Indexed OCR Text

Pages 61-80

ربع المنجيات
حن.
كتاب الفقر والزهد
وقدْ قالَ عليٍّ رضيَ اللهُ عنهُ: ( إنَّ اللهِ تعالى عقوباتٍ بالفقرِ ومثوباتٍ
بالفقرِ ، فِمِنْ علامةِ الفقرِ إذا كانَ مثوبةً أنْ يحسنَ عليهِ خلقُهُ ، ويطيعَ بهِ
ربَّهُ، ولا يشكوَ حالَهُ، ويشكرَ اللهَ تعالى على فقرِهِ ، ومِنْ علامتِهِ إذا كانَ
عقوبةٌ أنْ يسوءَ عليهِ خلقُهُ ، ويعصيَ ربَّهُ بتركِ طاعتِهِ ، ويكثرَ الشكايةَ ،
ويتسخَّطَ القضاءَ)(١) .
وهذا يدلُّ على أنَّ كلَّ فقيرٍ فليسَ بمحمودٍ ، بلِ الذي لا يتسخَّطُ ،
أوْ يرضى، أوْ يفرحُ بالفقرِ ويرضى لعلمِهِ بثمرتِهِ؛ إذْ قيلَ: ( ما أُعطيَ عبدٌ
شيئاً مِنَ الدنيا إلا قيلَ لهُ : خذْهُ على ثلاثةِ أثلاثٍ : شغلٍ وهمٍّ وطولِ
حسابٍ )(٢).
وأمَّا أدبُ ظاهرِهِ : فأنْ يظهرَ التعفُّفَ والتجمُّلَ ، ولا يظهرَ الشكوى
والفقرَ ، بلْ يسترُ فقرَهُ، ويسترُ أنَّهُ يسترُهُ؛ ففي الحديثِ: ((إنَّ اللهَ تعالى
يحبُّ الفقيرَ المتعفِّفَ أبا العيالِ))(٣).
وقال تعالى: ﴿يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاءَ مِنَ التَّعَفُّفِ﴾
٠
وقالَ سفيانُ : ( أفضلُ الأعمالِ التجمُّلُ عندَ المحنةِ )(٤)
٠
(١) قوت القلوب (١٩٣/٢).
(٢) قوت القلوب (١٩٥/٢) .
(٣) رواه ابن ماجه ( ٤١٢١).
(٤) قوت القوت (١٩٤/٢).
ـمنـ
٠۶
١
:١٠

كتاب الفقر والزهد
ربع المنجيات
وقالَ بعضُهُمْ : ( ستْرُ الفقرِ مِنْ كنوزِ البرِّ ) .
وأمَّا في أعمالِهِ : فأدبُهُ : ألا يتواضعَ لغنيٍّ لأجلِ غناهُ ، بلْ يتكبِّرُ عليهِ ،
قالَ عليٍّ رضيَ اللهُ عنهُ: ( ما أحسنَ تواضعَ الغنيِّ للفقيرِ رغبةً في ثوابِ اللهِ
تعالى، وأحسنُ منهُ تيهُ الفقيرِ على الغنيِّ ثقةً باللهِ عزَّ وجلَّ)(١) .
فهذهِ رتبةٌ، وأقلُّ منها : ألا يخالطَ الأغنياءَ ولا يرغبَ في مجالستِهِمْ ؛
لأنَّ ذلكَ مِنْ مبادي الطمع ، قالَ الثوريُّ رحمهُ اللهُ تعالى: ( إذا خالطَ الفقيرُ
الأغنياءَ .. فاعلمْ أنَّهُ مراءٍ، وإذا خالطَ السلطانَ .. فاعلمْ أنَّهُ لصٌّ)(٢).
وقالَ بعضُ العارفينَ: ( إذا مالَ الفقيرُ إلى الأغنياءِ .. انحلَّتْ عروتُهُ ،
فإذا طمعَ فيهِمْ .. انقطعَتْ عصمتُهُ، فإذا سكنَ إليهمْ .. ضلَّ)(٣).
وينبغي ألا يسكتَ عنْ ذكرِ الحقِّ مداهنةً للأغنياءِ ، وطمعاً في
(٤)
العطاءِ (٤).
حن جن ٥٥٠٠
(١) القول له في حكاية منام رآه الفتح بن شخرف، رواه الخطيب في (( تاريخ بغداد))
(٣٨١/١٢) .
(٢) كذا في ((القوت)) (١٩٦/٢)، ورواه أبو نعيم في «الحلية)) (٣٨٧/٦). وفيه :
( القارىء ) بدل ( الفقير ) .
(٣) قوت القلوب (١٩٦/٢) .
(٤) وهذا واجب، روى البيهقي في ((الشعب)) (٧٨٨٢) من قول ابن مسعود : ( من
خضع لغني ، ووضع له نفسه إعظاماً له ، وطمعاً فيما قبله .. ذهب ثلثا مروءته وشطر
دينه). ((إتحاف)) (٢٩٦/٩) .
الجن بجنحن ٥٧
٦٢
بحت

ربع المنجيات
كير
محر
كتاب الفقر والزهد
وأمَّا أدبُهُ في أفعالِهِ : فألا يفترَ بسببِ الفقرِ عنْ عبادةٍ ، ولا يمنعَ بذلَ
قليلٍ ما يفضلُ عنهُ ؛ فإنَّ ذلكَ جهدُ المقلِّ، وفضلُهُ أكثرُ مِنْ أموالٍ كثيرةٍ
تُبُذِلُ عنْ ظهرٍ غنىً .
وروى زيدُ بنُ أسلمَ قالَ: قالَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: ((درهمٌ
مِنَ الصدقةِ أفضلُ عندَ اللهِ تعالى من مئةِ ألفِ درهم)» ، قيلَ: وكيفَ ذلكَ
يا رسولَ اللهِ؟ قالَ: ((أخرجَ رجلٌ مِنْ عرضٍٍ مالِهِ مئةَ ألفِ درهم فتصدَّقَ
بها ، وأخرجَ رجلٌ درهماً مِنْ درهمينِ لا يملكُ غيرَهُما طيبةٌ مِنْ نفسِهِ ،
فصارَ صاحبُ الدرهمِ أفضلَ مِنْ صاحبِ المئةِ ألْفٍ)» (١).
وينبغي ألا يدخرَ مالاً، بلْ يأخذُ قدْرَ الحاجةِ ويخرجُ الباقيَ ، وفي
الادخارِ ثلاثُ درجاتٍ :
إحداها : ألا يدخرَ إلا ليومِهِ وليلتِهِ ، وهيَ درجةُ الصديقينَ .
والثانيةُ : أنْ يدخرَ لأربعينَ يوماً ، فإنَّ ما زادَ عليهِ داخلٌ في طولٍ
الأملِ ، وقدْ فهمَ العلماءُ ذلكَ مِنْ ميعادِ اللهِ تعالى لموسى عليهِ السلامُ ،
ففُهِمَ منهُ الرخصةُ في أملِ الحياةِ أربعينَ يوماً ، وهيَ درجةُ المتقينَ .
والثالثةُ: أَنْ يدَّخرَ لسنتِهِ ، وهيَ أقصى المراتبِ ، وهيَ رتبةٌ
الصالحينَ .
(١) تقدم بلفظ: ((سبق درهم مئة ألف درهم ... ))، وهو عن زيدبن أسلم، عن
أبي صالح ، عن أبي هريرة رضي الله عنه مرفوعاً، وهو ما رواه النسائي ( ٥٩/٥).
٦٣
عنمن حن. من من عن

كتاب الفقر والزهد
ربع المنجيات
حن.
ومَنْ زادَ في الادخارِ على هذا .. فهوَ واقعٌ في غمارِ العمومِ ، خارجٌ
عنْ حيِِّ الخصوصِ بالكلَّةِ ، فغنى الصالح الضعيفِ في طمأنينةِ قلبِهِ في
قوتٍ سنةٍ ، وغنى الخصوصِ في أربعينَ يوماً ، وغنى خصوصِ الخصوصِ
في يومٍ وليلةٍ .
وقدْ قسمَ النبيُّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ لائِهِ على مثلِ هذهِ الأقسامِ ،
فبعضُهنَّ كانَ يعطيها قوتَ سنةٍ عندَ حصولِ ما يحصلُ ، وبعضُهنَّ قوتَ
أربعينَ يوماً ، وبعضُهنَّ يوماً وليلةً؛ وهوَ قَسمُ عائشةَ وحفصةَ .
فن
٦٤

ربع المنجيات
نييـ
كتاب الفقر والزهد
بيان آداب الفقير في قبول العطاء إذا جاءه بغير سؤال
ينبغي أنْ يلاحظَ الفقيرُ فيما جاءَهُ ثلاثةَ أمور : نفسُ المالِ ، وغرضُ
المعطي ، وغرضُهُ في الأخذِ .
أمَّا نفسُ المالِ : فينبغي أنْ يكونَ حلالاً خالياً عن الشبهاتِ كلِّها ، فإنْ
كانَ فِيهِ شبهةٌ . . فليحترزْ مِنْ أخذِهِ .
وقدْ ذكرنا في كتابِ الحلالِ والحرام درجاتِ الشبهةِ ، وما يجبُ اجتنابُهُ
وما يُستحبُّ .
.مـ
حن .. جن
وأمَّا غرضُ المعطي: فلا يخلو : إمّا أنْ يكونَ غرضُهُ تطييبَ قلبهِ وطلبَ
محبَِّهِ وهوَ الهديةُ، أوِ الثوابَ وهوَ الصدقةُ والزكاةُ، أوِ الذكرَ والرياءَ
والسمعةَ؛ إمَّا على التجرُّدِ، وإمَّا ممزوجاً ببقيةِ الأغراضِ .
١٠.
- أمَّا الأوَّلُ وهوَ الهديةُ: فلا بأسَ بقبولِها، فإنَّ قبولَها سنَّةُ رسولِ اللهِ
صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ(١) ، ولكنْ ينبغي ألا يكونَ فيها منَّةٌ، فإنْ كانَ فيها
مِنَّةٌ .. فالأولى تركُها، فإنْ علمَ أنَّ بعضَها ممَّا تعظمُ فيهِ المنَّةُ .. فليردَّ
البعضَ دونَ البعضِ ، فقدْ أُهديّ إلى النبيِّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ سمنٌ وأقطّ
وكبشٌ، فقبلَ السمنَ والأقطَّ وردَّ الكبشَ(٢).
(١) رواه البخاري (٢٥٨٥) .
(٢) كذا في ((القوت)) (١٩٩/٢)، والسياق عنده، ورواه أحمد في ((المسند))=
ق* ٢٠.
٦٥
حر
ں

كتاب الفقر والزهد
جيد
ربع المنجيات
حن
وكانَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ يقبلُ مِنْ بعضِ الناسِ ويردُّ على بعضٍ ،
وقالَ : ((لقدْ هممتُ ألا أتَّبَ إلا مِنْ قرشيِّ أَوْ أنصاريٍّ أوْ ثقفيٍّ أَوْ
دوسيٍّ))(١) ، وفعلَ هذا جماعةٌ مِنَ التابعينَ .
0
وجاءَتْ إلى فتح الموصليِّ صرَّةٌ فيها خمسونَ درهماً، فقالَ: حدثَنَا
عطاءٌ عنِ النبيِّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ أنَّهُ قالَ: ((منْ أتاهُ رزقٌ مِنْ غيرِ مسألةٍ
فردَّهُ .. فإنَّما يردُّهُ على اللهِ))، ثمَّ فتحَ الصرَّةَ، فأخذَ منها درهماً وردَّ
سائرَها(٢) .
وكانَ الحسنُ يروي هذا الحديثَ أيضاً ، ولكنْ حملَ إليهِ رجلٌ كيساً
ورزمةٌ مِنْ رقيقٍ ثيابٍ خراسانَ ، فردَّ ذلكَ وقالَ : مَنْ جلسَ مجلسي هذا
(١٧٢/٤) عن يعلى بن مرَّة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه أتته امرأة
بابن لها قد أصابه لَمَمِّ، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: ((اخرج عدوّ الله ، أنا
رسول الله))، فبرأ، فأهدت له كبشين وشيئاً من أقط وسمن ، فقال رسول الله
صلى الله عليه وسلم: (( يا يعلى خذ الأقط والسمن، وخذ أحد الكبشين وردّ عليها
الآخر )) .
(١) رواه أبو داوود (٣٥٣٧)، والترمذي (٣٩٤٥)، وأتهب: أقبل هبة.
(٢) كذا في ((القوت)) (١٩٩/٢)، قال الحافظ العراقي: ( لم أجده مرسلاً هكذا ،
وسيأتي بعد هذا بحديث ما يصحح معناه). («إتحاف)) (٢٩٧/٩) ، ومن ذلك
ما رواه البخاري ( ١٤٧٣)، ومسلم ( ١٠٤٥) من حديث عمر رضي الله عنه قال :
كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعطيني العطاء ، فأقول : أعطه من هو أفقر إليه
مني ، فقال : (( إذا جاءك من هذا المال شيء وأنت غير مشرف ولا سائل .. فخذه ،
وما لا .. فلا تتبعه نفسك)).
ــن
-
عريش
٦٦
نق ارن حرو حن اقوى

