Indexed OCR Text

Pages 161-180

كتاب الفقر والزهد
ربع المنجيات
المهمُّ الثالثُ : المسكنُ :
وللزهدِ أيضاً فيهِ ثلاثُ درجاتٍ :
أعلاها : ألا يطلبَ موضعاً خاصّاً لنفسِهِ ، فيقنعَ بزوايا المساجدِ
كأصحابِ الصفَّةِ .
وأوسطُها : أنْ يطلبَ موضعاً خاصّاً لنفسِهِ ؛ مثلَ كوخ مبنيٍّ مِنْ سعفٍ أَوْ
%
خصٍّ أوْ ما يشبهُهُ(١) .
وأدناها : أنْ يطلبَ حجرةٌ مبنيةً؛ إمَّا بشراءٍ أوْ إجارةٍ ، فإنْ كانَ قدْرُ سعةٍ
المسكنِ على قدْرِ حاجتِهِ مِنْ غيرِ زيادةٍ ، ولمْ يكنْ فيهِ زينةٌ .. لمْ يخرجْهُ
هذا القذْرُ عن آخرِ درجاتِ الزهدِ ، فإنْ طلبَ التشييدَ والتجصيصَ والسعةَ
وارتفاعَ السقفِ أكثرَ مِنْ ستةِ أذرع .. فقدْ جاوزَ بالكليّة حذَّ الزهدِ في
المسكنِ .
فاختلافُ جنسٍ البناءِ بأنْ يكونَ بالجصِّ أوِ القصبِ أوْ بالطينِ أوْ بالآجرِّ ،
-
(١) الخُصُّ: البيت من قصب، وفي (أ): (الخوص) وهو ورق النخل، وهذا الوسط
كان وصف مسكن الأسوة الحسنة صلى الله عليه وسلم ، إذ لم تكن بيوت أزواجه
عليه الصلاة والسلام من حجر أو لَبِن ، بل كانت من سعف وطين ، روى ابن سعد
في ((طبقاته)) (٤٣٠/١) عن عمران بن أبي أنس قال: (أدركت حُجَر أزواج
رسول الله صلى الله عليه وسلم من جريد النخل على أبوابها المسوح من شعر أسود ،
فحضرتُ كتاب الوليد بن عبد الملك يُقرأ، يأمر بإدخال حُجَر أزواج النبي صلى الله
عليه وسلم في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فما رأيت أكثر باكياً من ذلك
اليوم ) .
حن حن جن حق جن ش حة
٦٠
ـحر
١٦٢

ربع المنجيات
كتاب الفقر والزهد
واختلافُ قدرِهِ بالسعةِ والضيقِ ، واختلافُ طولِهِ بالإضافةِ إلى الأوقاتِ بأنْ
يكونَ مملوكاً أوْ مستأجراً أوْ مستعاراً ، والزهدِ مدخلٌ في جميع ذلكَ .
وبالجملةِ : كلُّ ما يُرادُ للضرورةِ فلا ينبغي أنْ يجاوزَ حدَّ الضرورةِ ،
وقدْرُ الضرورةِ مِنَ الدنيا آلةُ الدينِ ووسيلتُهُ ، وما جاوزَ ذلكَ فهوَ مضادٌّ
للدينِ ، والغرضُ مِنَ المسكنِ دفعُ المطرِ والبردِ ، ودفعُ الأعينِ والأيدي ،
وأقلُّ الدرجاتِ فيه معلومٌ ، وما زادَ عليهِ فهوَ منَ الفضولِ ، والفضولُ كلُّهُ
مِنَ الدنيا ، وطالبُ الفضولِ والساعي لهُ بعيدٌ مِنَ الزهدِ جداً .
وقدْ قيلَ : أوَّلُ شيءٍ ظهرَ مِنْ طولِ الأملِ بعدَ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ
وسلَّمَ التدريزُ والتشييدُ ، يعني بالتدريزِ : كفَّ دروزِ الثيابِ ؛ فإنَّها
كانَتْ تُشُلُّ شلاً (١)، والتشييدُ هوَ البنيانُ بالجصِّ والآجرِّ ، وإنَّما كانوا
يبنونَ بالسعفِ والجريدِ (٢)، وقدْ جاءَ في الأثرِ: ( يأتي على الناسِ زمانٌ
%
(١) أي: تخاط خياطة خفيفة، بخلاف الدرز الذي هو التدقيق فيها . روى الحاكم في
((المستدرك)) (١٩٥/٤) عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال: لبس عمر قميصاً
جديداً ثم قال : مدَّ كميَّ يا بني وألزق يدك بأطراف أصابعي واقطع ما فضل عنهما ،
قال : فقطعت من الكمين ، فصار فم الكمين بعضه فوق بعض ، فقلت : لو سويته
بالمقص ، قال : دعه يا بني ، هكذا رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يفعل ، قال
ابن عمر : فما زال القميص على أبي حتى تقطّع ، وما كنا نصلي حتى رأيت بعض
الخيوط تتساقط على قدميه .
CG
(٢) كذا في ((القوت)) (٢٦٠/١) والسياق عنده، وعند البخاري (٤٤٦) عن ابن عمر
رضي الله عنهما أن مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم كان على عهده مبنياً باللبن ،
وسقفه الجريد ، وعمده خشب النخل .
١٦٣

