Indexed OCR Text

Pages 101-120

ربع المنجيات
:٠٠٠٠
:٠٠
كتاب الفقر والزهد
صحيحةٌ ؛ فإنَّ التوبةَ عبارةٌ عنْ تركِ المحظوراتِ ، والزهدُ عبارةٌ عنْ تركٍ
المباحاتِ التي هيَ حظّ النفسِ ، ولا يبعدُ أنْ يقدرَ على تركِ بعضِ المباحاتِ
دونَ بعضٍ ، كما لا يبعدُ ذلكَ في المحظوراتِ ، والمقتصرُ على تركٍ
المحظوراتِ لا يُسمَّى زاهداً وإنْ كانَ قدْ زهدَ في المحظورِ وانصرفَ عنهُ ،
ولكنَّ العادةَ تخصِّصُ هذا الاسمَ بتركِ المباحاتِ .
فإذاً ؛ الزهدُ عبارةٌ عنْ رغبتِهِ عنِ الدنيا عدولاً إلى الآخرةِ ، أَوْ عنْ
غيرِ اللهِ تعالىُ عدولاً إلى اللهِ تعالى، وهيَ الدرجةُ العليا .
وكما يُشترطُ في المرغوبِ فيهِ أنْ يكونَ خيراً عندَهُ .. فيُشترطُ في
المرغوبِ عنهُ أنْ يكونَ مقدوراً عليهِ ، فإنَّ تركَ ما لا يُقدرُ عليهِ محالٌ ،
وبالتركِ يتبيَّنُ زوالُ الرغبةِ ، ولذلكَ قيلَ لابنِ المباركِ : يا زاهدُ ، فقالَ :
الزاهدُ عمرُ بنُ عبدِ العزيزِ ؛ إذْ جاءَتْهُ الدنيا راغمةً فتركَها، وأمَّا أنا ..
ففيماذا زهدتُ ؟(١) .
وأمَّا العلمُ الذي هو مثمرٌ لهذهِ الحالِ :
فهوَ العلمُ بكونِ المتروكِ حقيراً بالإضافةِ إلى المأخوذِ ؛ كعلم التاجرِ بأنَّ
العوضَ خيرٌ مِنَ المبيع، فيرغبُ فيهِ ، وما لمْ يتحقَّقْ هذا العلمُ ..
(١) رواه أحمد في ((المسند)) (٢٤٩/٥)، وهو عند صاحب ((القوت)) (٢٤٩/١).
وقد روي في هذا الباب عن الشريف محسن بن علوي السقاف ( ت ١٢٩١ هـ) لما
سمع أحدهم - ممن لا يملك من الدنيا شيئاً - يقول للدنيا: ( طلقتك ثلاثاً !! ) .. فقال
له : ( إنك لم تطلق الدنيا ، بل الدنيا طلقتك ) .
١٠١

كتاب الفقر والزهد
ربع المنجيات
ـور
لا يُصوَّرُ أنْ تزولَ الرغبةُ عنِ المبيع ؛ فكذلكَ مَنْ عرفَ أنَّ ما عندَ اللهِ باقٍ
وأنَّ الآخرةَ خيرٌ وأبقىُ ؛ أيْ : لذَّاتُها خيرٌ في نفسِها وأبقى، كما يكونُ
الجوهرُ خيراً مِنَ الثلج مثلاً، وهيَ أبقى كما يكونُ الجوهرُ أبقىُ مِنَ الثلجِ ،
ولا يعسرُ على مالكِ الثلجِ بيعُهُ بالجواهرِ واللآلىءٍ، فهكذا مثالُ الدنيا
والآخرةِ ، فالدنيا كالثلجِ الموضوعِ في الشمسِ لا يزالُ في الذوبانِ إلى
الانقراضٍ ، والآخرةُ كالجوهرِ الذي لا فناءَ لهُ .
فبقدْرِ قوَّةِ اليقينِ والمعرفةِ بالتفاوتِ بينَ الدنيا والآخرةِ تقوى الرغبةُ في
البيع والمعاملةِ، حتَّى إنَّ مَنْ قويَ يقينُهُ يبيعُ نفسَهُ ومالَهُ؛ كما قالَ اللهُ
تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ أُشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَهُم بِأَنَ لَهُمُ
اُلْجَنَّةُ﴾، ثمَّ بَيَّنَ أنَّ صفقتَهُمْ رابحةٌ فقالَ: ﴿فَأُسْتَبْشِرُوا بِبَيْحِكُمُ الَّذِى بَايَعْتُم
پهِ ﴾
ـحر
فليسَ يحتاجُ مِنَ العلمِ في الزهدِ إلا إلى هذا القدْرِ ، وهوَ أنَّ الآخرةَ
خيرٌ وأبقى ، وقدْ يعلمُ ذلكَ مَنْ لا يقدرُ على تركِ الدنيا ؛ إمَّا لضعفِ علمِهِ
ويقينِهِ ، وإمَّا لاستيلاءِ الشهوةِ في الحالِ عليهِ ، وكونِهِ مقهوراً في يدِ
الشيطانِ ، وإمَّا لاغترارِهِ بمواعيدِ الشيطانِ في التسويفِ يوماً بعد يومٍ إلى أن
يختطفَهُ الموتُ ، ولا يبقىُ معَهُ إلا الحسرةُ بعدَ الفوتِ .
ـنة
C
ـون
وإلى تعريفِ خساسةِ الدنيا الإشارةُ بقولِهِ تعالى: ﴿قُلْ مَنَعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ﴾،
وإلى تعريفِ نفاسةِ الآخرةِ الإشارةُ بقولِهِ تعالى: ﴿ وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْعِلْمَ
١٠٢

ربع المنجيات
كتاب الفقر والزهد
وَيَكُمْ ثَوَابُ اَللَّهِ خَيْرٌ﴾، فَنَّهَ على أنَّ العلمَ بنفاسةِ الجوهرِ هوَ المرغَّبُ عنْ
عوضِهِ .
حن
ولمَّا لمْ يُتصوَّرِ الزهدُ إلا بمعاوضةٍ ورغبةٍ عنْ محبوبٍ في أحبَّ منهُ ..
قالَ رجلٌ في دعائِهِ : اللهمَّ أرني الدنيا كما تراها ، فقالَ لهُ النبيُّ صلَّى اللهُ
عليهِ وسلَّمَ : ((لا تقلْ هكذا ، ولكنْ قلْ: أرني الدنيا كما أريتَها الصالحينَ
منْ عبادِكَ ))(١)، وهذا لأنَّ اللهَ تعالى يراها حقيرةً كما هيَ، وكلُّ مخلوقٍ
فهوَ بالإضافةِ إلى جلالِهِ حقيرٌ ، والعبدُ يراها حقيرةً في حقِّ نفسِهِ بالإضافةِ
إلى ما هوَ خيرٌ لهُ، ولا يُتصوَّرُ أَنْ يرى بائعُ الفرسِ وإنْ رغبَ عنْ فرسِهِ كما
يرى حشراتِ الأرضِ مثلاً(٢)؛ لأنَّهُ مستغنِ عنِ الحشراتِ أصلاً، وليسَ
مستغنياً عنِ الفرسِ ، واللهُ تعالى غنيٌّ بذاتِهِ عنْ كلِّ ما سواهُ ، فيرى الكلَّ في
درجةٍ واحدةٍ بالإضافةِ إلى جلالِهِ ، ويراها متفاوتةً بالإضافةِ إلى غيرِهِ ،
والزاهدُ هوَ الذي يرى تفاوتَهُ بالإضافةِ إلى نفسِهِ لا إلى غيرِهِ .
حن
حن شان
خن ٥
ـة
----
وأمَّا العملُ الصادرُ عنْ حالِ الزهدِ :
فهوَ تركٌّ وأخذٌ ؛ لأنَّهُ بيعٌ ، ومعاملةٌ ، واستبدالُ الذي هوَ خيرٌ بالذي هوَ
أدنى ، فكما أنَّ العملَ الصادرَ عنْ عقدِ البيع هوَ تركُ المبيع وإخراجُهُ مِنَ اليدِ
(١) كذا في ((القوت)) (٢٥٣/١)، والخبر رواه ابن فضيل في ((الدعاء)) (٢) عن
أبي الغصين الطائي، وهو عند الديلمي في ((مسند الفردوس)) (١٩١٠) عن
أبي العصير الكناني .
(٢) كذا في (ب)، وفي باقي النسخ: ( أن يرى بائع الفرس وإن رغب عنه فرسه ... )
١٠٣

كتاب الفقر والزهد
ربع المنجيات
ـحن
وأخذُ العوضِ .. فكذلكَ الزهدُ يوجبُ تركَ المزهودِ فيهِ بالكلِّيَّةِ ؛ وهيَ
الدنيا بأسرِها ، معَ أسبابِها ومقدماتِها وعلائقِها ، فيخرجُ مِن القلبِ حبَّها ،
ويدخلُ حبَّ الطاعاتِ ، ويخرجُ من اليدِ والعينِ ما أخرجَهُ مِنَ القلبِ ،
ويوظُّفُ على اليدِ والعينِ وسائرِ الجوارحِ وظائفَ الطاعاتِ ، وإلا .. كانَ
كمَنْ سلَّمَ المبيعَ ولمْ يأخذِ الثمنَ .
فإذا وفَّى بشرطِ الجانبينِ في الأخذِ والتركِ .. فليستبشرْ ببيعِهِ الذي بايعَ
بهِ ، فإنَّ الذي بايعَهُ بهذا البيع وفَّى بالعهدِ ، فمَنْ أسلمَ حاضراً في غائبٍ ،
وسلَّمَ الحاضرَ وأخذَ يسعىُ في طلبِ الغائبِ .. سُلِّمَ إليهِ الغائبُ حينَ فراغِهِ
مِنْ سعيهِ إنْ كانَ العاقدُ ممَّنْ يُوثقُ بصدقِهِ وقدرتِهِ ووفائِهِ بالعهدِ .
وما دامَ ممسكاً للدنيا .. لا يصحُّ زهدُهُ أصلاً، ولذلكَ لمْ يصفِ اللهُ
تعالى إخوةَ يوسفَ بالزهدِ في بنيامينَ ، وإنْ كانوا قدْ قالوا : ليوسفُ وأخوهُ
أحبُّ إلى أبينا منَّا، وعزموا على إبعادِهِ كما عزموا على يوسفَ حتَّى تشفَّعَ
فيهِ أحدُهُمْ فَتُرِكَ (١) ، ولا وصفَهُمْ أيضاً بالزهدِ في يوسفَ عندَ العزم على
إخراجِهِ ، بلْ عندَ التسليمِ والبيعِ .
فعلامةُ الرغبةِ الإمساكُ، وعلامةُ الزهدِ الإخراجُ ، فإنْ أخرجتَ عنِ اليدِ
بعضَ الدنيا دونَ البعضِ .. فأنتَ زاهدٌ فيما أخرجتَ فقطْ، ولستَ زاهداً
ـحر
(١) وهو يهوذا ، فشفع فيه ورحمه ومنعه ، وكان شديداً بينهم منيعاً مهيباً فيهم ، وقد قيل في
السير: ( إن أخاهم الأكبر روبيل هو استوهبه منهم). («إتحاف)) (٣٢١/٩) نقلاً عن
((القوت)) (٢٤٨/١) .
١٠٤
يدن

ربع المنجيات
كتاب الفقر والزهد
مطلقاً ، وإنْ لمْ يكنْ لكَ مالٌ ولمْ تساعدْكَ الدنيا .. لمْ يُتصوَّرْ منكَ الزهدُ ؛
لأنَّ ما لا يُقدرُ عليهِ لا يُقدرُ على تركِهِ ، وربما يستهويكَ الشيطانُ بغرورِهِ ،
ويخيِّلُ إليكَ أنَّ الدنيا وإنْ لمْ تأتكِ فأنتَ زاهدٌ فيها ، فلا ينبغي أنْ تتدلَّى
بحبلٍ غرورِهِ دونَ أنْ تستوثقَ وتستظهرَ بموثقٍ غليظٍ مِنَ اللهِ ؛ فإنَّكَ إذا لمْ
تجرِّبْ حالَ القدرةِ .. فلا تثقْ بالقدرة على التركِ عندَها، فكمْ مِنْ ظانٌّ
بنفسِهِ كراهةَ المعاصي عندَ تعذُّرِها ، فلمَّا تيسَّرَتْ لَهُ أسبابُها مِنْ غيرِ مكدِّرٍ
ولا خوفٍ مِنَ الخلقِ .. وقعَ فيها، وإذا كانَ هذا غرورَ النفسِ في
المحظوراتِ .. فإيّاكَ أنْ تثقَ بوعدِها في المباحاتِ .
ـحو
والموثقُ الغليظُ الذي تأخذُهُ عليها : أنْ تجرِّبَها مرَّةً بعدَ مرَّةٍ في حالٍ
القدرة ، فإذا وفَّتْ بما وعدَتْ على الدوامِ معَ انتفاءِ الصوارفِ والأعذارِ
ظاهراً وباطناً .. فلا بأسَ أنْ تثقَ بها وثوقاً ما ، ولكنْ تكونُ مِنْ تغيّرِها أيضاً
على حذرِ ؛ فإنَّها سريعةُ النقضِ للعهدِ ، قريبةُ الرجوع إلى مقتضى الطبعِ .
B
وبالجملةِ : فلا أمانَ منها إلا عندَ التركِ بالإضافةِ إلى ما تُرِكَ فقطْ ،
وذلكَ عندَ القدرةِ ، قالَ ابنُ أبي ليلى لابنِ شبرمةَ : ألا ترى إلى هذا ابنِ
الحائكِ، لا نفتي في مسألةٍ إلا ردَّ علينا! يعني أبا حنيفةً، فقالَ ابنُ
شبرمةَ : لا أدري أهوَ ابنُ الحائكِ أمْ ما هوَ ، لكنْ أعلمُ أنَّ الدنيا غدَتْ إليهِ
فهربَ منها ، وهربَتْ منَّا فطلبناها(١) .
(١) أورده الأصفهاني في ((محاضرات الأدباء)) (٣٣٥/٢)، قال الحافظ الزبيدي في =
١٠٥
.حـ

