Indexed OCR Text
Pages 561-580
ربع المنجيات كتاب الرجاء والخوف صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ وجبريلَ عليهِ السلامُ بكيا خوفاً مِنَ اللهِ تعالى ، فأوحى اللهُ إليهما : لم تبكيانٍ وقدْ أمَّتُكُما؟ فقالا : ومَنْ يأمنُ مكرَكَ ؟!(١). وكأنَّهُما إذْ علما أنَّ اللهَ تعالى هوَ علَّمُ الغيوبِ ، وأنَّهُ لا وقوفَ لهما على غايةِ الأمورِ .. لمْ يأمنا أنْ يكونَ قولُهُ: ( قدْ أمَنتُكما ) ابتلاءً لهما وامتحاناً ومكراً بهما ، حتَّى إنْ سكنَ خوفُهُما .. ظهرَ أنَّهُما قدْ أمنا مِنَ المكرِ ، وما وقَّيا بقولِهِما . ـعيــ كما أنَّ إبراهيمَ عليهِ السلامُ لمَّا وُضِعَ في المنجنيقِ .. قالَ : ( حسبيَ اللهُ)، وكانَتْ هذهِ مِن الدعاوي العظام، فامتُحنَ وعُورضَ بجبريلَ في الهواءِ ، حتى قالَ : ألكَ حاجةٌ ؟ فقالَ: أمَّا إليك .. فلا، فكانَ ذلكَ وفاءً بمقتضى قولِهِ : ( حسبِيَ اللهُ)، فأخبرَ اللهُ تعالى عنهُ فقالَ : ﴿وَإِبْرَهِيمَ اَلَّذِى وَلَى﴾ أيْ: بموجَبِ قولِهِ: (حسبيَ اللهُ)(٢). 3 (١) كذا في ((القوت)) (٢٢٩/١)، ورواه ضمن خبر طويل الطبراني في ((الأوسط)) (٢٦٠٤)، وزاد الحافظ العراقي: (وابن شاهين في (( شرح السنة )) من حديث عمر ، ورويناه في مجلس من ((أمالي أبي سعيد النقاش)) بسند ضعيف). ((إتحاف)) (٢٢٧/٩) . (٢) كذا في ((القوت)) (٢٢٩/١)، وقال بعده: ( ولأن الله تعالى لا يدخل تحت الأحكام ، ولا يلزمه ما حكم به على الأنام ، ولا يختبر صدقه سبحانه وتعالى ، ولا يجوز أن يوصف بضد الصدق وإن بدل الكلم هو بتبديل منه ؛ لأن كلامه قائم به ، فله أن يبدل ما شاء وهو الصادق في الكلامين ، العادل في الحكمين ، الحاكم في الحالين ؛ لأنه حاكم عليه ولا حكم يلزمه فيه ؛ لأنه قد جاوز العلوم والعقول التي هي = قم ٥٦١ كتاب الرجاء والخوف ربع المنجيات .95 وبمثلِ هذا أخبرَ عنْ موسىُ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ حيثُ قالَ: ﴿إِنََّانَخَافُ أَنْ يَفْرُطَ عَلَيْنَا أَوْ أن يَطْغَى (١): قَالَ لَا تَّخَافَآَ إِنَّنِى مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى﴾، ومع هذا لمَّا ألقى السحرةُ سحرَهُمْ .. أوجسَ موسى في نفسِهِ خيفةً؛ إذْ لمْ يأمنْ مكرَ اللهِ، والتبسَ الأمرُ عليهِ، حتَى جُدِّدَ عليهِ الأمنُ وقيلَ لهُ: ﴿لَا تَخَفْ إِنَّكَ أَنْتَ الْأَعْلَ﴾(١). ولمَّا ضعفَتْ شوكةُ المسلمينَ يومَ بدرٍ . . قالَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ : ((اللهمَّ؛ إنْ تهلكْ هذهِ العصابةَ .. لمْ يبقَ على وجهِ الأرضِ أحدٌ يعبدُكَ )) ، فقالَ أبو بكرٍ رضيَ اللهُ عنهُ: دعْ عنكَ مناشدتَكَ ربَّكَ، فإنَّهُ وافٍ لكَ بما وعدَكَ(٢) ، فكانَ مقامُ الصديقِ رضيَ اللهُ عنهُ مقامَ الثقةِ بوعدِ اللهِ ، وكانَ مقامُ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ مقامَ الخوفِ مِنْ مكرِ اللهِ ، وهوَ أتمُّ ؛ لأنَّهُ لا يصدرُ إلا عنْ كمالِ المعرفةِ بأسرارِ اللهِ تعالى وخفايا أفعالِهِ ، ـكن ـحر أماكن للحدود من الأمر والنهي ، وفات الرسوم والمعقول التي هي أواسط الأحكام = والأقدار )، والخبر رواه الطبري في ((تفسيره)) (٦٠/١٧/١٠)، وهو عند الحكيم في ((نوادر الأصول)) ( ص٤). ٢٠ ٠٠؟ (١) قوت القلوب (٢٣٠/١)، وقال بعده: ( لعلمه بسعة علمه أنه هو علام الغيوب التي لا نهاية لها ، وأن القول أحكام ، والحاكم لا تحكم عليه الأحكام ، كما لا تعود عليه الأحكام ، وإنما تفصل الأحكام من الحاكم العلام ، ثم تعود على المحكومات أبداً ، ولأنه - جلت قدرته - لا يلزمه ما لزم الخلق الذين هم تحت الحكم ، ولا يدخل تحت معيار العقل والعلم ، تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً عند من عرفه ، فأجله وعظمه عن معارف من جهله ) . (٢) رواه مسلم ( ١٧٦٣) . ٥٦٢ ربع المنجيات كتاب الرجاء والخوف ومعاني صفاتِهِ التي يُعبَّرُ عنْ بعضٍ ما يصدرُ عنها بالمكْرِ ، وما لأحدٍ مِنَ البشرِ الوقوفُ على كنْهِ صفاتِ اللهِ عزَّ وجلَّ . ومَنْ عرفَ حقيقةَ المعرفةِ قصورَ معرفتِهِ عنِ الإحاطةِ بكنْهِ الأمورِ . . عَظُمَ خوفُهُ لا محالةَ، ولذلكَ قالَ عيسى عليهِ السلامُ لمَّا قيلَ لهُ: ﴿َأَنتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِ وَأَتِىَ إِلَهَيْنِ مِن دُونِ اللَّهِ﴾: ﴿إِن كُنتُ قُلْتُمُ فَقَدْ عَلِّمْتَهُ تَعْلَمُ مَا فِى نَفْسِى وَلَآَ أَعْلَمُ مَا فِىِ نَفْسِكَ﴾، وقالَ: ﴿إِن تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِن تَغْفِرْ لَهُمْ﴾ الآيةَ(١) ، فوَضَ الأمرَ إلى المشيئةِ، وأخرِجَ نفسَهُ بالكلَّيَّةِ مِنَ البينِ ؛ لعلمِهِ بأنَّهُ ليسَ لهُ مِنَ الأمرِ شيءٌ ، وأنَّ الأمورَ مرتبطةٌ بالمشيئةِ ارتباطاً يخرجُ عنْ حدِّ المعقولاتِ والمألوفاتِ ، فلا يمكنُ الحكمُ عليها بقياسٍ ، ولا حدسٍ وحسبانٍ ، فضلاً عنِ التحقيقِ والاستيقانِ . دن حن وهذا هوَ الذي قطَّعَ قلوبَ العارفينَ ؛ إذِ الطامَّةُ الكبرى هيَ ارتباطُ أمرِكَ بمشيئةٍ مَنْ لا يبالي بكَ إنْ أهلكَكَ ، فقدْ أهلكَ مَنْ لا يحصى مِنْ أمثالِكَ ، ولمْ يزلْ في الدنيا يعذَبُهُمْ بأنواع الآلام والأمراضٍ ، ويمرضُ معَ ذلكَ قلوبَهُمْ بالكفرِ والنفاقِ ، ثمَّ يخلِّدُ العقابَ عليهِمْ أبدَ الآبادِ ، ثمَّ يخبرُ عنهُ ويقولُ: ﴿وَلَوْ شِئْنَا لَنَيْنَا كُلَّ نَفْسِ هُدَئِهَا وَلَكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾، وقالَ تعالى: ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ ... ) الآيةَ. (١) قوت القلوب (٢٣٠/١). ـجو ٥٦٣ كتاب الرجاء والخوف ربع المنجيات فكيفَ لا يُخافُّ ما حُقَّ مِنَ القولِ في الأزلِ ولا مطمعَ في تداركِهِ ؟! ولوْ كانَ الأمرُ أُنْفاً .. لكانَتِ الأطماعُ تمتدُّ إلى حيلةٍ فيهِ (١) ، ولكنْ ليسَ إلا التسليمُ ، واستقراءُ خفيِّ السابقةِ مِنْ جليِّ الأسبابِ الظاهرةِ على القلبِ والجوارحِ ، فمَنْ يُسِّرَتْ لهُ أسبابُ الشرِّ، وحيلٌ بينَهُ وبينَ أسبابِ الخيرِ ، وأُحكمَتْ علاقتُهُ معَ الدنيا .. فكأنَّهُ كُشِفَ لهُ على التحقيقِ سرُّ السابقةِ التي سبقَتْ لهُ بالشقاوةِ ؛ إذْ كلُّ ميسَرٌ لما خُلقَ لهُ . وإنْ كانَتِ الخيراتُ كلُّها ميسَرةً ، والقلبُ بالكلِّيَّةِ عن الدنيا منقطعاً ، وبظاهرِهِ وباطنِهِ على اللهِ تعالى مقبلاً .. كانَ هذا يقتضي تخفيفَ الخوفِ لوْ كانَ الدوامُ على ذلكَ موثوقاً بهِ ، ولكنَّ خطرَ الخاتمةِ وعسرَ الثباتِ يزيدُ نيرانَ الخوفِ اشتعالاً ، ولا يمكِّنُها مِنَ الانطفاءِ . وكيفَ يُؤْمنُ تغيُّرُ الحالِ وقلبُ المؤمنِ بينَ إصبعينِ مِنْ أصابعِ الرحمانِ ؟! وإنَّ القلبَ أشدُ تقلُّباً مِنَ القدرِ في غليانِها، وقدْ قالَ مقلِّبُ القلوبِ عزَّ وجلّ: ﴿ إِنَّ عَذَابَ رَبِهِمْ غَيْرُ مَأْمُونٍ﴾. حن ٢ فأجهلُ الناسِ مَنْ أمنَهُ وهوَ يناديهِ بالتحذيرِ مِنَ الأمنِ ، ولولا أنَّ اللهَ لطفَ بعبادِهِ العارفينَ ؛ إذْ روَّحَ قلوبَهُمْ برَوْحِ الرجاءِ .. لاحترقَتْ قلوبُهُمْ مِنْ نارِ الخوفِ ، فأسبابُ الرجاءِ رحمةٌ لخواصِ اللهِ عزَّ وجلَّ ، وأسبابُ الغفلةِ حرة. جن (١) والأمر الأنف: المبتدأ الذي لم يسبق به علم ولا قدر من الله تعالى ، فلا تعلُّق للأمور بالمشيئة الأزلية ، وهو مذهب غلاة القدرية ، الذين زعموا أن لا قدر ، وأن الأمر أُنْف، وقد تبزَّأ منهم عبد الله بن عمر رضي الله عنهما كما جاء عند مسلم (٨). حن ٥٦٤ ربع المنجيات كتاب الرجاء والخوف رحمةٌ على عوامِّ الخلقِ مِنْ وجهٍ ؛ إذْ لوِ انكشفَ الغطاءُ .. لزهقَتِ النفوسُ، وتقطَّعَتِ القلوبُ مِنْ خوفِ مقلِّبِ القلوبِ (١). قالَ بعضُ العارفينَ: ( لوْ حالَتْ بيني وبينَ مَنْ عرفتُهُ بالتوحيدِ خمسينَ سنةً أسطوانةٌ فماتَ .. لمْ أقطعْ لهُ بالتوحيدِ ؛ لأنِّي لا أدري ما ظهرَ لهُ مِنَ التقليبٍ )(٢) . وقالَ بعضُهُمْ: ( لوْ كانَتِ الشهادةُ على بابِ الدارِ والموتُ على الإسلامِ عندَ بابِ الحجرةِ .. لاخترتُ الموتَ على الإسلام ؛ لأنَّي لا أدري ما يعرضُ لقلبي بينَ بابِ الحجرةِ وبابِ الدارِ )(٣). عـ ? 