كتاب الفقر والزهد
ربع المنجيات
يوُّونَ بنيانَهُمْ كما تُوشَّى البرودُ اليمانيةُ)(١).
وأمرَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ العباسَ أنْ يهدمَ عِلِّيَّةً كانَ قدْ علا
بها(٢)، ومرَّ عليهِ الصلاةُ والسلامُ بجُنْبُدَةٍ معلاَةٍ فقالَ: ((لمَنْ هذهِ))؟
فقالوا: لفلانٍ، فلمَّا جاءَهُ الرجلُ .. أعرضَ عنهُ، فلمْ يكنْ يقبلُ عليهِ كما
كانَ ، فسألَ الرجلُ أصحابَهُ عنْ تغيُّرِ وجهِهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ ، فأُخبرَ ،
فذهبَ فهدمَها ، فمرَّ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ بالموضع فلمْ يرَها ،
فأُخبرَ بأنَّهُ هدمَها ، فدعا لهُ بخيرٍ (٣).
وقالَ الحسنُ : ( ماتَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ ولمْ يضعْ لبنةً على
لبنةٍ ، ولا قصبةً على قصبةٍ ) (٤).
وقالَ النبيُّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: ((إذا أرادَ اللهُ بعبدٍ شرّاً .. أهلكَ مالَهُ
في الماءِ والطينِ))(٥) .
(١) كذا في ((القوت)) (٢٦٠/١).
(٢) رواه ابن أبي الدنيا في ((قصر الأمل)) (٢٨١)، والبيهقي في (( الشعب))
( ١٠٢٤٢ ) .
(٣) رواه أبو داوود (٥٢٣٧) وفيه: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج فرأى قبة
مشرفة ... الحديث ، والجنبذة : لفظة فارسية معربة ، أصلها : كنبد ، وهي القبة .
(٤) رواه ابن أبي الدنيا في ((قصر الأمل)) (١٧٦)، وأبو نعيم في ((الحلية)) (١٥٤/٢)،
والبيهقي في (( الشعب)) ( ١٠٢٤٠ ).
(٥) رواه الطبراني في (( الكبير)) (١٨٥/٢) من حديث جابر رضي الله عنه ، والبيهقي في
(الشعب)» (١٠٢٣٥) من حديث محمد بن بشير الأنصاري .
١٦٤

ربع المنجيات
كتاب الفقر والزهد
وقالَ عبدُ اللهِ بنُ عمرو : مرَّ علينا رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ ونحنُ
نعالجُ خُصّاً ، فقالَ: ((ما هذا؟)) قلنا: خُصٌّ لنا قدْ وَهى، فقالَ: ((أرى
الأمرَ أعجلَ مِنْ ذلكَ)»(١)
٠
واتخذَ نوحٌ عليهِ السلامُ بيتاً مِنْ قصبٍ، فقيلَ لهُ : لَوْ بنيتَ ، فقالَ :
هذا كثيرٌ لمَنْ يموتُ (٢).
وقالَ الحسنُ : دخلنا على صفوانَ بنِ مُحْرزٍ وهوَ في بيتٍ مِنْ قصبٍ قَدْ
مالَ عليهِ ، فقيلَ لهُ: لوْ أصلحتَهُ ، فقالَ : كم مِنْ رجلٍ قَدْ ماتَ وهذا قائمٌ
على حالِهِ (٣).
وقالَ النبيُّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: ((مَنْ بنىُ فوقَ ما يكفيهِ .. كُلِّفَ أنْ
يحملَهُ يومَ القيامةِ )»(٤).
وفي الخبرِ : ((كلُّ نفقةٍ يُؤجرُ عليها العبدُ إلا ما أنفقَهُ في الماءِ
والطينِ))(٥) .
(١) رواه أبو داوود (٥٢٣٥)، والترمذي (٢٣٣٥)، وابن ماجه (٤١٦٠).
(٢) رواه ابن أبي الدنيا في ((قصر الأمل)) (٢٥٣)، والبيهقي في (( الشعب))
( ١٠٢٦٦ ) .
(٣) بنحوه عند ابن سعد في ((طبقاته)) (١٤٨/٩).
(٤) رواه ابن أبي الدنيا في ((قصر الأمل)) (٢٤٦)، والبيهقي في (( الشعب))
( ١٠٢٢٧ ) .
(٥) رواه بنحوه ابن ماجه (٤١٦٣) ففيه: ((إن العبد ليؤجر في نفقته كلها إلا في التراب)»
أو قال: ((في البناء)).
١٦٥

كتاب الفقر والزهد
ربع المنجيات
حر
وفي قولِهِ تعالى: ﴿تِلْكَ الدَّارُ الْآَخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِدُونَ عُلُوا فِ الْأَرْضِ وَلَّا
فَسَادًا﴾ أنَّهُ الرئاسةُ والتطاولُ في البنيانِ .
G
وقالَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: ((كلُّ بناءٍ وبالٌ على صاحبهِ يومَ القيامةِ إلا
ما أكنَّ مِنْ حرٍّ وبردٍ))(١) .
وقالَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ للرجلِ الذي شكا إليهِ ضيقَ منزِلِهِ: ((اتسعْ
في السماءِ )) أيْ: في الجنَّةِ(٢).
٥
ونظرَ عمرُ رضيَ اللهُ عنهُ في طريقِ الشامِ إلى صرْحٍ قدْ يُنِيَ بجصٍّ وآجرٌ ،
فكبّرَ وقالَ : ( ما كنتُ أظنُّ أنْ يكونَ في هذهِ الأمَّةِ مَنْ يبني بنيانَ هامانَ
لفرعونَ )(٣)؛ يعني قولَ فرعونَ: ﴿فَأَوْقِّدْ لِ يَهَمَنُ عَلَى الطِّينِ﴾؛ يعني بهِ
الآجرّ .
ويُقالُ : إنَّ فرعونَ هوَ أوَّلُ مَنْ بُنيَ لهُ بالجصِّ والآجرِّ ، وأوَّلُ مَنْ عملَهُ
(١) كذا في ((القوت)) (٢٦١/١)، وهو عند أبي داوود (٥٢٣٧) في الحديث الذي فيه
ذكر القبة المتقدم قريباً، ولفظه: ((أما إن كل بناء وبال على صاحبه إلا ما لا ، إلا
ما لا))؛ يعني : ما لا بد منه .
(٢) كذا في ((القوت)) (٢٦١/١)، ورواه ابن شبة في ((تاريخ المدينة)) (٢٤٤/١) عن
المغيرة بن عبد الرحمن، وأبو داوود في (( المراسيل)) (٤٨٩) عن اليسع بن
المغيرة، كلاهما مرسلاً، ووصله الطبراني في ((الكبير)) (١١٧/٤) من حديث
خالد بن الوليد رضي الله عنه ، وهو الرجل الذي شكا ضيق مسكنه .
(٣) قوت القلوب (٢٦٠/١) .
١٦٦