ربع المنجيات
وهـ
كتاب الفقر والزهد
حمص
وقبلَ مِنَ الناسِ مثلَ هذا .. لقيَ اللهَ عزَّ وجلَّ يومَ القيامةِ وليسَ لهُ خلاقٌ (١).
وهذا يدلُّ علىُ أنَّ أمرَ العالمِ والواعظِ أشدُّ في قبولِ العطاءِ .
لان ، متن
وقدْ كانَ الحسنُ يقبلُ مِنْ أصحابهِ (٢) .
وكانَ إبراهيمُ التيميُّ يسألُ أصحابَهُ الدرهمَ والدرهمينِ ونحوَهُ ، ويعرضُ
عليهِ غيرُهُمُ المئينَ فلا يأخذُها(٣).
وكانَ بعضُهُمْ إذا أعطاهُ صديقُهُ شيئاً .. يقولُ: اتركْهُ عندَكَ، وانظرْ إِنْ
كنتُ بعدَ قبولِهِ في قلبكَ أفضلَ منِّي قبلَ القبولِ .. فأخبرني حتَّى آخذَهُ،
وإلا .. فلا .
.جن
وأمارةُ هذا أنْ يشقَّ عليهِ الرُّ لوْ ردَّهُ ، ويفرحَ بالقبولِ ويرى المنَّةَ على
نفسِهِ في قبولٍ صديقِهِ هديَّتَهُ، فإنْ علمَ أنَّهُ يمازجُهُ منَّةٌ .. فأخذُهُ مباحٌ،
ولكنَّهُ مكروهٌ عندَ الفقراءِ الصادقينَ .
وقالَ بشرٌ : ما سألتُ أحداً قطُّ شيئاً إلا سرياً السقطيَّ؛ لأنَّهُ قدْ صحَّ
عندي زهدُهُ في الدنيا ، فهوَ يفرحُ بخروج الشيءِ مِنْ يدِهِ ، ويتبرَّمُ بقائِهِ
عندَهُ ، فأكونُ عوناً لهُ على ما يحبُّ (٤) .
(١) قوت القلوب (١٩٩/٢)، والسياق عنده .
(٢) تطبيباً لقلوبهم. ((إتحاف)) (٢٩٧/٩).
(٣) قوت القلوب (١٩٩/٢).
(٤) قوت القلوب (١٩٩/٢).
٦٧
در
ـحر

كتاب الفقر والزهد
ربع المنجيات
وجاءَ خراسانيٍّ إلى الجنيدِ رحمهُ اللهُ بمالٍ، وسألَهُ أنْ يأكلَهُ ، فقالَ :
أفرِّقُهُ على الفقراءِ ، فقالَ: ما أريدُ هذا، فقالَ : ومتى أعيشُ حتَّى آكلَ
هذا؟! فقالَ : ما أريدُ أنْ تنفقَهُ في الخلِّ والبقلِ ، بلْ في الحلاوةِ
والطيباتِ ، فقبلَ ذلكَ منهُ، فقالَ الخراسانيُّ : ما أحدٌ ببغدادَ أَمنَّ عليّ
منكَ ، فقالَ الجنيدُ : ولا ينبغي أنْ يُقبلَ إلا مِنْ مثلِكَ(١).
- الثاني : أنْ يكونَ للثوابِ المجرَّدِ وذلكَ صدقةٌ أَوْ زكاةٌ : فعليهِ أنْ ينظرَ
في صفاتِ نفسِهِ أنَّهُ هلْ هوَ مستحقٌّ للزكاةِ ، فإن اشتبهَ عليهِ .. فهوَ محلٌّ
شبهةٍ، وقدْ ذكرنا تفصيلَ ذلكَ في كتابٍ أسرارِ الزكاة ، وإنْ كانَتْ صدقةً ،
وكانَ يعطيهِ لدينِهِ . . فلينظرْ إلى باطنِهِ ؛ فإنْ كانَ مقارفاً لمعصيةٍ في السرِّ
يعلمُ أنَّ المعطيَ لوْ علمَ ذلكَ لنفرَ طبعُهُ، ولما تقرَّبَ إلى اللهِ بالتصدُّقِ
عليهِ .. فهذا حرامٌ أخذُهُ ، كما لوْ أعطاهُ لظنِّهِ أَنَّهُ عالمٌ أَوْ علويٌّ ولمْ يكنْ
كذلكَ ، فإنَّ أخذَهُ حرامٌ محضٌ لا شبهةَ فيهِ .
- الثالثُ: أنْ يكونَ غرضُهُ الشهرةَ والرياءَ والسمعةَ : فينبغي أنْ يردَّ عليهِ
قصدَهُ الفاسدَ ولا يقبلَهُ، إذْ يكونُ معيناً لهُ على غرضِهِ الفاسدِ .
وكانَ سفيانُ الثوريُّ رحمَهُ اللهُ يردُّ ما يُعطى ويقولُ : لوْ علمتُ أنَّهُمْ
لا يذكرونَ ذلكَ افتخاراً بهِ .. لأخذتُ (٢).
(١) قوت القلوب (٢٠٠/٢).
(٢) قوت القلوب (٢٠٢/٢).
٦٨

