Indexed OCR Text
Pages 201-220
ربع المنجيات
كتاب التوحيد والتوكل
حز
الشَّطْرُ الْأَوَّلُ
بيان حقيقة التوحيد الذي هو أصل التوكل
اعلمْ : أنَّ التوكُّلَ مِنْ أبوابِ الإيمانِ ، وجميعُ أبوابِ الإيمانِ لا تنتظمُ
إلا بعلمٍ وحالٍ وعملٍ ، والتوكلُ كذلكَ ينتظمُ مِنْ علمٍ هوَ الأصلُ ، وعملٍ
هوَ الثمرةُ، وحالٍ هوَ المرادُ باسمِ التوكلِ .
ـدة:
فلنبدأُ ببيانِ العلمِ الذي هوَ الأصلُ، وهوَ المسمَّى إيماناً في أصلِ اللسانِ ؛
إذِ الإيمانُ هوَ التصديقُ، وكلُّ تصديقٍ بالقلبِ فهوَ علمٌ، وإذا قويَ .. سُمِّيَ
يقيناً ، ولكنْ أبوابُ اليقينِ كثيرةٌ ، ونحنُ إنَّما نحتاجُ منها إلى ما يُبنى عليهِ
التوكلُ؛ وهوَ التوحيدُ الذي يترجمُهُ قولُكَ: ( لا إلهَ إلا اللهُ وحدَهُ لا شريكَ
لهُ) ، والإيمانُ بالقدرةِ التي يترجمُها قولُكَّ: (لهُ الملكُ)، والإيمانُ بالجودِ
والحكمةِ الذي يدلُّ عليهِ قولُكَ: ( ولهُ الحمدُ ) .
فَمَنْ قالَ : ( لا إلهَ إلا اللهُ وحدَهُ لا شريكَ لهُ، لَهُ الملكُ، ولهُ
الحمدُ ، وهوَ على كلِّ شيءٍ قديرٌ) .. تمَّ لهُ الإيمانُ الذي هوَ أصلُ التوكلِ ؛
أعني : أنْ يصيرَ معنى هذا القولِ وصفاً لازماً لقلبهِ غالباً عليهِ .
فأمَّا التوحيدُ .. فهوَ الأصلُ، والقولُ فيهِ طويلٌ ، وهوَ مِنْ علمٍ
المكاشفةِ ، ولكنْ بعضُ علوم المكاشفاتِ تتعلَّقُ بالأعمالِ بواسطةِ
٢٠١
كتاب التوحيد والتوكل
ربع المنجيات
حن
الأحوالِ(١) ، ولا يتمُّ علمُ المعاملةِ إلا بها، فإذاً؛ لا نتعرَّضُ إلا للقدْر
الذي يتعلَّقُ بالمعاملةِ، وإلا .. فالتوحيدُ هوَ البحرُ الخِضَمُّ الذي لا ساحلَ
لهُ ، فنقولُ :
للتوحيدِ أربعُ مراتبَ ، وهوَ ينقسمُ إلى لبِّ ، ولبِّ اللبِّ ، وإلى قشرٍ ،
وقشرِ القشرِ ، ولنمثُلْ ذلكَ تقريباً إلى الأفهام الضعيفةِ بالجوزِ في قشرتِهِ
العليا ، فإنَّ لهُ قشرتينِ ، ولهُ لبٍّ ، وللبِّ دهنٌ هوَ لتُّ اللبِّ .
فالمرتبةُ الأولىُ مِنَ التوحيدِ : أنْ يقولَ الإنسانُ بلسانِهِ : ( لا إلهَ
إلا اللهُ) وقلبُهُ غافلٌ عنهُ، أوْ منكرٌ لهُ؛ كتوحيدِ المنافقينَ .
والثانيةُ: أنْ يصدِّقَ بمعنى اللفظِ قلبُهُ، كما صدَّقَ بهِ عمومُ المسلمينَ ،
وهوَ اعتقادٌ(٢).
والثالثةُ : أن يشاهدَ ذلكَ بطريقِ الكشفِ بواسطةِ نورِ الحقِّ ، وهوَ مقامُ
المقرّبينَ ، وذلكَ بأنْ يرى أشياءَ كثيرةً ، ولكنْ يراها على كثرتِها صادرةً عنِ
الواحدِ القهَّارِ .
والرابعةُ : ألا يرى في الوجودِ إلا واحداً ، وهوَ مشاهدةُ الصديقينَ ،
كر
(١) فإن الأحوال هي التي تثمر الأعمال، وهي مواجيد القلوب. ((إتحاف)) (٣٩٠/٩).
(٢) كذا في جميع النسخ: ( وهو اعتقادٌ)، وهو الصحيح ، وسيأتي قريباً قوله : ( وأما
الثاني وهو الاعتقاد .. فهو موجود في عموم المسلمين ) .
٢٠٢
حن
ربع المنجيات
.جــ
ےی
كتاب التوحيد والتوكل
حن
وتسمِّيهِ الصوفيَّةُ الفناءَ في التوحيدِ ؛ لأنَّهُ مِنْ حيثُ لا يرى إلا واحداً فلا يرى
نفسَهُ أيضاً، وإذا لمْ يرَ نفسَهُ لكونِهِ مستغرقاً بالواحدِ .. كانَ فانياً عن نفسِهِ
في توحيدِهِ ، بمعنى أنَّهُ فنيَ عنْ رؤيةِ نفسِهِ والخلقِ (١).
حن
٠ ٠٠٠
فالأوّلُ : موحدٌ بمجرَّدِ اللسانِ ، ويعصمُ ذلكَ صاحبَهُ في الدنيا عنِ
السيفِ والسنانِ .
والثاني : موحدٌ بمعنى أنَّهُ معتقدٌ بقلبهِ مفهومَ لفظِهِ ، وقلبُهُ خالٍ عنِ
التكذيبِ بما انعقدَ عليهِ قلبُهُ ، وهوَ عقدةٌ على القلبِ ليسَ فيهِ انشراحٌ وانفتاحٌ ،
ولكنَّهُ يحفظُ صاحبَهُ عنِ العذابِ في الآخرةِ إنْ تُوُفِّيَ عليها ولمْ تضعفْ
بالمعاصي عقدتُهُ ، ولهذا العقدِ حيلٌ يُقصدُ بها تضعيفُهُ وتحليلُهُ تُسمَّى بدعةٌ ،
ولُهُ حيلٌ يُقصدُ بها دفعُ حيلةِ التحليلِ والتضعيفِ ، ويُقصدُ بها أيضاً إحكامُ هـذهِ
العقدةِ وشدُّها على القلبِ وتُسمَّى كلاماً، والعارفُ بهِ يُسمَّى مُتكلُّماً ، وهوَ في
مقابلةِ المبتدع (٢)، ومقصدُهُ دفعُ المبتدع عنْ تحليلِ هذهِ العقدةِ عنْ قلوبِ
العوامٌّ ، وقدْ يُخصُّ المتكلّمُ باسمِ الموحِّدِ مِنْ حيثُ إنَّهُ يحمي بكلامِهِ مفهومَ
لفظِ التوحيدِ على قلوبِ العوامِّ حتَّى لا تنحلَّ عقدتُهُ .
%
والثالثُ : موحدٌ بمعنى أنَّهُ لمْ يشاهدْ إلا فاعلاً واحداً؛ إذْ قدِ انكشفَ لهُ
(١) وعن الخلق من باب أولى .
(٢) وعليه: فاصطلاح (المتكلم) عند المصنف مقتصر على أهل الحق، ولا مشاحَّة في
الاصطلاح .
٢٠٣
كتاب التوحيد والتوكل
ربع المنجيات
الحقُّ كما هوَ عليهِ (١) ، ولا فاعلَ بالحقيقةِ إلا واحدٌ، وقدِ انكشفَتْ لهُ
الحقيقةُ كما هيَ عليهِ ، لا أنَّهُ كلَّفَ قلبَهُ أنْ يعقدَ على مفهومِ لفظِ
الحقيقةِ(٢)؛ فإنَّ ذلكَ رتبةُ العوامّ والمتكلمينَ ؛ إذْ لمْ يفارقِ المتكلَّمُ العامِّيَّ
في الاعتقادِ ، بلْ في صنعةٍ تلفيقِ الكلامِ الذي بهِ يدفعُ حيلَ المبتدع في
تحليلِ هذهِ العقدةِ .
والرابعُ : موحدٌ بمعنى أنَّهُ لمْ يحضُرْ في شهودِهِ غيرُ الواحدِ ، فلا يرى
الكلَّ مِنْ حيثُ إنَّهُ كثيرٌ ، بلْ مِنْ حيثُ إنَّهُ واحدٌ ، وهذهِ هيَ الغايةُ القصوى
في التوحيدِ .
٠٠٠
فالأوَّلُ كالقشرةِ العليا مِنَ الجوزِ ، والثاني كالقشرةِ السفلى ، والثالثُ
كاللبِّ ، والرابعُ كالدهنِ المستخرجِ مِنَ اللبِّ .
وكما أنَّ القشرةَ العليا منَ الجوزِ لا خيرَ فيها ، بلْ إنْ أُكلَ .. فهوَ مرُ
المذاقِ ، وإنْ نُظْرَ إلى باطنِهِ .. فهوَ كريهُ المنظرِ، وإنِ اتَّخِذَ حطباً .. أطفأَ
النارَ وأكثرَ الدخانَ ، وإنْ تُركَ في البيتِ .. ضيَّقَ المكانَ، فلا يصلحُ إلا أنْ
يُتركَ مِدَّةٌ على الجوزِ للصوانِ ثمَّ يُرمىُ بهِ ؛ فكذلكَ التوحيدُ بمجرَّدِ اللسانِ
دونَ التصديقِ بالقلبِ عديمُ الجدوى كثيرُ الضررِ ، مذمومُ الظاهرِ والباطنِ ،
3
(١) في غير (أ): (إذا انكشف) بدل (إذ قد انكشف ) .
(٢) في ( أ، ف): ( إلا أنه ) بدل ( لا أنه ).
٢٠٤
حن
ـدن
**. ... . ...
ربع المنجيات
كتاب التوحيد والتوكل
لكنَّهُ ينفعُ مدَّةً في حفظِ القشرةِ السفلىُ إلى وقتِ الموتِ ، والقشرةُ السفلى
هيَ القلبُ والبدنُ ، وتوحيدُ المنافقِ يصونُ بدنَهُ عنْ سيفِ الغزاةِ ؛ فإنَّهُمْ لمْ
يُؤمروا بشقِّ القلوبِ ، والسيفُ إنَّما يصيبُ جسمَ البدنِ وهوَ القشرُ، وإنَّما
يتجرَّدُ عنهُ بالموتِ ، فلا يبقى لتوحيدِهِ فائدةٌ بعدَهُ .
وكما أنَّ القشرةَ السفلى ظاهرةُ النفع بالإضافةِ إلى القشرةِ العليا ؛ فإنَّها
تصونُ اللبَّ وتحرسُهُ عنِ الفسادِ عندَ الادخارِ ، وإذا فُصَلَتْ .. أمكنَ أنْ
ينتفعَ بها حطباً ، لكنَّها نازلةُ القدْرِ بالإضافةِ إلى اللبِّ ؛ فكذلكَ مجرَّدٌ
الاعتقادِ مِنْ غيرِ كشفٍ كثيرُ النفعِ بالإضافةِ إلى مجرَّدِ نطقِ اللسانِ ، ناقصُ
القدْرِ بالإضافةِ إلى الكشفِ والمشاهدةِ التي تحصلُ بانشراحِ الصدرِ
وانفساحِهِ وإشراقٍ نورِ الحقِّ فيهِ ؛ إذْ ذلكَ الشرحُ هوَ المرادُ بقولِهِ تعالى :
﴿ فَمَن يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَمِ﴾، وبقولهِ تعالى: ﴿أَفَمَنْ شَرَحُ
اللَّهُ صَدْرَُ لِلَإِسْلَمِ فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِّن رَّهِ﴾ .
ـمــ
وكما أنَّ اللبَّ نفيسٌ في نفسِهِ بالإضافةِ إلى القشرِ وكأنَّهُ المقصودُ ،
ولكنَّهُ لا يخلو عنْ شوبِ عصارةٍ بالإضافةِ إلى الدهنِ المستخرج منهُ ؛
فكذلكَ توحيدُ الفعلِ مقصدٌ عالٍ للسالكينَ ، ولكنَّهُ لا يخلو عنْ شوبٍ
ملاحظةِ الغيرِ والالتفاتِ إلى الكثرةِ بالإضافةِ إلى مَنْ لا يشاهدُ سوى الواحدِ
الحقِّ .
بيـحي
فإنْ قلتَ : كيفَ يُتصوَّرُ أَلا يشاهدَ إلا واحداً وهوَ يشاهدُ السماءَ والأرضَ
ـقة
٢٠٥
حن
بان
حن.
كتاب التوحيد والتوكل
حن
ربع المنجيات
ـور
وسائرَ الأجسام المحسوسةِ وهيَ كثيرةٌ ؟ فكيفَ يكونُ الكثيرُ واحداً ؟
فاعلمْ : أنَّ هذا غايةُ علوم المكاشفاتِ ، وأسرارُها لا يجوزُ أنْ تُسطرَ
في كتابٍ(١) ، فقدْ قالَ العارفونَ: (إفشاءُ سرِّ الربوبيَّةِ كفرٌ)(٢).
-C3.