كتاب الفقر والزهد
ربع المنجيات
ولذلكَ قالَ جميعُ المسلمينَ على عهدِ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ :
إنَّا نحبُّ ربَنا، ولوْ علمنا في أيِّ شيءٍ محبُّهُ .. لفعلناهُ، حتَّى نزلَ قولُهُ
تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّا كَثَبْنَا عَلَيْهِمْ أَنِ اقْتُلُواْ أَنفُسَكُمْ أَوِ أُخْرُجُواْ مِن دِيَرِكُم مَّا فَعَلُوهُ إِلَّا
قَلِيلٌ مِّنْهُمْ﴾، قالَ ابنُ مسعودٍ رضيَ اللهُ عنهُ: قال لي رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ
عليهِ وسلَّمَ: (( أنتَ منهُمْ)) أي : مِنَ القليلِ ، قالَ: (وما عرفتُ أَنَّ فينا مَنْ
يحبُّ الدنيا حتَّى نزلَ قولُهُ تعالى: ﴿مِنكُمْ مَن يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنكُم مَّن
يُرِيدُ اَلْآَخِرَةَ﴾﴾(١).
واعلمْ : أنَّهُ ليسَ مِنَ الزهدِ تركُ المالِ وبذلُهُ على سبيلِ السخاءِ والفتوَّةِ ،
وعلى سبيلِ استمالةِ القلوبِ ، ولا على سبيلِ الطمع، فذلكَ كلُّهُ مِنْ
محاسنِ العاداتِ ، ولكنْ لا مدخلَ لشيءٍ منهُ في العباداتِ ، وإنَّما الزهدُ أنْ
تتركَ الدنيا لعلمِكَ بحقارتِها بالإضافةِ إلى نفاسةِ الآخرةِ ، فأمَّا كلُّ نوعٍ مِنَ
(( إتحافه)) (٣٢٢/٩): ( فإن كلاً منهما تولى قضاء الكوفة ، وأباها الإمام وضرب
وامتحن لذلك ، ولقد أنصف ابن شبرمة في جوابه ، وأما ابن أبي ليلى .. فكان يحد
الإمام دائماً ويعاديه لما يرى له من القدر والمنزلة عند الخاص والعام ، سامح الله عن
الجميع وجعلهم إخواناً على سرر متقابلين ) .
ـدن
(١) روى الترمذي (٣٣٠٩) عن عبد الله بن سلام رضي الله عنه قال : قعدنا نفر من
أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فتذاكرنا ، فقلنا : لو نعلم أي الأعمال أحب
إلى الله .. لعملناه، فأنزل الله تعالى: ﴿سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِ السَّمَوَاتِ وَمَا فِى الْأَرْضِّ وَهُوَ الْعَزِيزُ
اَلْحَكِيمُ: إِيجُ: يَأْتُهَا الَّذِينَءَامَنُواْ لِمَ تَقُولُونَ مَالَا تَفْعَلُونَ﴾، وقول ابن مسعود رضي الله عنه :
( وما عرفت أن فينا من يحب ... ) رواه أحمد في ((المسند)) (٤٦٣/١)، والطبري
في «تفسيره)) (١٦٤/٤/٣)، وابن أبي حاتم في ((تفسيره)) ( ٤٣٣٠).
حن : جج جج جن حن حن من
١٠٦
.مكن
.حن
حن:
ربع
--- .

ربع المنجيات
G
كتاب الفقر والزهد
التركِ .. فإنَّهُ يُصوَّرُ ممَّنْ لا يؤمنُ بالآخرةِ، فذلكَ قدْ يكونُ مروءةٌ وفتوَّةً
وسخاءً وحسنَ خلقٍ ، ولكنْ لا يكونُ زهداً ؛ إذْ حسنُ الذكرِ وميلُ القلوبِ
مِنْ حظوظِ العاجلةِ ، وهيَ ألذُّ وأهنأُ مِنَ المالِ، وكما أنَّ تركَ المالِ على
سبيلِ السلمٍ طمعاً في العوضٍ ليسَ مِنَ الزهدِ .. فكذلكَ تركُّهُ طمعاً في الذكرِ
والثناءِ والاشتهارِ بالفتوةِ والسخاءِ ، أو استثقالاً لهُ لما في حفظِ المالِ مِنَ
المشقّةِ والعناءِ ، والحاجةِ إلى التذلَّلِ للسلاطينِ والأغنياءِ .. ليسَ مِنَ الزهدِ
أصلاً، بلْ هوَ استعجالُ حظُّ آخرَ للنفسِ .
بلِ الزاهدُ مَنْ أَتْهُ الدنيا راغمةً عفواً صفواً وهوَ قادرٌ على التنقُمِ بها مِنْ
غيرِ نقصانِ جاهٍ وقبح اسمٍ ولا فواتِ حظّ للنفسِ ، فتركَها خوفاً مِنْ أنْ يأنسَ
بها ، فيكونَ آنساً بغيرِ اللهِ ، ومحبّاً لما سوى اللهِ ، ويكونَ مشركاً في
حبِّ اللهِ تعالىُ غيرَهُ، أوْ تركَها طمعاً في ثوابِ اللهِ في الآخرةِ ، فتركَ التمثُّعَ
بأشربةِ الدنيا طمعاً في أشربةِ الجنَّةِ ، وتركَ التمثُّعَ بالسراري والنسوانِ طمعاً
في الحورِ العينِ ، وتركَ التفرّجَ في البساتينِ طمعاً في بساتينِ الجنةِ
وأشجارها ، وتركَ التزيّنَ والتجمُّلَ بزينةِ الدنيا طمعاً في زينةِ الجنَّةِ ، وتركَ
المطاعمَ اللذيذةَ طمعاً في فواكهِ الجنَّةِ، وخوفاً مِنْ أَنْ يُقالَ لهُ: ﴿أَذْهَبْتُمْ
◌َيْبَتِكُمْ فِى حَيَاتِكُمُ الدُّنْيَا﴾، فآثرَ في جميع ذلكَ ما وُعِدَ بهِ في الجنَّةِ على
ما تيسَرَ لهُ في الدنيا عفواً صفواً؛ لعلمِهِ بأنَّ ما في الآخرةِ خيرٌ وأبقى، وأنَّ
ما سوى هذا فمعاملاتٌ دنيويَّةٌ لا جدوى لها في الآخرةِ أصلاً .
حن
ـن؟
2. كرت
١٠٧
حارة
3