ـسر
ربع المنجيات
كتاب الفقر والزهد
وعُوتبَ بعضُهُمْ في ردِّ ما كانَ يأتيهِ مِنْ صلةٍ، فقالَ: إنَّما أردُّ صلتَهُمْ
إشفاقاً عليهِمْ ونصحاً لهُمْ؛ لأنَّهُمْ يذكرونَ ذلكَ ويحثُّونَ أنْ يُعلمَ بهِ ،
فتذهبُ أموالُهُمْ وتحبطُ أجورُهُمْ .
ـة.
وأمَّا غرضُهُ في الأخذِ : فينبغي أنْ ينظرَ أهوَ محتاجٌ إليهِ فيما لا بدَّ لهُ منهُ
أوْ هوَ مستغنٍ عنهُ ، فإنْ كانَ محتاجاً إليهِ وقدْ سلمَ مِنَ الشبهةِ والآفاتِ
التي ذكرناها في المعطي .. فالأفضلُ لهُ الأخذُ ، قالَ النبيُّ صلَّى اللهُ
عليهِ وسلَّمَ : (( ما المعطي مِنْ سعةٍ بأعظمَ أجراً مِنَ الآخذِ إذا كانَ
محتاجاً))(١) .
وقالَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ : (( مَنْ أتاهُ شيءٌ مِنْ هذا المالِ مِنْ غيرِ مسألةٍ
ولا استشرافٍ .. فإنَّما هوَ رزقُ ساقَهُ اللهُ إليهِ))، وفي لفظٍ آخرَ: ((فلا
يردُّهُ)) (٢) .
وقالَ بعضُ العلماءِ : ( مَنْ أُعطيَ ولمْ يأخذْ .. سألَ ولمْ يُعطَ)(٣).
وقدْ كانَ سريِّ السقطيُّ يوصلُ إلى أحمدَ ابنِ حنبلٍ رضيَ اللهُ عنهُما
شيئاً، فردَّهُ مرَّةً، فقالَ لهُ السريُّ: يا أحمدُ ؛ احذْر آفةَ الردِّ ، فإنَّها أشدُّ
مِنْ آفةِ الأخذِ ، فقالَ لهُ أحمدُ : أعدْ عليَّ ما قلتَ ، فأعادَهُ، فقالَ أحمدُ :
(١) رواه الطبراني في ((الأوسط)) (٨٢٣١)، وأبو نعيم في «الحلية)) (٢٤٥/٨).
(٢) رواه أحمد فى ((المسند)) (٢٩٢/٢)، (٢٢٠/٤).
(٣) قوت القلوب (١٩٨/٢).
٦٩

كتاب الفقر والزهد
يوم من
ربع المنجيات
ـحن
.27
ما رددتُ عليكَ إلا لأنَّ عندي قوتَ شهرٍ ، فاحبسْهُ لي عندَكَ ، فإذا كانَ بعدَ
شهرٍ فأنفذْهُ إليَّ(١) .
وقدْ قالَ بعضُ العلماءِ : يُخافُ في الردِّ معَ الحاجةِ عقوبةٌ مِنِ ابتلاءِ
بطمعٍ ، أَوْ دخولٍ في شبهةٍ أوْ غيرِهِ .
فأمّا إذا كانَ ما أتاهُ زائداً على حاجتِهِ .. فلا يخلو: إمَّا أنْ يكونَ حالُهُ
الاشتغالَ بنفسِهِ ، أوِ التكفُّلَ بأمورِ الفقراءِ والإنفاقِ عليهِمْ لما في طبعِهِ مِنَ
الرفقِ والسخاءِ ، فإنْ كانَ مشغولاً بنفسِهِ .. فلا وجهَ لأخذِهِ وإمساكِهِ إنْ كانَ
طالباً طريقَ الآخرةِ ، فإنَّ ذلكَ محضُ اتباع الهوى ، وكلُّ عملٍ ليسَ للهِ فهوَ
في سبيلِ الشيطانِ أوْ داعٍ إليهِ ، ومَنْ حامَ حولَ الحمى يوشكُ أنْ يقعَ فيهِ ،
ثمَّ لهُ مقامانٍ :
أحدُهُما : أنْ يأخذَ في العلانيةِ ويردّ في السرِّ، أَوْ يأخذَ في العلانيةِ
ويفرِّقَ في السرِّ ، وهذا مقامُ الصدِّيقينَ، وهوَ شاقٌ على النفسِ، لا يطيقُهُ
إلا مَنِ اطمأنَّتْ نفسُهُ بالرياضةِ .
ـدن
c
ب
والثاني : أنْ يتركَ ولا يأخذَ ؛ ليصرفَهُ صاحبُهُ إلى مَنْ هوَ أحوجُ منهُ ، أَوْ
يأخذَ ويوصلَ إلى مَنْ هوَ أحوجُ منهُ ، فيفعلُ كليهِما في السرِّ أَوْ كليهِما في
العلانية .
وقدْ ذكرنا أنَّ الأفضلَ إظهارُ الأخذِ أوْ إخفاؤُهُ في كتابٍ أسرارِ الزكاةِ ،
(١) قوت القلوب (١٩٨/٢).
٧٠
---
- - - -