ثمَّ هوَ غيرُ متعلُّقٍ بعلمٍ المعاملةِ ، نعمْ ، ذكرُ ما يكسرُ سورةَ استبعادِكَ
ممكنٌ ، وهوَ أنَّ الشيءَ قدْ يكونُ كثيراً بنوع مشاهدةٍ واعتبارٍ ويكونُ واحداً
بنوعٍ آخرَ مِنَ المشاهدةِ والاعتبارِ ، وهذا كما أنَّ الإنسانَ كثيرٌ إنِ التفتَ إلى
روحِهِ وجسدِهِ وأطرافِهِ وعروقِهِ وعظامِهِ وأحشائِهِ ، وهوَ باعتبارٍ آخرَ
ومشاهدةٍ أخرى واحدٌ ؛ إذْ نقولُ : إنَّهُ إنسانٌ واحدٌ ، فهوَ بالإضافةِ إلى
الإنسانيةِ واحدٌ ، وكمْ مِنْ شخصٍ يشاهدُ إنساناً ولا يخطرُ ببالِهِ كثرةُ أمعائِهِ
وعروقِهِ وأطرافِهِ، وتفصيلُ روحِهِ وجسدِهِ وأعضائِهِ ، والفرقُ بينَهُمَا ، فهوَ
في حالةِ الاستغراقِ والاستهتارِ بهِ مستغرقُ بواحدٍ ليسَ فيهِ تفرقٌ(٣)، وكأنَّهُ
في عينِ الجمع ، والملتفتُ إلى الكثرةِ في تفرقةٍ .
فكذلكَ كلُّ ما في الوجودِ مِنَ الخالقِ والمخلوقِ لهُ اعتباراتٌ ومشاهداتٌ
كثيرةٌ مختلفةٌ ، وهو باعتبارٍ واحدٍ مِنَ الاعتباراتِ واحدٌ ، وباعتباراتٍ أخرَ
(١) فيطلع عليه من ليس بأهل لمزاولتها، فيقع في وحلة لا يكاد يتخلص منها. ((إتحاف))
( ٣٩٢/٩ ) .
(٢) قوت القلوب (٩٠/٢)، وقد بيَّن الإمام الغزالي معناه في ((الإملاء)).
(٣) كذا في جميع النسخ، وعند الحافظ في ((إتحافه)) (٣٩٣/٩): (والفرقُ بينهما أنه في
حالة الاستغراق ) ، علماً أنه لم يتقدم ذكر للتفريع صريح .
٢٠٦
ربع المنجيات
كتاب التوحيد والتوكل
حن.
سواها كثيرٌ، بعضُها أشدُّ كثرةً مِنْ بعضٍ، ومثالُ الإنسانِ وإنْ كانَ مثالاً
لا يطابقُ الغرضَ ولكنَّهُ ينبّهُ في الجملةِ على كيفيَّةِ مصيرِ الكثرةِ في حكمٍ
المشاهدة واحداً .
ـدة
وتستفيدُ بهذا الكلام تركَ الإنكارِ والجحودِ لمقام لمْ تبلغْهُ وتؤمنُ بهِ
إيمانَ تصديقٍ ، فيكونُ لكَ مِنْ حيثُ إِنَّكَ مؤمنٌ بهذا التوحيدِ نصيبٌ وإنْ لمْ
يكنْ ما آمنتَ بهِ صفتكَ؛ كما أنَّكَ إذا آمنتَ بالنبوَّةِ وإنْ لمْ تكنْ نبيّاً .. كانَ
لكَ نصيبٌ منهُ بقدْرِ قوَّةِ إِيمانِكَ .
وهذهِ المشاهدةُ التي لا يظهرُ فيها إلا الواحدُ الحقُّ تارةٌ تدومُ ، وتارةً
تطرأُ كالبرقِ الخاطفِ، وهوَ الأكثرُ، والدوامُ نادرٌ عزيزٌ(١) ، وإلى هذا أشارَ
الحسينُ بنُ منصورِ الحلاَجُ حيثُ رأى الخوَّاصَ يدورُ في الأسفار فقالَ:
فيماذا أنتَ ؟ فقالَ : أدورُ في الأسفارِ لأصحِّحَ حالي في التوُّلِ - وقدْ كانَ
مِنَ المتوكِّلينَ - فقالَ الحسينُ : قدْ أفنيتَ عمرَكَ في عمرانِ باطنِكَ ، فأينَ
الفناءُ في التوحيدِ (٢) ؟ فكأنَّ الخوَّاصَ كانَ في تصحيح المقامِ الثالثِ في
التوحيدٍ ، فطالبَهُ بالمقامِ الرابعِ .
حن
(١) لكنها إذا غابت .. بقيت آثارها، فصاحبها بعد سكون غليانه يعيش في بركات ضيائها
إلى أن تلوح ثانية يزجي وقته على انتظار عودها ، ويعيش بما وجد في حين كونه .
(«إتحاف)) (٩/ ٣٩٤) .
(٢) رواه القشيري في ((رسالته)) (ص٢٩٧) .
٢٠٧
من
. :
كتاب التوحيد والتوكل
ربع المنجيات
فهذهِ مقاماتُ الموحِّدينَ في التوحيدِ على سبيلِ الإجمالِ (١).
فإنْ قلتَ : فلا بدَّ لهذا مِنْ شرح بمقدارِ ما يُفهمُ كيفيةُ ابتناءِ التوكُّل
عليهِ .
فأقولُ : أمَّا الرابعُ .. فلا يجوزُ الخوضُ في بيانِهِ، وليسَ التوكُّلُ أيضاً
مبنيّاً عليهِ ، بلْ يحصلُ حالُ التوقُّلِ بالتوحيدِ الثالثِ .
وأمَّا الأوَّلُ وهوَ النفاقُ .. فهوَ واضحٌ .
وأمَّا الثاني وهوَ الاعتقادُ .. فهوَ موجودٌ في عموم المسلمينَ ، وطريقُ
تأكيدِهِ بالكلام ، ودفعُ حيلِ المبتدعةِ فيهِ مذكورٌ في علم الكلام ، وقدْ ذكرنا
في كتابِ ((الاقتصادُ في الاعتقادِ )) القدْرَ المهمَّ منه.
وأمَّا الثالثُ .. فهوَ الذي يبتنى التوكلُ عليهِ؛ إذْ مجرَّدُ التوحيدِ بالاعتقادِ
لا يورثُ حالَ التوكلِ ، فلنذكرْ منهُ القدْرَ الذي يرتبطُ التوكلُ بهِ دونَ تفصیلِهِ
الذي لا يحتملُّهُ أمثالُ هذا الكتابِ .
وحاصلُهُ : أنْ ينكشفَ لكَ أنْ لا فاعلَ إلا اللهُ تعالى، وأنَّ كلَّ موجودٍ
مِنْ خلقٍ ورزقٍ ، وعطاءٍ ومنع ، وحياةٍ وموتٍ ، وغنىّ وفقرٍ ، إلى غيرِ ذلكَ
ممَّا ينطلقُ عليهِ اسمُ(٢) .. فالمنفردُ بإبداعِهِ واختراعِهِ هوَ اللهُ تعالى،
حج حج حن حم حي"
(١) وقد اعترض على المصنف هذا التقسيم، حتى إنه عقد له جواباً في ((إملائه)).