كتاب الفقر والزهد
نجو.
ربع المتجات
بيان فضيلة الزّهد
قالَ اللهُ تعالى: ﴿فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ، فِ زِينَتِهِ﴾ إلى قولِهِ تعالى: ﴿ وَقَالَ
الَّذِينَ أُوتُواْ الْعِلْمَ وَيْلَكُمْ ثَوَابُ اَللَّهِ خَيْرٌ لِّمَنْ ءَامَنَ﴾(١)، فنسبَ الزهدَ إلى
العلماءِ ، ووصفَ أهلَهُ بالعلمِ ، وهوَ غايةُ الثناءِ .
وقال تعالى: ﴿أُوْلَقِّكَ يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُم مَّرَّتَبْنِ بِمَا صَبَرُواْ﴾، وجاءَ في التفسيرِ :
على الزهدِ في الدنيا (٢).
وقال تعالى: ﴿ إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الْأَرْضِ زِينَةٌ لََّا لِسَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾،
قيلَ: معناهُ: أَيُّهُمْ أزهدُ فيها (٣)، فوصفَ الزهدَ بأنَّهُ مِنْ أحسنِ الأعمالِ .
وقال تعالى: ﴿مَن كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الْآَخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِى حَرْئٍِ، وَمَن كَانَ يُرِيدُ
حَرْثَ الذُّنْيَا نُؤْتِهِ، مِنْهَا وَمَا لَهُ فِى الْآَخِرَةِ مِن نَّصِيبٍ﴾ .
وقال تعالى: ﴿ وَلَا تَمُدَّنَّ عَيْنَّكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ- أَزْوَجًا مِنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَوَةِ الدُّنْيَا
لِنَفْسَِّهُمْ فِيَةٍ وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقَى﴾ .
(١) والآية بتمامها: ﴿فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ، فِىِ زِنَتِهِ، قَالَ الَّذِينَ يُرِيدُونَ الْحَيَوَةَ الدُّنْيَا يَلَيْتَ لَنَا مِثْلَ مَآ
أُوِيَ قَرُونُ إِنَّهُ لَذُو حَظٍ عَظِيمٍ ﴾ وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُواْ أَلْعِلْمَ وَيَلَكُمْ نَوَابُ اللَّهِ خَيْرٌ لِّمَنّ
ءَمَنَ وَعَمِلَ صَلِحَأْ وَلَا يُلَقَّدِهَا إِلََّ الضَِّرُونَ﴾.
حن
(٢) قوت القلوب (٢٤٢/١).
(٣) قوت القلوب (١/ ٢٤٢) .
١٠٨
حر
حن
بحن.

١
ربع المنجيات
كتاب الفقر والزهد
وقال تعالى: ﴿ الَّذِينَ يَسْتَحِبُّونَ الْحَيَوَةَ الدُّنْيَا عَلَى الْآَخِرَةِ﴾، فوصفَ
الكفارَ بذلكَ، فمفهومُهُ أنَّ المؤمنَ هوَ الذي يتصفُ بنقيضِهِ ، وهوَ أنْ
يستحبَّ الآخرةَ على الحياةِ الدنيا .
وأمَّا الأخبارُ :
فما وردَ منها في ذمِّ الدنيا كثيرٌ، وقدْ أوردنا بعضَها في كتابٍ ذمِّ الدنيا مِنْ
ربع المهلكاتِ ، إذْ حبُّ الدنيا مِنَ المهلكاتِ ، ونحنُ الآنَ نقتصرُ على
فضيلةِ بغضٍ الدنيا ؛ فإنَّهُ مِنَ المنجياتِ ، وهوَ المعنيُّ بالزهدِ .
ق
وقدْ قالَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: (( مَنْ أصبحَ وهُّهُ الدنيا ..
شئَّتَ اللهُ عليهِ أمرَهُ ، وفرَّقَ عليهِ ضيعتَهُ ، وجعلَ فقرَهُ بينَ عينيهِ ، ولمْ يأْتِهِ
مِنَ الدنيا إلا ما كُتِبَ لهُ، ومَنْ أصبحَ وهُّهُ الآخرةُ .. جمعَ اللهُ لهُ همَّهُ ،
وحفظَ عليهِ ضيعتَهُ، وجعلَ غناهُ في قلبِهِ، وأتتْهُ الدنيا وهيَ راغمةٌ ))(١).
وقالَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: ((إذا رأيتُمُ العبدَ قدْ أُعطيَ صمتاً وزهداً في
الدنيا .. فاقتربوا منهُ؛ فإنَّهُ يُلَقَّى الحكمةَ))(٢).
وقدْ قالَ تعالى: ﴿وَمَن يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا﴾، ولذلك
ـيد
(١) رواه الترمذي (٢٤٦٥) من حديث أنس رضي الله عنه، وابن ماجه (٤١٠٥) من
حديث زيد بن ثابت رضي الله عنه .
(٢) رواه ابن ماجه ( ٤١٠١ ) .
جنة
١٠٩
١
-- -

كتاب الفقر والزهد
هـيه
ربع المنجيات
ذن
قيلَ : ( مَنْ زهدَ في الدنيا أربعينَ يوماً .. أجرى اللهُ تعالى ينابيعَ الحكمةِ في
قلبهٍ ، وأنطقَ بها لسانَهُ)(١) .
وعنْ بعضِ الصحابةِ أنَّهُ قالَ : قلنا : يا رسولَ اللهِ ؛ أيُّ الناسِ خيرٌ ؟
قالَ : (( كلُّ مؤمنٍ مخموم القلبِ صدوقِ اللسانِ)) ، قلنا : يا رسولَ اللهِ ،
وما مخمومُ القلبِ؟ قالَ: ((التقيُّ النقيُّ الذي لا غلَّ فيهِ ولا غشَّ ولا بغيَ
ولا حسدَ))، قيلَ: يا رسولَ اللهِ؛ فَمَنْ على أثرِهِ؟ قالَ: (( الذي يشنأُ
الدنيا ويحبُّ الآخرةَ)) (٢)، ومفهومُ هذا: أنَّ شرّ الناسِ الذي يحبُّ الدنيا.
وقالَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ : ((إنْ أردتَ أنْ يحبَّكَ اللهُ .. فازهدْ في
الدنيا)»، فجعلَ الزهدَ سبباً للمحبةِ، فَمَنْ أحبَّهُ اللهُ تعالى .. فهوَ في أعلى
الدرجاتِ ، فينبغي أنْ يكونَ الزهدُ في الدنيا مِنْ أفضلِ المقاماتِ ، ومفهومُهُ
أيضاً : أنَّ محبَّ الدنيا متعرِّضٌ لبغضِ اللهِ تعالى .
وفي خبرٍ مِنْ طريقِ أهلِ البيتِ : ( الزهدُ والورعُ يجولانِ في القلوبِ كلَّ
ليلةٍ، فإنْ صادفا قلباً فيهِ الإيمانُ والحياءُ .. أقاما فيهِ، وإلا ..
ارتحلا )(٣)
-
-
(١) تقدم بلفظ: (( من أكل الحلال أربعين يوماً ... ))، وهو ما أورده صاحب ((القوت))
(٢٨٧/٢)، وبلفظه هنا عند ابن عدي في ((الكامل)) (٣٠٧/٥) من حديث
أبي موسى الأشعري رضي الله عنه مرفوعاً .
(٢) رواه الخرائطي في ((مكارم الأخلاق)) (٤٥) بتمامه، وصدره عند ابن ماجه
( ٤٢١٦ ) .
(٣) كذا في ((القوت)) (٢٥٠/١) حيث قال: (وروينا في ذلك حديثاً من طريق أهل =
١١٠
ن.