ربع المنجيات
كتاب الفقر والزهد
هامانُ، ثمَّ تبعَهُما الجبابرةُ، وهذا هوَ الزخرفُ (١).
وذكرَ بعضُ السلفِ جامعاً في بعضِ الأمصارِ فقالَ : أدركتُ هذا
المسجدَ مبنياً مِنَ الجريدِ والسعفِ، ثُمَّ رأيتُهُ مبنياً مِنْ رهوصٍ، ثمَّ رأيتُهُ
الآنَ مبنياً باللَّبنِ ، فكانَ أصحابُ السعفِ خيراً مِنْ أصحابِ الرهوصِ ،
وكانَ أصحابُ الرهوصِ خيراً مِنْ أصحابِ اللَّبِنِ(٢).
ـحر
وكانَ في السلفِ مَنْ يبني دارَهُ مراراً في مدَّة عمرِهِ لضعفٍ بنائِهِ ، وقصرٍ
أملِهِ، وزهدِهِ في إحكام البنيانِ ، وكانَ منهُمْ مَنْ إذا حجَّ أَوْ غزا . . نزعَ بيتَهُ
أوْ وهبَهُ لجيرانِهِ، فإذا رجعَ .. أعادَهُ، وكانَتْ بيوتُهُمْ مِنَ الحشيشِ
والجلودِ ، وهيَ عادةُ العربِ الآنَ ببلادِ اليمنِ(٣).
وكانَ ارتفاعُ بناءِ السلفِ قامةً وبسطةً ، قالَ الحسنُ : ( كنتُ إذا دخلتُ
بيوتَ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ ضربتُ بيدي إلى السقفِ)(٤) .
(١) قوت القلوب (٢٦٠/١).
(٢) قوت القلوب (٢٦٠/١)، والرهوص: جمع رهْص، وهو الطين الذي يبنى به ،
يجعل بعضه على بعض .
(٣) قوت القلوب (٢٦٠/١) .
(٤) رواه ابن سعد في ((طبقاته)) (٤٣١/١)، وفيه: ( كنت أدخل بيوت أزواج النبي
صلى الله عليه وسلم في خلافة عثمان بن عفان فأتناول سُقُفَها بيدي ) ، وقد روى
(٤٣٠/١) أيضاً في وصف بيوت النبي صلى الله عليه وسلم أنها من جريد قد طرَّت
بالطين ، عليها مسوح شعر ، وقول أبي أمامة بن سهل يوم أدخلت في مسجده صلى الله
عليه وسلم زمن الوليد : ( ليتها تركت فلم تهدم ؛ حتى يقصر الناس عن البناء ، ويروا
ما رضي الله لنبيِّه صلى الله عليه وسلم ومفاتيح خزائن الدنيا بيده) ، وقول سعيد بن =
G
١٦٧
حن حن
ـحن

كتاب الفقر والزهد
ربع المنجيات
وقالَ عمرو بنُ دينارِ : ( إذا عَلَّى العبدُ البناءَ فوقَ ستةٍ أذرع .. ناداهُ
ملكٌ : إلى أينَ يا أفسقَ الفاسقينَ ؟!)(١) .
ےر
وقدْ نهىْ سفيانُ عنِ النظرِ إلى بناءِ مشيدٍ وقالَ : لولا نظرُ الناس .. لما
شيدوهُ ، فالناظرُ إليهِ معينٌ عليهِ (٢).
وقالَ الفضيلُ : ( إِنِّي لا أعجبُ ممَّنْ بنى وتركَ ، ولكِنِّي أعجبُ ممَّنْ
نظرَ إليهِ ولمْ يعتبرْ! )(٣).
وقالَ ابنُ مسعودٍ رضيَ اللهُ عنهُ: ( يأتي قومٌ يرفعونَ الطينَ ، ويضعونَ
الدينَ ، ويستعملونَ البراذينَ ، يصلُّون إلى قبلتِكُمْ، ويموتونَ على غيرِ
دِينِكُمْ ) .
المسيب : ( والله ؛ لوددت أنهم تركوها على حالها ينشأ ناشىء من أهل المدينة ويقدم
-
القادم من الأفق فيرى ما اكتفى به رسول الله صلى الله عليه وسلم في حياته ، فيكون ذلك
مما يزهد الناس في التكاثر والتفاخر ) .
(١) كذا في ((القوت)) (٢٦٠/١)، وروى أبو نعيم في ((الحلية)) (٧٥/٣) من حديث
أنس رضي الله عنه مرفوعاً: ((إذا بنى الرجل المسلم سبعة أو تسعة أذرع .. ناداه مناد
من السماء : أين تذهب يا أفسق الفاسقين؟!)).
(٢) قال نحوه ليحيى بن يمان كما في ((القوت)) (٢٦٠/١) حين نظر إلى باب مشيد، فقال
له سفيان : لا تنظر إليه ؛ إذا نظرت إليه .. كنت عوناً على بنائه؛ لأنه إنما بناه لينظر
إليه ، ولو كان كل من مر به لم ينظر إليه .. ما عمله .
(٣) رواه أبو نعيم في ((الحلية)). («إتحاف)) (٣٦٣/٩).
١٦٨

ربع المنجيات
كتاب الفقر والزهد
المهمُّ الرابعُ : أثاثُ البيتِ :
وللزهدِ فيهِ أيضاً درجاتٌ :
أعلاها : حالُ عيسى عليهِ السلامُ ؛ إذْ كانَ لا يصحبُهُ إلا مشطٌ وكوزٌ ،
فرأى إنساناً يمشُطُ لحيتَهُ بأصابعِهِ، فرمى المُشْطَ، ورأى آخرَ يشربُ مِنَ
النهرِ بكفيهِ ، فرمى الكوزَ .
وهذا حكمُ كلِّ أثاثٍ ، فإنَّهُ إنَّما يُرادُ لمقصودٍ ، فإذا استغنى عنهُ .. فهوَ
وبالٌ في الدنيا والآخرةِ ، وما لا يُستغنى عنهُ فيقتصرُ فيهِ على أقلِّ
الدرجاتِ ، وهوَ الخزفُ في كلِّ ما يكفي فيهِ الخزفُ ، ولا يبالي بأنْ يكونَ
مکسورَ الطرفِ إذا كانَ المقصودُ یحصلُ بهِ .
واله ٠ ٨
وأوسطُها : أنْ يكونَ لهُ أثاثٌ بقدْرِ الحاجةِ صحيحٌ في نفسِهِ ، لكنْ
يستعملُ الآلةَ الواحدةَ في مقاصدَ ؛ كالذي معَهُ قصعةٌ يشربُ فيها ، ويأكلُ
الثريدَ فيها، ويحفظُ المتاعَ فيها، وكانَ السلفُ يستحبُّونَ استعمالَ آلةٍ واحدةٍ
في أشياءَ للتخفيفِ .
وأدناها : أنْ يكونَ لهُ بعددِ كلِّ حاجةٍ آلةٌ مِنَ الجنسِ النازلِ الخسيسِ ،
فإنْ زادَ في العددِ أو في نفاسةِ الجنسِ .. خرجَ عنْ جميع أبوابِ الزهدِ ،
وركنَ إلى طلبِ الفضولِ .
ولينظرْ إلى سيرةِ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ وسيرةِ الصحابةِ
رضيَ اللهُ عنهُمْ، فقدْ قالَتْ عائشةُ رضيَ اللهُ عنها : ( كانَ ضِجاعُ رسولِ اللهِ
١٦٩

