Indexed OCR Text

Pages 501-520

ربع المنجيات
حر
كتاب الرجاء والخوف
وجلَّ، فحيَّاني بروحٍ وريحانٍ ، ورِّ غيرِ غضبانَ ، وإنِّي رأيتُ الأمرَ أيسرَ
ممَّا تظنُّونَ ، ولا تغترُوا، وإِنَّ محمداً صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ ينتظرُني
وأصحابُهُ حتَّى أرجعَ إليهِمْ ، قَالَ: ثمَّ طرحَ نفسَهُ، فكأنَّها كانَتْ حصاةً
وقعَتْ في طستٍ ، فحملناهُ ودفناهُ(١) .
وفي الحديثِ: (( أنَّ رجلينٍ مِنْ بني إسرائيلَ تواخيا في اللهِ عزَّ وجلَّ ،
فكانَ أحدُهُما يسرفُ على نفسِهِ ، وكانَ الآخرُ عابداً، وكانَ يعظُهُ ويزجرُهُ ،
فكانَ يقولُ : دَعْني وربِّي ، أبُعثتَ عليَّ رقيباً ، حتَّى رآهُ ذاتَ يومٍ على
كبيرةٍ ، فغضبَ ، فقالَ : لا يغفرُ اللهُ لكَ، قالَ : فيقولُ اللهُ تعالى يومَ
القيامةِ : أيستطيعُ أحدٌ أنْ يحظرَ رحمتي على عبادي ؟! اذهبْ أنتَ فقدْ
غفرتُ لكَ، ثمَّ يقولُ للعابدِ: وأنتَ فقدْ أوجبتُ لكَ النارَ))، قالَ :
فوالذي نفسي بيدِهِ ؛ لقدْ تكلَّمَ بكلمةٍ أهلكَتْ دنياهُ وآخرتَهُ(٢) .
ورُوِيَ أيضاً أنَّ لصّاً كانَ يقطعُ الطريقَ في بني إسرائيلَ أربعينَ سنةً ، فمَّ
عليهِ عيسىُ عليهِ السلامُ ، وخلفَهُ عابدٌ مِنْ عَّادِ بني إسرائيلَ مِنَ الحواريينَ ،
فقالَ اللصُّ في نفسِهِ : هذا نبيُّ اللهِ يمرُّ وإلى جنِهِ حوارُّهُ ، لوْ نزلتُ فكنتُ
معهما ثالثاً ، قالَ : فنزلَ ، فجعلَ يريدُ أنْ يدنوَ مِنَ الحواريِّ ويزدري نفسَهُ
تعظيماً للحواريِّ ويقولُ في نفسِهِ : مثلي لا يمشي إلى جنبِ هذا العابدِ ،
قالَ : وأحسَّ بهِ الحواريُّ ، فقالَ في نفسِهِ : هذا يمشي إلى جانبي ، فضمَّ
(١) قوت القلوب (٢٢٢/١).
(٢) رواه أبو داوود (٤٩٠١)، والقول في آخره لأبي هريرة رضي الله عنه.
٥٠١
حن
حة:
حن

كتاب الرجاء والخوف
ربع المنجيات
منهُ نفسَهُ وتقدَّمَ إلى عيسىُ عليهِ السلامُ ، فمشى إلى جانبِهِ ، فبقيَ اللصُّ
خلفَهُ ، فأوحى اللهُ تعالى إلى عيسى عليه السلامُ: قلْ لهما يستأنفا العملَ(١)،
فقدْ أحبطتُ ما سلفَ مِنْ أعمالِهِما ، أمَّا الحواريُّ .. فقدْ أحبطتُ حسناتِهِ
لعجْبِهِ بنفسِهِ، وأمَّا الآخرُ .. فقدْ أحبطتُ سيئاتِهِ بما أزرى على نفسِهِ،
فأخبرَهُما بذلكَ ، وضمّ الصَّ إليهِ في سياحتِهِ، وجعلَهُ مِنْ حواريِّهِ(٢).
ورُوِيَ عنْ مسروقٍ : أَنَّ نبيّاً مِنَ الأنبياءِ كانَ ساجداً ، فوطىءَ بعضُ العتاةِ
عنقَهُ حتَّى ألزقَ الحصى بجبهتِهِ ، قالَ : فرفعَ النبيُّ عليهِ الصلاةُ والسلامُ
رأسَهُ مغضباً فقالَ : اذهبْ فلنْ يغفرَ اللهُ لكَ، فأوحى اللهُ تعالى إليهِ: تتألَّى
عليَّ في عبادي ؟! إنِّي قدْ غفرتُ لهُ(٣).
ويقربُ مِنْ هذا ما روى ابنُ عباسٍ رضيَ اللهُ عنهما : أنَّ رسولَ اللهِ
صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ كانَ يقنتُ على المشركينَ ويلعنُهُمْ في صلاتِهِ ، فنزلَ
قولُهُ تعالى: ﴿ لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَىْءُ . .. ﴾ الآيةَ، فتركَ الدعاءَ عليهِمْ،
وهدى الله تعالى عامَّةَ أولئكَ للإسلام(٤) .
ورُويَ في الأثرِ : أنَّ رجلينٍ كانا مِنَ العابدينَ ، متساويينِ في العبادةِ ،
(١) في (أ): ( ليستأنفا العمل ).
(٢) قوت القلوب (٢٢٣/١).
(٣) قوت القلوب (٢٢٣/١).
(٤) كذا في ((القوت)) (٢٢٣/١)، ورواه البخاري ( ٤٠٧٠)، ومسلم ( ٦٧٥) من
حديث ابن عمر وأبي هريرة رضي الله عنهم .
٥٠٢