ـG
ربع المنجيات
كتاب الفقر والزهد
ولمَّا قالَ حارثةُ لرسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ : أنا مؤمنٌ حقّاً ..
قالَ : (( وما حقيقةُ إيمانِكَ؟)) قالَ: عزفَتْ نفسي عن الدنيا، فاستوى
عندي حجرُها وذهبُها ، وكأنِّي بالجنَّةِ والنارِ ، وكأنِّي بعرشِ ربِّي بارزاً ،
فقالَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ : ((عرفتَ فالزمْ، عبدٌ نوَّرَ اللهُ قلبَهُ
بالإيمانِ))(١)، فانظرْ كيفَ بدأَ في إظهارِ حقيقةِ الإيمانِ بعزوفِ النفسِ عنِ
الدنيا، وقرنَهُ باليقينِ، وكيفَ زَّاهُ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ إذْ قالَ:
((عبدٌ نوَّرَ اللهُ قلبَهُ بالإيمانِ)) .
جن
ولمَّا سُئِلَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ عنْ معنى الشرح في قولِهِ
تعالى: ﴿فَمَن يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَمِ﴾، وقيلَ لهُ: ما هذا
الشرحُ؟ قالَ: ((إنَّ النورَ إذا دخلَ القلبَ .. انشرحَ لهُ الصدرُ وانفسحَ)»،
قيلَ : يا رسولَ اللهِ؛ وهلْ لذلكَ مِنْ علامةٍ؟ قالَ: (( نعمٍ ، التجافي عنْ
دارِ الغرورِ ، والإنابةُ إلى دارِ الخلودِ ، والاستعدادُ للموتِ قبلَ نزولِهِ)) (٢)،
فانظرْ كيفَ جعلَ الزهدَ شرطاً للإسلام ، وهوَ التجافي عنْ دارِ الغرورِ .
البيت ) وذكره، وقد روى أبو نعيم في ((الحلية)) (١٨١/٣) عن محمد بن علي بن
الحسين بن علي يقول : ( الغنى والعز يجولان في قلب المؤمن ، فإذا وصلا إلى مكان
فيه التوكل .. أوطناه ) .
(١) رواه ابن المبارك في ((الزهد)) (٣١٤)، والبزار في ((منده)) (٦٩٤٨)، والطبراني
في ((الكبير)× (٢٦٦/٣)، وأبو نعيم في ((معرفة الصحابة)) (٧٧٧/٢)، والبيهقي
في ((الشعب)) (١٠١٠٧، ١٠١٠٨).
(٢) رواه الحاكم في ((المستدرك)) (٣١١/٤)، والبيهقي في ((الشعب)) (١٠٠٦٨).
١١١
ـرة

كتاب الفقر والزهد
ومـ
ربع المنجيات
ـثن
وقالَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: (( استحيوا مِنَ اللهِ حقَّ الحياءِ))، قالوا: إِنَّا
لنستحيي منهُ تعالى، فقالَ: (( ليسَ كذلكَ، تبنونَ ما لا تسكنونَ ،
وتجمعونَ ما لا تأكلونَ!))(١)، فبيَّنَ أنَّ ذلكَ يناقضُ الحياءَ مِنَ اللهِ تعالى.
ولمَّا قدمَ عليهِ بعضُ الوفودِ .. قالوا: إنَّا مؤمنونَ، قالَ: (( وما علامةُ
إيمانِكُمْ؟ )) فذكروا الصبرَ عندَ البلاءِ، والشكرَ عندَ الرخاءِ ، والرضا بمواقع
القضاءِ، وتركَ الشماتةِ بالمصيبةِ إذا نزلَتْ بالأعداءِ ، فقالَ عليهِ الصلاةُ
والسلامُ: ((إنْ كنتُمْ كذلكَ .. فلا تجمعوا ما لا تأكلونَ، ولا تبنوا ما لا
تسكنونَ، ولا تنافسوا فيما عنهُ ترحلونَ)»(٢) ، فجعلَ الزهدَ تكملةً لإيمانِهِمْ .
وقالَ جابرٌ رضيَ اللهُ عنهُ: خطبنا رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ فقالَ :
(( مَنْ جاءَ بلا إلهَ إلا اللهُ لا يخلطُ معَها غيرَها .. وجَبَتْ لهُ الجنَّةُ))، فقامَ إليهِ
عليٍّ رضيَ اللهُ عنهُ فقالَ: بأبي أنتَ وأمِّي يا رسولَ اللهِ ، ما لا يُخلطُ بها
غيرُها صفْهُ لنا، فسّرْهُ لنا، فقالَ: ((حبُّ الدنيا طلباً لها واتباعاً لها ، وقومٌ
يقولونَ قولَ الأنبياءِ ويعملونَ أعمالَ الجبابرةِ ، فَمَنْ جاءَ بلا إلهَ إلا اللهُ ليسَ
فيها شيءٌ مِنْ هذا .. وجَبَتْ لهُ الجنَّةُ)) (٣).
(١) رواه الطبراني في ((الكبير)) (١٧٢/٢٥)، وابن عدي في ((الكامل)) (٩٧/٧) عن أم
الوليد بنت عمر .
(٢) رواه ابن عساكر في ((تاريخ دمشق)) (١٩٧/٤١) من حديث سويد بن الحارث.
(٣) رواه ابن عدي في ((الكامل)) (٢٩٠/٦) من حديث جابر رضي الله عنه، ورواه البيهقي
في (( الشعب)) (١٠٠١٧) من حديث ابن عمر رضي الله عنهما .
١١٢

ربع المنجيات
كتاب الفقر والزهد
وفي الخبرِ: (( السخاءُ مِنَ اليقينِ ، ولا يدخلُ النارَ موقنٌ ، والبخلُ مِنَ
الشكِّ، ولا يدخلُ الجنَّةَ مَنْ شكَّ)»(١) .
وقال أيضاً: ((السخيُّ قريبٌ مِنَ اللهِ، قريبٌ مِنَ الناسِ ، قريبٌ مِنَ
الجنَّةِ ، والبخيلُ بعيدٌ مِنَ اللهِ، بعيدٌ مِنَ الناسِ، قريبٌ مِنَ النارِ))(٢)،
والبخلُ ثمرةُ الرغبةِ في الدنيا ، والسخاءُ ثمرةُ الزهدِ ، والثناءُ على الثمرةِ
ثناءٌ على المثمرِ لا محالةَ .
3
وروى ابنُ المسيَّبِ عنْ أبي ذرٍّ، عنْ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ أنَّهُ
قالَ: ((مَنْ زهدَ في الدنيا .. أدخلَ اللهُ الحكمةَ قلبَهُ، فأنطقَ بها لسانَهُ ،
وعرَّفَهُ داءَ الدنيا ودواءَها، وأخرجَهُ منها سالماً إلى دار السلام»(٣).
٠مالي
ورُوِيَ أنَّهُ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ مرّ في أصحابِهِ بعشارٍ مِنَ النوقِ حُفَّلٍ ؛
وهيَ الحواملُ، وكانَتْ مِنْ أحبّ أموالِهِمْ إليهِمْ وأنفسِها عندَهُمْ ؛ لأنَّها
تجمعُ الظهرَ واللحمَ واللبنَ والوبرَ ، ولعظمِها في قلوبِهِمْ قالَ اللهُ تعالى :
﴿وَإِذَا الْعِشَارُ عُطْلَتْ﴾، قالَ: فأعرضَ عنها رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ
وغضَّ بصرَهُ ، فقيلَ لهُ : يا رسولَ اللهِ ؛ هذهِ أنفسُ أموالِنا، لِمَ لا تنظرُ
(١) هو عند الحكيم الترمذي في ((نوادر الأصول)) (ص١٥١)، وقد قال صاحب
«القوت)) (٢٥١/١): (وروينا في خبر مقطوع ) وذكره .
(٢) رواه الترمذي ( ١٩٦١ ).
(٣) كذا في «القوت)) (٢٥٥/١)، ورواه ابن أبي الدنيا في ((الزهد)) (١٠٢)، والبيهقي
في (( الشعب)) (١٠٠٤٩) عن صفوان بن سليم مرسلاً .
١١٣
يجن:٠

كتاب الفقر والزهد
ربع المنجيات
إليها؟ فقالَ: قدْ نهاني اللهُ تعالى عنْ ذلكَ، ثمَّ تلا قولَهُ تعالى: ﴿ وَلَا تَمُدَّنَّ
عَيْنَيَّكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ: أَزْوَجًا مِنْهُمْ ... ﴾ الآيةَ(١).
وروى مسروقٌ عن عائشةَ رضيَ اللهُ عنها قالَتْ : قلتُ : يا رسولَ اللهِ ؛
ألا تستطعمُ اللهَ فيطعمَكَ؟ قالَتْ : وبكيتُ لما رأيتُ بهِ مِنَ الجوع ، فقالَ :
(( يا عائشةٌ؛ والذي نفسي بيدهِ ؛ لو سألتُ ربِّي أَنْ يجريَ معيَ جبالَ الدنيا
ذهباً .. لأجراها حيثُ شئتُ مِنَ الأرضِ ، ولكنِ اخترتُ جوعَ الدنيا على
شبعِها ، وفقرَ الدنيا على غناها ، وحزنَ الدنيا على فرحِها ، يا عائشةُ ؛ إنَّ
الدنيا لا تنبغي لمحمدٍ ولا لآلِ محمدٍ، يا عائشةُ؛ إنَّ اللهَ تعالى لمْ يرضَ
لأولي العزم مِنَ الرسلِ إلا الصبرَ على مكروهِ الدنيا والصبرَ عنْ محبوبِها، ثمَّ
لمْ يرضَ لي إلا أنْ يكلِّفَني ما كلَّفَهُمْ فقالَ: ﴿فَأَصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُوْلُواْ الْعَزْمِ مِنَ
الرُّسُلِ﴾، واللهِ ؛ ما لي بدٌّ مِنْ طاعتِهِ، وإنِّي - واللهِ - لأصبرنَّ كما صبروا
بجهدي ولا قوَّةَ إلا باللهِ))(٢) .
ورُوِيَ عنْ عمرَ رضيَ اللهُ عنهُ أنَّهُ حينَ فُتِحَ عليهِ الفتوحاتُ قالَتْ لهُ ابنتُهُ
حفصةُ رضيَ اللهُ عنها : البسْ ليِّنَ الثيابِ إذا قدمَتْ عليكَ الوفودُ مِنَ
(١) كذا في ((القوت)) (٢٥٥/١)، وقال السيوطي في ((الدر المنثور)) (٦١٣/٥):
( وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن عروة : أنه كان إذا دخل على أهل الدنيا فرأى
من دنياهم طرفاً، فإذا رجع إلى أهله فدخل الدار .. قرأ ﴿ وَلَا تَمُذَّنَّ عَيِّنَّكَ﴾ إلى قوله :
﴿نَحْنُ نَرْزُقُكَ﴾، ثم يقول: الصلاة الصلاة رحمكم الله ) .
(٢) رواه ابن أبي حاتم في ((تفسيره)) ( ١٨٥٨٣)، وأبو الشيخ في (( أخلاق النبي))
(٨٠٦) بنحوه، وهو عند الديلمي في ((مسند الفردوس)) (٨٦٢٨) مختصراً.
حن حنحن فن جج جج ججنحن من، بهن
١١٤
حن

سه
الآفاقِ ، ومُرْ بصنعةِ طعام تطعمُهُ وتطعمُ مَنْ حضرَ .
فقالَ عمرُ : يا حفصةُ ؛ ألستِ تعلمينَ أنَّ أعلمَ الناسِ بحالِ الرجلِ أهلُ
بيتِهِ ؟ فقالَتْ : بلى .
قالَ: ناشدتُكِ اللهَ؛ هلْ تعلمينَ أنَّ رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ لبثَ
في النبوَّةِ كذا وكذا سنةً لمْ يشبعْ هوَ ولا أهلُ بيتِهِ غدوةً إلا جاعوا عشيّةً ،
ولا شبعوا عشيّةً إلا جاعوا غدوةً؟(١).
وناشدتُكِ اللهَ ؛ هلْ تعلمينَ أنَّ النبي صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ لبثَ في النبؤَّةِ
كذا وكذا سنةً لمْ يشبعْ مِنَ التمرِ هوَ وأهلُهُ حتَّى فتحَ اللهُ عليهِ خيبرَ؟(٢).
1>
حج حن حج حن حن حن
وناشدتُكِ اللهَ؛ هلْ تعلمينَ أنَّ رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ قرَّبتُمْ إليهِ
يوماً طعاماً على مائدةٍ فيها ارتفاعٌ فشَقَّ ذلكَ عليهِ حتَّى تغيَّرَ لونُّهُ ، ثمّ أمرَ
بالمائدةِ فِرُفعَتْ ووُضِعَ الطعامُ على دونِ ذلكَ أوْ وُضِعَ على الأرضِ ؟(٣).
وناشدتُكِ اللهَ؛ هلْ تعلمينَ أنَّ رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ كانَ ينامُ
على عباءةٍ مثنِيَّةٍ ، فَثُنِيَتْ لهُ ليلةً أربعَ طاقاتٍ ، فنامَ عليها، فلمَّا استيقظَ ..
(١) رواه البزار في ((مسنده)) (٣٦٠٦) عن عمران بن حصين رضي الله عنه ، وروى
الترمذي (٢٣٥٦) عن عائشة رضي الله عنها نحوه .
(٢) وقد روى ابن سعد في ((طبقاته)) (٣٤٩/١) عن عمر رضي الله عنه: (لقد رأيت
رسول الله صلى الله عليه وسلم يلتوي يومه من الجوع ما يجد من الدقل ما يملأ به
بطنه)، وعنده عن النعمان بن بشير: ( ما كان النبي صلى الله عليه وسلم يشبع من
الدقل ، وما ترضون دون ألوان التمر والزبد ) .
(٣) حديث عدم أكله على خوان رواه البخاري (٦٤٥٠).
١١٥
ـحں
جن
ده: حن
مسده
ربع المنجيات
ويس
كتاب الفقر والزهد