كتاب الفقر والزهد
ربع المنجيات
صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ الذي ينامُ عليهِ وسادةً مِنْ أدم حشوُها ليفٌ)(١).
وقالَ الفضيلُ : ( ما كانَ فراشُ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ إلا عباءةً
مثنيَّةٌ ، ووسادةً مِنْ أدم حشوُها لِيفٌ)(٢).
ورُوِيَ أنَّ عمرَ بنَ الخطابِ رضيَ اللهُ عنهُ دخلَ على رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ
عليهِ وسلَّمَ وهوَ نائمٌ على سريرٍ مرمولٍ بشريطٍ ، فجلسَ ، فرأى أثرَ الشريطِ
في جنبِهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ ، فدمعَتْ عينا عمرَ ، فقالَ لهُ النبيُّ صلَّى اللهُ
عليهِ وسلَّمَ: (( ما الذي أبكاكَ يا بنَ الخطابِ؟ )) قالَ : ذكرتُ كسرى
وقيصرَ وما هما فيهِ مِنَ الملكِ ، وذكرتُكَ وأنتَ رسولُ اللهِ وحبيبُهُ وصفيُّهُ
نائمٌ على سريرٍ مرمولٍ بالشريطِ، فقالَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: (( أما ترضىُ
يا عمرُ أنْ تكونَ لهُما الدنيا ولنا الآخرةُ؟ » قالَ: بلى يا رسولَ اللهِ ، قالَ :
((فذلكَ كذلكَ))(٣).
ودخلَ رجلٌ على أبي ذرٍّ ، فجعلَ يقلِّبُ بصرَهُ في بيتِهِ ، فقالَ : يا أبا
ذرِّ؛ ما أرى في بيتِكَ متاعاً ولا غيرَ ذلكَ مِنَ الأثاثِ! فقالَ: إنَّ لنا بيتاً
نوجّهُ إليهِ صالحَ متاعِنا ، فقالَ : إنَّهُ لا بدَّ لكَ مِنْ متاع ما دمتَ ههنا ،
(١) رواه البخاري (٦٤٥٦)، وأبو داوود ( ٤١٤٧)، والترمذي ( ١٧٦١) ، وابن ماجه
(٤١٥١)، والضجاع : كالفراش لفظاً ومعنىّ.
(٢) رواه الترمذي في ((الشمائل)) (٣٢٩) بنحوه عن عائشة وحفصة رضي الله عنهما .
(٣) رواه بنحوه البخاري ( ٤٩١٣)، ومسلم (٣١/١٤٧٩)، وبلفظه هنا رواه البخاري في
((الأدب المفرد)) (١١٦٣)، والمرمول: المنسوج، يقال: أرملته؛ إذا نسجته
بشريطٍ من خوص أو ليف .
١٧٠

ربع المنجيات
كتاب الفقر والزهد
فقالَ : إِنَّ صاحبَ المنزلِ لا يدعُنا فيهِ(١)
٠
ولمَّا قدمَ عميرُ بنُ سعدٍ أميرُ حمصَ على عمرَ رضيَ اللهُ عنهُما .. قالَ
لهُ : ما معَكَ مِنَ الدنيا؟ فقالَ: معي عصايَ أتوكَّأُ عليها ، وأقتلُ بها حيَّةٌ إنْ
لقيتُها ، ومعي جرابي أحملُ فيهِ طعامي ، ومعي قصعتي آكلُ فيها ، وأغسلُ
فيها رأسي وثوبي ، ومعي مطهرتي أحملُ فيها شرابي ووضوئي للصلاةِ ،
فما كانَ بعدَ هذا مِنَ الدنيا فهو تبعٌ لما معي ، فقالَ عمرُ رضيَ اللهُ عنهُ :
صدقتَ رحمَكَ اللهُ(٢).
وقدمَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ مِنْ سفرٍ ، فدخلَ على فاطمةً
رضيَ اللهُ عنها، فرأى على بابِ منزلِها ستراً ، وفي يدِها قُلْبينٍ مِنْ فضةٍ ،
فرجعَ ، فدخلَ عليها أبو رافعٍ وهيَ تبكي ، فأخبرَتُهُ برجوع رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ
عليهِ وسلَّمَ ، فسألَهُ أبو رافعِ، فقالَ: ((مِنْ أجلِ السترِ والسوارينِ ))، فأرسلَتْ
بهِما بلالاً إلى رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ وقالَتْ : قدْ تصدقتُ بهما ،
فضعْهُما حيثُ ترى، فقالَ: ((اذهبْ فبعْهُ وادفعْهُ إلى أهلِ الصفَّةِ »، فباعَ
القُلْبينِ بدرهمينِ ونصفٍ، وتصدَّقَ بهِما عليهِمْ، فدخلَ عليها رسولُ اللهِ
صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ فقالَ: ((بأبي أنتِ، قدْ أحسنتِ))(٣).
(١) رواه ابن أبي الدنيا في ((الزهد)) (١٢٧)، والبيهقي في ((الشعب)) (١٠١٦٨).
(٢) كذا في ((القوت)) (٢٥٧/١)، وقد رواه ضمن خبر طويل الطبراني في (( الكبير))
(٥١/١٧)، وأبو نعيم في ((الحلية)) (٢٤٨/١).
(٣) كذا في ((القوت)) (٢٥٨/١)، وروى أبو داوود (٤٢١٣) عن ثوبان رضي الله عنه =
٥
١٧١

