كيفَ يكونُ هوَ الأوَّلَ والآخرَ وهما وصفانٍ متناقضانِ ؟ وكيفَ يكونُ هوَ الظاهرَ والباطنَ والأوَّلُ ليسَ بآخرٍ والظاهرُ ليسَ بباطنِ ؟ فقالَ : هوَ الأوَّلُ بالإضافةِ إلى الموجوداتِ ؛ إذْ صدرَ منهُ الكلُّ على ترتيبهٍ واحداً بعدَ واحدٍ ، وهوَ الآخرُ بالإضافةِ إلى سيرِ المسافرينَ إليهِ ؛ فإنَّهُمْ لا يزالونَ مترِقِينَ مِنْ منزلٍ إلى منزلٍ إلى أنْ يقعَ الانتهاءُ إلى تلكَ الحضرةِ ، فيكونَ ذلكَ آخرَ السفرِ ، فهوَ آخرٌ في المشاهدةِ ، أوَّلٌ في الوجودِ . (١) كذا في جميع النسخ: ( أسولته)، وأسولة : جمع سُؤَال بتسهيل الهمزة ، وهو جمع صحيح ، حكاه ابن جني . ٢٢٤ حر ربع المنجيات كتاب التوحيد والتوكل وهوَ باطنٌ بالإضافةِ إلى العاكفينَ في عالمِ الشهادةِ ، الطالبينَ لإدراكِهِ بالحواسِّ الخمسِ ، ظاهرٌ بالإضافةِ إلى مَنْ يطلبُهُ في السراج الذي اشتعلَ في قلبهِ بالبصيرةِ الباطنةِ النافذةِ في عالمِ الملكوتِ (١). فهذا كانَ توحيدَ السالكينَ لطريقِ التوحيدِ في الفعلِ ؛ أعني : مَنِ انكشفَ لهُ أنَّ الفاعلَ واحدٌ . فإنْ قلتَ : فقدِ انتهى هذا التوحيدُ إلى أنْ يُبتنى على الإيمانِ بعالمٍ الملكوتِ ، فمَنْ لا يفهمُ ذلكَ أوْ يجحدُهُ .. فما طريقُهُ ؟ فأقولُ: أمَّا الجاحدُ .. فلا علاجَ لهُ إلا أنْ يُقالَ لهُ: إنكارُكَ لعالمٍ الملكوتِ كإنكارِ السُّمَنيَّةِ لعالمِ الجبروتِ(٢)، وهُمُ الذينَ حصروا العلومَ في الحواسِّ الخمسِ ، فأنكروا القدرةَ والإرادةَ والعلمَ؛ لأنَّها لا تُدركُ بالحواسِّ الخمسِ ، ولازموا حضيضَ عالمٍ الشهادةِ . فإنْ قالَ : وأنا منهُمْ ؛ فإنِّي لا أهتدي إلا إلى عالمِ الشهادةِ بالحواسِّ الخمسِ ، ولا أعلمُ شيئاً سواهُ .. فيُقالُ: إنكارُكَ لما شاهدناهُ ممَّا وراءَ (١) وقد اعتُرض على المصنف بسياقه لههذه الحكاية بجملة من الأسئلة والإشكالات ، أجاب عنها في ((إملائه)) بما لا غنى لمن قصُرَ فهمه للعبائر هنا عنه . (٢) السمنية: بضم السين وفتح الميم المخففة ، نسبة إلى صنم عند الهنود يقال له : سومنات ، وقد اندثر ، وهم قوم من عبدة الأوثان قائلون بالتناسخ ، وبأنه لا طريق للعلم سوى الحس فقط. انظر «كشاف اصطلاحات الفنون والعلوم)) ( ١ / ٩٧٦ ) . ٢٢٥ ـدنـ كتاب التوحيد والتوكل ربع المنجيات ـحن الحواسِّ الخمسِ كإنكارِ السوفسطائيةِ للحواسِّ الخمسِ (١)؛ فإنَّهُمْ قالوا: ما نراهُ لا نثُ بهِ ، فلعلَّنا نراهُ في المنامِ ! فإنْ قالَ : وأنا مِنْ جملتِهِمْ ؛ فإنِّي شاكٌ أيضاً في المحسوساتِ .. فيُقالُ : هذا شخصٌ فسدَ مزاجُهُ ، وامتنعَ علاجُهُ ، فيُتركُ أياماً قلائلَ ، فلا كلٌّ مريضٍ يقوى على علاجِهِ الأطباءُ . هذا حكمُ الجاحدِ . وأمَّا الذي لا يجحدُ، ولكنْ لا يفهمُ .. فطريقُ السالكينَ معَهُ أنْ ينظروا إلى عينِهِ التي بها يشاهدُ عالمَ الملكوتِ ، فإنْ وجدوها صحيحةً في الأصلِ ، وقدْ نزلَ فيها ماءٌ أسودُ يقبلُ الإزالةَ والتنقيةَ .. اشتغلوا بتنقيتِهِ اشتغالَ الكخَّالِ بالأبصارِ الظاهرة ، فإذا استوىُ بصرُهُ .. أُرشدَ إلى الطريقِ ليسلكَهُ، كما فعلَ ذلكَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ بخواصِّ أصحابِهِ (٢) . وت وإنْ كانَ غيرَ قابل للعلاج ، فلمْ يمكنْهُ أنْ يسلكَ الطريقَ الذي ذكرناهُ في التوحيدِ ، ولمْ يمكنْهُ أَنْ يسمعَ كلامَ ذرَّاتِ الملكِ والملكوتِ بشهادةٍ التوحيدِ .. كلَّموهُ بحرفٍ وصوتٍ ، وردُّوا ذروةَ التوحيدِ إلى حضيضٍ ـين (١) السوفسطائية : فرقة ينكرون الحسيات والبديهيات والضروريات، فلم يكتفوا بما أنكره السمنية، بل زادوا عليها إنكار مدرك الحس، وهم على طوائف . انظر ((كشاف إصطلاحات الفنون والعلوم)) ( ١ / ٩٥٧ ) . (٢) أزال بنظره إليهم العلل الباطنة، فأشرقت الأنوار في صدورهم وأعينهم ، ثم أرشدهم. («إتحاف)) (٤١٨/٩) . ٢٢٦ ــن حرز كتاب التوحيد والتوكل حن ربع المنجيات فهمِهِ ، فإنَّ في عالم الشهادةِ أيضاً توحيداً ؛ إذْ يعلمُ كلُّ أحدٍ أنَّ المنزلَ يفسدُ بصاحبينِ ، والبلدَ يفسدُ بأميرينٍ، فيُقالُ لهُ على حدِّ عقلِهِ: إلهُ العالم واحدٌ ، والمدبّرُ واحدٌ؛ إذْ لَوْ كانَ فيهما آلهةٌ إلا اللهُ .. لفسدتا، فيكونُ ذلكَ على ذوقِ ما رآهُ في عالمِ الشهادةِ ، فينغرسُ اعتقادُ التوحيدِ في قلبهِ بهذا الطريقِ اللائقِ بقدْرِ عقلِهِ، وقدْ كُلِّفَ الأنبياءُ أنْ يكلِّموا الناسَ على قدْرِ عقولِهِمْ، ولذلكَ نزلَ القرآنُ بلسانِ العربِ وعلى حدّ عادتِهِمْ في المحاورة . فإِنْ قلتَ : فمثلُ هذا التوحيدِ الاعتقاديِّ هلْ يصلحُ أنْ يكونَ عماداً للتوكُّلِ وأصلاً فيهِ ؟ فأقولُ: نعمْ، فإنَّ الاعتقادَ إذا قويَ .. عمِلَ عمَلَ الكشفِ في إثارةِ الأحوالِ ، إلا أنَّهُ في الغالبِ يضعفُ ويتسارعُ إليهِ الاضطرابُ والتزلزلُ غالباً ، ولذلكَ يحتاجُ صاحبُهُ إلى متكلُّمِ يحرسُهُ بكلامِهِ ، أَوْ إلى أنْ يتعلَّمَ هوَ الكلامَ ليحرسَ بهِ العقيدةَ التي تلقَّفَها مِنْ أستاذِهِ أَوْ مِنْ أبويهِ أوْ مِنْ أَهلِ بلده . وأمَّا الذي شاهدَ الطريقَ وسلكَهُ بنفسِهِ .. فلا يُخافُ عليهِ شيءٌ مِنْ ذلكَ، بلْ لوْ كُشِفَ الغطاءُ .. لما ازدادَ يقيناً وإنْ كانَ يزدادُ وضوحاً ، كما أنَّ الذي يرى إنساناً في وقتِ الإسفارِ لا يزدادُ يقيناً عندَ طلوع الشمسِ بأنَّهُ ٢٢٧ كتاب التوحيد والتوكل ربع المنجيات إنسانٌ ، ولكنْ يزدادُ وضوحاً في تفصيلٍ خلقتِهِ . G وما مثالُ المكاشفينَ والمعتقدينَ إلا كسحرة فرعونَ معَ أصحابِ السامريِّ ، فإنَّ سحرةَ فرعونَ لمَّا كانوا مطلعينَ على منتهى تأثيرِ السحرِ لطولٍ مشاهدتِهِمْ وتجربتِهِمْ ، فرأَوا مِنْ موسى عليهِ السلامُ ما جاوزَ حدودَ السحرِ .. انكشفَ لهُمْ حقيقةُ الأمرِ ، فلمْ يكترثوا بقولِ فرعونَ : (لأقطعَنَّ أيديَكُمْ وأرجلَكُمْ منْ خلافٍ )، بلْ قالوا : ( لنْ نؤثرَكَ على ما جاءَنا منَ البَيِّئَاتِ والذي فطرَنا فاقضٍ ما أنتَ قاضٍ إنَّما تقضي هذهِ الحياةَ الدنيا ) ؛ فإِنَّ البيانَ والكشفَ يمنعُ التغييرَ . ٢ ٠٨ 2 وأمَّا أصحابُ السامريِّ لمَّا كانَ إيمانُهُمْ عنِ النظرِ إلى ظاهرِ الثعبانِ ، فلمَّا نظروا إلى عجلِ السامريِّ وسمعوا خوارَهُ .. تغيَّروا وسمعوا قولَهُ : ( هذا إلهُكُمْ وإلهُ موسى) ، ونسوا أنَّهُ لا يرجعُ إليهم قولاً، ولا يملكُ لهُمْ ضرّاً ولا نفعاً . فكلُّ مَنْ آمنَ بالنظرِ إلى ثعبانٍ يكفرُ - لا محالةَ - إذا نظرَ إلى عجلٍ؛ لأنَّ كليهِما مِنْ عالمٍ الشهادةِ ، والاختلافُ والتضادُّ في عالمِ الشهادةِ كثيرٌ . وأمَّا عالمُ الملكوتِ .. فهوَ مِنْ عندِ اللهِ تعالى، فلذلكَ لا تجدُ فيهِ اختلافاً وتناقضاً أصلاً . فإِنْ قلتَ : ما ذكرتَهُ مِنَ التوحيدِ ظاهرٌ مهما ثبتَ أنَّ الوسائطَ والأسبابَ ٢٢٨ ربع المنجيات كتاب التوحيد والتوكل مسخراتٌ، وكلُّ ذلكَ ظاهرٌ إلا في حركاتِ الإنسانِ ، فإنَّهُ يتحرَّكُ إنْ شاءَ ، ويسكنُ إنْ شاءَ، فكيفَ يكونُ مسخّراً ؟