كتاب الفقر والزهد
حر
ربع المنجيات
قالَ : ((منعتُموني قيامَ الليلةِ بهذهِ العباءةِ ، اثنوها باثنتينِ كما كنتُمْ
تثنونَها))؟(١).
ننت:
وناشدتُكِ اللهَ؛ هلْ تعلمينَ أنَّ رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ كانَ يضعُ
ثيابَهُ لتُغسلَ ، فيأتيهِ بلالٌ فيؤذنُهُ بالصلاةِ ، فما يجد ثوباً يخرجُ بهِ إلى الصلاةِ
حتَّى تجفَّ ثيابُهُ ، فيخرجُ فيها إلى الصلاةِ؟ (٢).
وناشدتُكِ اللهَ ؛ هلْ تعلمينَ أنَّ امرأةً مِنْ بني ظفرٍ صنعَتْ لرسولِ اللهِ
صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ كساءَينِ إزاراً ورداءً، وبعثَتْ إليهِ بأحدِهِما قبلَ أنْ يبلغَ
الآخرُ ، فخرجَ إلى الصلاةِ وهوَ مشتملٌ بهِ ليسَ عليهِ غيرُهُ ، قَدْ عقدَ طرفيهِ
إلى عنقِهِ، فصلَّى كذلكَ؟(٣).
فما زالَ حتَّى أبكاها ، وبكى عمرُ رضيَ اللهُ عنهُ وانتحبَ حتَّى ظنًّا أنَّ
و(٤)
نفسَهُ ستخرجُ(٤) .
وفي بعضٍٍ الرواياتِ زيادةٌ مِنْ قولِ عمرَ رضيَ اللهُ عنهُ، وهوَ أنَّهُ قالَ :
كأنَ لي صاحبانِ سلكا طريقاً ، فإنْ سلكتُ غيرَ طريقِهِما .. سُلِكَ بي طريقٌ
(١) رواه ابن سعد في ((طبقاته)) (٤٠٠/١)، وأبو الشيخ في ((أخلاق النبي وآدابه))
( ٤٦٣ ) .
(٢) رواه أبو بكر الدينوري في ((القناعة)) (٤٦) يلفظ المصنف هنا، وروايته هذه تشعر
بأن للحديث أصلاً بهذا السياق .
(٣) روى ابن ماجه (١٠٣٢) عن ثابت بن الصامت رضي الله عنه نحوه مرفوعاً، والبزار في
((مسنده)) ( ٤١٠٥) عن أبي الدرداء رضي الله عنه نحوه مرفوعاً .
(٤) روي هذا الخبر مختصراً كما سيأتي بيانه في الحديث الآتي .
١١٦
: هن: من: بور

ربع المنجيات
.تح؟
كتاب الفقر والزهد
حن:
غيرُ طريقهما ، وإِنِّي - واللهِ - سأصبرُ على عيشِهِما الشديدِ لعلَّ أدركُ معَهُما
عيشَهُما الرغيدَ(١).
وعن أبي سعيد الخدريِّ، عنِ النبيُّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ أنَّهُ قالَ :
((لقدْ كانَ الأنبياءُ قبلي يُبتلى أحدُهُمْ بالفقرِ، فلا يجدُ إلا العباءةَ، وإنْ كانَ
أحدُهُمْ ليُبتلى بالقملِ حتَّى يقتلَهُ القملُ، وكانَ ذلكَ أحبَّ إليهِمْ مِنَ العطاءِ
إليكُمْ))(٢) .
وعنِ ابنِ عباسٍ قالَ: ( لمَّا وردَ موسىُ عليهِ السلامُ ماءَ مدينَ .. كانَتْ
خضرةُ البقلِ تُرى في بطنِهِ مِنَ الهزالِ)(٣).
بمـ
بين جن جنون:
فهذا ما كانَ قدِ اختارَهُ أنبياءُ اللهِ ورسلُهُ ، وهمْ أعرفُ خلقِ اللهِ باللهِ
وبطريقِ الفوزِ في الآخرةِ .
وفي حديثٍ عمرَ رضيَ اللهُ عنهُ أنَّهُ قال: لمَّا نزلَ قولُهُ تعالى: ﴿ وَأَلَّذِينَ
يَكْفِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ﴾ .. قَالَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: ((تبّ للدنيا، تبّاً
(١) روى ابن المبارك في ((الزهد)) (٥٧٤)، والحاكم في ((المستدرك)) (١٢٣/١)،
وأبو نعيم في (( الحلية)) (٤٨/١) عن مصعب بن سعد: أن حفصة قالت لعمر: ألا
تلبس ثوباً ألين من ثوبك ، وتأكل طعاماً أطيب من طعامك هذا؟ فقد فتح الله عليك
الأرض وأوسع عليك الرزق ، قال : سأخصمك إلى نفسك ، فذكر أمر رسول الله
صلى الله عليه وسلم وما كان يلقى من شدة العيش، ولم يزل يذكر حتى بكت ، ثم قال
عمر : لأشركنهما في مثل عيشهما الشديد ؛ لعلي أدرك معهما مثل عيشهما الرخي .
(٢) رواه ابن ماجه (٤٠٢٤).
(٣) رواه الطبري في ((تفسيره)) (٧٥/٢٠/١١).
١١٧
حر
حن

كتاب الفقر والزهد
يوجـ
ربع المنجيات
مصں
ج
للدينارِ والدرهم))، فقلنا: يا رسولَ اللهِ؛ نهانا اللهُ عنْ كنزِ الذهبِ
والفضةِ، فأيَّ شيءٍ ندخرُ؟ فقالَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ : ((ليتخذْ أحَدُكُمْ
لساناً ذاكراً ، وقلباً شاكراً، وزوجةً صالحةً تعينُهُ على أمرٍ آخرتِهِ» (١).
وفي حديثٍ حذيفةَ عنْ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ : (( مَنْ آثرَ الدنيا
على الآخرةِ .. ابتلاهُ اللهُ بثلاثٍ: همٍّ لا يفارقُ قلبَهُ أبداً، وفقرٌ لا يستغني
أبداً ، وحرصٌ لا يشبعُ أبداً »(٢).
وقالَ النبيُّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: (( لا يستكملُ العبدُ الإيمانَ حتَّى يكونَ
ألا يعرفَ أحبَّ إليهٍ مِنْ أَنْ يعرفَ، وحثَّى يكونَ قلَّةُ الشيءِ أحبَّ إليهٍ مِنْ
كثرتِهِ))(٣).
(١) رواه الترمذي (٣٠٩٤)، وابن ماجه (١٨٥٦) عن ثوبان رضي الله عنه قال : لما نزل
في الفضة والذهب ما نزل .. قالوا : فأي المال نتخذ ؟ قال عمر : فأنا أعلم لكم ذلك ،
فأوضع على بعيره فأدرك النبي صلى الله عليه وسلم وأنا على أثره ، فقال :
يا رسول الله؛ أي المال نتخذ؟ فقال: (( ليتخذ أحدكم قلباً شاكراً، ولساناً ذاكراً ،
وزوجة مؤمنة تعين أحدكم على أمر الآخرة ».
ـدة
(٢) كذا في ((القوت)) (٢٥٦/١)، وقد روى الطبراني في ((الكبير)) (١٦٢/١٠)،
والقضاعي في ((مند الشهاب)) (٥٤١) من حديث عبد الله بن مسعود رضي الله عنه
مرفوعاً : (( من أشرب حب الدنيا .. التاط منها بثلاث : شقاء لا ينفد عناه ، وحرص
لا يبلغ غناه ، وأمل لا يبلغ منتهاه)).
(٣) كذا في ((القوت)) (٢٥٦/١) حيث قال: (وروينا حديثاً مرسلاً عن علي بن معبد،
عن علي بن أبي طلحة ) يرسله ، وقال الحافظ العراقي : ( لم أجد له إسناداً ، وذكره
صاحب ((الفردوس)) من رواية علي بن أبي طلحة مرسلاً: ((لا يستكمل عبد الإيمان
حتى یکون قلة الشيء أحب إليه من کثرته ، وحتى یکون أن يعرف في ذات الله أحب إليه=
١١٨
حن