كتاب الفقر والزهد
ربع المنجيات
ورأى رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ على بابِ عائشةَ رضيَ اللهُ عنها
ستراً، فهتكَهُ وقالَ: (( كلَّما رأيتُهُ .. ذكرتُ الدنيا، أرسلي بهِ إلى آل
فلانٍ ))(١) .
وفرشَتْ لهُ عائشةُ رضيَ اللهُ عنها ذاتَ ليلةٍ فراشاً جديداً ، وقدْ كانَ
صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ ينامُ على عباءةٍ مثنيّةٍ ، فما زالَ يتقلَّبُ ليلتَهُ، فلما
أصبحَ .. قالَ لها: (( أعيدي العباءةَ الخلقةَ ونخِّ هذا الفراشَ عني ، قدْ
أسهرَني الليلةَ))(٢).
وكذلكَ أتتْهُ دنانيرُ خمسةٌ أوْ ستةٌ عشاءً فبيَّتَها ، فسهرَ ليلتَهُ حتَّى أخرجَها
مِنْ آخرِ الليلِ ، قالَتْ عائشةُ رضيَ اللهُ عنها ، فنامَ حينئذٍ حتَّى سمعتُ
=
قال : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا سافر .. كان آخر عهده بإنسان من أهله
فاطمة ، وأول من يدخل عليها إذا قدم فاطمة ، فقدم من غزاة وقد علقت مسحاً أو ستراً
على بابها ، وحلَّت الحسن والحسين قُلْبين من فضة ، فقدم ، فلم يدخل ، فظنت أن
ما منعه أن يدخل ما رأى ، فهتكت الستر ، وفككت القلبين عن الصبيين وقطعته
بينهما ، فانطلقا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهما يبكيان ، فأخذه منهما وقال :
(( يا ثوبان؛ اذهب بهذا إلى آل فلان - أهل بيت بالمدينة - إن هؤلاء أهل بيتي أكره أن
يأكلوا طيباتهم في حياتهم الدنيا ، يا ثوبان ؛ اشتر لفاطمة قلادة عصب وسوارين من
عاج)) ، والقُلْب : السوار .
(١) كذا في ((القوت)) (٢٥٩/١)، ورواه مسلم (٨٨/٢١٠٧) من حديثها رضي الله عنها
وفيه: ((حوِّلي هذا، فإني كلما دخلت فرأيته .. ذكرت الدنيا))، وعنده
(٩١/٢١٠٧): ( ثم تناول الستر فهتكه ) .
(٢) كذا في ((القوت)) (٢٥٩/١)، وهو بنحوه من حديث عائشة رضي الله عنها عند
أبي الشيخ في ((أخلاق النبي صلى الله عليه وسلم وآدابه)) (٤٦٣).
١٧٢

ربع المنجيات
كتاب الفقر والزهد
غطيطَهُ، ثمَّ قالَ: ((ما ظنُّ محمدٍ بربِّهِ لوْ لقيَ اللّهَ وهذهِ عندَهُ؟))(١).
وقالَ الحسنُ : ( أدركتُ سبعينَ مِنَ الأخيارِ ما لأحدِهِمْ إلا ثوبُهُ ،
وما وضعَ أحدُهُمْ بِينَهُ وبينَ الأرضِ ثوباً قطُّ، كانَ إذا أرادَ النومَ .. باشرَ
الأرضَ بجسمِهِ، وجعلَ ثوبَهُ فوقَهُ)(٢).
المهمُّ الخامسُ : المنكحُ :
وقدْ قالَ قائلونَ : لا معنى للزهدِ في أصلِ النكاحِ ولا في كثرتِهِ ، وإلیهِ
ذهبَ سهلُ بنُ عبدِ اللهِ ، وقالَ : ( قدْ حُبِّبَ إلى سيِّدِ الزاهدينَ النساءُ ،
فكيفَ نزهدُ فيهِنَّ)(٣) .
ووافقَهُ على هذا القولِ ابنُّ عيينةَ ، وقالَ : ( كانَ أزهدَ الصحابةِ عليٌّ بنُ
أبي طالبٍ رضيَ اللهُ عنهُ، وكانَ لهُ أربعُ نسوةٍ وبضعَ عشرةَ سُرِّيَّةً )(٤).
والصحيحُ : ما قالَهُ أبو سليمانَ الدارانيُّ رحمهُ اللهُ، إذْ قالَ : ( كلُّ
(١) كذا في ((القوت)) (٢٥٩/١)، وقد رواه أحمد في ((المسند)) (٤٩/٦) من حديث
عائشة رضي الله عنها قالت : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في مرضه الذي مات
فيه: (( يا عائشة؛ ما فعلتِ الذهب؟)) فجاءت ما بين الخمسة إلى السبعة أو الثمانية أو
التسعة، فجعل يقلِّبها بيده ويقول: (( ما ظن محمد بالله عز وجل لو لقيه وهذه عنده ؟
أنفقيها)).
(٢) قوت القلوب (٢٦٧/١) .
(٣) قوت القلوب (٢٦٧/١) .
(٤) قوت القلوب (٢٦٧/١).
١٧٣