(١). فاعلمْ: أَنَّهُ لَوْ كانَ معَ هذا يشاءُ إنْ أرادَ أنْ يشاءَ ، ولا يشاءُ إنْ لمْ يردْ أنْ يشاءَ .. لكانَ هذا مزلَّةَ القدم وموقعَ الغلطِ ، ولكنِ اعلمْ أنَّهُ يفعلُ ما يشاءُ إذا شاءَ، ويشاءُ شاءَ أمْ لمْ يشأُ، فليسَتِ المشيئةُ إليهِ ؛ إذْ لوْ كانَتْ إليهِ .. لافتقرَتْ إلى مشيئةٍ أخرى، وتسلسلَ إلى غيرِ نهايةٍ ، وإذا لمْ تكنِ المشيئةُ إليهِ ؛ فمهما وُجدَتِ المشيئةُ التي تصرفُ القدرةَ إلى مقدورِها .. انصرفَتِ القدرةُ لا محالةً ، ولمْ يكنْ لها سبيلٌ إلى المخالفةِ ، فالحركةُ لازمةٌ ضرورةٌ بالقدرةِ ، والقدرةُ محركةٌ ضرورةً عندَ انجزام المشيئةِ ، والمشيئةُ تحدثُ ضرورةً في القلبِ ، فهذهِ ضروراتٌ ترتبَ بعضُها على بعضٍ ، وليسَ للعبدِ أنْ يدفعَ وجودَ المشيئةِ ولا انصرافَ القدرةِ إلى المقدورِ بعدَها ، ولا وجودَ الحركةِ بعدَ بعثِ المشيئةِ للقدرةِ ، فهوَ مضطرٌّ في الجميعِ . فإنْ قلتَ : فهذا جبرٌ محضٌ، والجبرُ يناقضُ الاختيارَ، وأنتَ لا تنكرُ الاختيارَ ، فكيفَ يكونُ مجبوراً مختاراً ؟ فأقولُ: لوِ انكشفَ الغطاءُ .. لعرفتَ أنَّهُ في عينِ الاختيارِ مجبورٌ ، فهوَ إذاًّ مجبورٌ على الاختيارِ ، فكيفَ يفهمُ هذا مَنْ لا يفهمُ الاختيارَ ؟ (١) والتسخير يناقض الاختيار . ٢٢٩ كتاب التوحيد والتوكل ربع المنجيات حن فلنشرح الاختيارَ بلسانِ المتكلِّمينَ شرحاً وجيزاً يليقُ بما ذُكِرَ متطفلاً وتابعاً ، فإنَّ هذا الكتابَ لمْ نقصدْ بهِ إلا علمَ المعاملةِ ، ولكنِّي أقولُ : لفظُ الفعلِ في الإنسانِ يُطلقُ على ثلاثةِ أوجهٍ ؛ إذْ يُقالُ : الإنسانُ يكتبُ بالأصابع ، ويتنفَّسُ بالرئةِ والحَنْجَرةِ ، ويخرقُ الماءَ إذا وقفَ عليهِ بجسمِهِ ، فيُسبُ إليهِ الخرقُ في الماءِ ، والتنفسُ ، والكتابةُ ، وهذهِ الثلاثةُ في حقيقةٍ الاضطرارِ والجبرِ واحدٌ ، ولكنَّها تختلفُ وراءَ ذلكَ في أمورٍ ، فَأُعرِبَ لذلكَ عنها بثلاثِ عباراتٍ ، فسُمِّيَ خرقُهُ للماءِ عندَ وقوعِهِ على وجهِهِ فعلاً طبيعياً ، ويُسمَّى تنفسُهُ فعلاً إرادياً، وسُمِّيَتْ كتابتُهُ فعلاً اختيارياً . والجبرُ ظاهرٌ في الفعلِ الطبيعيِّ؛ لأنَّهُ مهما وقفَ على وجهِ الماءِ أُوْ تخطّى مِنَ السطح الهواءَ .. انخرقَ لا محالةَ، فيكونُ الخرقُ بعدَ التخطِّي ضرورياً . والتنفّسُ في معناهُ، فإنَّ نسبةَ حركةِ الحَنْجَرةِ إلى إرادةِ التنفُسِ كنسبةٍ انخراقِ الماءِ إلى ثقلِ البدنِ ، فمهما كانَ الثقلُ موجوداً .. وُجِدَ الانخراقُ بعدَهُ، وليسَ الثقلُ إليهِ ، فكذلكَ الإرادةُ ليسَتْ إليهِ ، ولذلكَ لوْ قصدَ عِينَ الإنسانِ بإبرةٍ .. طبقَ الأجفانَ اضطراراً، ولوْ أرادَ أنْ يتركها مفتوحةً .. لمْ يقدرْ معَ أنَّ تغميضَ الأجفانِ فعلٌ إراديٌّ ، ولكنَّهُ إذا تمثَّلَ صورةَ الإبرةِ في مشاهدتِهِ بالإدراكِ .. حدثَتِ الإرادةُ للتغميضِ ضرورةً ، وحدثَتِ الحركةُ بها ، ولوْ أرادَ أنْ يترِكَ التغميضَ .. لمْ يقدرْ عليهِ، معَ أنَّهُ فعلٌ بالقدرةِ والإرادةِ ؛ فقدِ التحقَ هذا بالفعلِ الطبيعيِّ في كونِهِ ضرورياً . ـمن عن من ٢٣٠ ت ar In ربع المنجيات كتاب التوحيد والتوكل وأمَّا الثالثُ وهوَ الاختياريُّ .. فهوَ مظنَّةُ الالتباسِ ، كالكتابةِ والنطقِ ، وهوَ الذي يُقالُ فيهِ: إنْ شاءَ .. فعلَ، وإنْ شاءَ .. لمْ يفعلْ، وتارةً يشاءُ وتارةً لا يشاءُ ، فيُظنُّ مِنْ هُذا أنَّ الأمرَ إليهِ، وهوَ للجهلِ بمعنى الاختيارِ ، فلنكشف عنهُ . وبيانُهُ : أَنَّ الإرادةَ تبعٌ للعلمِ الذي يحكمُ بأنَّ الشيءَ موافقٌ لكَ ، والأشياءُ تنقسمُ إلى ما تحكمُ مشاهدتُكَ الظاهرةُ أوِ الباطنةُ بأنَّهُ يوافقُكَ مِنْ غيرِ تحيّرٍ وترذُّدٍ ، وإلى ما قدْ يتردّدُ العقلُ فيهِ . فالذي تقطعُ بهِ مِنْ غيرِ تردُّدٍ أَنْ تُقْصَدَ عينُكَ مثلاً بإبرةٍ أَوْ بدنُكَ بسيفٍ ، فلا يكونُ في علمِكَ تردُّدٌ في أنَّ دفعَ ذلكَ خيرٌ لكَ وموافقٌ ، فلا جرمَ تنبعثُ الإرادةُ بالعلمِ ، والقدرةُ بالإرادةِ ، وتحصلُ حركةُ الأجفانِ بالدفع ، وحركةٌ اليدِ بدفع السيفِ ، وذلكَ مِنْ غيرِ رويَّةٍ وفكرةٍ ، ويكونُ ذلكَ بالإرادةِ . ومِنَ الأشياءِ ما يتوقَّفُ التمييزُ والعقلُ فيهِ ، فلا يُدرىُ أنَّهُ موافقٌ أمْ لا ، فيحتاجُ إلى رويَّةٍ وفكرٍ حتَّى يتبيَّنَ أنَّ الخيرَ في الفعلِ أوِ التركِ ، فإذا حصلَ بالفكرِ والرويَّةِ العلمُ بأنَّ أحدَهُما خيرٌ .. التحقَ ذلكَ بالذي يُقطعُ بهِ مِنْ غيرِ رويَّةٍ وفكرٍ ، وانبعثَتِ الإرادةُ ههنا كما تنبعثُ لدفع السيفِ والسنانِ ، فإذا انبعثَتْ لفعلٍ ما ظهرَ للعقلِ أنَّهُ خيرٌ .. سُمِّيَتْ هذهِ الإرادةُ اختياراً ؛ مشتقاً مِنَ الخيرِ ؛ أيْ : هوَ انبعاثٌ إلى ما ظهرَ للعقلِ أنَّهُ خيرٌ ، وهوَ عينُ تلكَ الإرادةِ ، ولمْ ينتظرْ في انبعاثِها إلا ما انتظرَتْ تلكَ الإرادةُ، وهوَ ظهورُ ـجو ٢٣١ حن دن كتاب التوحيد والتوكل ربع المنجيات خيريَّةِ الفعلِ في حقَّهِ ، إلا أنَّ الخيريَّةَ في دفع السيفِ ظهرَتْ مِنْ غيرِ رويَّةٍ ، بلْ على البديهةِ ، وهذا افتقرَ إلى الرويَّةِ . فالاختيارُ عبارةٌ عنْ إرادةٍ خاصَّةٍ ، وهيَ التي انبعثَتْ بإشارةِ العقلِ فيما لهُ في إدراكِهِ توقُّفٌ، وعنْ هذا قيلَ : إنَّ العقلَ يُحتاجُ إليهِ للتمييزِ بينَ خيرٍ الخيرينِ وشرِّ الشرينِ، ولا يُتصوَّرُ أنْ تنبعثَ الإرادةُ إلا بحكمِ الحسِّ والتخييلِ ، أوْ بحكمٍ جزمٍ مِنَ العقلِ ، ولذلكَ لوْ أرادَ الإنسانُ أنْ يحزَّ رقبةً نفسِهِ مثلاً .. لمْ يمكنْهُ، لا لعدم القدرةِ في اليدِ ، ولا لعدم السكينِ ، ولكنْ لفقدِ الإرادةِ الداعيةِ المشخصةِ للقدرةِ ، وإنَّما فُقَدَتِ الإرادةُ لأنَّها تنبعثُ بحكم العقلِ أوِ الحسِّ بكونِ الفعلِ موافقاً ، وقتلُهُ نفسَهُ ليسَ موافقاً لهُ ، فلا يمكنُهُ معَ قوَّةِ الأعضاءِ أنْ يقتلَ نفسَهُ إلا إذا كانَ في عقوبةٍ مؤلمةٍ لا تُطاقُ ، فإنَّ العقلَ ههنا يتوقَّفُ في الحكمِ ويتردّدُ ؛ لأنَّهُ تردُّدٌ بينَ شرِّ الشّرَّينِ ، فإنْ ترجَّحَ لهُ بعدَ الرويَّةِ أنَّ تركَ القتلِ أقلُّ شرّاً .. لمْ يمكنْهُ قتلُ نفسِهِ، وإنْ حكمَ بأنَّ القتلَ أقلُّ شرّاً ، وكانَ حكمُهُ جزماً لا ميلَ فيهِ ولا صارفَ عنهُ .. انبعثَتِ الإرادةُ والقدرةُ وأهلكَ نفسَهُ ؛ كالذي يُتْبِعُ بالسيفِ للقتلِ ، فإنَّهُ يرمي بنفسِهِ مِنَ السطح مثلاً وإنْ كانَ مهلكاً ولا يبالي ، ولا يمكنُهُ ألا يرميَ نفسَهُ، وإنْ كانَ يُتْبِعُ بضربٍ خفيفٍ ؛ فإنِ انتهى إلى طرفِ السطح .. حكمَ العقلُ بأنَّ الضربَ أهونُ مِنَ الرمي ، فوقفَتْ أعضاؤُهُ ، فلا يمكنُهُ أَنْ يرميَ نفسَهُ ، ولا تنبعثُ لهُ داعيةٌ ألبتةَ؛ لأنَّ داعيةَ الإرادةِ مسخّرةٌ لحكم العقلِ والحسِّ ، والقدرةُ مسخّرةٌ للداعيةِ ، والحركةُ مسخَّرةٌ للقدرةِ ، والكلُّ يصدرُ بالضرورةِ ٢٣٢ ربع المنجيات كتاب التوحيد والتوكل فيهِ مِنْ حيثُ لا يدري ، فإنَّما هوّ محلٌّ ومجرى لههذهِ الأمور ، فأمَّا أنْ يكونَ ـنه .. فكلا ولا . فإذاً ؛ معنى كونِهِ مجبوراً : أنَّ جميعَ ذلكَ حاصلٌ فيهِ مِنْ غيرِهِ لا منهُ ، ومعنى كونِهِ مختاراً: أنَّهُ محلٌّ لإرادةٍ حدثَتْ فيهِ جبراً بعدَ حكمِ العقلِ بكونٍ الفعلِ خيراً محضاً موافقاً ، وحدثَ الحكمُ أيضاً جبراً ، فإذاً هوَ مجبورٌ على الاختيارِ ، ففعلُ النارِ في الإحراقِ مثلاً جبرٌ محضٌ ، وفعلُ اللهِ تعالى اختيارٌ محضٌ ، وفعلُ الإنسانِ على منزلةٍ بينَ المنزلتينِ ، فإنَّهُ جبرٌ على الاختيارِ ، فطلبَ أهلُ الحقِّ لهذا عبارةً ثالثةً لما كانَ فنّاً ثالثاً، وتيمَّنوا فيهِ بكتابِ اللهِ تعالى(١) ، فسمَّوهُ: كسباً، وليسَ مناقضاً للجبرِ ولا للاختيارِ ، بلْ هوّ جامعٌ بينَهُما عندَ مَنْ فهمَهُ . وفعلُ اللهِ تعالى يُسمَّى اختياراً بشرطِ ألا يُفهمَ مِنَ الاختيارِ إرادةٌ بعدَ تحيثٍُّ وتردُّدٍ ، فإنَّ ذلكَ في حقِّه محالٌ ، وجميعُ الألفاظِ المذكورةِ في اللغاتِ لا يمكنُ أنْ تُستعملَ في حقِّ اللهِ تعالى إلا على نوع مِنَ الاستعارةِ والتجوُّزِ ، ے وذكرُ ذلكَ لا يليقُ بهذا العلمِ ، ويطولُ القولُ فيهِ . فإنْ قلتَ : فهلْ تقولُ إِنَّ العلمَ وَلَّدَ الإرادةَ، والإرادةَ ولَّدَتِ القدرةَ ، (١) في قوله عز شأنه: ﴿لَا يُكَلِّفُ اَللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا أَكْتَسَبَتْ﴾ ، ومن تمسك بلفظ الاختيار .. لم يعب عليه . ٢٣٣ كتاب التوحيد والتوكل ربع المنجيات والقدرةَ ولَّدَتِ الحركةَ، وإنَّ كلَّ متأخِّرٍ حدثَ مِنَ المتقدِّم ؟ فإنْ قلتَ ذلكَ .. فقدْ حكمتَ بحدوثِ شيءٍ لا مِنْ قدرةِ اللهِ تعالى ، وإِنْ أبيتَ ذلكَ .. فما معنى ترتُّبِ البعضِ مِنْ هذا على البعضٍ ؟ ٥ فاعلم : أنَّ القول بأنَّ بعضَ ذلكَ حدثَ عنْ بعضٍ جهلٌ محضٌ ، سواءٌ عُبِّرَ عنهُ بالتولُّدِ أوْ بغيرِهِ (١)، بلْ حوالةُ جميع ذلكَ على المعنى الذي يُعبَّرُ عنهُ بالقدرةِ الأزليّةِ ، وهوَ الأصلُ الذي لمْ يقفْ كافَّةُ الخلقِ عليهِ إلا الراسخون في العلم فإنَّهُمْ وقفُوا على كنهِ معناهُ ، والكافةُ وقفُوا على مجرَّدٍ لفظِهِ معَ نوعٍ تشبيهٍ بقدرتِنا ، وهوَ بعيدٌ عنِ الحقِّ ، وبيانُ ذلكَ يطولُ ، ولكنْ بعضُ المقدوراتِ مترتَّةٌ على البعض في الحدوثِ ترتُّبَ المشروطِ على الشرطِ ، فلا تصدرُ مِنَ القدرةِ الأزليَّةِ إرادةٌ إلا بعدَ علمٍ ، ولا علمٌ إلا بعدَ حياةٍ ، ولا حياةٌ إلا بعدَ محلٌّ للحياةِ . وكما لا يجوزُ أنْ يُقالَ : الحياةُ حصلَتْ مِنَ الجسم الذي هوَ شرطٌ الحياةِ .. فكذلكَ في سائرٍ درجاتِ الترتيبِ ، ولكنْ بعضُ الشروطِ مما ظهرَ للعامَّةِ ، وبعضُها لمْ يظهر إلا للخواصِّ المكاشفينَ بنورِ الحقِّ، وإلا .. فلا يتقدَّمُ متقدُّمٌ ولا يتأخَّرُ متأخِّرٌ إلا بالحقِّ واللزوم ، وكذلكَ جميعُ أفعالِ اللهِ (١) والذين عبَّرُوا عنه بالتولّد وهم زعماء القائلين به في الفرق الإسلامية هم المعتزلة ، وهذه التحريجة وجوابها تمهيد للحديث عن العبارة المشهورة التي فاه بها المصنف : ( ليس في الإمكان أبدع مما كان ) . بونى حر ٢٣٤ ربع المنجيات وووي كتاب التوحيد والتوكل مدن تعالى ، ولولا ذلكَ .. لكانَ التقديمُ والتأخيرُ عبئاً يضاهي فعلَ المجانينِ ، تعالى اللهُ عنْ قولِ الجاهلينَ علوّاً كبيراً . ـتن حزم. وإلى هذا أشارَ قولُهُ تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَوَتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لَعِينَ مَا