ربع المنجيات
كتاب الفقر والزهد
معَ جملةٍ مِنْ أحكام الفقرِ ، فليُطلبْ مِنْ موضعِهِ .
وأمَّا امتناعُ أحمدَ ابنِ حنبلٍ عنْ قبولِ عطاءِ سريٍّ السقطيِّ رحمَهُما اللهُ ..
فإنَّما كانَ لاستغنائِهِ عنهُ؛ إذْ كانَ عندَهُ قوتُ شهرٍ ، ولمْ يرَ لنفسِهِ أنْ يشتغلَ
بأخذِهِ وصرفِهِ إلى غيرِهِ ، فإنَّ في ذلكَ آفاتٍ وأخطاراً ، والورعُ يكونُ حذراً
مِنْ مظانِّ الآفاتِ ؛ إذْ لمْ يأمنْ مكيدةَ الشيطانِ على نفسِهِ .
د?
وقالَ بعضُ المجاورينَ بمكةً : كانَتْ عندي دراهمُ أعددتُها للإنفاقِ في
سبيلِ اللهِ، فسمعتُ فقيراً قدْ فرِغَ مِنْ طوافِهِ وهوَ يقولُ بصوتٍ خفيٍّ : أنا
جائعٌ كما ترى ، عريانُ كما ترى ، فما ترى فيما ترى ، يا مَنْ يرى
ولا يُرى ؟ فنظرتُ فإذا عليهِ خُلْقانٌ لا تكادُ تواريهِ ، فقلتُ في نفسي :
لا أجدُ لدراهمي موضعاً أحسنَ مِنْ هذا، فحملتُها إليهِ ، فنظرَ إليها، ثمَّ
أخذَ منها خمسةَ دراهمَ فقالَ : أربعةٌ ثمنُ مئزرينِ ، ودرهمٌ أنفقُهُ ثلاثاً ، فلا
حاجةً بي إلى الباقي ، فردَّهُ، قالَ : فرأيتُهُ الليلةَ الثانيةً وعليهِ مئزرانِ
جديدانِ ، فهجسَ في نفسي منهُ شيءٌ ، فالتفتَ إليَّ، فأخذَ بيدي ، فأطافَني
معَهُ أسبوعاً ، كلَّ شوطٍ منها في جوهرٍ مِنْ معادنِ الأرضِ يتخشخشُ تحتَ
أقدامِنا إلى الكعبينِ ، منها ذهبٌ، وفضةٌ ، وياقوتٌ ، ولؤلؤٌ، وجوهرٌ ،
ولمْ يظهرْ ذلكَ للناس ، فقالَ: هذا كلُّهُ قدْ أُعطيناهُ فزهدنا فيهِ ، ونأخذُ مِنْ
أيدي الخلقِ؛ لأنَّ هذهِ أثقالٌ وفتنةٌ، وذلكَ للعبادِ فيهِ رحمةٌ ونعمةٌ(١).
(١) قوت القلوب (١٩٦/٢) بتحوه، وفي آخره : ( ونأخذ من أيدي الخلق أحب إلينا؛
لأنه أحبُّ إلى الله وأخف علينا في المطالبة ، وهذه أثقال ... ) .
٧١
ـكن
حن ارد وخ حن
حن

كتاب الفقر والزهد
ربع المنجيات
والمقصودُ منْ هذا : أنَّ الزيادةَ على قدْرِ الحاجةِ إنَّما تأتيكَ ابتلاءً
وفتنةً، لينظرَ اللهُ إليكَ ماذا تعملُ فيهِ ، وقدرُ الحاجةِ يأتيكَ رفقاً بكَ ، فلا
تغفُلْ عنِ الفرقِ بينَ الرفقِ والابتلاءِ .
قالَ اللهُ تعالى: ﴿ إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الأَرْضِ زِينَةً لََّا لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ
عَمَلًا﴾.
وقدْ قالَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: (( لا حقَّ لابنِ آدمَ إلا في ثلاثٍ: طعامٌ
يقيمُ صلبَهُ ، وثوبٌ يواري عورتَهُ، وبيتٌ يكنُّهُ، فما زادَ فهوَ حسابٌ)) (١).
فإذاً ؛ أنتَ في أخذٍ قدرِ الحاجةِ مِنْ هذِهِ الثلاثِ مثابٌ ، وفيما زادَ عليهِ
إنْ لمْ تعصِ اللهَ متعرِّضٌ للحسابِ ، وإنْ عصيتَ اللهَ .. فأنتَ متعرِّضٌ
للعقاب .
ومِنَ الاختبارِ أيضاً أنْ تعزمَ على تركِ لذَّةٍ مِنَ اللذَّاتِ تقرُّباً إلى اللهِ
تعالى ، وكسراً لصفةِ النفسِ ، فتأتيكَ عفواً صفواً لتمتحنَ بها قوَّةً عقلِكَ ،
فالأولى الامتناعُ عنها، فإنَّ النفسَ إذا رُخّصَ لها في نقضِ العزم .. ألفَتْ
نقضَ العهدِ ، وعادَتْ لعادتِها ، ولا يمكنُ قهرُها ، فردُّ ذلكَ مهمٌّ، وهوَ
الزهدُ .
فإنْ أخذتَهُ وصرفتَهُ إلى محتاج .. فهوّ غايةُ الزهدِ ، ولا يقدرُ عليهِ إلا
الصديقونَ .
(١) قوت القلوب (١٩٨/٢)، ورواه الترمذي (٢٣٤١) بنحوه .
٧٢