G
ربع المنجيات
كتاب الرجاء والخوف
قالَ: فإذا أُدخلا الجنةَ .. رُفعَ أحدُهُما في الدرجاتِ العلا على صاحبهِ ،
فيقولُ : يا ربِّ، ما كانَ هذا في الدنيا بأكثرَ منِّي عبادةً ، فرفعتَهُ عليَّ في
عليينَ ، فيقولُ اللهُ سبحانَهُ : إنَّهُ كانَ يسألني في الدنيا الدرجاتِ العلا وأنتَ
كنتَ تسألني النجاةَ مِنَ النارِ ، فأعطيتُ كلَّ عبدٍ سؤلَهُ(١).
وهذا يدلُّ على أنَّ العبادةَ على الرجاءِ أفضلُ ؛ لأنَّ المحبَّةَ أغلبُ على
الراجي منها على الخائفِ ، فكمْ مِنْ فرْقٍ في الملوكِ بينَ مَنْ يُخدمُ اتقاءً
لعقابِهِ ، وبينَ مَنْ يُخدمُ ارتجاءَ لإنعامِهِ وإكرامِهِ ، ولذلكَ أمرَ اللهُ تعالى
بحسن الظنِّ، ولذلكَ قالَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: (( سلوا اللهَ الدرجاتِ
العلا؛ فإنَّما تسألونَ كريماً))(٢).
وقالَ عليهِ الصلاةُ والسلامُ : ((إذا سألتُمُ اللهَ .. فأعظموا الرغبةَ ، وسلوا
الفردوسَ الأعلى؛ فإنَّ اللهَ تعالى لا يتعاظمُهُ شيءٌ))(٣).
وقالَ بكرُ بنُ سليمِ الصوافُ : دخلنا على مالكِ بنِ أنسٍ في العشيّةِ التي
(١) قوت القلوب (٢٢٤/١).
(٢) كذا في ((القوت)) (٢٢٤/١)، وروى الترمذي (٢٥٧١) من حديث ابن مسعود
رضي الله عنه مرفوعاً: (( سلوا الله من فضله ؛ فإن الله عز وجل يحب أن يسأل ، وأفضل
العبادة انتظار الفرج)) .
(٣) رواه مسلم (٢٦٧٩) ولفظه: ((إذا دعا أحدكم .. فلا يقل : اللهم ؛ اغفر لي إن
شئت ، ولكن ليعزم المسألة ، وليعظم الرغبة ؛ فإن الله لا يتعاظمه شيء أعطاه )).
وروى البخاري (٢٧٩٠) عن أبي هريرة رضي الله عنه مرفوعاً: (( فإذا سألتم الله ..
فاسألوه الفردوس ؛ فإنه أوسط الجنة وأعلى الجنة)).
ـو
٥٠٣
ـن؟

كتاب الرجاء والخوف
ربع المنجيات
قُبضَ فيها ، فقلنا : يا أبا عبدِ اللهِ ؛ كيفَ تجدُكَ ؟ قالَ : لا أدري ما أقولُ
لكُمْ ، إلا أنَّكُمْ ستعاينونَ مِنْ عفوِ اللهِ ما لمْ يكنْ لكمْ في حسابٍ ، ثمَّ
ما برحنا حتَّى أغمضناهُ(١) .
وقال يحيى بنُ معاذٍ في مناجاتِهِ : ( يكادُ رجائي لكَ معَ الذنوبِ یغلبُ
رجائي لكَ معَ الأعمالِ ؛ لأنِّي أعتمدُ في الأعمالِ على الإخلاصِ ، وكيفَ
أحرزُها وأنا بالآفةِ معروفٌ ؟! وأجدني في الذنوبِ أعتمدُ على عفوكَ ،
وكيفَ لا تغفرُها وأنتَ بالجودِ موصوفٌ ؟! )(٢).
3
وقيلَ : إنَّ مجوسيّاً استضافَ إبراهيمَ الخليلَ عليهِ السلامُ ، فقالَ : إنْ
أسلمتَ .. أضفتُكَ ، فمرَّ المجوسيُّ ، فأوحى اللهُ تعالى إلى إبراهيمَ عليهِ
السلامُ : يا إبراهيمٌ ؛ لمْ تطعمْهُ إلا بتغييرِ دينِهِ ونحنُ مِنْ سبعينَ سنةً نطعمُهُ
على كفرِهِ ؟! فلوْ أضفتَهُ ليلةً ماذا كانَ عليكَ ؟ فمرَّ إبراهيمُ يسعى خلفَ
المجوسيِّ، فردَّهُ وأضافَهُ ، فقالَ لهُ المجوسيُّ : ما السببُ فيما بدا لكَ ؟
فذكرَ لهُ : فقالَ لهُ المجوسيُّ : أهكذا يعاملُني؟ ثمَّ قالَ : اعرضْ عليَّ
الإسلامَ ، فأسلمَ (٣).
(١) رواه ابن أبي الدنيا في ((حسن الظن بالله)) (٨٥)، ومن طريقه رواه القشيري في
(( رسالته)) ( ص ٢٤٦) .
(٢) الرسالة القشيرية ( ص ٢٤٦).
(٣) الرسالة القشيرية (ص ٢٤٧)، قال الحافظ الزبيدي في ((إتحافه)) (١٨٩/٩):
( وجه تعلق هذا بالرجاء : أنه تعالى يجعل الأسباب الضعيفة موصلة لغفران الذنوب
العظيمة ) .
٥٠٤