خَلَقْتَهُمَّا إِلَّا بِالْحَقِّ﴾. فكلُّ ما بينَ السماءِ والأرضِ حادثٌ على ترتيبٍ واجبٍ وحقٌّ لازمٍ ، ولا يُتصوَّرُ أنْ يكونَ إلا كما حدثَ، وعلى الترتيب الذي وُجدَ، فما تأخّرَ متأخّرٌ إلا لانتظارِ شرطِهِ ، والمشروطُ قبلَ الشرطِ محالٌ ، والمحالُ لا يُوصفُ بكونِهِ مقدوراً(١) ، فلا يتأخَّرُ العلمُ عنِ النطفةِ إلا لفقدٍ شرطٍ الحياة، ولا تتأخَّرُ عنها الإرادةُ بعدَ العلمِ إلا لفقدٍ شرطِ العلمِ ، وكلُّ ذلكَ على منهاج الواجبٍ وترتيبِ الحقِّ ، ليسَ في شيءٍ مِنْ ذلكَ لعبٌّ واتفاقٌ ، بلْ كلُّ ذلكَ بحكمةٍ وتدبيرٍ . 3 وتفهيمُ ذلكَ عسيرٌ ، ولكنَّا نضربُ لتوقُّفِ المقدورِ معَ وجودِ القدرةِ على وجودِ الشرطِ مثالاً يقرِّبُ مبادىءَ الحقِّ مِنَ الأفهام الضعيفةِ، وذلكَ بأنْ تقدِّرَ إنساناً مُحْدِثاً قدِ انغمسَ في الماءِ إلى رقبتِهِ ، فالحدثُ لا يرتفعُ عنْ أعضائِهِ وإنْ كانَ الماءُ هوَ الرافعَ وهوَ ملاقٍ لهُ ، فقدْرُ القدرةِ الأزليَّةِ حاضرةٌ ملاقيةٌ للمقدوراتِ متعلِّقةٌ بها ملاقاةَ الماءِ للأعضاءِ ، ولكنْ لا يحصلُ بها المقدورُ (١) فلا يقال: إنه داخل في الإمكان، ولو شاء الله .. لأوجده وأبدعه؛ إذ القدرة لا تعلُّق لها بالمستحيل ، والمشروط يستحيل تصور وقوعه قبل شرطه ، ولا يجب بعد شرطه ، فهو ممكن في ذاته ، وكلام المصنف هنا هيئمة لما سيأتي تفصيله . ٢٣٥ محن كتاب التوحيد والتوكل ربع المنجيات كما لا يحصلُ رفعُ الحدثِ بالماءِ انتظاراً للشرطِ ، وهوَ غسلُ الوجهِ ، فإذا وضعَ الواقفُ في الماءِ وجهَهُ على الماءِ .. عملَ الماءُ في سائرِ الأعضاءِ وارتفعَ الحدثُ ، فربَّما يظنُّ الجاهلُ أنَّ الحدثَ ارتفعَ عنِ اليدِ برفعِهِ عنِ الوجهِ ؛ لأنَّهُ حدثَ عَقِيبَهُ ، إذْ يقولُ : كانَ الماءُ ملاقياً ولمْ يكنْ رافعاً ، والماءُ لمْ يتغيَّرْ عمّا كانَ، فكيفَ حصلَ منهُ ما لمْ يحصلْ مِنْ قبلُ ؟! بلْ حصلَ ارتفاعُ الحدثِ عنِ اليدِ عندَ غسلِ الوجهِ (١) ، فإذاً غسلُ الوجهِ هوَ الرافعُ للحدثِ عنِ الیدِ ! وهوَ جهلٌ يضاهي ظنَّ مَنْ يظنُّ أنَّ الحركةَ تحصلُ بالقدرةِ ، والقدرةَ بالإرادةِ ، والإرادةَ بالعلم ، وكلُّ ذلكَ خطأٌ ، بلْ عندَ ارتفاع الحدثِ عنِ الوجهِ ارتفعَ الحدثُ عنِ اليدِ بالماءِ الملاقي لها ، لا بغسلِ الوجهِ ، والماءُ لمْ يتغيَّرْ ، واليدُ لمْ تتغيَّرْ ، ولمْ يحدثْ فيهِما شيءٌ، ولكنْ حدثَ وجودُ الشرطِ، فظهرَ أثرُ العلَّةِ (٢). :159 (١) أي - والكلام على لسان المعترض -: (بل حصل ارتفاع الحدث عن اليد بغسل الوجه )، إذ حصوله عنده لا به هو ما سيقرره المصنف ، فالمراد بالعندية هنا عند المعترض : العلِّية . (٢) وقد تبيَّن بهذا المثال بأن السابق ليس مؤثراً في اللاحق، فتأخّر اللاحق عنه لا يدل قطعاً على تولُّده من السابق ، بل هي قضية شرط ومشروط، يقول المصنف في (( الاقتصاد )) (ص٢٨٠): ( ومعلوم أنه يلزم من عدم الشرط عدمُ المشروط ، فإذا رأينا علْمَ الشخص مع حياته ، وإرادته مع علمه .. فيلزم - لا محالة - من تقدير انتفاء الحياة انتفاءُ العلم، ومن تقدير انتفاء العلم انتفاءُ الإرادة ، ويعبّر عن هذا بالشرط ، وهو الذي لا بد منه لوجود الشيء ، ولكن ليس وجود الشيء به ، بل عنده ومعه ) . ٢٣٦ ربع المنجيات كتاب التوحيد والتوكل فهكذا ينبغي أنْ تفهمَ صدورَ المقدوراتِ مِنَ القدرةِ الأزليَّةِ معَ أنَّ القدرةَ قديمةٌ والمقدوراتِ حادثةٌ ، وهذا قرعُ بابٍ آخرَ لعالمٍ آخرَ مِنْ عوالمٍ المكاشفاتِ . فلنتركْ جميعَ ذلكَ ؛ فإنَّ مقصودَنا التنبيهُ على طريقِ التوحيدِ في الفعلِ ، فإنَّ الفاعلَ بالحقيقةِ واحدٌ ، فهوَ المخُوفُ والمرجوُّ ، وعليهِ التوُّلُ والاعتمادُ ، ولمْ نقدر على أنْ نذكرَ مِنْ بحارِ التوحيدِ إلا قطرةٌ مِنْ بحرِ المقام مے الثالثِ مِنْ مقاماتِ التوحيدِ ، واستيفاءُ ذلكَ في عمرٍ نوح محالٌ ؛ كاستيفاءِ ماءِ البحرِ بأخذِ القطراتِ منهُ، وكلُّ ذلكَ ينطوي تحتَ قولِكَ: (لا إلهَ إلا اللهُ)، وما أخفَّ مؤنتَهُ على اللسانِ ! وما أسهلَ اعتقادَ مفهوم لفظِهِ على القلبِ ! وما أعزَّ حقيقتَهُ ولبَّهُ عندَ العلماءِ الراسخينَ في العلمِ ! فكيفَ عندَ غيرِهِمْ ؟! فإنْ قلتَ : فكيفَ الجمعُ بينَ التوحيدِ والشرع ومعنى التوحيدِ أنْ لا فاعلَ إلا اللهُ تعالى ومعنى الشرع إثباتُ الأفعالِ للعبادِ ؟ فإنْ كانَ العبدُ فاعلاً .. فكيفَ يكونُ اللهُ تعالى فاعلاً؟ وإنْ كانَ اللهُ تعالى فاعلاً .. فكيفَ يكونُ العبدُ فاعلاً ؟ ومفعولٌ بينَ فاعلينِ غيرُ مفهومٍ ؟ فأقولُ : نعمْ ، ذلكَ غيرُ مفهوم إذا كانَ للفاعلِ معنىٌ واحدٌ ، وإنْ كانَ لهُ معنيانٍ ويكونُ الاسمُ مجملاً مردّداً بينَهُما .. لمْ يتناقضْ، كما يُقالُ: قتلَ الأميرُ فلاناً ، ويُقالُ قتلَهُ الجلادُ، ولكن الأميرُ قاتلٌ بمعنىً، والجلادُ قاتلٌ ٢٣٧ كتاب التوحيد والتوكل ربع المنجيات 0 بمعنىّ آخرَ ؛ فكذلكَ العبدُ فاعلٌ بمعنىَ، واللهُ عزَّ وجلَّ فاعلٌ بمعنى آخرَ ، فمعنى كونِ اللهِ تعالىُ فاعلاً : أنَّهُ المخترعُ الموجدُ ، ومعنى كونِ العبدِ فاعلاً : أنَّهُ المحلُّ الذي خلقَ فيهِ القدرةَ بعدَ أنْ خلقَ فيهِ الإرادةَ بعدَ أنْ خلقَ فيهِ العلمَ ، فارتبطَتِ القدرةُ بالإرادةِ والحركةُ بالقدرةِ ارتباطَ الشرطِ بالمشروطِ ، وارتبطَ بقدرةِ اللهِ ارتباطَ المعلولِ بالعلَّةِ وارتباطَ المخترَع بالمخترع ، وكلُّ ما لهُ ارتباطٌ بقدرةٍ فإنَّ محلّ القدرةِ يُسمَّىُ فاعلاً لهُ كيفَما كانَ الارتباطُ ؛ كما يُسمَّى الجلادُ قاتلاً والأميرُ قاتلاً ؛ لأنَّ القتلَ ارتبطَ بقدرتِهما ، ولكنْ على وجهينٍ مختلفينٍ ، فلذلكَ سُمِّيَ فعلاً لهُما ؛ فكذلكَ ارتباطُ المقدورِ بالقدرتينِ . ولأجلِ توافقِ ذلكَ وتطابقِهِ نسبَ اللهُ تعالى الأفعالَ في القرآنِ مرَّةً إلى الملائكةِ ، ومرَّةً إلى العبادِ ، ونسبَها بعينِها مرَّةً أخرى إلى نفسِهِ ، فقالَ تعالى في الموتِ : ﴿قُلْ يَنَوَقَّنَكُمْ مَّلَكُ اَلْمَوْتِ اَلَّذِىِ ؤُكِلَ بِكُمْ﴾، ثمَّ قالَ عَزَّ وجلَّ: ﴿اَللَّهُ يَتَوَنَّ الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا﴾. وقال تعالى: ﴿أَفَرَّهَيْتُم مَّا تَخُرُونَ﴾، أضافَ الحرثَ إلينا، ثمَّ قالَ تعالى: ﴿أَنَّا صَبَّنَا الْمَآءَ صَبًّا ﴿٤ ثُمَّ شَقَقْنَا الْأَرْضَ شَقًّا (): فَأَبْتَنَا فِيهَا حَبَّاً ﴾ وَعِنْبًا﴾. وقالَ تعالى: ﴿فَأَرْسَلْنَآ إِلَيْهَا رُوحَنَا فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَرًا سَوِيًّا﴾، ثمّ قالَ تعالى: ﴿فَنَفَخْنَا فِيهَا مِن رُوحِنَا﴾، وكانَ النافخُ جبريلَ عليهِ السلامُ. وكما قالَ تعالى: ﴿فَإِذَا قَرَأْنَهُ فَأَنَّعُ قُرْءَانَهُ﴾، قيلَ في التفسيرِ: معناهُ : إذا قرأَهُ عليكَ جبريلُ . ٢٣٨ ربع المنجيات كتاب التوحيد والتوكل وقال تعالى: ﴿قَتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ﴾، فأضافَ القتلَ إليهِمْ والتعذيبَ إلى نفسِهِ ، والتعذيبُ هوَ عينُ القتلِ، بلْ صرَّحَ وقالَ تعالى: ﴿فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهُ قَثَلَهُمْ وَمَا رَمَيْتَ إِذْرَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَفَى﴾ وهوَ جمعٌ بينَ النفي والإثباتِ ظاهراً ، ولكنْ معناهُ: (وما رميتَ) بالمعنى الذي يكونُ الرُّ بهِ رامياً ( إذْ رميتَ) بالمعنى الذي يكونُ العبدُ بهِ رامياً؛ إذْ هما معنيانِ مختلفانِ . وقال تعالى: ﴿الَّذِى عَلَّمَ بِالْقَلَمِ ﴿٢: عَلََّ الْإِنسَنَ مَا لَزْيَعَمْ﴾، ثمَّ قالَ: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَّمَ اَلْقُرْءَانَ﴾، وقالَ: ﴿عَلَّمَهُ الْبَيَانَ﴾، وقالَ: ﴿إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ﴾. وقال تعالى: ﴿أَفَرَّهَيْتُم مَّا تُعْنُونَ ٤٢٠ ءَ أَنْتُمْ تَخْلُقُونَهُ: أَمْ نَحْنُ الْخَلِّقُونَ﴾، ثمَّ قالَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ في وصفِ ملكِ الأرحام: «إنَّهُ يدخلُ الرحمَ ، فيأخذُ النطفةَ في يدِهِ ثمَّ يُصوِّرُها جسداً فيقولُ : يا ربِّ؛ أذكرٌ أمْ أنثى؟ أسويٌّ أمْ معوجٌ؟ فيقولُ اللهُ ما شاءَ ويخلقُ الملَكُ))، وفي لفظٍ آخرَ: ((ويُصوِّرُ الملَكُ، ثمَّ ينفخُ فيها الروحَ بالسعادةِ أوْ بالشقاوةِ))(١) . وقدْ قالَ بعضُ السلفِ : إِنَّ الملكَ الذي يُقالُ لهُ : الروحُ هوَ الذي يولِجُ الأرواحَ في الأجسام ، وأنَّهُ يتنفَّسُ بوصفِهِ ، فيكونُ كلُّ نفسٍ مِنْ أنفاسِهِ (١) كذا في ((القوت)) (١٣/٢)، وقد رواه الطحاوي في ((شرح مشكل الآثار)) (٣٨٧٤)، وابن عدي في ((الكامل)) (٢٢٧/٣)، والآجري في ((الشريعة)) (٣٦٥)، وأصله في (( الصحيحين)). ٢٣٩ 2 . مائى كتاب التوحيد والتوكل ربع المنجيات حر روحاً يلجُ في جسمٍ ، ولذلكَ سُمِّيَ روحاً(١) . وما ذكرَهُ مِنْ مثلِ هذا الملكِ وصفتِهِ فهوَ حقٌّ ، شاهدَهُ أربابُ القلوب ببصائرِهِمْ ، فأمَّا كونُ الروح عبارةٌ عنهُ .. فلا يمكنُ أنْ يُعلمَ إلا بالنقلِ ، والحكمُ بهِ دونَ النقلِ تخمينٌ مجرَّدٌ . وكذلكَ ذكرَ اللهُ تعالى في القرآنِ منَ الأدلَّةِ والآياتِ في الأرضِ والسماواتِ ثُمَّ قالَ: ﴿أَوَّلَمْ يَكْفٍ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ شَهِيدٌ﴾، وقالَ : شَهِدَ اللهُ أَنَّهُ لَ إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾، فبيَّنَ أنَّهُ الدليلُ على نفسِهِ، وذلكَ ليسَ بمتناقضٍ ، بلْ طرقُ الاستدلالِ مختلفةٌ ، فَكمْ مِنْ طالبٍ عرفَ اللهَ تعالى بالنظرِ إلى الموجوداتِ ، وكمْ مِنْ طالبٍ عرفَ كلَّ الموجوداتِ باللهِ تعالى ؛ كما قالَ بعضُهُمْ: ( عرفتُ ربِّي بربِّي، ولولا ربِّي لما عرفتُ ربِّي) (٢). وهوَ معنى قولِهِ تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَكْفٍ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ شَهِيدٌ﴾. وقدْ وصفَ اللهُ تعالى نفسَهُ بأنَّهُ المحيي والمميتُ ، ثمَّ فوَّضَ الموتَ والحياةَ إلى ملكينِ ، ففي الخبرِ : أنَّ ملكَ الموتِ وملكَ الحياةِ تناظرا ، فقالَ ملكُ الموتِ : أنا أميتُ الأحياءَ ، وقالَ ملكُ الحياةِ : أنا أحبي الموتى، فأوحى اللهُ تعالى إليهما : كونا على عملِكُما وما سُخِّرتُما لهُ مِنَ الصنعِ ، وأنا المميتُ والمحبي، لا مميتَ ولا محييَ سوايَ(٣). (١) قوت القلوب (١٣/٢). (٢) رواه القشيري في ((رسالته)) (ص ٥١٤). (٣) قوت القلوب (١٣/٢). ٢٤٠