Indexed OCR Text
Pages 521-540
ربع المنجيات كتاب الرجاء والخوف حن ۔ خوفُ ما لا يدري أنَّهُ يحدثُ في بقيّةِ عمرِهِ ، أوْ خوفُ تعجيلِ العقوبةِ في الدنيا والافتضاح قبلَ الموتِ ، أَوْ خوفُ الاغترارِ بزخارفِ الدنيا ، أوْ خوفُ اطلاعِ اللهِ على سريرتِهِ في حالِ غفلتِهِ عنهُ ، أوْ خوفُ الختْم لهُ عندَ الموتِ بخاتمةِ السوءِ ، أوْ خوفُ السابقةِ التي سبقَتْ لهُ في الأزلِ .. فهذهِ كلُّها مخاوفُ العَارفينَ ، ولكلِّ واحدٍ خصوصُ فائدةٍ ، وهوَ سلوكُ سبيلِ الحذرِ عمَّا يفضي إلى المَخُوفِ . فمَنْ يخافُ استيلاءَ العادةِ عليهِ .. فيواظبُ على الفطامِ عنِ العادةِ ، والذي يخافُ مِنِ اطلاع اللهِ على سريرتِهِ يشتغلُ بتطهيرِ قلبِهِ عنِ الوساوسِ ، وهكذا إلى بقية الأقسامِ . وأغلبُ هذهِ المخاوفِ على المتقينَ خوفُ الخاتمةِ ، فإنَّ الأمرَ فيهِ مُخْطِرٌ ، وأعلى الأقسام وأدلُها على كمالِ المعرفةِ خوفُ السابقةِ ؛ لأنَّ الخاتمةَ تتبعَ السابقةَ ، وفرعٌ يتفرعُ عنها بعدَ تخلُّلِ أسبابٍ كثيرةٍ ، فالخاتمةُ تُظهرُ ما سبقَ بهِ القضاءُ في أمِّ الكتابِ . والخائفُ مِنَ الخاتمةِ بالإضافةِ إلى الخائفِ مِنَ السابقةِ كرجلينٍ وقَّعَ الملكُ في حقُّهما بتوقيع ، يحتملُ أنْ يكونَ فيهِ حزُّ الرقبةِ ، ويحتملُ أنْ يكونَ فيهِ تسليمُ الوزارةِ إليهِ ، ولمْ يصلِ التوقيعُ إليهما بعدُ ، فيرتبطُ قلبُ أحدِهِما بحالةِ وصولِ التوقيع ونشرِهِ ، وأنَّهُ عمَّاذا يظهرُ ، ويرتبطُ قلبُ الآخر بحالةِ توقيع الملكِ وكيفيتِهِ وأنَّهُ ما الذي خطرَ لهُ في حالِ التوقيع مِنْ رحمةٍ أَوْ ٥٢١ كتاب الرجاء والخوف ربع المنجيات غضبٍ ، وهذا التفاتٌ إلى السببِ ، فهوَ أعلىُ مِنَ الالتفاتِ إلى ما هوَ فرعٌ ؛ فكذلكَ الالتفاتُ إلى القضاءِ الأزليِّ الذي جرى بتوقيعِهِ القلمُ أعلى مِنَ الالتفاتِ إلى ما يظهرُ في الأبدِ . وإليه أشارَ النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ ؛ حيثُ كانَ على المنبرِ ، فقبضَ كفَّهُ اليمنى ثمَّ قالَ : (( هذا كتابُ اللهِ ، كُتِبَ فيهِ أهلُ الجنَّةِ بأسمائِهِمْ وأسماءِ آبائِهِمْ، لا يُزادُ فيهِمْ ولا ينقصُ))، ثمَّ قبضَ كفَّهُ اليسرى وقالَ: (( هذا كتابُ اللهِ ، كُتِبَ فيهِ أهلُ النارِ بأسمائِهِمْ وأسماءِ آبائِهِمْ ، لا يُزادُ فيهِمْ ولا ينقصُ ، وليعملنَّ أهلُ السعادةِ بعملِ أهلِ الشقاءِ حتَّى يُقالَ كأنهُمْ منْهُمْ، بِلْ هُمْ هُمْ ، ثمَّ يستنقذُّهُمُ اللهُ تعالى قبلَ الموتِ ولوْ بفَواقِ ناقةٍ ، وليعملنَّ أهلُ الشقاءِ بعملِ أهلِ السعادةِ حتَّى يُقالَ كأنَّهُمْ منْهُمْ، بلْ هُمْ هُمْ ، ثمَّ يستخرجُهُمُ اللهُ عزَّ وجلَّ قبلَ الموتِ ولوْ بفَواقِ ناقةٍ ، السعيدُ مَنْ سعدَ بقضاءِ اللهِ، والشقيُّ مَنْ شقيَ بقضاءِ اللهِ، والأعمالُ بالخواتيمِ))(١). وهذا كانقسام الخائفينَ إلى مَنْ يخافُ معصيتَهُ وجنايتَهُ ، وإلىْ مَنْ يخافُ اللهَ تعالى نفسَهُ لصفتِهِ وجلالِهِ وأوصافِهِ التي تقتضي الهيبةَ لا محالةَ ، فهذا أعلى رتبةً ، ولذلكَ يبقى خوفُهُ وإنْ كانَ في طاعةِ الصدِّيقينَ ، وأمَّا الآخَرُ .. فهوَ في عرضةِ الغرورِ ، والأمنِ إنْ واظبَ على الطاعاتِ . جن جن (١) رواه الترمذي (٢١٤١) عن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما ومطلعه : خرج علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم وفي يده كتابان، فقال: ((أتدرون ما هذان الكتابان ؟)) ثم ساقه بنحوه . ٥٢٢ ربع المنجيات كتاب الرجاء والخوف فالخوفُ مِنَ المعصيةِ خوفُ الصالحينَ ، والخوفُ مِنَ اللهِ خوفُ الموحّدينَ والصدِّيقينَ ، وهوَ ثمرةُ المعرفةِ باللهِ تعالى، فكلُّ مَنْ عرفَهُ وعرفَ صفاتِهِ .. علمَ مِنْ صفاتِهِ ما هوَ جديرٌ بأنْ يُخافَ مِنْ غيرِ جنايةٍ ، بلِ العاصي لو عرفَ اللهَ حقَّ المعرفةِ .. لخافَ اللهَ ولمْ يخفْ معصيتَهُ ، ولولا أنَّهُ مَخُوفٌ في نفسِهِ .. لما سخَّرَهُ للمعصية، ويسَّرَ لهُ سبيلَها، ومهَّدَ لهُ أسبابَها ، فإنَّ تيسيرَ أسبابِ المعصيةِ إبعادٌ، ولمْ يسبقْ منهُ قبلَ المعصيةِ معصيةٌ استحقَّ بها أنْ يسخّرَ للمعصيةِ ، وتجريَ عليهِ أسبابُها ، ولا سبقَ قبلَ الطاعةِ وسيلةٌ توسَّل بَها مَنْ يُسِّرتْ لهُ الطاعاتُ ومُهِّدَ لهُ سبيلُ القرباتِ ، فالعاصي قدْ قضى عليهِ بالمعصيةِ شاءَ أمْ أبى ، وكذا المطيعُ ، فالذي يرفعُ محمداً صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ إلى أعلى عليينَ مِنْ غيرِ وسيلةٍ سبقَتْ منهُ قبلَ وجودِهِ ، ويضعُ أبا جهل في أسفل سافلينَ مِنْ غيرِ جنايةٍ سبقَتْ منهُ قبلَ وجودِهِ .. جديرٌ بأنْ يُخافَ لصفةِ جلالِهِ، فإنَّ مَنْ أطاعَ اللهَ .. أطاعَ بأنْ سلَّطَ عليهِ إرادةَ الطاعةِ، وآتاهُ القدرةَ ، وبعدَ خلقِ الإرادةِ الجازمةِ والقدرةِ التامَّةِ يصيرُ الفعلُ ضرورياً ، والذي عصى .. عصى لأنَّهُ سلَّطَ عليهِ إرادةً قويَّةٌ جازمةً ، وآتاهُ الأسبابَ والقدرةَ ، فكانَ الفعلُ بعدَ الإرادةِ والقدرةِ ضرورياً . فليتَ شعري ؛ ما الذي أوجبَ إكرامَ هذا وتخصيصَهُ بتسليطٍ إرادةٍ الطاعاتِ عليهِ ، وما الذي أوجبَ إهانةَ الآخرِ وإبعادَهُ بتسليطِ دواعي المعصيةِ عليهِ ؟! وكيفَ يُحالُ ذلكَ على العبدِ ؟! وإذا كانتِ الحوالةُ ترجعُ إلى القضاءِ الأزليِّ مِنْ غيرِ جنايةٍ ولا وسيلةٍ .. فالخوفُ ممَّنْ يقضي ٥٢٣ كتاب الرجاء والخوف ربع المنجيات بما يشاءُ ويحكمُ بما يريدُ حزمٌ عندَ كلٌّ عاقلٍ . ووراءَ هذا المعنى سرُّ القدرِ الذي لا يجوزُ إفشاؤُهُ . ولا يمكنُ تفهيمُ الخوفِ منهُ في صفاتِهِ جلَّ جلالُهُ إلا بمثالٍ لولا إذنُ الشرع .. لمْ يستجرىءْ على ذكرِهِ ذو بصيرةٍ، فقدْ جاءَ في الخبرِ: أنَّ اللهَ تعالى أوحى إلى داوودَ عليهِ السلامُ : ( يا داوودُ ؛ خفْني كما تخافُ السبعَ الضاريَ )(١) . فهذا المثالُ يفهمُكَ حاصلَ المعنى ، وإنْ كانَ لا يقفُ بكَ على سببهِ ، فإنَّ الوقوفَ على سببهِ وقوفٌ علىُ سرِّ القدرِ ، ولا يُكشفُ ذلكَ إلا لأهلِهِ . والحاصلُ : أنَّ السبعَ يُخافُ لا لجنايةِ سبقَتْ إليهِ منكَ، بلْ لصفتِهِ وبطشِهِ وسطوتِهِ ، وكبرِهِ وهيبتِهِ ، ولأنَّهُ يفعلُ ما يفعلُ ولا يبالي ، فإنْ قتلكَ .. لم يرقَّ قلبُهُ ولمْ يتألَّمْ بقتلِكَ، وإن خلَّكَ .. لمْ يخلِّكَ شفقةٌ عليكَ وإبقاءً على روحِكَ، بلْ أنتَ عندَهُ أخسُ مِنْ أنْ يلتفتَ إليكَ حيّاً كنتَ أو ميتاً ، بلْ إهلاكُ ألفٍ مثلِكَ وإهلاكُ نملةٍ عندَهُ على وتيرةٍ واحدةٍ ؛ إذْ لا يقدحُ ذلكَ في عالمٍ سبعيتِهِ ، وما هوَ موصوفٌ بهِ مِنْ قدرتِهِ وسطوتِهِ ، وللهِ المثلُ الأعلى . (١) قوت القلوب (٢٤١/١)، قال الحافظ العراقي: ( لم أجد له أصلاً، ولعل المصنف قصد بإيراده أنه من الإسرائيليات ، فإنه عبر عنه بقوله : جاء في الخبر ، وكثيراً ما يعبر بذلك عن الإسرائيليات التي هي غير مرفوعة). ((إتحاف)) (٢٠٧/٩). وعند السيوطي في ((الدر المنثور)) (٢٧٠/٣): ( وأخرج ابن المنذر عن جعفر قال : أوحى الله إلى داوود : خفني على كل حال ... ). ٥٢٤ ربع المنجيات كتاب الرجاء والخوف ولكنْ مَنْ عرفَهُ .. عرفَ بالمشاهدةِ الباطنةِ التي هيَ أقوى وأوثقُ وأجلى مِنَ المشاهدةِ الظاهرةِ أنَّهُ صادقٌ في قولِهِ : ( هؤلاءِ في الجنَّةِ ولا أبالي ، وهؤلاءِ في النارِ ولا أبالي)(١) ، ويكفيكَ مِنْ موجباتِ الهيبةِ والخوفِ المعرفةُ بالاستغناءِ وعدم المبالاةِ . الطبقةُ الثانيةُ مِنَ الخائفينَ : أن يتمثَّلَ في أنفسِهِمْ ما هوَ المكروهُ ، وذلكَ مثلُ سكراتِ الموتِ وشدَّتِهِ ، أو سؤالِ منكرٍ ونكيرٍ ، أَوْ عذابِ القبرِ ، أوْ هولِ المُطَّلَعِ ، أوْ هيبةِ الموقفِ بينَ يديِ اللهِ تعالى ، أوِ الحياءِ مِنْ كشفِ السترِ والسؤالِ عنِ النقيرِ والقطميرِ ، أوِ الخوفِ مِنَ الصراطِ وحذَّتِهِ ، وكيفيّةِ العبورِ عليهِ ، أوِ الخوفِ مِنَ النارِ وأغلالِها وأهوالِها ، أوِ الخوفِ مِنَ الحرمانِ عنِ الجنَّةِ دارِ النعيمِ والملكِ المقيمِ ، وعنْ نقصانِ الدرجاتِ ، أو الخوفِ مِنَ الحجابِ عنِ اللهِ تعالى . وكلُّ هذهِ الأسبابِ مكروهةٌ في أنفسِها ، فهيَ - لا محالةَ - مَخُوفٌ ، وتختلفُ أحوالُ الخائفينَ فيها ، وأعلاها رتبةً هوَ خوفُ الفراقِ والحجابِ عنِ اللهِ تعالى، وهوَ خوفُ العارفينَ، وما قبلَ ذلكَ خوفُ العابدينَ والصالحينَ والزاهدينَ وكافةِ العاملينَ . ومَنْ لمْ تكملْ معرفتُهُ ، ولمْ تنفتحْ بصيرتُهُ .. لمْ يشعرْ بِلذَةِ الوصالِ ، (١) رواه أحمد في ((المسند)) (١٨٦/٤)، وابن حبان في ((صحيحه)) (٣٣٨) من حديث عبد الرحمن السلمي رضي الله عنه مرفوعاً . ٥٢٥ كتاب الرجاء والخوف ربع المنجيات ولا بألمِ البعدِ والفراقِ، وإذا ذُكرَ لهُ أنَّ العارِفَ لا يخافُ النارَ ، وإنَّما يخافُ الحجابَ .. وجدَ ذلكَ منكراً في باطنِهِ ، وتعجَّبَ منهُ في نفسِهِ ، وربَّما أنكرَ لذّةَ النظرِ إلى وجهِ اللهِ الكريمِ لولا منعُ الشرع إِيَّهُ مِنْ إنكارِهِ ، فيكونُ اعترافُهُ بهِ باللسانِ عنْ ضرورةِ التقليدِ ، وإلا .. فباطنُهُ لا يصدِّقُ بهِ ؛ لأَنَّهُ لا يعرفُ إلا لذَّةَ البطنِ والفرجِ ، والعينِ بالنظرِ إلى الألوانِ والوجوهِ الحسانِ ، وبالجملةِ : كلُّ لذَّةٍ تشاركُهُ البهائمُ فيها ، فأمَّا لذّةُ العارفينَ .. فلا يدركُها غيرُهُمْ، وتفصيلُ ذلكَ وشرحُهُ حرامٌ مَعَ مَنْ ليسَ أهلاً لهُ ، ومَنْ كانَ أهلاً لهُ .. استبصرَ بنفسِهِ واستغنى عنْ أنْ يشرحَهُ لهُ غيرُهُ . .%G فإلى هذهِ الأقسام يرجعُ خوفُ الخائفينَ ، نسألُ اللهَ تعالى حسنَ التوفيقِ بکرمِهِ . جن حن ٥٢٦ ربع المنجيات كتاب الرجاء والخوف بيان فضيلة الخوف والترغيب فيه ـحن اعلمْ : أنَّ فضلَ الخوفِ تارةً يُعرفُ بالتأمُّلِ والاعتبارِ ، وتارةً بالآياتِ والأخبارِ . أمَّا الاعتبارُ: فسبيلُهُ أنَّ فضيلةَ الشيءِ بقدْرِ غنائِهِ في الإفضاءِ إلى سعادةِ لقاءِ اللهِ تعالى في الآخرةِ ؛ إذْ لا مقصودَ سوى السعادةِ ، ولا سعادةَ للعبدِ إلا في لقاءِ مولاهُ والقرْبِ منهُ ، فكلُّ ما أعانَ عليهِ فلهُ فضيلةٌ ، وفضيلتُهُ بقدْرِ إعانتِهِ ، وقدْ ظهرَ أنَّه لا وصولَ إلى سعادةٍ لقاءِ اللهِ في الآخرةِ إلاّ بتحصيل محبِّهِ والأنسِ بِهِ فِي الدنيا ، ولا تحصلُ المحبَّةُ إلا بالمعرفةِ ، ولا تحصلُ المعرفةُ إلا بدوام الفكرِ ، ولا يحصلُ الأنسُ إلا بالمحبةِ ودوام الذكرِ ، ولا تتيسّرُ المواظبةُ على الذكرِ والفكرِ إلا بانقلاع حبِّ الدنيا مِنَ القلبِ ، ولا ينقلعُ ذاكَ إلا بتركِ لذّاتِ الدنيا وشهواتِها، ولا يمكنُ تركُ المشتهَياتِ إلا بقمع الشهواتِ ، ولا تنقمعُ الشهوةُ بشيءٍ كما تنقمعُ بنارِ الخوفِ ، فالخوفُ هوَ النارُ المحرقةُ للشهواتِ . ہہ. فإذاً ؛ فضيلتُهُ بقدْرٍ ما يحرقُ مِنَ الشهوةِ ، وبقدْرِ ما يكفُّ عنِ المعاصي ويحثُّ على الطاعاتِ ، ويختلفُ ذلكَ باختلافِ درجاتِ الخوفِ كما سبقَ . وكيفَ لا يكونُ الخوفُ ذا فضيلةٍ وبهِ تحصلُ العفَّةُ ، والورعُ ، ٥٢٧ كتاب الرجاء والخوف ربع المنجيات والتقوى ، والمجاهدةُ ، وهيَ الأعمالُ الفاضلةُ المحمودةُ التي يُتَقرَّبُ بهَا إلى اللهِ زلفى ؟! وأمَّا بطريقِ الاقتباسِ مِنَ الآياتِ والأخبارِ : فما وردَ في فضيلةِ الخوفِ خارجٌ عنِ الحصرِ ، وناهيكَ دلالةً على فضيلتِهِ جمعُ اللهِ تعالى للخائفينَ الهدى والرحمةَ والعلمَ والرضوانَ ، وهيَ مجامعُ مقاماتِ أهلِ الجنانِ ، قالَ اللهُ تعالى: ﴿هُدِى وَرَحْمَةٌ لِّلَّذِينَ هُمْ لِرَبِهِمْ يَرْهَبُونَ﴾. وقال تعالى: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَؤُأَ﴾، فوصفَهُمْ بالعلمِ لخشیتھِمْ . وقال تعالى: ﴿رَضِىَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُواْ عَنْهُ ذَلِكَ لِمَنْ خَشِىَ رَبَّهُ﴾ وكلُّ ما دلَّ على فضيلةِ العلمِ دلَّ على فضيلةِ الخوفِ ؛ لأنَّ الخوفَ ثمرةٌ العلمِ ، ولذلكَ جاءَ في خبرِ موسى عليهِ السلامُ: (وأمَّا الخائفونَ .. فإنَّ لهُمُ الرفيقَ الأعلى، لا يُشاركونَ فيهِ)(١)، فانظرْ كيفَ أفردَهُمْ بمرافقةِ الرفيقِ الأعلى ، وذلكَ لأنَّهُمُ العلماءُ ، والعلماءُ لهُمْ رتبةُ مرافقةِ الأنبياءِ ؛ لأنَّهُمْ ورثةُ الأنبياءِ ، ومرافقةُ الرفيقِ الأعلى للأنبياءِ ومَنْ يلحقُ بهِمْ ، ولذلكَ (١) كذا في ((القوت)) (٢٢٥/١)، ورواه الطبراني في ((الكبير)) (١٢٠/١٢)، والبيهقي في ((الشعب)) (١٠٠٤٧ ) عن ابن عباس رضي الله عنهما مرفوعاً ضمن خبر ، وفيه: ((وأما الباكون من خشيتي .. فأولئك لهم الرفيق الأعلى لا يشاركهم فيه أحد)) . ٥٢٨ ربع المنجيات كتاب الرجاء والخوف لمَّا خُيِّرَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ في مرضٍ موتِهِ بينَ البقاءِ في الدنيا وبينَ القدوم على اللهِ تعالى .. كانَ يقولُ: ((أسألُكَ الرفيقَ الأعلى))(١). فإذاً ؛ إنْ نظرَ إلى مُثمرِهِ .. فهوَ العلمُ، وإنْ نظرَ إلى ثمرتِهِ .. فالورعُ والتقوى ، ولا يخفى ما وردَ في فضائلِهِما، حتَّى إنَّ العاقبةَ صارَتْ موسومةً بالتقوى مخصوصةً بها كما صارَ الحمدُ مخصوصاً باللهِ تعالى والصلاةُ برسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ، حتَّى يُقالُ: ( الحمدُ للهِ ربِّ العالمينَ ، والعاقبةُ للمتقينَ ، والصلاةُ على سيِّدِنا محمدٍ وآلِهِ أجمعينَ ) . وقدْ خصَّصَ اللهُ تعالى التقوى بالإضافةِ إلى نفسِهِ ، فقالَ تعالى: ﴿لَن يَنَالَ اللَّهَ لُومُهَا وَلَا دِمَاؤُهَا وَلَكِن يَنَالُهُ النَّقْوَى مِنْكُمْ﴾، وإنَّما التقوى عبارةٌ عنْ كفِّ بمقتضى الخوفِ كما سبقَ، ولذلكَ قالَ تعالى: ﴿إِنَّ أَكْرَ مَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَنْقَكُمْ﴾، ولذلكَ وصَّى اللهُ تعالى الأولين والآخرينَ بالتقوىُ، فقالَ تعالى: ﴿ وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَبَ مِن قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنْ أَتَّقُوا اللَّهَ﴾. جن وقال تعالى: ﴿وَخَافُونِ إِن كُنْثُ مُؤْمِنِينَ﴾، فأمرَ بالخوفِ وأوجبَهُ وشرطَهُ في الإيمانِ ، فلذلكَ لا يُتصوَّرُ أنْ ينفكَّ مؤمنٌ عنْ خوفٍ وإنْ ضعفَ ، ويكونُ ضعْفُ خوفِهِ بحسَبٍ ضعْفِ معرفتِهِ وإیمانِهِ . وقالَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ في فضيلةِ التقوى: ((إذا جمعَ اللهُ الأوَّلينَ والآخرينَ لميقاتِ يومٍ معلومٍ .. ناداهُمْ بصوتٍ يُسمِعُ أقصاهُمْ كما (١) رواه البخاري (٣٦٧٠)، ومسلم (٢١٩١، ٢٤٤٤). .57 ٥٢٩ بكن كتاب الرجاء والخوف ربع المنجيات يُسمِعُ أدناهُمْ فيقولُ : يا أيُّها الناسُ ؛ إنِّي قدْ أنصتُ لكُمْ منذُ خلقتُكُمْ إلى يومِكُمْ هذا، فأنصتوا لي اليومَ ، إنَّما هيَ أعمالُكُمْ تُرةُ عليكُمْ، أيُّها الناسُ ؛ إنِّي قدْ جعلتُ نسباً وجعلتُمْ نسباً ، فوضعتُمْ نسبي ورفعتُمْ نسبَكُمْ ، قلتُ: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَنْقَئِكُمْ﴾، وأبيتُمْ إلا أنْ تقولوا: فلانُ بنُ فلانٍ ، وفلانٌ أغنىُ مِنْ فلانٍ ، فاليومَ أضعُ نسبَكُمْ وأرفعُ نسبي ، أينَ المتقونَ ؟ فيُنصبُ للقوم لواءٌ ، فيتبعُ القومُ لواءَهُمْ إلى منازلِهِمْ، فيدخلونَ الجنَّةَ بغيرِ حسابٍ))(١) . وقالَ عليهِ الصلاةُ والسلامُ: ((رأسُ الحكمةِ مخافةُ اللهِ))(٢). وقالَ عليهِ الصلاةُ والسلامُ لابنِ مسعودٍ : ((إِنْ أردتَ أنْ تلقاني .. فأكثرْ مِنَ الخوفِ بعدي))(٣). وقالَ الفضيلُ: ( مَنْ خافَ اللهَ .. دلَّهُ الخوفُ على كلِّ خيرٍ)(٤) (١) كذا في ((القوت)) (٢٢٥/١)، ورواه الطبراني في ((الصغير)) (٢٣٠/١)، و ((الأوسط)) (٤٥٠٨)، والحاكم في ((المستدرك)) (٤٦٣/٢) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه مرفوعاً . (٢) رواه البيهقي في ((الشعب)) (٧٣٠) من حديث ابن مسعود رضي الله عنه ، وفي ((دلائل النبوة)) (٢٤١/٥) من حديث عقبة بن عامر رضي الله عنه ضمن خبر طويل ، وفيه: ((رأس الحكم ... ))، وتقدم أنه فاتحة الزبور ، وهو ما رواه ابن أبي شيبة في ((المصنف)) ( ٣٥٣٩٣). (٣) أورده الخركوشي في ((تهذيب الأسرار)) (ص٢٢٦). (٤) أورده الخركوشي في ((تهذيب الأسرار)) (ص٢٢٦). ٥٣٠ ربع المنجيات كتاب الرجاء والخوف وقالَ الشبليُّ رحمهُ اللهُ : ( ما خفتُ اللهَ يوماً إلا رأيتُ لهُ باباً مِنَ الحكمةِ والعبرةِ ما رأيتُهُ قطُّ)(١). ـدن ن وقالَ يحيى بن معاذٍ : ( ما مِنْ مؤمنٍ يعملُ سيئةً إلا وتلحقُهُ حسنتانِ : خوفُ العقابِ، ورجاءُ العفوِ، كثعلبٍ بينَ أسدينٍ )(٢) . وفي خبرِ موسى عليه الصلاةُ والسلامُ : ( وأمَّا الورعونَ .. فإنَّهُ لا يبقى أحدٌ إلا ناقشتُهُ الحسابَ، وفتشتُ عمَّا في يديهِ إلا الورعينَ ؛ فإنِّي أستحييهِمْ وأجلُّهُمْ أنْ أوقفَهُمْ للحسابِ)(٣). والورعُ والتقوى أسامِ اشتقَّتْ مِنْ معانٍ شرطُها الخوفُ ، فإنْ خلا شيءٌ منها عنِ الخوفِ .. لمْ تُسمَّ بهذهِ الأسامي . 2 وكذلكَ ما وردَ في فضائلِ الذكرِ لا يخفى ، وقدْ جعلَهُ اللهُ تعالى مخصوصاً بالخائفينَ ، فقالَ ﴿سَيَذَّكُرُ مَنْ يَخْشَى﴾. وقال تعالى: ﴿ وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِهِ جََّانِ﴾ . وقالَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ : ((قالَ اللهُ عزَّ وجلَّ: وعزَّتي ؛ لا أجمعُ على عبدي خوفينٍ ، ولا أجمعُ لهُ أمنينِ ، فإذا أمنَني في الدنيا .. أخفتُهُ يومَ (١) أورده الخركوشي في ((تهذيب الأسرار)) (ص٢٢٨). (٢) أورده الخركوشي في ((تهذيب الأسرار)) (ص٢٢٨). (٣) رواه الطبراني في ((الكبير)) (١٢٠/١٢)، والبيهقي في ((الشعب)) (١٠٠٤٧). ٥٣١ حر. حر جر ـن كتاب الرجاء والخوف ربع المنجيات القيامةِ، وإذا خافَني في الدنيا .. أمَّتُهُ يومَ القيامةِ)) (١) . وقال صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: (( مَنْ خافَ اللهَ تعالىُ .. خافَهُ كلُّ شيءٍ ، ومَنْ خافَ غيرَ اللهِ .. خوَّفَهُ اللهُ مِنْ كلِّ شيءٍ))(٢) . وقالَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: ((أتمُّكُمْ عقلاً أشدُّكُمْ للهِ تعالى خوفاً، وأحسنُكُمْ فيما أمرَ اللهُ تعالى بهِ ونهى عنهُ نظراً))(٣). وقالَ يحيى بنُ معاذٍ رحمهُ اللهِ عليهِ : ( مسكينٌ ابنُ آدَمَ ، لوْ خافَ النارَ كما يخافُ الفقرَ .. دخلَ الجنةَ)(٤). وقالَ ذو النونِ رحمهُ اللهُ تعالى: ( مَنْ خافَ اللهَ تعالى .. ذابَ قلبُهُ ، واشتدَّ للهِ حبُّهُ، وصحَّ لهُ لِبُّهُ)(٥) . وقالَ ذو النونِ أيضاً : ( ينبغي أنْ يكونَ الخوفُ أبلغَ مِنَ الرجاءِ ، (١) رواه ابن حبان في ((صحيحه)) (٦٤٠)، والبيهقي في ((الشعب)) (٧٥٩) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه مرفوعاً . (٢) قال الحافظ العراقي: ( رواه أبو الشيخ في كتاب ((الثواب)) من حديث أبي أمامة بسند ضعيف جداً، ورواه ابن أبي الدنيا في كتاب ((الخائفين)) بإسناد معضل). ((إتحاف)) (٢١١/٩) . حت (٣) من أحاديث ابن المحبر في ((العقل)). انظر ((الإتحاف)) (٤٥٨/١). (٤) رواه الخطيب في (( تاريخ بغداد)) (٢١٥/١٤)، وأورده القشيري في (( رسالته)) (ص٢٣٦ ) . حن (٥) أورده الخركوشي في ((تهذيب الأسرار)) (ص٢٢٩)، وبنحوه القشيري في ((رسالته)) (ص٢٣٨) . ٥٣٢ ربع المنجيات كتاب الرجاء والخوف فإذا غلبَ الرجاءُ .. تشوَّشَ القلبُ)(١). وكانَ أبو الحسينِ الضريرُ يقولُ: ( علامةُ السعادةِ خوفُ الشقاوةِ ؛ لأنَّ الخوفَ زمامٌ بينَ اللهِ تعالى وبينَ عبدِهِ ، فإذا انقطعَ زمامُهُ .. هلكَ مِعَ الهالكينَ )(٢) . وقيلَ ليحيى بن معاذٍ : مَنْ آمنُ الخلقِ غداً؟ قالَ : أشدُّهُمْ خوفاً اليومَ (٣). وقالَ سهلٌ رحمهُ اللهُ: ( لا تجدُ الخوفَ حتَّى تأكلَ الحلالَ )(٤). وقيلَ للحسنِ : يا أبا سعيدٍ : كيفَ نصنعُ بمجالسةِ أقوام يخوِّفونَنَا حتَّى تكادُ قلوبُنا تطيرُ؟ فقالَ: إِنَّكَ واللهِ أنْ تخالطَ أقواماً يخوِّفونَكَ حتَّى يدركَكَ أمنٌ .. خيرٌ لكَ مِنْ أنَ تصحبَ قوماً يؤمِّنونَكَ حتَّى يدركَكَ الخوفُ (٥). وقالَ أبو سليمانَ الدارانيُّ رحمهُ اللهُ: ( ما فارقَ الخوفُ قلباً إلا خربَ)(٦). وقالَتْ عائشةُ رضيَ اللهُ عنها: قلتُ: يا رسولَ اللهِ؛ ﴿ وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَآءَاتَواْ وَّقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ﴾ هوَ الرجلُ يسرقُ ويزني؟ قالَ: (( لا ، بلِ الرجلُ يصومُ (١) أورده الخركوشي في ((تهذيب الأسرار)) (ص٢٢٩) . (٢) أورده الخركوشي في ((تهذيب الأسرار)) (ص٢٣٠). (٣) أورده الخركوشي في ((تهذيب الأسرار)) (ص٢٣١). (٤) أورده الخركوشي في ((تهذيب الأسرار)) (ص٢٣٢). (٥) رواه ابن المبارك في ((الزهد)) (٣٠٣)، وكان السائل له المغيرة بن مخادش . (٦) رواه القشيري في (( رسالته)) (ص٢٣٧). ٥٣٣ كتاب الرجاء والخوف ربع المنجيات ويصلِّي ويتصدَّقُ ويخافُ ألا يُقبلَ منهُ))(١) . والتشديداتُ الواردةُ في الأمنِ مِنْ مكرِ اللهِ وعذابِهِ لا تنحصرُ ، وكلُّ ذلكَ ثناءً على الخوفِ ؛ لأنَّ مذمَّةَ الشيءِ ثناءٌ على ضدِّهِ الذي ينفيهِ ، وضدُ الخوفِ الأمنُ ؛ كما أنَّ ضدَّ الرجاءِ اليأسُ ، وكما دلَّتْ مذمَّةُ القنوطِ على فضيلةِ الرجاءِ فكذلكَ تدلُّ مذمَّةُ الأمنِ على فضيلةِ الخوفِ المضادِّ لهُ . بلْ نقولُ : كلُّ ما وردَ في فضلِ الرجاءِ فهوَ دليلٌ على فضْلِ الخوفِ ؛ لأنَّهُما متلازمانِ ؛ فإنَّ كلَّ مَنْ رجا محبوباً .. فلا بدَّ وأنْ يخافَ فوتَهُ ، فإنْ كانَ لا يخافُ فوتَهُ .. فهوَ إذاً لا يحبُّهُ ، فلا يكونُ بانتظارِهِ راجياً ، فالخوفُ والرجاءُ متلازمانٍ ، يستحيلُ انفكاكُ أحدِهِما عنِ الآخرِ . نعمْ، يجوزُ أنْ يغلبَ أحدُهُما على الآخرِ وهما مجتمعانٍ ، ويجوزُ أنْ يشتغلَ القلبُ بأحدِهِما ولا يلتفتُ إلى الآخرِ في الحالِ لغفلةٍ عنهُ ، وهذا لأنَّ مِنْ شرطِ الرجاءِ والخوفِ تعلُّقَهُما بما هوَ مشكوكٌ فيهِ ؛ إذِ المعلومُ لا يُرجى ولا يُخافُ . فإذاً ؛ المحبوبُ الذي يجوزُ وجودُهُ يجوزُ عدمُهُ لا محالةَ ، فتقديرُ وجودِهِ يروِّحُ القلبَ، وهوَ الرجاءُ، وتقديرُ عدمِهِ يوجعُ القلبَ ، وهوَ الخوفُ، والتقديرانِ يتقابلانِ - لا محالةً - إذا كانَ ذلكَ الأمرُ المنتظرُ مشکوکا فیهِ . ٩٠ (١) رواه الترمذي (٣١٧٥)، وابن ماجه ( ٤١٩٨). ٥٣٤ ربع المنجيات كتاب الرجاء والخوف نعمْ ، أحدُ طرفي الشكّ قد يترجَّحُ على الآخرِ بحضورِ بعضِ الأسبابِ ، ويُسمَّى ذلكَ ظنّاً، فيكونُ ذلكَ سببَ غلبةِ أحدِهِما على الآخرِ ، فإذا غلبَ على الظنِّ وجودُ المحبوبِ .. قويَ الرجاءُ وخفيَ الخوفُ بالإضافةِ إليهِ ، وكذا بالعكسِ . وعلى كلِّ حالٍ فهما متلازمانِ، ولذلكَ قالَ تعالى: ﴿وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًّا﴾، وقالَ: ﴿ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا﴾ . ولذلكَ عبَّرَ العربُ عنِ الخوفِ بالرجاءِ، قالَ تعالى: ﴿ مَالَكُمْ لَا نَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَارًا﴾ أيْ: لا تخافونَ(١)، وكثيراً ما وردَ في القرآنِ الرجاءُ بمعنى الخوفِ (٢) ، وذلكَ لتلازمِهِما ؛ إذْ عادةُ العربِ التعبيرُ عنِ الشيء بما يلازمُهُ . حن بلْ أقولُ : كلُّ ما وردَ في فضْلِ البكاءِ مِنْ خشيةِ اللهِ فهوَ إظهارٌ لفضيلةِ (١) قال الإمام الطبري في ((تفسيره)) (١١٧/٢٩/١٤): (وأولى الأقوال في ذلك عندنا بالصواب قول من قال : معنى ذلك : ما لكم لا تخافون لله عظمة ، وذلك أن الرجاء قد تضعه العرب إذا صحبه الجحد - النفي - في موضع الخوف ) ، ثم أنشد قول أبي ذؤيب : ق؟ الوه إذا لسعته النحل لم يرجُ لسعَها وخالفها في بيت نُوبِ عواسلٍ (٢) ومن ذلك قوله سبحانه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَآءَنَا﴾، وقوله سبحانه: ﴿بَلْ كَانُوْلَا يَرْجُونَ نُشُورًا﴾، ومنه قوله تعالى: ﴿قُل لِّلَّذِينَ ءَامَنُواْ يَغْفِرُواْ لِلَّذِينَ لَا يَرْجُونَ أَيَّامَ اللَّهِ﴾؛ والمعنى فيها : لا يخافون . ٥٣٥ حن ـحن كتاب الرجاء والخوف ربع المنجيات الخشيةِ ؛ فإنَّ البكاءَ ثمرةُ الخشيةِ، وقدْ قالَ تعالى: ﴿فَيَضْحَكُوْ قَلِيلاً وَلْيَبَّكُوا كَثِيرًا﴾، وقال تعالى: ﴿يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعًا﴾ وقال تعالى: ﴿أَفِّنْ هَذَا الْحَدِيثِ تَعْجَبُونَ (): وَتَضْحَكُونَ وَلَا نَبَّكُونَ ﴿﴿ وَأَنْتُمْ سَمِدُونَ﴾. وقالَ النبيُّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ : (( ما مِنْ عبدٍ مؤمنٍ تخرجُ مِنْ عينيهِ دمعةٌ وإنْ كانَتْ مثلَ رأسِ الذبابِ مِنْ خشيةِ اللهِ تعالى ثمَّ تصيبُ شيئاً مِنْ حُرِّ وجهِهِ .. إلا حرَّمَهُ اللهُ على النارِ))(١) . وقالَ عليهِ الصلاةُ والسلامُ : ((إذا اقشعرَّ قلبُ المؤمنِ مِنْ خشيةِ اللهِ تعالى .. تحاتَّتْ عنهُ خطاياهُ كما يتحاتُ مِنَ الشجرةِ ورقُها))(٢). وقالَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ : ((لا يلجُ النارَ أحدٌ بكىُ مِنْ خشيةِ اللهِ تعالى حتَّى يعودَ اللبنُ في الضَّرْعِ))(٣). وقالَ عقبةُ بنُ عامرٍ: ما النجاةُ يا رسولَ اللهِ؟ قالَ: ((أمسكْ عليكَ لسانَكَ، وليسعْكَ بيتُكَ، وابكِ على خطيئتِكَ)) (٤). وقالَتْ عائشةُ رضيَ اللهُ عنْها : قلتُ : يا رسولَ اللهِ ؛ أيدخلُ أحدٌ مِنْ (١) رواه ابن ماجه (٤١٩٧)، وحُرُّ الوجه : ما أقبل عليك وبدا لك منه . ـدة (٢) رواه البزار في ((مسنده)) (١٣٢٢)، وابن قائع في ((معجم الصحابة)) (١٤٠٥) من حديث العباس رضي الله عنه، ولفظه: (( إذا اقشعر جلد العبد من خشية الله عز وجل .. تحاتت خطاياه كما تحات عن الشجرة اليابسة ورقها)). (٣) رواه الترمذي (١٦٣٣)، والنسائي (١٢/٦). (٤) رواه الترمذي ( ٢٤٠٦) . ء. ٥٣٦ ربع المنجيات كتاب الرجاء والخوف أمَّتِكَ الجنَّةَ بغيرِ حسابٍ؟ قالَ: ((نعمْ، مَنْ ذكرَ ذنوبَهُ فبكى))(١). وقالَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ : (( ما مِنْ قطرةٍ أحبُّ إلى اللهِ تعالىُ مِنْ قطرةٍ دمعٍ مِنْ خشيةِ اللهِ ، أوْ قطرة دمٍ أُهريقَتْ في سبيلِ اللهِ سبحانَهُ ))(٢). وقالَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: ((اللهمَّ؛ ارزقْني عينينِ هطَّالتينِ تشفيانِ بذروفِ الدمع قبلَ أنْ تصيرَ الدموعُ دماً والأضراسُ جمراً))(٣). وقالَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: ((سبعةٌ يظلُّهُمُ اللهُ يومَ لا ظلَّ إلا ظلُّهُ)) وذكرَ منهُمْ رجلاً ذكرَ اللهَ خالياً ففاضَتْ عيناهُ(٤) . وقالَ أبو بكرِ الصدِّيقُ رضيَ اللهُ عنهُ: ( مَنِ استطاعَ أنْ يبكيَ .. فليبكِ ، ومَنْ لمْ يستطعْ . . فليتباكَ )(٥) . وكانَ محمدُ بنُ المنكدرِ إِذا بكى .. مسحَ وجهَهُ ولحيتهُ مِنْ دموعِهِ ويقولُ: ( بلغَني أنَّ النارَ لا تأكلُ موضعاً مسَّتْهُ الدموعُ)(٦). (١) قال الحافظ الزبيدي في ((إتحافه)) (٢١٤/٩): ( أغفله العراقي) . (٢) رواه الترمذي ( ١٦٦٩). (٣) رواه الطبراني في ((الدعاء)) (١٤٥٧)، وأبو نعيم في ((الحلية)) (١٩٦/٢) من حديث ابن عمر رضي الله عنهما . (٤) رواه البخاري (٦٦٠)، ومسلم ( ١٠٣١). (٥) رواه ابن المبارك في ((الزهد)) (١٣١)، والبيهقي في ((الشعب)) (٧٨٥)، وقال : ( يعني : التضرع ) . (٦) رواه الدينوري في ((المجالسة وجواهر العلم)) (ص٧١)، وابن عساكر في (( تاريخ دمشق)) (٥٠/٥٦)، وروى البيهقي في ((الشعب)) (٧٨٦، ٧٨٧) عن علي كرم الله = ٥٣٧ كتاب الرجاء والخوف ربع المنجيات وقالَ عبدُ اللهِ بنُ عمرِو بنِ العاصِ رضيَ اللهُ عنهُما : ( ابكوا ، فإنْ لمْ تبكوا .. فتباكَوا ، فوالذي نفسي بيدِهِ ؛ لوْ يعلمُ العلمَ أحدُكُمْ .. لصرخَ حتَّى ينقطعَ صوتُهُ، وصلَّى حتَّى ينكسرَ صلبُهُ)(١) . وقالَ أبو سليمانَ الدارانيُّ رحمهُ اللهُ: ( ما تغرغرَتْ عينٌ بمائِها إلا لمْ يرهقْ وجهَ صاحبها قترٌ ولا ذلةٌ يومَ القيامةِ، فإنْ سالَتْ دموعُهُ .. أطفأَ اللهُ بأوَّلِ قطرةٍ منها بحاراً مِنَ النيرانِ ، ولوْ أنَّ رجلاً بكىْ فِي أمَّةٍ ما عُذِّبَتْ تلكَ الأمَّةُ)(٢) . وقالَ أبو سليمانَ : ( البكاءُ مِنَ الخوفِ ، والرجاءُ والطربُ مِنَ الشوقِ ) . وقالَ كعبُ الأحبارِ : ( والذي نفسي بيدهِ ؛ لأنْ أبكيَ مِنْ خشيةِ اللهِ حتَّى تسيلَ دموعي على وجنتي .. أحبُّ إليَّ مِنْ أنْ أتصدَّقَ بجبلٍ مِنْ ذهبٍ)(٣). وقالَ عبدُ اللهِ بنُ عمروٍ رضيَ اللهُ عنهما : ( لأنْ أدمعَ دمعةً مِنْ خشيةِ اللهِ أحبُّ إليَّ مِنْ أنْ أتصدَّقَ بألفِ دينارٍ ) (٤) . ٢ ورُوِيَ عنْ حنظلةَ قالَ : كَّا عندَ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ ، وجهه قال: ( إذا دمعت عيناك وسالت دموعك على خدك .. فلا تكفها بثوبك ، = وامسح بها وجهك حتى تلقى الله بها ) . ون (١) رواه الحاكم في ((المستدرك)) (٤/ ٥٧٨ ). (٢) نقله صاحب ((القوت)). ((إتحاف)) (٢١٥/٩). حن (٣) رواه ابن أبي شيبة في ((المصنف)) (٣٦٦٩٣)، وأبو نعيم في ((الحلية)) (٣٦٦/٥). ٢ (٤) رواه البيهقي في (( الشعب)) (٨١٦). ٥٣٨ ربع المنجيات كتاب الرجاء والخوف فوعظَنا موعظةً رقَّتْ منها القلوبُ ، وذرفَتْ منها العيونُ ، وعرفنا أنفسَنا ، فرجعتُ إلى أهلي ، فدنَتْ منِّي المرأةُ ، وجرىُ بينَا مِنْ حديثِ الدنيا ، فنسيتُ ما كنَّا عليهِ عندَ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ ، وأخذنا في الدنيا ، ثمَّ تذكَّرتُ ما كنتُ فيهِ ، وقلتُ في نفسي : قدْ نافقتُ حيثُ تحوَّلَ عنّي ما كنتُ فيهِ مِنَ الخوفِ والرقَّةِ ، فخرجتُ وجعلتُ أنادي : نافقَ حنظلةُ ، فاستقبلَني أبو بكرِ الصدِّيقُ رضيَ اللهُ عنهُ فقالَ : كلا لمْ ينافقْ حنظلةُ ، فدخلتُ على رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ وأنا أقولُ : نافقَ حنظلةُ ، فقالَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: ((كلا، لمْ تنافقْ))، فقلتُ: يا رسولَ اللهِ ؛ كنَّا عندَكَ ، فوعظتَنَا موعظةً وجلَتْ منها القلوبُ، وذرفَتْ منها العيونُ ، وعرفنا أنفسَنا ، فرجعتُ إلى أهلي ، فأخذنا في حديثٍ الدنيا، ونسيتُ ما كنَّا عندَكَ عليهِ، فقالَ عليهِ الصلاةُ والسلامُ: (( يا حنظلةُ؛ لوْ أنَّكُمْ كنتُمْ أبداً على تلكَ الحالةِ .. لصافحَتْكُمُ الملائكةُ في الطرقِ وعلىْ فُرُشِكُمْ، ولكنْ يا حنظلةُ ساعةً وساعةً))(١) . بون ۔ فإذاً؛ كلُّ ما وردَ في فضْلِ الرجاءِ والبكاءِ ، وفضلِ التقوى والورعِ ، وفضلِ العلمِ ومذمَّةِ الأمنِ .. فهوَ دلالةٌ على فضْلِ الخوفِ ؛ لأنَّ جملةَ ذلكَ متعلقةٌ بهِ ، إمَّا تعلُّقَ السببِ ، أوْ تعلُّقَ المسبَّبِ . .2. قع (١) رواه مسلم ( ٢٧٥٠) بألفاظ مقاربة . ٥٣٩ دن كن كتاب الرجاء والخوف ع ربع المنجيات ـحر بيان أن الأفضل هوغلب الخوف أو غلبية الرجاء أو اعتدالهما G اعلمْ : أنَّ الأخبارَ في فضْلِ الخوفِ والرجاءِ قدْ كثرَتْ ، وربما ينظرُ الناظرُ إليهما فيعتريهِ شكّ في أنَّ الأفضلَ أيُّهُما ؟ وقولُ القائلِ : الخوفُ أفضلُ أم الرجاءُ .. سؤالٌ فاسدٌ ، يضاهي قولَ القائلِ : الخبزُ أفضلُ أم الماءُ ، وجوابُهُ أنْ يُقالَ : الخبزُ أفضلُ للجائع ، والماءُ أفضلُ للعطشانِ ، فإنِ اجتمعا .. نُظُرَ إلى الأغلبِ، فإنْ كانَ الجوعُ أغلبَ .. فالخبزُ أفضلُ وإنْ كانَ العطشُ أغلبَ .. فالماءُ أفضلُ وإِنِ استويا .. فهما متساويانِ ، وهذا لأنَّ كلَّ ما يُرادُ لمقصودٍ ففضلُهُ يظهرُ بالإضافةِ إلى مقصودِهِ لا إلى نفسِهِ . والخوفُ والرجاءُ دواءانِ تُداوى بهما القلوبُ ، ففضلُهُما بحَسبِ الداءِ الموجودِ ، فإِنْ كانَ الغالبُ على القلبِ داءَ الأمنِ مِنْ مكرِ اللهِ والاغترارِ بهِ .. فالخوفُ أفضلُ، وإنْ كانَ الأغلبُ هوَ اليأسَ والقنوطَ مِنْ رحمةِ اللهِ .. فالرجاءُ أفضلُ ، وكذلكَ إنْ كانَ الغالبُ على العبدِ المعصيةَ .. فالخوفُ أفضلُ . ويجوزُ أنْ يُقالَ مطلقاً : الخوفُ أفضلُ ، على التأويل الذي يُقالُ فيهِ : الخبزُ أفضلُ مِنَ السكنجبينِ ، إذْ يُعالجُ بالخبزِ مرضُ الجوعِ ، وبالسكنجبينِ مرضُ الصفراءِ ، ومرضُ الجوع أغلبُ وأكثرُ ، فالحاجةُ إلى الخبزِ أكثرُ ، ٥٤٠