كتاب الفقر والزهد
ربع المنجيات
ما شغلَكَ عنِ اللهِ مِنْ أَهلِ ومالٍ وولدٍ .. فهوَ عليكَ مشؤومٌ)(١)، والمرأةُ قدْ
تكونُ شاغلاً عنِ اللهِ .
وكشْفُ الحقِّ فيهِ : أنَّهُ قدْ تكونُ العزوبةُ أفضلَ في بعضِ الأحوالِ كما
سبقَ في كتابِ النكاحِ ، فيكونُ تركُ النكاحِ مِنَ الزهدِ .
وحيثُ يكونُ النكاحُ أفضلَ لدفع الشهوةِ الغالبةِ .. فهوَ واجبٌ ، فكيفَ
یکونُ مِنَ الزهدِ تركُهُ ؟!
wwwww
وإنْ لمْ يكنْ عليهِ آفةٌ في تركِهِ ولا في فعلِهِ ، ولكنْ تركَ النكاحَ احترازاً
مِنْ ميلِ القلبِ إليهِنَّ والأنسِ بهِنَّ؛ بحيثُ يشتغلُ عنْ ذكرِ اللهِ .. فترْكُ ذلكَ
مِنَ الزهدِ .
وإنْ علمَ أنَّ المرأةَ لا تشغلُهُ عنْ ذكرِ اللهِ ، ولكنْ تركَ ذلكَ احترازاً مِنْ
لذَّةِ النظرِ والمضاجعةِ والمواقعةِ .. فليسَ هذا مِنَ الزهدِ أصلاً، فإنَّ الولد
مقصودٌ لبقاءِ نسلِهِ ، وتكثيرُ أمَّةِ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ مِنَ
القرباتِ ، واللذةُ التي تلحقُ الإنسانَ فيما هوَ مِنْ ضرورةِ الوجودِ لا تضرُّهُ إذا
لمْ تكنْ هيَ المطلبَ والمقصدَ ، وهذا كمَنْ تركَ أكلَ الخبزِ وشربَ الماءِ
احترازاً مِنْ لذَّةِ الأكلِ والشربِ، وليسَ ذلكَ مِنَ الزهدِ في شيءٍ ؛ لأنَّ في
ترْكِ ذلكَ فواتَ بدِنِهِ ، فكذلكَ في تركِ النكاحِ انقطاعُ نسِلِهِ .
فلا يجوزُ أنْ يتركَ النكاحَ زهداً في لذَّتِهِ مِنْ غيرِ خوفِ آفةٍ أخرى ، وهذا
(١) رواه ابن عساكر في ((تاريخ دمشق)) (٣٦٢/٣٣).
١٧٤
جر

ربع المنجيات
كتاب الفقر والزهد
ما عناهُ سهلٌ لا محالةَ ، ولأجلِهِ نكحَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ .
وإذا ثبتَ هذا .. فمَنْ حالُهُ حالُ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ في أنَّهُ
لا يشغلُهُ كثرةُ النسوةِ ولا اشتغالُ القلبِ بإصلاحِهِنَّ والإنفاقِ عليهِنَّ .. فلا
معنى لزهدِهِ فيهِنَّ حذراً مِنْ مجرَّدِ لذَّةِ الوقاع والنظرِ ، ولكنْ أنَّى يُتصوَّرُ ذلكَ
لغيرِ الأنبياءِ والأولياءِ ؟! فأكثرُ الناس يشغلُهُمْ كثرةُ النسوانِ، فينبغي أنْ يتركَ
الأصلَ إنْ كانَ يشغلُهُ ، وإنْ لمْ يشغلْهُ وكانَ يخافُ مِنْ أنْ تشغلَهُ الكثرةُ منهُنَّ
أوْ جمالُ المرأةِ .. فلينكحْ واحدةً غيرَ جميلةٍ ، وليراع قلبَهُ في ذلكَ .
قالَ أبو سليمانَ : ( الزهدُ في النساءِ أنْ يختارَ المرأةَ الدونَ أوِ اليتيمةً
على المرأةِ الجميلةِ والشريفةِ)(١) .
وقالَ الجنيدُ رحمهُ اللهُ : ( أحبُّ للمريدِ المبتدىءٍ أَلا يشغلَ قلبَهُ
بثلاثٍ، وإلا .. تغيَّرَ حالُهُ: التكسُّبُ، وطلبُ الحديثِ، والتزويجُ)(٢).
وقالَ : ( أحبُّ للصوفيِّ ألا يقرأ ولا يكتبَ ؛ لأنَّهُ أُجمعُ لهمِّهِ)(٣).
فإذا ظهرَ أنَّ لذَّةَ النكاح كلذَّةِ الأكلٍ .. فما يشغلُ عنِ اللهِ فهوَ محذورٌ
فيهما جميعاً .
(١) قوت القلوب (٢٦٧/١)، وقال: (وذهب إلى هذا مالك بن دينار ).
(٢) قوت القلوب (٢٦٧/١).
(٣) قوت القلوب (٢٦٧/١).
١٧٥

كتاب الفقر والزهد
ربع المنجيات
المهمُّ السادسُ : ما يكونُ وسيلةً إلى هذهِ الخمسةِ ، وهوَ المالُ والجاهُ :
أمَّا الجاهُ : فمعناهُ ملكُ القلوبِ بطلبِ محلِّ فيها ؛ ليتوصَّلَ بهِ إلى
الاستعانةِ في الأغراضِ والأعمالِ ، وكلُّ مَنْ لا يقدرُ على القيامِ بنفسِهِ في
جميع حاجاتِهِ ، وافتقرَ إلى مَنْ يخدمُهُ .. افتقرَ إلى جاهٍ - لا محالةَ - في قلبٍ
خادمِهِ ؛ لأنَّهُ إنْ لمْ يكنْ لهُ عندَهُ محلٌّ وقدْرٌ . . لمْ يقمْ بخدمتِهِ ، وقيامُ القدرِ
والمحلِّ في القلوبِ هوَ الجاهُ .
وهذا لهُ أوَّلُ قريبٌ ، ولكنْ يتمادىُ بهِ إلى هاويةٍ لا عمقَ لها ، ومَنْ حامَ
حولَ الحمى .. يوشكُ أنْ يقعَ فيهِ، وإنَّما يحتاجُ إلى المحلِّ في القلوبِ إمَّا
لجلبٍ نفع ، أوْ لدفع ضرٍّ، أَوْ لخلاصٍ مِنْ ظلمٍ .
فأمَّا النفعُ .. فيغني عنهُ المالُ، فإنَّ مَنْ يخدمُ بأجرةٍ يخدمُ وإنْ لمْ يكنْ
للمستأجرِ عندَهُ قدْرٌ، وإنَّما يُحتاجُ إلى الجاهِ في قلبٍ مَنْ يخدمُ بغيرِ أجرةٍ .
وأمَّا دفعُ الضرِّ .. فيحتاجُ لأجلِهِ إلى الجاهِ في بلدةٍ لا يكملُ العدلُ
فيها ، أوْ أنْ يكونَ بينَ جيرانٍ يظلمونَهُ ولا يقدرُ على دفع شرِّهِمْ إلا بمحلٌّ لهُ
في القلوبِ، أَوْ محلِّ لهُ عندَ السلطانِ ، وقدْرُ الحاجةِ فيهِ لا ينضبطُ ،
لا سيما إذا انضمَّ إليهِ الخوفُ وسوءُ الظنِّ بالعواقبِ .
والخائضُ في طلبِ الجاهِ سالكٌ طريقَ الهلاكِ ، بلْ حقُّ الزاهدِ ألا يسعى
لطلبِ المحلِّ في القلوبِ أصلاً ، فإنَّ اشتغالَهُ بالدينِ والعبادةِ يمهدُ لهُ مِنَ
المحلِّ في القلوبِ ما يدفعُ بهِ عنهُ الأذى ولوْ كانَ بينَ الكفَّارِ ، فكيفَ بينَ
١٧٦