t
وقالَ عيسى عليهِ السلامُ: ( الدنيا قنطرةٌ، فاعبروها ولا تعمروها)(١).
وقيلَ لهُ: يا نبيَّ اللهِ ؛ لَوْ أمرتَنَا أنْ نبنيَ بيتاً نعبدُ اللهَ فيهِ ، فقالَ : اذهبوا
فابنوا بيتاً على الماءِ ، فقالوا : كيفَ يستقيمُ بنيانٌ على الماءِ ؟! قالَ : وكيفَ
تستقيمُ عبادةٌ على حبِّ الدنيا؟!(٢).
وقالَ نبينا صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: ((إنَّ ربِّي عزَّ وجلَّ عرضَ عليَّ أنْ
يجعلَ لي بطحاءَ مكةَ ذهباً ، فقلتُ : لا يا ربِّ، ولكنْ أجوعُ يوماً وأشبعُ
يوماً ، فأمَّا اليومُ الذي أجوعُ فيهِ .. فأتضرَّعُ إليكَ وأدعوكَ، وأمَّا اليومُ الذي
أشبعُ فيهِ .. فأحمدُكَ وأثني عليكَ))(٣).
بھیہ
حن
وعنِ ابنِ عباسٍ رضيَ اللهُ عنهُما قالَ : خرجَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ
وسلَّمَ ذاتَ يوم يمشي وجبريلُ معَهُ ، فصعدَ على الصفا، فقالَ لهُ النبيُّ
صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: (( والذي بعثَكَ بالحقُّ؛ ما أمسىُ لآلِ محمدٍ كفُّ
سويقٍ ولا سفَّةٌ دقيقٍ )» ، فلمْ يكنْ كلامُهُ بأسرعَ مِنْ أنْ سمعَ هدَّةً مِنَ السماءِ
أفظعَتْهُ، فقالَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ : ((أمرَ اللهُ القيامةَ أَنْ
تقومَ؟)) قالَ: لا، ولكنْ هذا إسرافيلُ عليهِ السلامُ قَدْ نزلَ إليكَ حينَ سمِعَ
-
3
من أن يعرف في غير ذات الله))، ولم يخرجه ولده في ((منده)) ، وعلي بن أبي طلحة
أخرج له مسلم ، وروى عن ابن عباس، لكن روايته عنه مرسلة ، والحديث إذاً
معضل ). ((إتحاف)) (٣٣٢/٩).
(١) قوت القلوب (٢٥٦/١)، ورواه بنحوه ابن أبي الدنيا في ((ذم الدنيا)) (٣٢).
(٢) قوت القلوب (٢٥٦/١) .
(٣) رواه الترمذي ( ٢٣٤٧) .
حن
٠ ٠٠
ربع المنجيات
حں
كتاب الفقر والزهد
١١٩
٠تر
«ن

كتاب الفقر والزهد
ربع المنجيات
ـحن
كلامَكَ ، فأتاهُ إسرافيلٌ فقالَ : إنَّ اللهَ عزَّ وجلَّ سمعَ ما ذكرتَ ، فبعثَني
بمفاتيحِ الأرضِ وأمرَني أنْ أعرضَ عليكَ؛ إنْ أحببتَ أنْ أَسيِّرَ معكَ جبالَ
تهامةَ زمرداً وياقوتاً وذهباً وفضةً .. فعلتُ، وإنْ شئتَ نبيّاً ملكاً ، وإنْ شئتَ
نبياً عبداً، فأوماً إليهٍ جبريلُ أنْ تواضعْ للهِ، فقالَ: ((نبيّاً عبداً)) ثلاثاً (١).
وقالَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ : ((إذا أرادَ اللهُ بعبدٍ خيراً .. زهَّدَهُ في الدنيا،
ورغَّبَهُ في الآخرةِ ، وبصَّرَهُ بعيوبِ نفسِهِ»(٢) .
وقالَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ لرجلٍ: ((ازهدْ في الدنيا .. يحبَّكَ اللهُ،
وازهدْ فيما في أيدي الناسِ .. يحبَّكَ الناسُ))(٣).
وقال صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ : (( مَنْ أرادَ أنْ يؤتيَهُ اللهُ علماً بغيرِ تعلّم ،
وهدىً بغيرِ هدايةٍ .. فليزهدْ في الدنيا» (٤) .
(١) رواه الطبراني في ((الأوسط)) (٦٩٣٣)، والبيهقي في ((الزهد)) (٤٤٧).
(٢) رواه البيهقي في ((الشعب)) (١٠٠٥٣) عن محمد بن كعب القرظي مرسلاً ، والديلمي
في ((مسند الفردوس )) ( ٩٣٥) من حديث أنس رضي الله عنه، وليس عندهما ( ورغبه
في الآخرة ) ، بل ( فقهه في الدين ) .
(٣)
رواه ابن ماجه ( ٤١٠٢ ) .
(٤) رواه ابن أبي الدنيا في ((الزهد)) (١٠٥)، وأبو نعيم في ((الحلية)) (٣١٢/٦)،
والبيهقي في ((الشعب)) ( ١٠٠٩٨) من حديث الحسن مرسلاً، قال : خرج رسول الله
صلى الله عليه وسلم على أصحابه ذات يوم فقال: ((هل منكم من يريد أن يؤتيه الله عز
وجل علماً بغير تعلم وهدىّ بغير هداية ؟ هل منكم من يريد أن يذهب الله عز وجل عنه
العمى ويجعله بصيراً ؟ ألا إنه من رغب في الدنيا وأطال أمله فيها .. أعمى الله قلبه على
قدر ذلك ، ومن زهد في الدنيا وقصر أمله فيها .. أعطاه الله علماً بغير تعلم وهدى بغير
هداية ... )) الحديث .
١٢٠
حرة
حن