ربع المنجيات
كتاب الفقر والزهد
فأمَّا إذا كانَتْ حالُكَ السخاءَ والبذلَ، والتكفُّلَ بحقوقِ الفقراءِ، وتعهُّدَ
جماعةٍ مِنَ الصلحاءِ .. فخذْ ما زادَ على حاجتِكَ ، فإنَّهُ غيرُ زائدٍ على حاجةٍ
الفقراءِ ، وبادرْ بهِ إلى الصرفِ إليهِمْ، ولا تدَّخرُهُ ، فإنَّ إمساكَهُ - ولوْ ليلةٌ
واحدةً - فيه فتنةٌ واختبارٌ ، فربما يحلو في قلبكَ فتمسكُهُ ويكونُ فتنةٌ عليكَ .
وقدْ تصدَّى لخدمةِ الفقراءِ جماعةٌ اتخذوها وسيلةً إلى التوسُّع في
المالِ ، والتنقُّمٍ في المطعمِ والمشربِ، وذلكَ هوَ الهلاكُ، ومَنْ كانَ غرضُهُ
الرفقَ وطلبَ الثوابِ بهِ .. فلهُ أنْ يستقرضَ على حسنِ الظنّ باللهِ ، لا على
اعتمادِ السلاطينِ الظلمةِ، فإنْ رزقَهُ اللهُ مِنْ حلالٍ .. قضاهُ ، وإنْ ماتَ قبلَ
القضاءِ .. قضاهُ اللهُ تعالىُ عنهُ وأرضى غرماءَهُ، وذلكَ بشرطِ أنْ يكونَ
مكشوفَ الحالِ عندَ مَنْ يقرضُهُ ، فلا يغرُّ المقرضَ ولا يخدعُهُ بالمواعيدِ ،
بلْ يكشفُ حالَهُ عندَهُ ؛ ليقدمَ على إقراضِهِ عنْ بصيرةٍ .
ـين.
ـغارب
ودينُ مثلِ هذا الرجلِ واجبٌ أنْ يُقضىُ مِنْ مالِ بيتِ المالِ ، ومِنَ
الزكواتِ ، وقدْ قالَ تعالى: ﴿ وَمَن قُدِرَ عَلَّهِ رِزْقُهُ فَلْيُنفِقْ مِمَّآ ءَائَنَهُ اللَّهُ﴾، قيلَ :
معناهُ: ليبعْ أحدٌ ثوبيهِ ، وقيلَ : معناهُ : فليستقرضْ بجاهِهِ ، فذلكَ ممَّا قدْ
آتاهُ اللهُ (١).
وقالَ بعضُهُمْ : ( اللهِ تعالى عبادٌ ينفقونَ على قدْرِ بضائِعِهِمْ، وللهِ عبادٌ
(١) قوت القلوب (١٩٩/٢).
٧٣

كتاب الفقر والزهد
ربع المنجيات
ينفقونَ على قدْرِ حسنِ الظنِّ باللهِ تعالى)(١)
وماتَ بعضُهُمْ فأوصى بمالِهِ لثلاثٍ طوائفَ : الأقوياءُ ، والأسخياءُ ،
والأغنياءُ، فقيلَ: مَنْ هؤلاءِ؟ فقالَ: أمَّا الأقوياءُ .. فهمْ أهلُ التوُلِ
على اللهِ تعالىُ، وأمَّا الأسخياءُ .. فهُمْ أهلُ حسنِ الظنِّ باللهِ تعالىُ، وأمَّا
الأغنياءُ .. فهُمْ أهلُ الانقطاع إلى الله تعالى(٢) .
فإذاً؛ مهما وُجدَتْ هذهِ الشروطُ فيهِ وفي المالِ وفي المعطي ..
فليأخذْهُ .
وينبغي أنْ يرى ما يأخذُهُ مِنَ اللهِ لا مِنَ المعطي ، إنَّما المعطي واسطةٌ قدْ
سُخِّرَ للعطاءِ ، وهوَ مضطرٍّ إليهِ بما سُلُّطَ عليهِ مِنَ الدواعي والإراداتِ
والاعتقاداتِ .
٨٠٠
وقدْ حُكِيَ أنَّ بعضَ الناسِ دعا شقيقاً في خمسينَ مِنْ أصحابِهِ ، فوضعَ
الرجلُ مائدةً حسنةً ، فلمًا قعدَ .. قالَ لأصحابِهِ : إنَّ هذا الرجلَ يقولُ :
مَنْ لمْ يرني صنعتُ هذا الطعامَ وقدمتُهُ .. فطعامي عليهِ حرامٌ ، فقاموا كلُّهُمْ
وخرجوا إلا شاباً منهُمْ كانَ دونَهُمْ في الدرجةِ، فقالَ صاحبُ المنزلِ لشقيقٍ :
ما قصدتَ بهذا؟ قالَ : أردتُ أنْ أختبرَ توحيدَ أصحابي كلُّھمْ(٣)
٠
ـكن
(١) قوت القلوب (١٩٩/٢).
(٢) قوت القلوب (١٩٩/٢) .
(٣) قوت القلوب (٢٠٠/٢).
٧٤
بصں

٠٠،٠٠١
ربع المنجيات
حز
كتاب الفقر والزهد
وقالَ موسى عليهِ السلامُ : يا ربِّ ؛ جعلتَ رزقي هكذا على أيدي بني
إسرائيلَ ، يغدِّيني هذا يوماً ، ويعشِّيني هذا ليلةً، فأوحى اللهُ تعالىُ إليهِ ،
هكذا أصنعُ بأوليائي ، أجري أرزاقَهُمْ على أيدي البطَّالِينَ مِنْ عبادي
ليؤجروا فيهمْ(١) .
فلا ينبغي أنْ يرى المعطيَ إلا مِنْ حيثُ إنَّهُ مسخّرٌ مأجورٌ منَ اللهِ تعالى ،
نسألُ اللهَ حسنَ التوفيقِ لما يرضاهُ .
(١) قوت القلوب (٢٠٠/٢).
٧٥
.. جن ::- جن

كتاب الفقر والزهد
ربع المنجيات
بيان تحريم السؤال من غير ضرورة، وآداب الفقير المضطر فيه
اعلمْ : أَنَّهُ قدْ وردَتْ مناهٍ كثيرةٌ في السؤالِ وتشديداتٌ ، ووردَ فيهِ أيضاً
ما يدلُّ على الرخصةِ؛ إذْ قالَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: (( للسائلِ حٌّ وإنْ جاءَ
على فرسٍ)) (١) .
وفي الحديثِ: ((ردُّوا السائلَ ولوْ بظلفٍ محرَّقٍ))(٢) .
ولوْ كانَ السؤالُ حراماً مطلقاً .. لما جازَ إعانةُ المعتدي على عدوانِهِ ،
والإعطاءُ إعانةٌ .
فالكاشفُ للغطاءِ فيهِ أنَّ السؤالَ حرامٌ في الأصلِ ، وإنَّما يُباحُ بضرورةٍ أوْ
حاجةٍ مهمَّةٍ قريبةٍ مِنَ الضرورةِ ، فإنْ كانَ عنها بدٌّ .. فهوَ حرامٌ .
وإنَّما قلنا : إنَّ الأصلَ فيهِ التحريمُ ؛ لأنَّهُ لا ينفكُّ عنْ ثلاثةِ أمورٍ
محرّمةٍ :
بان
الأوَّلُ : إظهارُ الشكوى من الله تعالى :
إذِ السؤالُ إظهارٌ للفقرِ ، وذكرٌ لقصورِ نعمةِ اللهِ تعالىُ عنهُ ، وهوَ عينُ
(١) رواه أبو داوود ( ١٦٦٥) من حديث سيدنا الحسين رضي الله عنه مرفوعاً، وهو عند
مالك في ((الموطأ)) (٩٩٦/٢) عن زيد بن أسلم مرسلاً: (( أعطوا السائل وإن جاء
على فرس )) .
جنة
(٢) رواه أحمد في ((المسند)) (٤٣٥/٦) بلفظه وتمامه ، وبنحوه هو عند أبي داوود
(١٦٦٧)، والترمذي (٦٦٥)، والنسائي (٨١/٥).
٧٦
دن