كتاب الفقر والزهد
ربع المنجيات
المسلمينَ ؟! فأمَّا التوهُّماتُ والتقديراتُ التي تحوجُ إلى زيادةٍ في الجاهِ على
الحاصلِ بغيرِ كسبٍ .. فهيَ أوهامٌ كاذبةٌ؛ إذْ مَنْ طلبَ الجاهَ أيضاً لمْ يخلُ
عنْ أذى في بعضِ الأحوالِ ، فعلاجُ ذلكَ بالاحتمالِ والصبرِ أولى مِنْ علاجِهِ
بطلبِ الجاهِ .
فإذاً ؛ طلبُ المحلِّ في القلوبِ لا رخصةً فيهِ أصلاً ، واليسيرُ منهُ داع
إلى الكثيرِ ، وضراوتُهُ أشدُّ مِنْ ضراوةِ الخمرِ ، فليحترزْ مِنْ قليلِهِ وكثيرِهِ .
وأمَّا المالُ : فهوَ ضروريٌّ في المعيشةِ ؛ أعني القليلَ منهُ ، فإنْ كانَ
كسوباً ؛ فإذا اكتسبَ حاجةَ يومِهِ .. فينبغي أنْ يتركَ الكسبَ، كانَ بعضُهُمْ إِذا
اكتسبَ حبَّتَينِ .. رفعَ سفطَهُ وقامَ . هذا شرطُ الزهدِ .
فإنْ جاوزَ ذلكَ إلى ما يكفيهِ أكثرَ مِنْ سنةٍ .. فقدْ خرجَ عنْ حدٍّ ضعفاءٍ
الزهَّادِ وأقويائِهِمْ جميعاً ، وإنْ كانَتْ لهُ ضيعةٌ ولمْ يكنْ لهُ قوَّةُ يقينٍ في
التوكّلِ ، فأمسكَ منها مقدارَ ما يكفي ريعَهُ لسنةٍ واحدةٍ .. فلا يخرجُ بهذا
القدْرِ عنِ الزهدِ ، بشرطِ أنْ يتصدَّقَ بكلِّ ما يفضلُ عنْ كفايةِ سنتِهِ ، ولكنْ
يكونُ مِنْ ضعفاءِ الزَّادِ ؛ فإنْ شُرِطَ التوقُّلُ في الزهدِ كما شرطَهُ أويسٌ
القرنيُّ رحمهُ اللهُ .. فلا يكونُ هذا مِنَ الزهَّادِ، وقولُنا: (إنَّهُ خرِجَ مِنْ حدٍّ
الزهَّادِ ) نعني بهِ : أنَّ ما وُعدَ الزاهدينَ في الدارِ الآخرةِ مِنَ المقاماتِ
المحمودة لا ينالُهُ، وإلا .. فاسمُ الزهدِ قدْ لا يفارقُهُ بالإضافةِ إلى ما زُهِدَ
فيهٍ مِنَ الفضولِ والكثرةِ .
١٧٧

كتاب الفقر والزهد
ربع المنجيات
G
وأمرُ المنفردِ في جميع ذلكَ أخفتُّ مِنْ أمرِ المعيلِ ، وقدْ قالَ
أبو سليمانَ : ( لا ينبغي أنْ يرهقَ الرجلُ أهلَهُ إلى الزهدِ ، بَلْ يدعوهُمْ إليهِ ،
فإنْ أجابوا ، وإلا .. تركَهُمْ وفعلَ بنفسِهِ ما شاءً)؛ معناهُ: أَنَّ التضييقَ
المشروطَ على الزاهدِ يخصُّهُ ولا يلزمُهُ كلُّ ذلكَ في عيالِهِ ، نعمْ ، لا ينبغي
أنْ يجيبَهُمْ أيضاً فيما يخرجُ عنْ حدِّ الاعتدالِ ، وليتعلَّمْ مِنْ رسولِ اللهِ
صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ إذِ انصرفَ مِنْ بيتِ فاطمةَ رضيَ اللهُ عنها بسببٍ سترٍ
وقُلْبينِ ؛ لأنَّ ذلكَ مِنَ الزينةِ لا مِنَ الحاجةِ .
فإِذاً ؛ ما يُضطرُّ الإنسانُ إليهِ مِنْ جاهٍ ومالٍ ليسَ بمحذورٍ ، بلِ الزائدُ على
الحاجةِ سمٌّ قاتلٌ، والاقتصارُ على قدْرِ الضرورةِ دواءٌ نافعٌ ، وما بينَهُما
درجاتٌ متشابهةٌ ، فما يقربُ مِنَ الزيادةِ وإنْ لمْ يكنْ سمّاً قاتلاً .. فهوَ
مضرٌّ، وما يقربُ مِنَ الضرورةِ .. فهوَ وإنْ لمْ يكنْ دواءً نافعاً ولكنَّهُ قليلٌ
الضررِ، والسُّ محظورٌ شربُهُ، والدواءُ فرضٌ تناولُهُ، وما بينَهُما مشتبهٌ
أمرُهُ، فمَنِ احتاطَ .. فإنَّما يحتاطُ لنفسِهِ، ومَنْ تساهلَ .. فإنَّما يتساهلُ
على نفسِهِ ، ومَنِ استبرأَ لدينِهِ ، وترك ما يريبُهُ إلى ما لا يريبُهُ، وردَّ نفسَهُ
إلى مضيقِ الضرورةِ .. فهوَ الآخذُ بالحزم، وهوَ مِنَ الفرقةِ الناجيةِ
لا محالةً .
والمقتصرُ على قدْرِ الضرورةِ والمهمِّ لا يجوزُ أنْ يُنسبَ إلى الدنيا ، بلْ
ذلكَ القَدْرُ مِنَ الدنيا هوَ عينُ الدينِ ؛ لأنَّهُ شرطُ الدينِ ، والشرطُ مِنْ جملةٍ
المشروطِ، ويدلُّ عليهِ ما رُوِيَ أنَّ إبراهيمَ الخليلَ عليهِ السلامُ أصابَتْهُ
١٧٨