3 وكانَ أبو الدرداءِ يحلفُ باللهِ ما أحدٌ أمِنَ على إيمانِهِ أنْ يُسلبَهُ عندَ الموتِ إلا سُلِبَهُ (٤) . وكانَ سهلٌ يقولُ : ( خوفُ الصديقينَ مِنْ سوءِ الخاتمةِ عندَ كلِّ خطرةٍ وكلِّ حركةٍ، وهُمُ الذينَ وصفَهُمُ اللهُ تعالى إذْ قالَ: ﴿ وَقُلُوبُهُمْ وََِةٌ﴾)(٥). ولمّا احتضرَ سفيانُ .. جعلَ يبكي ويجزعُ، فقيلَ لهُ : يا أبا عبدِ اللهِ ، عليكَ بالرجاءِ ؛ فإنَّ عفوَ اللهِ أعظمُ مِنْ ذنوبِكَ ، فقالَ : أوَعلى ذنوبي (١) السياق بنحوه في ((القوت)) (٢٣٠/١). 25. (٢) قوت القلوب (٢٣٢/١ ) . (٣) قوت القلوب (١٣٧/٢ ) . (٤) رواه ابن المبارك في ((الزهد)) ( ١٥٤٧) عن محمد بن مسلم أنه بلغه عن أبي الدرداء رضي الله عنه أنه قاله . (٥) قوت القلوب (٢٣٢/١) . ٥٦٥ 00% حن كتاب الرجاء والخوف 25 ربع المنجيات أبكي ؟! لو علمتُ أنِّي أموتُ على التوحيدِ .. لمْ أبالِ أنْ ألقى اللهَ بأمثالِ الجبالِ مِنَ الخطايا(١) . وحُكِيَ عنْ بعضٍ الخائفينَ أنَّهُ أوصىُ بعضَ إخوانِهِ فقالَ : إذا حضرَتْني الوفاةُ .. فاقعدْ عندَ رأسي، فإنْ رأيتَني متُّ على التوحيدِ .. فخذُ جميعَ ما أملكُهُ واشترِ بهِ لوزاً وسكراً وانثرْهُ على صبيانِ أهلِ البلدِ ، وقلْ : هذا عرسُ المنفلتِ ، وإنْ متُّ على غيرِ التوحيدِ .. فأعلمِ الناسَ بذلكَ حتَّى لا يغترُّوا بشهودِ جنازتي ليحضرَ جنازتي مَنْ أحبَّ على بصيرةٍ ؛ لئلا يلحقَني الرياءُ بعدَ الوفاةِ ، قالَ : وبِمَ أعلمُ ذلكَ ؟ فذكرَ لهُ علامةً ، فرأى علامةً التوحيدٍ عندَ موتِهِ ، فاشترى السَكَّرَ واللوزَ وفرَّقَهُ(٢). وكانَ سهلٌ يقولُ : ( المريدُ يخافُ أنْ يُبتلى بالمعاصي ، والعارفُ يخافُ أنْ يُبتلى بالكفرِ )(٣). وكانَ أبو يزيدَ يقولُ: ( إذا توجهتُ إلى المسجدِ كأنَّ في وسطي زناراً ، أخافُ أنْ يذهبَ بي إلى البيعةِ وبيتِ النارِ ، حتَّى أدخلَ المسجدَ ، فينقطعُ عنّي الزنَّارُ ، فهذا لي في كلِّ يومٍ خمسَ مرَّاتٍ ) (٤). ـجة (١) قوت القلوب (٢٣٣/١). (٢) قوت القلوب (٢٣٣/١)، رواه عن بعض إخوانه. كن (٣) قوت القلوب (٢٢٧/١) . (٤) قوت القلوب (٢٢٧/١)، وقال: ( لعلمهم بسرعة تقلب القلوب في قدرة علام الغيوب )، وقريب من هذا رواه عنه القشيري في (( رسالته)) (ص١٨٨). دں ٥٦٦ ربع المنجيات كتاب الرجاء والخوف ورُوِيَ عنْ عيسى عليهِ السلامُ أنَّهُ قالَ : ( يا معشرَ الحواريينَ ؛ أنتمْ تخافونَ المعاصيَ، ونحنُ - معاشرَ الأنبياءِ - نخافُ الكفرَ)(١). ورُوِيَ في أخبارِ الأنبياءِ : أنَّ نبيّاً شكا إلى اللهِ تعالى الجوعَ والقملَ والعرْيَ سنينَ ، وكانَ لباسُهُ الصوفَ ، فأوحى اللهُ عزَّ وجلَّ إليهِ : عبدي ؛ أما رضيتَ أنْ عصمتُ قلبَكَ أنْ تكفرَ بي حتَّى تسألَني الدنيا ؟! فأخذَ الترابَ فوضعَهُ على رأسِهِ وقالَ : بلى ، قدْ رضيتُ ياربِّ ، فاعصمْني مِنَ الكفرِ(٢). فإذا كانَ خوفُ العارفينَ معَ رسوخ أقدامِهِمْ وقوَّةِ إِيمانِهِمْ مِنْ سوءِ الخاتمةِ .. فكيفَ لا يخافُهُ الضعفاءُ ؟! 3 % حن 3 3 ٨٠٠ ولسوءِ الخاتمةِ أسبابٌ تتقدَّمُ على الموتِ ، مثلُ البدعةِ ، والنفاقِ ، والكبرِ ، وجملةٍ مِنَ الصفاتِ المذمومةِ ، ولذلكَ اشتدَّ خوفُ الصحابةِ مِنَ النفاقِ ، حتَّى قالَ الحسنُ : ( لوْ أنِّي أعلمُ أنِّي بريءٌ مِنَ النفاقِ .. كانَ أحبَّ إليَّ ممَّا طلعَتْ عليهِ الشمسُ)(٣). (١) قوت القلوب (٢٢٧/١). (٢) قوت القلوب (٢٢٧/١)، وقد روى الطبري في ((تفسيره)) (١٥٣/٩/٦) عن مجاهد وسيَّار أن بلعام أو بلعم كان قد أوتي النبوة ، ونقل عن السدي وغيره أنه كان يعلم اسم الله الأعظم، وكان مجاب الدعوة ، قال الإمام أبو طالب في ((قوته)) (٢٣٠/١): ( قال بعض أهل التفسير في أخبار بلعم بن باعوراء : إنه أوتي النبوة ، والمشهور أنه أوتي الاسم الأكبر ، فكان سبب هلاكه ) . (٣) قوت القلوب (٢٣٤/١)، ورواه الفريابي في ((صفة المنافق)) (ص ٧٣). ٥٦٧ حر كتاب الرجاء والخوف ربع المنجيات وما عنوا بهِ النفاقَ الذي هوَ ضدُّ أصلِ الإيمانِ ، بلِ المرادُ بهِ ما يجتمعُ معَ أصلِ الإيمانِ ، فيكونُ مسلماً منافقاً ، ولهُ علاماتٌ كثيرةٌ ، قالَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ : ((أربعٌ مَنْ كُنَّ فيهِ فهوَ منافقٌ خالصٌ ، وإنْ صامَ وصلَّى وَزعمَ أنَّهُ مسلمٌ ، وإنْ كانَتْ فيهِ خصلةٌ منهُنَّ . . ففيهِ شعبةٌ مِنَ النفاقِ حتَّى يدعها : مَنْ إذا حدَّثَ .. كذبَ، وإذا وعدَ .. أخلفَ، وإذا اؤتمنَ .. خانَ، وإذا خاصمَ .. فجرَ))، وفي لفظٍ آخرَ: ((وإذا عاهدَ .. غدرَ))(١) . وقدْ فسَّرَ الصحابةُ والتابعونَ النفاقَ بتفاسيرَ لا يخلو عنْ شيءٍ منهُ إلا صدِّيقٌ، إذْ قالَ الحسنُ : ( إنَّ مِنَ النفاقِ اختلافَ السرِّ والعلانيةِ، واختلافَ اللسانِ والقلبِ ، واختلافَ المدخلِ والمخرجِ)(٢)، ومَنِ الذي يخلو عنْ هذهِ المعاني ؟ بلْ صارَتْ هذهِ الأمورُ مألوفةً بينَ الناسِ معتادةً ، ونُسِيَ كونُها منكراً بالكلِّيَّةِ ، بلْ جرىُ ذلكَ على قرْبِ عهدٍ بزمانِ النبوَّةِ ، فكيفَ الظنُّ بزمانِنا ؟! حتَّى قالَ حذيفةُ رضيَ اللهُ تعالى عنهُ : ( إنْ كانَ الرجلُ ليتكلَّمُ بالكلمةِ على عهدِ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ فيصيرُ بها منافقاً ، إنِّي لأسمعُها مِنْ أحدِكُمْ في اليومِ عشرَ مرَّاتٍ)(٣). ـدن حن (١) رواه البخاري (٣٤)، ومسلم (٥٨). ـكن (٢) رواه ابن أبي شيبة في ((المصنف)) (٣٦٧٩٢)، وابن أبي الدنيا في (( الصمت وآفات اللسان)) ( ٤٨٣ ). (٣) رواه أحمد في ((المسند)) (٣٩٠/٥). ٥٦٨ ربع المنجيات كتاب الرجاء والخوف وكانَ أصحابُ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ يقولونَ: ( إنَّكُمْ لتعملونَ أعمالاً هيَ أدقُّ في أعينِكُمْ مِنَ الشعرِ، كنَّا نعدُّها على عهدِ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ مِنَ الكبائرِ)(١) . وقالَ بعضُهُمْ : ( علامةُ النفاقِ أنْ تكرهَ مِنَ الناسِ ما تأتي مثلَهُ ، وأنْ تحبَّ على شيءٍ مِنَ الجورِ ، وأنْ تبغضَ على شيءٍ مِنَ الحقِّ)(٢). وقيلَ: ( مِنَ النفاقِ أنَّهُ إذا مُدِحَ بشيءٍ ليسَ فيهِ .. أعجبَهُ ذلكَ)(٣). وقالَ رجلٌ لابنِ عمرَ رضيَ اللهُ عنهما : إنَّا ندخلُ على هؤلاءِ الأمراءِ فنصدَّقُهُمْ فيما يقولونَ ، فإذا خرجنا .. تكلَّمنا فيهِمْ، فقالَ : كنَّا نعدُّ هذا نفاقاً على عهدِ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ(٤) . . ورُوِيّ أنَّهُ سمعَ رجلاً يذمُ الحجَّاجَ ويقعُ فيهِ ، فقالَ : أرأيتَ لوْ كانَ الحجَّجُ حاضراً .. أكنتَ تتكلَّمُ بما تكلَّمتَ بهِ؟ قالَ: لا، قالَ: كنَّا نعدٌ هذا نفاقاً على عهدِ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ(٥) . وأشدُّ مِنْ ذلكَ ما رُوِيَ أنَّ نفراً قعدوا على بابٍ حذيفةَ ينتظرونَهُ ، فكانوا (١) رواه أحمد في ((المسند)) (٣/٣) من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه، وفيه : ( من الموبقات ) بدل ( من الكبائر )، وعنده ( ٣/ ٢٨٥) بلفظه من حديث أنس رضي الله عنه . (٢) قوت القلوب (٢٣٤/١) . (٣) قوت القلوب (٢٣٤/١) . (٤) قوت القلوب (٢٣٤/١)، ورواه الخرائطي في ((مساوىء الأخلاق)) (٣٠٢). (٥) رواه ابن عبد البر في ((التمهيد)) (٢٤/٢٣)، وأصله في ((البخاري)) ( ٧١٧٨). ٥٦٩ ٤ كتاب الرجاء والخوف ربع المنجيات حر يتكلمونَ في شيءٍ مِنْ شأنِهِ ، فلمَّا خرجَ عليهِمْ .. سكتوا حياءً منهُ، فقالَ : تكلموا فيما كنتُمْ تقولونَ ، فسكتوا ، فقالَ : كَّا نعدُّ هذا نفاقاً على عهدٍ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ(١) . وهذا حذيفةُ كانَ قَدْ خُصَّ بعلمِ المنافقينَ وأسبابِ النفاقِ ، وكانَ يقولُ: ( إنَّهُ يأتي على القلبِ ساعةٌ يمتلىءُ بالإيمانِ حتَّى لا يكونَ للنفاقِ فيهِ مغرزُ إبرةٍ ، ويأتي عليهِ ساعةٌ يمتلىءُ بالنفاقِ حتَّى لا يكونَ للإيمانِ فيهِ مغرزُ إبرةٍ ) (٢). فقدْ عرفتَ بهذا أنَّ خوفَ العارفينَ مِنْ سوء الخاتمةِ ، وأنَّ سببَهُ أمورٌ مقدَّمةٌ ، منها البدعُ ، ومنها المعاصي ، ومنها النفاقُ، ومتى يخلو العبدُ عنْ شيءٍ مِنْ جملةِ ذلكِ؟! وإنْ ظنَّ أنَّهُ قدْ خلا عنهُ .. فهوَ النفاقُ، إذْ قِيلَ : ( مَنْ أَمنَ النفاقَ .. فهوَ منافقٌ)(٣). وقالَ بعضُهُمْ لبعضٍ العارفينَ : إنِّي أخافُ على نفسي النفاقَ ، فقالَ : لوْ كنتَ منافقاً .. لما خفتَ النفاقَ (٤). ٢ فلا يزالُ العارفُ بينَ الالتفاتِ إلى السابقةِ والخاتمةِ خائفاً منهما ، ٢ ٠٠ (١) قوت القلوب (٢٣٤/١) . (٢) قوت القلوب (٢٣٤/١). (٣) رواه البيهقي في ((الشعب)) ( ٨٣٣) عن الحسن البصري. حن (٤) رواه الدينوري في ((المجالسة وجواهر العلم)) ( ص٤٠٤ ) عن حذيفة رضي الله عنه ، والطبراني في ((الكبير)) (٩/ ١٨٠) عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه. ٥٧٠ ے "G C حن ربع المنجيات كتاب الرجاء والخوف حن ولذلكَ قالَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: ((العبدُ المؤمنُ بينَ مخافتينٍ ، بينَ أجلٍ قدْ مضى لا يدري ما اللهُ صانعٌ فيهِ ، وبينَ أجلٍ قدْ بقيَ لا يدري ما اللهُ قاضٍ فيهِ ، فوالذي نفسي بيدِهِ ؛ ما بعدَ الموتِ منْ مستعتبٍ ، ولا بعدَ الدنيا مِنْ دارٍ إلا الجنةُ أوِ النارُ)) (١) ، والله المستعانُ. (١) رواه ابن أبي الدنيا في ((قصر الأمل)) (١٩٠) عن الحسن مرسلاً، والبيهقي في ((الشعب)) (١٠٠٩٧) عن الحسن عن بعض الصحابة مرفوعاً، والديلمي في (( مسند الفردوس )) (٤٢٦١) من حديث جابر رضي الله عنه . ٥٧١ كتاب الرجاء والخوف ربع المنجيات بيان حسنى سوء الخاتمة فإنْ قلتَ : إنَّ أكثرَ هؤلاءِ يرجعُ خوفُهُمْ إلى سوءِ الخاتمةِ ، فما معنى سوءِ الخاتمةِ ؟ S فاعلمْ : أنَّ سوءَ الخاتمةِ على رتبتينٍ ، إحداهما أعظمُ مِنَ الأخرى . فأمَّا الرتبةُ العظيمةُ الهائلةُ : فأنْ يغلبَ على القلبِ عندَ سكراتِ الموتِ وظهورِ أهوالِهِ إِمَّا الشكُّ وإمَّا الجحودُ ، فتُقُبضَ الروحُ في حالةِ غلبةِ الجحودِ أوِ الشكِّ ، فيكونَ ما غلبَ على القلبِ مِنْ عقدةِ الجحودِ حجاباً بينَهُ وبينَ اللهِ تعالى أبداً ، وذلكَ يقتضي البعدَ الدائمَ والعذابَ المخلَّدَ . والثانيةُ وهيَ دونَها : أنْ يغلب على قلبهِ عندَ الموتِ حبُّ أمرٍ مِنْ أمورِ الدنيا ، وشهوةٍ مِنْ شهواتِها ، فيتمثَّلَ ذلكَ في قلبهِ ويستغرقَهُ ، حتى لا يبقى في تلكَ الحالةِ متسعٌ لغيرِهِ ، فيتفقَ قبضُ روحِهِ في تلكَ الحالِ ، فيكونَ استغراقُ قلبِهِ بهِ منكساً رأسَهُ إلى الدنيا ، وصارفاً وجهَهُ إليها ، ومهما انصرفَ الوجهُ عنِ اللهِ تعالى .. حصلَ الحجابُ ، ومهما حصلَ الحجابُ .. نزلَ العذابُ ، إذْ نارُ اللهِ الموقدةُ لا تأخذُ إلا المحجوبينَ عنهُ . حة ـحر ـدة c ـكن فأمَّا المؤمنُ السليمُ قلبُهُ عنْ حبِّ الدنيا ، المصروفُ هُّهُ إلى اللهِ تعالى .. فتقولُ لهُ النارُ: جزْيا مؤمنُ؛ فإنَّ نورَكَ قدْ أطفأَ لهبي(١). ـجن (١) روي هذا مرفوعاً، رواه الطبراني في ((الكبير)) (٢٥٨/٢٢)، وابن عدي في = قم ٥٧٢ ربع المنجيات كتاب الرجاء والخوف فمهما اتفقَ قبضُ الروح في حالةِ غلبةِ حبِّ الدنيا .. فالأمرُ مخطرٌ ؛ لأنَّ المرءَ يموتُ على ما عاشَ عليهِ ، ولا يمكنُ اكتسابُ صفةٍ أخرى للقلبِ بعدَ الموتِ تضادُّ الصفةَ الغالبةَ عليهِ ؛ إذ لا تصرُّفَ في القلوبِ إلا بأعمالِ الجوارحِ ، وقدْ بطلَتِ الجوارحُ بالموتِ ، فبطلَتِ الأعمالُ ، فلا مطمعَ في عملٍ ، ولا مطمَعَ في رجوع إلى الدنيا ليتداركَ ، وعندَ ذلكَ تعظمُ الحسرةُ . إلا أنَّ أصلَ الإيمانِ وحبَّ اللهِ تعالى إذا كانَ قدْ رسخَ في القلبِ مدَّةً طويلةً، وتأكَّدَ ذلكَ بالأعمالِ الصالحةِ .. فإنَّهُ يمحو عنِ القلبِ هذهِ الحالةَ التي عرضَتْ لهُ عندَ الموتِ ، فإنْ كانَ إيمانُهُ في القوَّةِ إلى حدٍّ مثقالٍ .. أخرجَهُ مِنَ النارِ في زمانٍ أقربَ ، وإنْ كانَ أَقلَّ مِنْ ذلكَ . . طالَ مكثُهُ في النارِ ، ولوْ لمْ يكنْ إلا مثقالُ حبَّةٍ .. فلا بدَّ أنْ يخرجَهُ مِنَ النارِ ولوْ بعدَ آلافِ سنينَ . حر عن جن فإنْ قلتَ : فما ذكرتَهُ يقتضي أن تسرعَ النارُ إليهِ عقيبَ موتِهِ ، فما بالُهُ يُؤخَّرُ إلى يومِ القيامةِ ويُمهلُ طولَ هذِهِ المدَّةِ ؟ G فاعلمْ: أنَّ مَنْ أنكرَ عذابَ القبرِ .. فهوَ مبتدعٌ محجوبٌ عنْ نورِ اللهِ تعالىُ وعنْ نورِ القرآنِ ونورِ الإيمانِ ، بلِ الصحيحُ عندَ ذوي الأبصارِ ما صحَّتْ بِهِ الأخبارُ، وهوَ أنَّ القبرَ إمَّا حفرةٌ مِنْ حفرِ النيرانِ أوْ روضةٌ مِنْ ((الكامل)) (٢٩٤/٦)، والخطيب فى ((تاريخ بغداد)) (٢٣١/٩) عن يعلى بن منية = رضي الله عنه مرفوعاً . ٥٧٣ حن ـرة حر حن قاء كتاب الرجاء والخوف ربع المنجيات رياضٍ الجنانِ ، وأنَّهُ قدْ يُفتحُ إلى قبرِ المعذّبِ سبعونَ باباً مِنَ الجحيمِ كما وردَتْ بهِ الأخبارُ(١) ، فلا تفارقُهُ روحُهُ إلا وقدْ نزلَ بهِ البلاءُ إنْ كانَ قَدْ شقيَ بسوءِ الخاتمةِ ، وإنَّما تختلفُ أصنافُ العذابِ باختلافِ الأوقاتِ ، فيكونُ سؤالُ مُنكَرٍ ونَكِيرٍ عندَ الوضع في القبرِ ، والتعذيبُ بعدَهُ ، ثمَّ المناقشةُ في الحسابِ ، والافتضاحُ على ملأٍ منَ الأشهادِ في القيامةِ(٢) ، ثمَّ بعدَ ذلكَ خطرُ الصراطِ ، وهولُ الزبانيةِ (٣)، إلى آخرِ ما وردَتْ بهِ الأخبارُ ، فلا يزالُ الشقيُّ مردَّداً في جميع أحوالِهِ بينَ أصنافِ العذابِ ، وهوَ في جملةِ الأحوالِ معذَّبٌ إلا أنْ يتعمَّدَهُ اللهُ برحمتِهِ . (١) روى أبو داوود (٤٧٥٣) في الحديث الذي يذكر فيه عذاب القبر: (( وافتحوا له باباً إلى النار، فيأتيه من حرِّها وسمومها ... )) الحديث، أما ذكر السبعين .. فقال الحافظ العراقي: ( لم أجد له أصلاً). ((إتحاف)) (٢٣٥/٩). (٢) فمن ذلك ما رواه البخاري (٢٤٤١)، ومسلم (٢٧٦٨) عن ابن عمر رضي الله عنهما مرفوعاً: ((وأما الكفار والمنافقون ... فينادى بهم على رؤوس الخلائق : هؤلاء الذين كذبوا على الله)). كن ـدة ـحن ومن ذلك ما رواه أحمد في ((المسند) (٢٦/٢)، والطبراني في ((الكبير)) (٤٠/١٢) عنه أيضاً مرفوعاً: ((من انتفى من ولده ليفضحه في الدنيا .. فضحه الله يوم القيامة على رؤوس الأشهاد ، قصاص بقصاص )). (٣) فمن ذلك ما رواه أبو نعيم في ((الحلية)) (٢٨٦/٨)، والديلمي في ((مسند الفردوس)) (٣٣٧٦) من حديث أنس رضي الله عنه مرفوعاً: ((الزبانية يوم القيامة أسرع إلى فسقة حملة القرآن منها إلى عبدة الأوثان والنيران ، فيقولون : ليس من علم كمن لا يعلم)). تر ـور ٥٧٤ ـت ربع المنجيات كتاب الرجاء والخوف ولا تظنَّنَّ أنَّ محلّ الإيمانِ يأكلُهُ الترابُ، بلِ الترابُ يأكلُ جميعَ الجوارحِ ويبدِّدُها ، إلى أن يبلغَ الكتابُ أجلَهُ ، فتجتمعُ الأجزاءُ المتفرِّقَةُ، وتُعادُ إليها الروحُ التي هيَ محلُّ الإيمانِ ، وقدْ كانَتْ مِنْ وقتِ الموتِ إلى الإعادةِ إِمَّا في حواصلٍ طيرٍ خضْرٍ معلّقةٍ تحتَ العرشِ إنْ كانَتْ سعيدةً ، وإمَّا على حالةٍ تضادُّ هذهِ الحالَ إنْ كانَتْ - والعياذُ باللهِ - شقيّةً . حن حن فإنْ قلتَ : فما السببُ الذي يفضي إلى سوءِ الخاتمةِ ؟ فاعلمْ : أنَّ أسبابَ هذهِ الأمورِ لا يمكنُ إحصاؤها على التفصيلِ ، ولكنْ يمكنُ الإشارةُ إلى مجامعِها : أمَّا الختمُ على الشكِّ والجحودِ .. فينحصرُ سببُهُ في شيئينِ : أحدُهُما : يُصوَّرُ معَ تمامِ الورعِ والزهدِ ، وتمامِ الصلاحِ في الأعمالِ ؛ كالمبتدع الزاهدِ ، فإنَّ عاقبتَهُ مخطرةٌ جدّاً وإنْ كانَتْ أعمالُهُ صالحةً ، ولستُ أعني مذهباً فأقولُ: (إنَّهُ بدعةٌ ) ؛ فإنَّ بيانَ ذلكَ يطولُ القولُ فيهِ ، بلْ أعني بالبدعةِ : أنْ يعتقدَ الرجلُ في ذاتِ اللهِ وصفاتِهِ وأفعالِهِ خلافَ الحقِّ ، فيعتقدُهُ على خلافِ ما هوَ عليهِ ؛ إمَّا برأيِهِ ومعقولِهِ ونظرِهِ الذي بهِ يجادلُ الخصومَ وعليهِ يعوِّلُ وبهِ يغترُ، وإمَّا أخذاً بالتقليدِ ممَّنْ هذا حالُهُ . فإذا قربَ الموتُ ، وظهرَتْ لهُ ناصيةُ ملكِ الموتِ ، واضطربَ القلبُ بما فيهِ .. فربما ينكشفُ لهُ في حالِ سكراتِ الموتِ بطلانُ ما اعتقدَهُ جهلاً ؛ ٥٧٥ كن ـن حن كتاب الرجاء والخوف ربع المنجيات .27 نع إذْ حالُ الموتِ حالُ كشْفِ الغطاءِ ، ومبادىءُ سكراتِهِ منهُ ، فقدْ ینکشفُ بهِ بعضُ الأمورِ ، فمهما بطلَ عندَهُ ما كانَ اعتقدَهُ، وقدْ كانَ قاطعاً بهِ متيقناً لهُ عندَ نفسِهِ .. لمْ يظنَّ بنفسِهِ أنَّهُ أخطأ في هذا الاعتقادِ خاصةً ؛ لالتجائِهِ فیهِ إلى رأيِهِ الفاسدِ وعقلِهِ الناقصِ، بلْ ظنَّ أنَّ كلَّ ما اعتقدَهُ لا أصلَ لهُ ؛ إذْ لمْ يكنْ عندَهُ فرقٌ بينَ إيمانِهِ باللهِ ورسولِهِ وسائرِ اعتقاداتِهِ الصحيحةِ وبينَ اعتقادِهِ الفاسدِ ، فيكونُ انكشافُ بعضِ اعتقاداتِهِ عنِ الجهلِ سبباً لبطلانِ بقيّةِ اعتقاداتِهِ أوْ لشكِّهِ فيها . فإنِ اتفقَ زهوقُ روحِهِ في هذهِ الخطرةِ قبلَ أن ينيبَ ويعودَ إلى أصلٍ الإيمانِ(١) .. فقدْ خُتمَ لهُ بالسوءِ، وخرجَتْ روحُهُ على الشركِ والعياذُ باللهِ منهُ، فهؤلاءِ هُمُ المرادونَ بقولِهِ تعالى: ﴿وَبَدَا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مَا لَمْ يَكُونُواْ يَحْنَسِبُونَ﴾، وبقولِهِ عزَّ وجلَّ: ﴿قُلْ هَلْ تُلُِّ بِلْأَخْسَرِينَ أَعْمَلًا: ﴿ الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِ الْحَيَوَةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا﴾ . وكما أنَّهُ قدْ ينكشفُ في النومِ ما سيكونُ في المستقبلِ وذلكَ بسببٍ خفَّةِ أشغالِ الدنيا عنِ القلبِ .. فكذلكَ ينكشفُ في سكراتِ الموتِ بعضُ الأمورِ ، إذْ شواغلُ الدنيا وشهواتُ البدنِ هيَ المانعةُ للقلبِ مِنْ أنْ ينظرَ إلى الملكوتِ ، فيطالعَ ما في اللوحِ المحفوظِ لتنكشفَ لهُ الأمورُ على ما هيَ عليهِ ، فيكونُ مثلُ هذهِ الحالِ سببَ الكشفِ ، ويكونُ الكشفُ سببَ الشكِّ في بقيَّةِ الاعتقاداتِ . ـحر: (١) في غير (أ): ( يثبت ) بدل ( ينيب ). ٥٧٦ ربع المنجيات كتاب الرجاء والخوف وكلُّ مَنِ اعتقدَ في اللهِ تعالىُ وفي صفاتِهِ وأفعالِهِ شيئاً على خلافٍ ما هوَ بهِ ؛ إمَّا تقليداً، وإمَّا نظراً بالرأي والمعقولِ .. فهوَ في هذا الخطرِ، والزهدُ والصلاحُ لا يكفي لدفع هذا الخطرِ، بلْ لا ينجي منهُ إلا الاعتقادُ الحقُّ . دن والبُّلْهُ بمعزلٍ عنْ هذا الخطرِ ؛ أعني : الذينَ آمنوا باللهِ ورسولِهِ واليومِ الآخرِ إيماناً مجملاً راسخاً ؛ كالأعرابِ ، والسواديَّةِ ، وسائرِ العوامّ الذينَ لمْ يخوضوا في البحثِ والنظرِ ، ولمْ يشرعوا في الكلام استقلالاً ، ولا أصغَوا إلى أصنافِ المتكلمينَ في تقليدٍ أقاويلِهِمُ المختلفةِ ، ولذلكَ قالَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: ((أكثرُ أهلِ الجنَّةِ البُلْهُ))(١). حن هير ولذلكَ منعَ السلفُ مِنَ البحثِ والنظرِ والخوضِ في الكلام ، والتفتيشٍ عنْ هذهِ الأمورِ ، وأمروا الخلقَ أنْ يقتصروا على أنْ يؤمنوا بما أنزلَ اللهُ جميعاً ، وبكلِّ ما جاءَ مِنَ الظواهرِ ، معَ اعتقادِ نفىِ التشبيهِ ، ومنعوهُمْ عنِ الخوضِ في التأويلِ ؛ لأنَّ الخطرَ في البحثِ عنِ الصفاتِ عظيمٌ ، وعقباتُهُ كؤودةٌ ، ومسالكُهُ وعرةٌ ، والعقولُ عنْ درْكِ جلالِ اللهِ تعالى قاصرةٌ ، وهدايةُ اللهِ تعالى بنورِ اليقينِ عنِ القلوبِ بما جُبلَتْ عليهِ مِنْ حبِّ الدنيا (١) رواه الطحاوي في ((شرح مشكل الآثار)) (٤٣١/٧)، وابن عدي في (( الكامل)) (٣١٣/٣)، والقضاعي في ((مسند الشهاب)) (٩٨٩)، والبيهقي في (( الشعب)) (١٣٠٤) من حديث أنس رضي الله عنه مرفوعاً، ورواه ( ١٣٠٣) من حديث جابر رضي الله عنه أيضاً مرفوعاً . ٥٧٧ كتاب الرجاء والخوف ربع المنجيات حن محجوبةٌ ، وما ذكرَهُ الباحثونَ ببضاعةِ عقولِهِمْ مضطربٌ ومتعارضٌ ، والقلوبُ لما أُلقيَ إليها في مبدأِ النشأةِ آلفةٌ ، وبهِ متعلِّقةٌ ، والتعصباتُ الثائرةُ بينَ الخلقِ مساميرُ مؤكدةٌ للعقائدِ الموروثةِ ، أوِ المأخوذةِ بحسنِ الظنِّ مِنَ المعلّمينَ في أوَّلِ الأمرِ ، ثمَّ الطباعُ بحبِّ الدنيا مشغوفةٌ ، وعليها مقبلةٌ ، وشهواتُ الدنيا بمُخَتَّقِها آخذةٌ ، وعنْ تمام الفكرِ صارفةٌ . فإذا فُتِحَ بابُ الكلامِ في اللّهِ وفي صفاتِهِ بالرأيِ والمعقولِ ، معَ تفاوتِ الناسِ في قرائحِهِمْ ، واختلافِهِمْ في طبائعِهِمْ ، وحرصِ كلِّ جاهلٍ منْهُمْ على أَنْ يدَّعيَ الكمالَ أوِ الإحاطةَ بكنْهِ الحقِّ .. انطلقَتْ ألسنتُهُمْ بما يقعُ لكلِّ واحدٍ منهُمْ، وتعلَّقَ ذلكَ بقلوبِ المصغينَ إليهِمْ، وتأكَّدَ ذلكَ بطولِ الإلفِ فيهِمْ ، وانسدَّ بالكلِّيَّةِ طريقُ الخلاصِ عليهِمْ، فكانَتْ سلامةُ الخلقِ في أنْ يشتغلوا بالأعمالِ الصالحةِ ، ولا يتعرَّضوا لما هوَ خارجٌ عنْ حدٍّ طاقتِهِمْ . ولكنِ الآنَ قدِ استرخى العِنانُ ، وفشا الهذيانُ ، ونزلَ كلُّ جاهلٍ على ما وافقَ طبعَهُ بظنٍّ وحسبانٍ ، وهوَ يعتقدُ أنَّ ذلكَ علمٌ واستيقانٌ ، وأنَّهُ صفوُ الإيمانِ ، ويظُّ أنَّ ما قَنِعَ بهِ مِنْ حدسٍ وتخمينٍ علمُ اليقينِ وعينُ اليقينِ ، ولتعلمُنَّ نبأَهُ بعدَ حينٍ . بده وينبغي أنْ يُنشدَ في هؤلاءِ عندَ كشْفِ الغطاءِ (١): [من البسيط] أَحْسَنْتَ ظَنَّكَ بِالأَّامِ إِذْ حَسُنَتْ وَلَمْ تَخَفْ سُوءَ مَا يَأْتِي بِهِ الْقَدَرُ (١) البيتان متنازع في نسبتهما، وهما في ((ديوان سيدنا علي)) (ص ١٣٢)، و(( ديوان الإمام الشافعي)) ( ص ٦٥)، و((ديوان أبي العتاهية)) ( ص ٥٣٦). C حميد ٥٧٨ ربع المنجيات كتاب الرجاء والخوف وَسَالَمَتْكَ اللََّالِي فَأَغْتَرَرْتَ بِها وَعِنْدَ صَفْرِ اللَّيَالِي يَحْدُثُ اَلْكَدَرُ واعلمْ يقيناً أنَّ كلَّ مَنْ فارقَ الإيمانَ الساذجَ باللهِ ورسولِهِ وكتبهِ (١)، وخاضَ في البحثِ .. فقدْ تعرَّضَ لهذا الخطرِ، ومثالُهُ : مَنِ انكسرَتْ سفينتُهُ وهوَ في ملتطم الأمواجِ ، يرميهِ موجٌ إلى موجٍ ، فربما يتفقُ أنْ يلقيَهُ إلى الساحلِ ، وذلكَ بعيدٌ ، والهلاكُ أغلبُ عليهِ . وكلُّ نازلٍ على عقيدةٍ تلقَّفَها مِنَ الباحثينَ ببضاعةِ عقولِهِمْ ؛ إمَّا معَ الأدلَّةِ التي حرَّرُوها في تعصباتِهِمْ، أوْ دونَ الأدلَّةِ ؛ إنْ كانَ شاكّاً فِيهِ .. فهوَ فاسدُ الدينٍ ، وإنْ كانَ واثقاً بهِ .. فهوَ آمنٌ مِنْ مكْرِ اللهِ ، مغترٌّ بعقِلِهِ الناقصِ ، وكلُّ خائضٍ في البحثِ فلا ينفكُ عنْ هاتينِ الحالتينِ إلا إذا جاوز حدودَ المعقولِ(٢) إلى نورِ المكاشفةِ الذي يشرقُ في عالمِ الولايةِ والنبوَّةِ، وذلكَ هوَ الكبريتُ الأحمرُ ، وأنَّى يتيسَّرُ؟! وإنَّما يسلمُ عنْ هذا الخطرِ البلْهُ مِنَ العوامِّ ، أوِ الذينَ شغلَهُمْ خوفُ النارِ بطاعةِ اللهِ ، فلمْ يخوضوا في هذا الفضولِ . حن جـ فهذا أحدُ الأسبابِ المخطرةِ في سوءِ الخاتمةِ . وأمَّا السببُ الثاني : فهوَ ضعْفُ الإيمانِ في الأصلِ ، ثمَّ استيلاءُ حبّ الدنيا على القلبِ ، ومهما ضعفَ الإيمانُ .. ضعفَ حبُّ اللهِ ، وقويَ حبُّ (١) الساذج : يطلقه أهل الكلام على ما ليس ببرهان قاطع. (٢) في (أ): (العقل ) بدل ( المعقول ) . ٥٧٩ حر كتاب الرجاء والخوف ربع المنجيات الدنيا ، فيصيرُ بحيثُ لا يبقى في القلبِ موضعٌ لحبِّ اللهِ تعالى، إلا مِنْ حيثُ حديثُ النفسِ ، لا يظهرُ لهُ أثرٌ في مخالفةِ النفسِ والعدولِ عنْ طريقِ الشيطانِ ، فيورثُ ذلكَ الانهماكَ في اتباع الشهواتِ ، حتَّى يظلمَ القلبُ ، ويقسوَ ويسودَّ ، وتتراكمَ ظلمةُ الذنوبِ على القلبِ ، فلا يزالُ يطفىءُ ما فيهِ مِنْ نورِ الإيمانِ على ضعفِهِ حتَّى يصيرَ طبعاً ورَيْناً . فإذا جاءَتْ سكراتُ الموتِ .. ازدادَ ذلكَ الحبُّ - أعني: حبَّ اللهِ - ضعفاً ؛ لما يبدو مِنِ استشعارِ فراقِ الدنيا ، وهيَ المحبوبُ الغالبُ على القلبِ(١) ، فيتألَّمُ القلبُ باستشعارِ فراقِ الدنيا ، ويرىُ ذلكَ مِنَ اللهِ ، فيختلجُ ضميرُهُ بإنكارِ ما قدَّرَ عليهِ مِنَ الموتِ ، وكراهةِ ذلكَ مِنْ حيثُ إنَّهُ مِنَ اللهِ ، فيُخشى أنْ يثورَ في باطنِهِ بغضٌ للهِ تعالى بدلَ الحبِّ ، كما أنَّ الذي يحبُّ ولدَهُ حبّاً ضعيفاً إذا أخذَ ولدُهُ أموالَهُ التي هيَ أحبُّ إليهِ مِنْ ولِدِهِ وأحرقَها .. انقلبَ ذلكَ الحبُّ الضعيفُ بغضاً ، فإنِ اتفقَ زهوقُ روحِهِ في تلكَ اللحظةِ التي خطرَتْ فيها هذهِ الخطرةُ .. فقدْ خُتِمَ لهُ بالسوءِ ، وهلكَ هلاكاً مؤَّداً . والسببُ الذي يفضي إلى مثلِ هذهِ الخاتمةِ هوَ غلبةُ حبِّ الدنيا ، والركونُ إليها ، والفرحُ بأسبابِها ، معَ ضعفِ الإيمانِ الموجبِ لضعفٍ حبِّ اللهِ تعالى ، فمَنْ وجدَ في قلبِهِ حبَّ اللهِ أغلبَ مِنْ حبِّ الدنيا - وإنْ (١) في (أ): ( وبقي ) بدل ( وهي ) . ٥٨٠