ربع المنجيات
حر
كتاب الفقر والزهد
الشكوى، وكما أنَّ العبدَ المملوكَ لوْ سألَ لكانَ سؤالُهُ تشنيعاً على سيِِّهِ ..
فكذلكَ سؤالُ العبادِ تشنيعٌ على اللهِ تعالى ، وهذا ينبغي أنْ يحرمَ ولا يحلّ
إلا لضرورةٍ كما تحلُّ الميتةُ .
والثاني : أنَّ فيهِ إذلالَ السائلِ نفسَهُ لغيرِ اللهِ تعالى :
وليسَ للمؤمنِ أنْ يذلَّ نفسَهُ لغيرِ اللهِ ، بلْ عليهِ أنْ يذلَّ نفسَهُ لمولاهُ ،
فإنَّ فيهِ عزَّهُ، فأمَّا سائرُ الخلقِ .. فإنَّهُمْ عبادٌ أمثالُهُ، فلا ينبغي أنْ يذلَّ لهُمْ
إلا لضرورةٍ ، وفي السؤالِ ذلِّ للسائلِ بالإضافةِ إلى المسؤولِ .
والثالثُ : أنَّهُ لا ينفلتُ عنْ إيذاءِ المسؤولِ غالباً :
لأنَّهُ ربما لا تسمحُ نفسُهُ بالبذلِ عنْ طيبةِ قلبٍ منهُ ، فإنْ بذلَ حياءً مِنَ
السائلِ أوْ رياءً .. فهوَ حرامٌ على الآخذِ ، وإنْ منعَ .. ربما استحيا وتأذَّى في
نفسِهِ بالمنع ، إذْ يرىُ نفسَهُ في صورةِ البخلاءِ ، ففي البذلِ نقصانُ مالِهِ ،
٥
وفي المنع نقصانُ جاهِهِ ، وكلاهما مؤذيانٍ ، والسائلُ هوَ السببُ في
الإيذاءِ ، والإيذاءُ حرامٌ إلا بضرورةٍ .
ومهما فهمتَ هذهِ المحذوراتِ الثلاثَ .. فهمتَ قولَهُ صلَّى اللهُ
عليهِ وسلَّمَ : ((مسألةُ الناسِ مِنَ الفواحشِ، ما أُحلَّ مِنَ الفواحشِ
٧٧
حن . <٠٥:

كتاب الفقر والزهد
ربع المنجيات
غيرُها ))(١)، فانظر كيفَ سمَّاها فاحشةً، ولا يخفى أنَّ الفاحشةَ إنَّما تُاعُ
لضرورةٍ كما يُباحُ شربُ الخمرِ لمَنْ غصَّ بلقمةٍ وهوَ لا يجدُ غيرَهُ .
وقالَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: (( مَنْ سألَ عنْ غنىَ .. فإنَّما يستكثرُ مِنْ
جمرٍ جهنَّمَ، ومَنْ سألَ ولهُ ما يغنيهِ .. جاءَ يومَ القيامةِ ووجهُهُ عظمٌ
يتقعقعُ، ليسَ عليهِ لحمٌ))، وفي لفظٍ آخرَ: (( كانَتْ مسألتُهُ خدوشاً
وكدوحاً في وجهِهِ))(٢)، وهذهِ الألفاظُ صريحةٌ في التحريمِ والتشديدِ .
وبايعَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ قوماً على الإسلام ، فاشترطَ
عليهِمُ السمعَ والطاعةَ، ثمَّ قالَ لهُمْ كلمةً خفيةً: (( ولا تسألوا الناسَ
شيئاً))(٣).
وكانَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ يأمرُ كثيراً بالتعفُّفِ عنِ السؤالِ ويقولُ: (( مَنْ
(١) كذا في ((القوت )) (١٩٣/٢) حيث قال: ( وقد روينا في الخبر ... ) وذكره ، قال
الحافظ العراقي: ( لم أجد له أصلاً). ((إتحاف)) (٣٠٤/٩).
(٢) كذا في ((القوت)) (١٩٣/٢)، وقد روى أبو داوود (١٦٢٩) من حديث سهل بن
الحنظلية رضي الله عنه مرفوعاً: (( من سأل وعنده ما يغنيه .. فإنما يستكثر من النار))،
وعنده أيضاً: (( من جمر جهنم))، وعند البخاري ( ١٤٧٥)، ومسلم (١٠٤٠ ) من
حديث ابن عمر رضي الله عنهما مرفوعاً : (( ما يزال الرجل يسأل الناس حتى يأتي يوم
القيامة ليس في وجهه مزعة لحم))، وروى أبو داوود (١٦٢٦)، والترمذي
(٦٥٠)، والنسائي (٩٧/٥)، وابن ماجه (١٨٤٠) من حديث ابن مسعود رضي الله
عنه مرفوعاً: (( من سأل وله ما يغنيه .. جاءت مسألته يوم القيامة خدوشاً أو خموشاً أو
كدوحاً في وجهه )).
(٣) رواه مسلم ( ١٠٤٣).
٧٨
حر
جن
دة