(٢) في ( ب): ( اسم الحادث ) .
٢٠٨
محرة
ربع المنجيات
كتاب التوحيد والتوكل
لا شريكَ لهُ فيهِ، وإذا انكشفَ لكَ هذا .. لمْ تنظرْ إلى غيرِهِ، بلْ كانَ منهُ
خوفُكَ ، وإليهِ رجاؤُكَ ، وبهِ ثقتُكَ، وعليهِ اتكالُكَ ؛ فإنَّهُ الفاعلُ على
الانفرادِ دونَ غيرِهِ ، وما سواهُ مسخرونَ لا استقلالَ لهم بتحريكِ ذَرَّةٍ في
ملكوتِ السماواتِ والأرضِ ، وإذا انفتحَتْ لكَ أبوابُ المكاشفةِ .. اتضحَ
لكَ هذا اتضاحاً أتمَّ مِنَ المشاهدةِ بالبصرِ .
وإنَّما يصدُّكَ الشيطانُ عنْ هذا التوحيدِ في مقامينٍ يبتغي بهِما أنْ يطرِقَ
إلى قلبكَ شائبةً الشركِ :
أحدُهُما : الالتفاتُ إلى اختيارِ الحيواناتِ .
والثاني : الالتفاتُ إلى الجماداتِ .
أمَّا الالتفاتُ إلى الجمادات .. فكاعتمادِكَ على المطرِ في خروجِ الزرعِ
ونباتِهِ ونمائِهِ ، وعلى الغيمٍ في نزولِ المطرِ ، وعلى البردِ في اجتماع الغيمِ ،
وعلى الريحِ في استواءِ السفينةِ وسيرِها ، وهذا كلَّهُ شركٌ في التوحيدِ ،
وجهلٌ بحقائقِ الأمورِ، ولذلكَ قالَ تعالى: ﴿ فَإِذَا رَكِبُواْ فِي الْفُلْكِ دَعَواْ اللَّهَ
مُخْلِصِينَ لَهُ الَّذِينَ فَلَمَّا نَنْهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ﴾، قيلَ: معناهُ: أَنَّهُمْ
يقولونَ : لولا استواءُ الريح .. لما نجونا .
ومَنِ انكشفَ لهُ أمرُ العالمِ كما هوَ عليهِ .. علمَ أنَّ الريحَ هوَ الهواءُ ،
والهواءُ لا يتحرَّكُ بنفسِهِ ما لمْ يُحرَّكْ وكذلكَ محرّكُهُ ، وهكذا إلى أنْ ينتهيَ
إلى المحرِّكِ الأوَّلِ الذي لا محرِّكَ لهُ، ولا هوَ متحرٌِّ في نفسِهِ عزَّ وجلَّ ،
Gء
٢٠٩
حن
حن
:حن
كتاب التوجد والتوكل
00
ربع المنجيات
0
والى
فالتفاتُ العبدِ في النجاةِ إلى الربح يضاهي التفاتَ مَنْ أُخذَ لتُحزَّ رقبتُهُ فكتبَ
الملكُ توقيعاً بالعفوِ عنهُ وتخليتِهِ ، فأخذَ يشتغلُ بشكرِ الحبرِ والكاغدِ والقلمِ
الذي بهِ كُتبَ التوقيعُ ، ويقولُ: ( لولا القلمُ .. لما تخلَّصتُ )، فيرى
نجاتهُ مِنَ القلمِ لا مِنْ محرِّكِ القلمِ ، وهوَ غايةُ الجهلِ ، ومَنْ علمَ أنَّ القلمَ
لا حكمَ لهُ في نفسِهِ ، وإنَّما هوَ مسخّرٌ في يدِ الكاتبِ .. لمْ يلتفتْ إليهِ ، ولمْ
يشكرْ إلا الكاتبَ، بلْ ربَّما يدهشُهُ فرحُ النجاةِ وشكرُ الملكِ والكاتبِ عنْ أنْ
يخطرَ ببالِهِ القلمُ والحبرُ والدواةُ .
فالشمسُ والقمرُ والنجومُ والمطرُ والغيمُ والأرضُ وكلُّ حيوانٍ وجمادٍ
مسخراتٌ في قبضةِ القدرةِ كتسخيرِ القلمٍ في يدِ الكاتبِ ، بلْ هذا تمثيلٌ في
حقِّكَ لاعتقادِكَ أنَّ الملكَ الموقّعَ هوَ كاتبُ التوقيع، والحقُّ أنَّ اللهَ تباركَ
وتعالى هوَ الكاتبُ؛ كما قالَ تعالى: ﴿وَمَا رَمَيْتَ إِذْرَمَيْتَ وَلَكِنِيَّ اللَّهَ رَى﴾.
فإذا انكشفَ لكَ أنَّ جميعَ ما في السماواتِ والأرضِ مسخراتٌ على هذا
الوجهِ .. انصرفَ عنكَ الشيطانُ خائباً ، وأيسَ مِنْ مزج توحيدِكَ بهذا
الشركِ ، فيأتيكَ في المهلكةِ الثانيةِ ، وهيَ الالتفاتُ إلى اختيارِ الحيواناتِ في
الأفعالِ الاختياريةِ ، ويقولُ : كيفَ ترى الكلَّ مِنَ اللهِ وهذا الإنسانُ يعطيكَ
رزقَكَ باختيارِهِ ؛ فإنْ شاءَ .. أعطاكَ، وإنْ شاءَ .. قطعَ عنكَ؟ وهذا
الشخصُ هوَ الذي يحزُّ رقبتَكَ بسيفِهِ وهوَ قادرٌ عليكَ؛ إنْ شاءَ .. حَزَّ
رقبتَكَ، وإنْ شاءَ .. عفا عنكَ، فكيفَ لا تخافُهُ وكيفَ لا ترجوهُ وأمرُكَ
بيدِهِ ، وأنتَ تشاهدُ ذلكَ ولا تشكُّ فِيهِ؟ ويقولُ لهُ أيضاً : نعمْ، إنْ كنتَ
٠٠
٢١٠
٩ دوار دو
ربع المنجيات
كتاب التوحيد والتوكل
لا ترى القلمَ لأنَّهُ مسخّرٌ .. فكيفَ لا ترى الكاتبَ بالقلم وهوَ المسخِّرُ لهُ ؟
وعندَ هذا زلَّ أقدامُ الأكثرينَ ، إلا عبادَ اللهِ المخلصينَ ، الذينَ
لا سلطانَ عليهِمْ للشيطانِ اللعينِ ، فشاهدوا بنورِ البصائرِ كونَ الكاتبِ
مسخَّراً مضطرّاً كما شاهدَ جميعُ الضعفاءِ كونَ القلمِ مسخَّراً ، وعرفوا أنَّ
غلطَ الضعفاءِ في ذلكَ كغلطِ النملةِ مثلاً لوْ كانَتْ تدُّ على الكاغدِ فترىُ
رأسَ القلمِ يسوِّدُ الكاغدَ، ولمْ يمتدَّ بصرُها إلى اليدِ والأصابع فضلاً عنْ
صاحبِ اليدِ ، فغلطَتْ وظنَّتْ أنَّ القلمَ هوَ المسؤِّدُ للبياضِ ، وذلكَ لقصورِ
بصرِها عنْ مجاوزةٍ رأسِ القلمٍ لضيقِ حدقتِها .