ربع المنجيات
كتاب الفقر والزهد
حاجةٌ ، فذهبَ إلى صديقِ لهُ يستقرضُهُ شيئاً، فلمْ يقرضُهُ ، فرجعَ
مهموماً ، فأوحى اللهُ تعالىُ إليهِ: لو سألتَ خليلَكَ .. لأعطاكَ، فقالَ :
يا ربِّ؛ عرفتُ مقتَكَ للدنيا ، فخفتُ أنْ أسألَكَ منها شيئاً، فأوحى اللهُ
تعالى إليهِ : ليسَ الحاجةُ مِنَ الدنيا (١) .
فإذاً ؛ قدْرُ الحاجةِ مِنَ الدينِ ، وما وراءَ ذلكَ وبالٌ في الآخرةِ ، وهوَ في
الدنيا أيضاً كذلكَ، يعرفُهُ مَنْ يخبُرُ أحوالَ الأغنياءِ ، وما عليهِمْ مِنَ المحنةِ
في كسبِ المالِ وجمعِهِ وحفظِهِ واحتمالِ الذلُ فيهِ ، وغايةُ سعادتِهِ بهِ أنْ يُسلَّمَ
لورثتِهِ فيأكلونَهُ وربَّما يكونونَ أعداءً لهُ، وقدْ يستعينونَ بهِ على المعصيةِ ،
فيكونُ هوَ معيناً لُهُمْ عليها .
2
ولذلكَ شُبِّهَ جامعُ الدنيا ومتبعُ الشهواتِ بدودِ القزِّ ، لا يزالُ ينسجُ على
نفسِهِ حتَّى يفتلَها ، ثمَّ يرومُ الخروجَ فلا يجدُ مخلصاً ، فيموتُ ويهلكُ
بسببٍ عملِهِ الذي عملَهُ بنفسِهِ ، فكذلكَ كلُّ مَنِ اتبعَ شهواتِ الدنيا فإنَّما
يحكمُ على قلبهِ بسلاسلَ تقيِّدُهُ بما يشتهيهِ ، حتَّى تتظاهرَ عليهِ السلاسلُ ،
فيقيدَهُ المالُ، والجاهُ، والأهلُ، والولدُ، وشماتةُ الأعداءِ ، ومراءاةٌ
الأصدقاءِ ، وسائرُ حظوظِ الدنيا ، فلوْ خطرَ لهُ أنَّهُ قد أخطأَ فيهِ ، فقصدَ
الخروجَ مِنَ الدنيا .. لمْ يقدرْ عليهِ، ورأىْ قلبَهُ مقيَّداً بسلاسلَ وأغلالٍ
لا يقدرُ على قطعِها، ولوْ تركَ محبوباً مِنْ محابِّهِ باختيارِهِ .. كادَ أنْ يكونَ
(١) قوت القلوب (٢٤٥/١).
١٧٩
ـتر

كتاب الفقر والزهد
ربع المنجيات
حن
قاتلاً لنفسِهِ ، وساعياً في هلاكِهِ ، إلى أنْ يفرِّقَ ملكُ الموتِ بينَهُ وبينَ
جميعِها دفعةً واحدةً ، فتبقى السلاسلُ مِنْ قلبهِ معلّقةٌ بالدنيا التي فاتَتْهُ
وخلَّفَها ، فهيَ تجاذبُهُ إلى الدنيا ، ومخالبُ ملكِ الموتِ قدْ علقَتْ بعروقٍ
قلبِهِ تجذبُهُ إلى الآخرةِ ، فيكونُ أهونُ أحوالِهِ عندَ الموتِ أنْ يكونَ كشخصٍ
يُنشرُ بالمنشارِ ، ويُفصلُ أحدُ جانبيهِ عنِ الآخرِ بالمجاذبةِ مِنَ الجانبينِ ،
والذي يُنشرُ بالمنشارِ إنَّما ينزلُ الألمُ ببدنِهِ، ويألمُ قلبُهُ بذلكَ بطريقِ السرايةِ
مِنْ حيثُ أثرُهُ، فما ظنُّكَ بألم يتمكَّنُ أَوَّلاً مِنْ صميمِ القلبِ ، مخصوصاً بهِ
لا بطريقِ السرايةِ إليهِ مِنْ غيرِهِ ؟!
فهذا أوَّلُ عذابٍ يلقاهُ قبلَ ما يراهُ مِنْ حسرةِ فوتِ النزولِ في أعلى
علِّيِّينَ، وجوارِ ربِّ العالمينَ، فبالنزوع إلى الدنيا يُحجبُ عنْ لقاءِ اللهِ
تعالى ، وعند الحجابِ تتسلَّطُ عليهِ نارُ جهنَّمَ؛ إذِ النارُ غيرُ مسلَّطةٍ إلا على
محجوبِ، قالَ اللهُ تعالى: ﴿كَلَّ إِنَّهُمْ عَن رَّبِّهِمْ يَوْمَيِذٍ لََّحْجُوبُونَ: ٤َ ثُمَّإِنَّهُمْ لَصَالُواْ
اٌلَْحِ﴾، فرتَّبَ العذابَ بالنارِ على ألمِ الحجابِ ، وألمُ الحجابِ كافٍ مِنْ
غيرِ علاوةِ النّارِ ، فكيفَ إذا أُضيفَتِ العلاوةُ إليهِ ؟! فنسألُ اللهَ تعالىُ أنْ يقرِّرَ
في أسماعنا ما نُفِثَ في رُوعِ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ حيثُ قيلَ لهُ :
(( أحببْ ما أحببتَ فإِنَّكَ مفارقُهُ))(١)
(١) كذا في النسخ: ((أحبب ما)»، ورواه أبو نعيم في «الحلية)) (٢٠٢/٣)، والبيهقي
في «الشعب)) (١٠٠٥٨) بلفظ: (( أحبب من)).
١٨٠
٥)