ربع المنجيات
كتاب الفقر والزهد
سألَنا .. أعطيناهُ، ومَن استغنىُ .. أغناهُ اللهُ))(١)، وقالَ: ((ومَنْ لمْ
يسألْنا .. فهوَ أحبُّ إلينا))(٢).
وقالَ عليهِ الصلاةُ والسلامُ: (( استغنوا عنِ الناسِ، وما قلَّ مِنَ السؤالِ
فهوَ خيرٌ))، قالوا: ومنكَ يا رسولَ اللهِ؟ قالَ: ((ومنِّي))(٣).
وسمعَ عمرُ رضيَ اللهُ عنهُ سائلاً يسألُ بعدَ المغربِ ، فقالَ لواحدٍ مِنْ
قومِهِ : عشِّ الرجلَ ، فعشَّاهُ، ثمَّ سمعَهُ ثانيةً يسألُ، فقالَ : ألمْ أقلْ لكَ
عشٌّ الرجلَ ؟! قالَ : قدْ عشَّيتُهُ، فنظرَ عمرُ فإذا تحتَ يدِهِ مخلاةٌ مملوءةٌ
خبزاً ، فقالَ : لستَ سائلاً، ولكنَّكَ تاجرٌ، ثمَّ أخذَ المخلاةَ ونثرَهَا بينَ
يدي إبلِ الصدقةِ ، وضربَهُ بالدِّرَّةِ، وقالَ: لا تعدْ(٤) . ولولا أنَّ سؤالَهُ كانَ
حراماً .. لما ضربَهُ ولا أخذَ مخلاتهُ.
(١) كذا في ((القوت)) (١٩٣/٢)، ورواه النسائي (٩٨/٥) من حديث أبي سعيد
الخدري رضي الله عنه ولفظه: ((من استغنى .. أغناه الله، ومن استعف .. أعفه الله عز
وجل، ومن استكفى .. كفاه الله عز وجل ... )) الحديث، ولفظ: (( من سألنا ..
أعطيناه )) عند ابن حبان في ((صحيحه)) (٣٣٩٨).
فلس
(٢) هذه الرواية رواها ابن أبي الدنيا في ((القناعة والتعفف)) ( ٧٦).
(٣) كذا في ((القوت)) (١٩٣/٢)، وهو عند أحمد في ((المسند)) (٤٣٤/٣) من حديث
حكيم بن حزام ، ولفظه: (( اليد العليا خير من اليد السفلى، وليبدأ أحدكم بمن
يعول ، وخير الصدقة ما كان عن ظهر غنى، ومن يستغن .. يفنه الله، ومن
يستعفف .. يعفه الله))، فقلت: ومنك يا رسول الله؟ قال: ((ومني))، وعند البزار
في (( مسنده)) (٤٨٢٤)، والطبراني في «الكبير» (٤٤٤/١١) من حديث ابن عباس
رضي الله عنهما مرفوعاً: ((استغنوا عن الناس ولو بشوص سواك)).
(٤) قوت القلوب (٢/ ١٩٣).
٧٩

كتاب الفقر والزهد
ربع المنجيات
ـدة
حن
ولعلَّ الفقيهَ الضعيفَ المُنَّةِ الضيِّقَ الحوصلةِ يستبعدُ هذا مِنْ فعلِ عمرَ ،
ويقولُ : أمَّا ضربُهُ .. فهوَ تأديبٌ، وقدْ وردَ الشرعُ بالتعزيرِ، وأمَّا أخذُهُ
مالَهُ . . فهوَ مصادرةٌ ، والشرعُ لمْ يردْ بالعقوبةِ بالمالِ، فكيفَ استجازَهُ ؟
G
وهوَ استبعادٌ مصدرُهُ القصورُ في الفقهِ ، فأينَ يظهرُ الفقهاءُ كلَّهُمْ في
حوصلةِ عمرَ بنِ الخطابِ رضيَ اللهُ عنهُ واطلاعِهِ على أسرارِ دينِ اللهِ ومصالحٍ
عبادِهِ ؟! أفترى أنَّهُ لمْ يعلمْ أنَّ المصادرةَ بالمالِ غيرُ جائزةٍ ، أَوْ علمَ ذلكَ
ولكنْ أقدمَ عليهِ غضباً في معصيةِ اللهِ وحاشاهُ ، أوْ أرادَ الزجرَ بالمصلحةِ بغيرِ
طريقٍ شرعَها نبيُّ اللهِ ؟! وهيهاتَ! فإنَّ ذلكَ أيضاً معصيةٌ .
بلِ الفقهُ الذي لاحَ لهُ فيهِ أنَّهُ رآهُ مستغنياً عن السؤالِ، وعلمَ أنَّ مَنْ أعطاهُ
شيئاً فإنَّما أعطاهُ على اعتقادِ أنَّهُ محتاجٌ ، وقدْ كانَ كاذباً ، فلمْ يدخلْ في
ملكِهِ بأخذِهِ معَ التلبيسِ ، وعسرَ تمييزُ ذلكَ وردُّهُ إلى أصحابِهِ ؛ إذْ لا يُعرفُ
أصحابُهُ بأعيانِهِمْ، فبقيَ مالاً لا مالكَ لهُ، فوجبَ صرفُهُ إلى المصالحِ ،
وإبلُ الصدقةِ وعلفُها مِنَ المصالحِ .
ويتنزَّلُ أخذُ السائِلِ معَ إظهارِ الحاجةِ كاذباً كأخذِ العلويِّ بقولِهِ : إنِّي
علويٌّ وهوَ كاذبٌ ؛ فإنَّهُ لا يملكُ ما يأخذُهُ ، وكأخذِ الصوفيِّ والصالحِ الذي
يُعطى لصلاحِهِ وهوَ في الباطنِ مقارفٌ معصيةً لوْ عرفَها المعطي .. لما
أعطاهُ، وقدْ ذكرنا في مواضعَ أنَّ ما أخذوهُ على هذا الوجهِ لا يملكونَهُ ،
وهوَ حرامٌ عليهِمْ، ويجبُ عليهِمُ الردُّ إلى مالكِهِ ، فاستَدِلَّ بفعلٍ عمرَ
بكل ::
٨٠
٠٠٠
٠٠
....
٠٠٠٠
٠٠٠