ـدن
ن حم
3
فكذلكَ مَنْ لمْ ينشرحْ بنورِ اللهِ صدرُهُ للإسلام .. قصرَتْ بصيرتهُ عنْ
ملاحظةِ جَبَّارِ السماواتِ والأرضِ ، ومشاهدةٍ كونِهِ قاهراً وراءَ الكلِّ، فوقفَ
في الطريقِ على الكاتبِ ، وهوَ جهلٌ محضٌ .
بلْ أربابُ القلوبِ والمشاهداتِ قدْ أنطقَ اللهُ تعالى في حقُّهِمْ كلَّ ذرَّةٍ في
الأرضِ والسماواتِ بقدرتِهِ التي بها أنطقَ كلَّ شيءٍ ، حتَّى سمعوا تقديسَها
وتسبيحَها اللهِ تعالى ، وشهادتها على نفسِها بالعجزِ بلسانِ ذلقٍ ، تتكلّمُ بلا
حرفٍ ولا صوتٍ ، ولا يسمعُهُ الذينَ همْ عنِ السمع معزولونَ ، ولستُ أعني
بهِ السمعَ الظاهرَ الذي لا يجاوزُ الأصواتَ ، فإنَّ الحمارَ شريكٌ فِيهِ ،
ولا قدْرَ لما يُشاركُ فيهِ البهائمُ، وإنَّما أريدُ بهِ سمعاً يُدركُ بهِ كلامٌ ليسَ
بحرفٍ ولا صوتٍ ، ولا هوَ عربيٌّ ولا عجميٌّ .
٢١١
حنين ئن
كتاب التوحيد والتوكل
ربع المنجيات
فإنْ قلتَ : فهذهِ أعجوبةٌ لا يقبلُها العقلُ ، فصفْ لي كيفيَّةَ نطقِها ،
وأنَّها كيفَ نطقَتْ، وبماذا نطقَتْ، وكيفَ سبَّحَتْ وقدَّسَتْ، وكيفَ شهدَتْ
على نفسِها بالعجزِ .
فاعلمْ : أنَّ لكلِّ ذرَّةٍ في السماواتِ والأرضِ معَ أربابِ القلوبِ مناجاةً
في السرِّ ، وذلكَ ممَّا لا ينحصرُ ولا يتناهى، فإنَّها كلماتٌ تَستمدُّ مِنْ بحرٍ
كلام اللهِ تعالى الذي لا نهايةَ لهُ، ﴿ قُل لَّوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِكَلِمَتِ رَبٍِ لَنَفِدَ الْبَحْرُ
قَبْلَ أَنْ نَنْفَدَ كَلِمَثُ رَبِّ وَلَوْ جِثْنَا بِمِثْلِهِ، مَدَدًا﴾ .
ثُمَّ إِنَّها تتناجى بأسرارِ الملكِ والملكوتِ ، وإفشاءُ السرِّ لؤمٌ ، بلْ صدورٌ
الأحرارِ قبورُ الأسرارِ ، وهلْ رأيتَ قطُّ أميناً على أسرارِ الملكِ قدْ نُوجيَ
بخفاياهُ ، فنادى بسرِّهِ على ملأٍ مِنَ الخلقِ ؟ ولوْ جازَ إفشاءُ كلِّ سرٍّ .. لما
قالَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: ((لوْ تعلمون ما أعلمُ .. لضحكتُمْ قليلاً ولبكيتُمْ
كثيراً)» (١) ، بلْ كانَ يذكرُ ذلكَ لَهُمْ حتَّى يبكونَ ولا يضحكونَ، ولما نهى
عنْ إفشاءِ سرِّ القدر(٢)، ولما قالَ: ((إذا ذُكرَ النجومُ .. فأمسكوا، وإذا
ذُكرَ القدرُ .. فأمسكوا، وإذا ذُكرَ أصحابي .. فأمسكوا))(٣)، ولما خصَّ
حذيفةَ رضيَ اللهُ عنهُ ببعضِ الأسرارِ(٤) .
بتن
حرة.
ـكن
(١) رواه البخاري (١٠٤٤)، ومسلم ( ٤٢٦).
مدن
(٢) رواه ابن عدي في ((الكامل)) (١٠٢/٧)، وأبو نعيم في «الحلية)) (٦/ ١٨٢).
(٣) رواه الطبراني في ((الكبير)) (٩٦/٢)، وأبو نعيم في «الحلية)) (١٠٨/٤).
(٤) روى ذلك البخاري ( ٣٧٤٣).
٢١٢
حن مان
ربع المنجيات
مـــ
كتاب التوحيد والتوكل
حز
فإذاً ؛ عنْ حكاياتِ مناجاةِ ذرَّاتِ الملكِ والملكوتِ لقلوبِ أربابٍ
المشاهداتِ مانعانِ :
أحدُهُما : استحالةُ إفشاءِ السرِّ .
والثاني : خروجُ كلماتِها عنِ الحصرِ والنهايةِ .
ولكنَّا في المثالِ الذي كنَّ فيهِ وهيَ حركةُ القلمِ نحكي مِنْ مناجاتِها قدراً
يسيراً يُفهمُ بهِ على الإجمالِ كيفيةُ ابتناءِ التوكلِ عليهِ ، ونردٌّ كلماتِها إلى
الحروفِ والأصواتِ وإنْ لمْ تكنْ هيَ حروفاً وأصواتاً ، ولكنْ هذهِ ضرورةٌ
التفهيم ، فنقولُ : قالَ بعضُ الناظرينَ عنْ مشكاةِ نورِ اللهِ (١) تعالى للكاغدِ
وقدْ رآهُ اسودَّ وجهُهُ بالحبرِ : ما بالُ وجهِكَ كانَ أبيضَ مشرقاً والآنَ قدْ ظهرَ
عليهِ السوادُ ، فِلِمَ سوَّدتَ وجهَكَ ؟ وما السببُ فيهِ ؟
فقالَ الكاغَدُ : ما أنصفتَي في هذهِ المطالبةِ ؛ فإنَّي ما سوَّدتُ وجهي
بنفسي ، ولكنْ سلِ الحبرَ ، فإنَّهُ كانَ مجموعاً في المحبرةِ التي هيَ مستقرُّهُ
ووطنُهُ ، فسافرَ عنِ الوطنِ ، ونزلَ بساحةٍ وجهي ظلماً وعدواناً . فقالَ :
صدقتَ .
فسألَ الحبرَ عنْ ذلكَ فقالَ : ما أنصفتَني ، فإنِّي كنتُ في المحبرةِ وادعاً
ساكناً ، عازماً على ألا أبرحَ منها، فاعتدى عليَّ القلمُ بطبعِهِ الفاسدِ (٢)
(١) أي: بعين البصيرة. ((إتحاف)) (٤٠٢/٩).
(٢) في غير ( أ، ب ): ( بطمعه ) بدل ( بطبعه ) .
٢١٣
ـفرع.
حن
حن
كتاب التوحيد والتوكل
ربع المنجيات
ـون
حن
واختطفَني مِنْ وطني ، وأجلاني عنْ بلادي ، وفرَّقَ جمعي ، وبددَني كما
ترىُ على ساحةٍ بيضاءَ ، فالسؤالُ عليهِ لا عليَّ . فقالَ : صدقتَ .
ثمَّ سألَ القلمَ عنِ السببِ في ظلمِهِ وعدوانِهِ ، وإخراجِ الحبرِ مِنْ
أوطانِهِ ، فقالَ : سلِ اليدَ والأصابعَ ؛ فإنِّي كنتُ قصباً نابتاً على شطِّ
الأنهارِ ، متنزهاً بينَ خضرةِ الأشجارِ ، فجاءَتني اليدُ بسكينٍ ، فَنخَتْ عنِّي
قشري ، ومزَّقَتْ عني ثيابي ، واقتلعَتْني مِنْ أصلي ، وفصلَتْ بينَ أنابسي ،
ثمَّ برتني وشقَّتْ رأسي ، ثمَّ غمسَتْني في سوادِ الحبرِ ومرارتِهِ ، وهيَ
تستخدمُني وتمشيني على قمّةِ رأسي ، فلقدْ نثرتَ الملحَ على جرحي
بسؤالِكَ وعتابِكَ ، فتنحَّ عِنِّي وسلْ مَنْ قهرَني . فقالَ : صدقتَ .
ثمَّ سألَ اليدَ عنْ ظلمِها للقلمِ وتعديها عليهِ واستخدامِها لهُ ، فقالَتِ
اليدُ: ما أنا إلا لحمٌ وعظمٌ ودٌ ، وهلْ رأيتَ لحماً يظلمُ أوْ جسماً يتحرَّكُ
بنفسِهِ ؟ وإنَّما أنا مركَبٌ مسخَّرٌ، ركبَني فارسٌ يُقالُ لهُ : القدرةُ والقوَّةُ،
فهيَ التي ترددُني وتجولُ بي في نواحي الأرضِ ، أما ترى المدرَ والحجرَ
والشجرَ لا يتعدَّى شيءٌ منها مكانَهُ ولا يتحرَّكُ بنفسِهِ إذْ لمْ يركبها مثلُ هذا
الفارسِ القويِّ القاهرِ ؟ أما ترى أيديَ الموتى تساويني في صورةِ اللحمِ
والعظمِ والدمِ ثمَّ لا معاملةَ بينَها وبينَ القلم ؟ فأنا أيضاً مِنْ حيثُ أنا لا معاملةً
بيني وبينَ القلمٍ ، فسلِ القدرةَ عنْ شأني ، فإنِّي مركَبٌ أزعجَني مَنْ ركَبَني .
فقالَ : صدقتٍ .
حن حن حن خن حن
ثمَّ سألَ القدرةَ عنْ شأنِها في استعمالِها اليدَ واستخدامِها وكثرةٍ ترديدِها ،
٢١٤
مدن
بكن مت
ربع المنجيات
كتاب التوحيد والتوكل
ـون
فقالَتْ : دعْ عنكَ لومي ومعاتبتي، فكمْ مِنْ لائمِ ملومٌ ، وكمْ مِنْ ملومٍ
لا ذنبَ لهُ، وكيفَ خفيَ عليكَ أمري ؟ وكيفَ ظننتَ أنَّي ظلمتُ اليدَ لما
ركبتُها ولقدْ كنتُ لها راكبةً قبلَ التحريكِ وما كنتُ أحرِّكُها ولا أستسخرُها ؟!
بلْ كنتُ نائمةً ساكنةٌ نوماً ظنَّ الظائُّونَ بي أنِّي ميتةٌ أَوْ معدومةٌ ؛ لأنِّي ما كنتُ
أتحرَّكُ ولا أحرِّكُ، حتَّى جاءَتي موكَّلٌ أزعجَني وأرهقَني إلى ما تراهُ منِّي ،
فكانَتْ لي قوَّةٌ على مساعدتِهِ ، ولمْ تكنْ لي قوَّةٌ على مخالفتِهِ ، وهذا
المؤكَّلُ يُسمَّى الإرادةَ، ولا أعرفُهُ إلا باسمِهِ وهجومِهِ وصيالِهِ ، إذْ أزعجَني
مِنْ غمرةِ النومِ وأرهقَني إلى ما كانَ لي مندوحةٌ عنهُ لو خلاَّني ورأيي .
فقالَ : صدقتِ .
ثمَّ سألَ الإرادةَ : ما الذي جرَّأَكِ على هذهِ القدرةِ الساكنةِ المطمئنةِ حتَّى
صرفتِها إلى التحريكِ ، وأرهقتِها إليه إرهاقاً لمْ تجدْ عنهُ مخلصاً ولا مناصاً ،
فقالَتِ الإرادةُ : لا تعجلْ عليّ، فلعلَّ لنا عذراً وأنتَ تلومُ ؛ فإنِّي
ما انتهضتُ بنفسي ولكنِّي أُنهضتُ ، وما انبعثتُ ولكنِّي بُعثتُ بحكمٍ قاهرٍ
وأمرٍ جازمٍ ، وقدْ كنتُ ساكنةً قبلَ مجيئِهِ ، ولكنْ وردَ عليَّ مِنْ حضرةِ القلبِ
رسولُ العلمِ على لسانِ العقلِ بالإشخاصِ للقدرةِ ، فأَشخصتُها باضطرارِ ،
فإنِّي مسكينةٌ مسخرةٌ تحتَ قهرِ العلمِ والعقلِ ، ولا أدري بأيٌّ جرمٍ وُقفتُ
عليهِ وسُخِّرتُ لهُ وأُلزمتُ طاعتَهُ ، لكنِّي أدري أَنِّي في دعةٍ وسكونٍ ما لمْ يردْ
عليَّ هذا الواردُ القاهرُ، وهذا الحاكمُ العادلُ أوِ الظالمُ، وقدْ وُقفتُ عليهِ
وقفاً ، وأُلزمتُ طاعتَهُ إلزاماً ، بلْ لا يبقى لي معَهُ مهما جزمَ حكمَهُ طاقةٌ على
.خالد، عن
٢١٥
٤
كتاب التوحيد والتوكل
ربع المنجيات
المخالفةِ ، لعمري ما دامَ هوَ في التردُّدِ على نفسِهِ والتحيُّرِ في حكمِهِ فأنا
ساكنةٌ، لكنْ معَ استشعارٍ وانتظارٍ لحكمِهِ ، فإذا انجزمَ حكمُهُ .. أُزعجتُ
بطبعٍ وقهرٍ تحتَ طاعتِهِ ، وأَشخصتِ القدرةُ لتقومَ بموجَبِ حكمِهِ ، فسلٍ
العلمَ عنْ شأني، ودعْ عنِّي عتابَكَ؛ فإنِّي كما قالَ الشاعرُ(١): [من البسيط]
إِذا تَرَخَّلْتَ عَنْ قَوْمٍ وَقَدْ قَدَرُوا أَلَّ تَفَارِقَهُمْ فَالرَّاحِلُونَ هُمُ
فقالَ : صدقتٍ .
وأقبلَ على العقلِ والعلمِ والقلبِ مطالباً لهُم ومعاتباً إِيَّاهُمْ على استنهاضٍ
الإرادةِ وترشيحِها لإشخاصِ القدرةِ ، فقالَ العقلُ: أمَّا أنا .. فسراجٌ
ما اشتعلتُ بنفسي ، ولكنِّي أُشعلتُ، وقالَ القلبُ: أَمَّا أنا .. فلوحٌ
ما انبسطتُ بنفسي ، ولكنِّي بُسطتُ، وقالَ العلمُ: إنَّما أنا نقشٌ نُقشتُ في
بياضٍ لوحِ القلبِ لمَّا أشرقَ سراجُ العقلِ ، وما انخططتُ بنفسي ، فكمْ كانَ
هذا اللوحُ قبلي خالياً عنِّي، فسلِ القلمَ عنِّي؛ لأنَّ الخطَّ لا يكونُ إلا
بالقلم .
٢٠
فعندَ هذا تتعتعَ السائلُ ولمْ يقنعْهُ جوابُهُ وقالَ : قَدْ طالَ تعبي في هذا
الطريقِ وكثرَتْ منازلي ، ولا يزالُ يحيلُني مَنْ طمعتُ في معرفةِ هذا الأمرِ
منهُ على غيرِهِ ، ولكنِّي كنتُ أطيبَ نفساً بكثرةِ التردادِ لما كنتُ أسمعُ كلاماً
(١) البيت للمتنبي في ((ديوانه بشرح العكبري)) (٣٧٢/٣)، والمراد منه: تعليق الأمر
بالغير ورفع الملام ، فكأنه قال : إذا رحلت عن قوم قدروا على ألا ترحل بإكرامك ونزع
علة سفرك .. فكأنهم هم الذين رحلوا عنك لاختيارهم رحلتك .
٢١٦
ـكن
حن
ربع المنجيات
كتاب التوحيد والتوكل
مقبولاً في الفؤادِ وعذراً ظاهراً في دفع السؤالِ ، فأمَّا قولُكَ : إنِّي خطٌّ
ونقشٌ، وإنَّما خطَّني قلمٌ .. فلستُ أفهمُهُ، فإنِّي لا أعلمُ قلماً إلا مِنَ
القصبِ ، ولا لوحاً إلا مِنَ الحديدِ أوِ الخشبِ ، ولا خطّاً إلا بالخبرِ،
ولا سراجاً إلا مِنَ النّارِ ، وإنِّي لأسمعُ في هذا المنزلِ حديثَ اللوح
والسراج والخطّ والقلمٍ ولا أشاهدُ منهُ شيئاً! أسمعُ جعجعةٌ ولا أرىُ طِحْناً!
فقالَ لهُ العلمُ : إنْ صدقتَ فيما قلتَ .. فبضاعتُكَ مزجاةٌ ، وزادُكَ
قليلٌ ، ومركبُكَ ضعيفٌ .
حم
واعلمْ : أنَّ المهالكَ في الطريقِ الذي توجهتَ إليهِ كثيرةٌ ، فالصوابُ لكَ
أنْ تنصرفَ وتدعَ ما أنتَ فيهِ ، فما هذا بعشِّكَ فادرجْ عنهُ، فكلٌّ ميسَّرٌ لما
خُلقَ لهُ .
دوائ .
وإنْ كنتَ راغباً في استتمام الطريقِ إلى المقصدِ .. فألقِ سمعَكَ وأنتَ
شهيدٌ ، واعلمْ أنَّ العوالمَ في طريقِكَ هذا ثلاثةٌ :
عالمُ الملكِ : والشهادةُ أوَّلُهُ ، ولقدْ كانَ الكاغدُ والحبرُ والقلمُ واليدُ مِنْ
هذا العالمٍ ، وقدْ جاوزتَ تلكَ المنازلَ على سهولةٍ .
والثاني : عالمُ الملكوتِ : وهوَ ورائي ، فإذا جاوزتَني .. انتهيتَ إلى
منازلِهِ ، وفيها المهامهُ الفيحُ ، والجبالُ الشاهقةُ، والبحارُ المغرقةُ ،
ولا أدري كيفَ تسلمُ فيها .
والثالثُ : عالمُ الجبروتِ : وهوَ بينَ عالمِ الملكِ وعالمِ الملكوتِ ،
٢١٧
ـحن
٤٢-
كتاب التوحيد والتوكل
ربع المنجيات
ولقدْ قطعتَ منهُ ثلاثَ منازلَ ؛ إذْ في أوَّلِهِ منزلُ القدرةِ والإرادةِ والعلمِ ،
وهوَ واسطةٌ بينَ عالمِ الملكِ والملكوتِ ؛ لأنَّ عالمَ الملكِ أسهلُ منهُ
طريقاً، وعالمُ الملكوتِ أوعرُ منهُ منهجاً ، وإنَّما عالمُ الجبروتِ بينَ عالمٍ
الملكِ وعالمِ الملكوتِ يشبهُ السفينةَ التي هيَ في الحركةِ بينَ الأرضِ
والماءِ ، فلا هيَ في حدِّ اضطرابِ الماءِ ، ولا هيَ في حدِّ سكونِ الأرضِ
وثباتِها ، وكلُّ مَنْ يمشي على الأرضِ يمشي في عالمِ الملكِ والشهادةِ ، فإنْ
جاوزَتْ قوتُهُ إلى أنْ يقوى على ركوبِ السفينةِ .. كانَ كمَنْ يمشي في عالمٍ
الجبروتِ ، فإنِ انتهى إلى أنْ يمشيَ على الماءِ مِنْ غيرِ سفينةٍ .. مشى في
عالمِ الملكوتِ مِنْ غيرٍ تتعتعٍ .
FV
فإِنْ كنتَ لا تقدرُ على المشي على الماءِ .. فانصرفْ ، فقدْ جاوزتَ
الأرضَ وخلفتَ السفينةَ ، ولمْ يبقَ بينَ يديكَ إلا الماءُ الصافي ، وأَوَّلُ عالمٍ
الملكوتِ مشاهدةُ القلمِ الذي يُكتبُ بهِ العلمُ في لوحِ القلبِ ، وحصولُ
اليقينِ الذي يُمْشَى بهِ على الماءِ ، أما سمعتَ قولَ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ
وسلَّمَ في عيسى عليهِ السلامُ: ((لوٍ ازدادَ يقيناً .. لمشى على الهواءِ)) لما
قيلَ لهُ: إنَّهُ كانَ يمشي على الماءِ؟(١).
٩٠
فقالَ السالكُ السائلُ : قَدْ تحيَّرتُ في أمري ، واستشعرَ قلبي خوفاً ممَّا
(١) رواه الحكيم الترمذي في ((نوادره)) (ص ٣٠٣)، والبيهقي في ((الزهد)) ( ٩٧٦)،
وأبو نعيم في (( الحلية)) (١٥٦/٨).
٩٠
٢١٨
مون
٠٠٥٠٠
ربع المنجيات
كتاب التوحيد والتوكل
وصفتَهُ مِنْ خطرِ الطريقِ ، ولستُ أدري أطيقُ قطعَ هذهِ المهامهِ التي وصفتَها
أمْ لا ، فهلْ لذلكَ مِنْ علامةٍ ؟
فقالَ : نعمٍ ، افتحْ بصرَكَ ، واجمعْ ضوءَ عينيكَ وحدِّقْهُ نحوي ، فإنْ
ظهرَ لكَ القلمُ الذي بهِ اكتُبَ في لوحِ القلبِ .. فيشبهُ أنْ تكونَ أهلاً لهذا
الطريقِ، فإنَّ كلَّ مَنْ جاوزَ عالمَ الجبروتِ وقرعَ أوَّلَ بابٍ مِنْ أبوابِ
الملكوتِ .. كُوشفَ بالقلم ، أما ترى أنَّ النبيَّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ في أوَّلٍ
أمرِهِ كُوشفَ بالقلم؛ إذْ نزلَ عليهِ: ﴿ أَقْرَأْ وَرَبُّكَ آلْأَكْرَمُ ﴾: الَّذِى عَلَّمَ بِالْقَلَمِ: {﴾: عَلَّمَ
اُلْإِنِسَنَ مَا لَمْ يَعْمَ﴾.
بےہ
فقالَ السالكُ: لقدْ فتحتُ بصري وحدَّقتُهُ ، فواللهِ؛ ما أرى قصباً
ولا خشباً ، ولا أعلمُ قلماً إلا كذلكَ .
فقالَ العلمُ : لقدْ أبعدتَ النُّجعةَ، أما سمعتَ أنَّ متاعَ البيتِ يشبهُ ربَّ
البيتٍ ؟ أما علمتَ أنَّ اللهَ تعالى لا تشبهُ ذاتُهُ سائرَ الذواتِ ؟ فكذلكَ لا تشبهُ
يدُهُ الأيديَ ولا قلمُهُ الأقلامَ ، ولا كلامُهُ سائرَ الكلام ، ولا خطُّهُ سائرَ
الخطوطِ ، وهذهِ أمورٌ إلهيّةٌ مِنْ عالمِ الملكوتِ ، فليسَ اللهُ تعالى في ذاتِهِ
بجسمٍ ، ولا هوَ في مكانٍ بخلافٍ غيرِهِ ، ولا يدُهُ لحمٌ وعظمٌ ودمٌ بخلافٍ
الأيدي ، ولا قلمُهُ مِنْ قصبٍ ، ولا لوحُهُ مِنْ خشبٍ ، ولا كلامُهُ صوتٌ
وحرفٌ، ولا خطّهُ رقمٌ ورسمٌ ، ولا حبرُهُ زاجٌ وعفْصٌ ، فإنْ كنتَ لا تشاهدُ
هذا هكذا .. فما أراكَ إلا مخنثاً بينَ فحولةِ التنزيهِ وأنوثةِ التشبيهِ ، مذبذباً
٢١٩
سون
كتاب التوحيد والتوكل
ربع المنجيات
حن
بينَ هذا وذاكَ ، لا إلى هؤلاءِ ولا إلى هؤلاءِ ، فكيفَ نزَّهتَ ذاتَهُ تعالى
وصفاتِهِ عنِ الأجسام وصفاتِها ونزهتَ كلامَهُ عنْ معاني الحروفِ والأصواتِ
وأخذتَ تتوقَّفُ في يدِهِ وقلمِهِ ولوحِهِ وخطِّهِ ؟!
فإِنْ كنتَ قدْ فهمتَ مِنْ قولِهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: ((إنَّ اللهَ خلقَ آدمَ
على صورتِهِ )) (١) الصورةَ الظاهرةَ المدركةَ بالبصرِ .. فكنْ مشبِّهاً مطلقاً؛
كما يُقالُ : كُنْ يهودياً صِرْفاً وإلا .. فلا تلعبْ بالتوراةِ .
وإنْ فهمتَ منهُ الصورةَ الباطنةَ التي تُدركُ بالبصائرِ لا بالأبصارِ .. فكنْ
منزِّهاً صرفاً ومقدِّساً فحلاً، واطوِ الطريقَ ، فإنَّكَ بالوادِ المقدَّسِ طوىٍ ،
واستمعْ بسرٌّ قلبكَ لما يُوحى، فلعلَّكَ تجدُ على النارِ هدىً، ولعلَّكَ مِنْ
سرادقاتِ العزِّ تنادى بما نُودي بهِ موسى: إنِّي أنا رَّكَ الأعلى.
فلمَّا سمعَ السالكُ مِنَ العلمِ ذلكَ .. استشعرَ قصورَ نفسِهِ، وأنَّهُ مخنَّثٌ
بينَ التشبيهِ والتنزيهِ ، فاشتعلَ قلبُهُ ناراً مِنْ حدَّةِ غضبهِ على نفسِهِ لمَّا رآها
بعينِ النقصِ ، ولقدْ كانَ زيتُهُ الذي في مشكاةٍ قلبِهِ يكادُ يضيءُ ولَوْ لمْ تمسسْهُ
نارٌ، فلما نفخَ فيهِ العلمُ بحذَّتِهِ .. اشتعلَ زيتُهُ ، فأصبحَ نوراً على نورٍ ،
فقالَ لهُ العلمُ : اغتنمِ الآنَ هذهِ الفرصةَ وافتحْ بصرَكَ ، فلعلَّكَ تجدُ على
النارِ هدىّ، ففتحَ بصرَهُ ، فانكشفَ لهُ القلمُ الإلهيُّ، فإذا هوَ كما وصفَهُ
العلمُ في التنزيهِ ، ما هوَ مِنْ خشبٍ ولا قصبٍ ، ولا لهُ رأسٌ ولا ذنبٌ ،
(١) رواه مسلم ( ١١٥/٢٦١٢).
٢٢٠
كن.
حن
٧٨٠