ربع المنجيات
كتاب الرجاء والخوف
ورأى الأستاذُ أبو سهلِ الصُّغْلُوكيُّ أبا سهلِ الزجَّاجِيَّ في المنام(١)،
وكانَ يقولُ بوعيدِ الأبدِ (٢) ، فقالَ لهُ: كيفَ حالُكَ ؟ فقالَ: وجدنا الأمرَ
أسهلَ ممَّا توهمنا(٣).
ورأى بعضُهُمْ أبا سهلِ الصُّعْلُوكيَّ في المنامِ على هيئةٍ حسنةٍ لا تُوصفُ ،
فقالَ لهُ : يا أستاذُ ؛ بمَ نلتَ هذا؟ فقالَ: بحسنِ ظَنِّي برئِّي(٤).
وحُكِيَ أنَّ أبا العباسِ بنَ سُريجٍ رحمَهُ اللهُ تعالى رأى في مرضٍ موتِهِ في
منامِهِ كأنَّ القيامةَ قدْ قامَتْ، وإذا الجبّارُ سبحانَهُ يقولُ: أينَ العلماءُ؟ قالَ :
فجاؤوا ، ثمَّ قالَ: ماذا عملتُمْ فيما علمتُمْ؟ قالَ : فقلنا: يا ربِّ ؛ قصَّرنا
وأسأنا ، قالَ : فأعادَ السؤالَ كأنَّهُ لمْ يرضَ بالجوابِ وأرادَ جواباً غيرَهُ ،
فقلتُ : أمَّا أنا .. فليسَ في صحيفتي الشركُ، وقدْ وعدتَ أنْ تغفرَ
ما دونَهُ ، فقالَ : اذهبوا بهِ ، فقدْ غفرتُ لكُمْ، وماتَ بعدَ ذلكَ بثلاثٍ
ليالٍ(٥) .
وقيلَ : كانَ رجلٌ شِرِّيبٌ جمعَ قوماً مِنْ ندمائِهِ ، ودفعَ إلى غلامِ لَهُ أربعةَ
(١) وضبطه الحافظ الزبيدي في ((إتحافه)) (١٨٩/٩) فقال: ( الصعلوكي : بفتح الصاد
وسكون العين المهملتين ) .
(٢) فسؤَّى بين الوعد والوعيد من حيث وجوب الإنجاز، فلو أوعد الله بعقاب .. فعنده
لا بدَّ من وقوعه .
(٣) رواه القشيري في ((رسالته)) (ص ٢٤٧) .
(٤) رواه القشيري في ((رسالته)) ( ص ٢٤٧).
(٥) الرسالة القشيرية (ص ٢٤٩).
٥٠٥

کتاب الرجاء والخوف
ربع المنجيات
دراهمَ ، وأمرَهُ أنْ يشتري شيئاً مِنَ الفواكهِ للمجلسِ ، فمرَّ الغلامُ ببابِ
مجلسٍ منصورِ بنِ عمَّارٍ ، وهوَ يسألُ لفقيرٍ شيئاً ويقولُ : مَنْ دفعَ إليهِ أربعةً
دراهمَ .. دعوتُ لهُ أربعَ دعواتٍ ، قالَ : فدفعَ الغلامُ الدراهمَ إليهِ ، فقالَ
منصورٌ : ما الذي تريدُ أنْ أدعوَ لكَ ؟ فقالَ: لي سيِّدٌ أريدُ أنْ أتخلَّصَ منهُ ،
فدعا منصورٌ، وقالَ : الأخرى ؟ فقالَ : أنْ يخلفَ اللهُ عليَّ دراهمي ،
فدعا ، ثمَّ قالَ : الأخرى؟ قالَ : أنْ يتوبَ اللهُ على سيِّدي ، فدعا ، ثمَّ
قالَ : الأخرى؟ فقالَ : أنْ يغفرَ اللهُ لي ولسيِّدي ولكَ وللقوم ، فدعا
منصورٌ .
فرجعَ الغلامُ ، فقالَ لهُ سيِّدُهُ : لِمَ أبطأتَ ؟ فقصَّ عليهِ القصَّةَ ، قالَ :
وبمَ دعا ، فقالَ : سألتُ لنفسي العتقَ ، فقالَ لهُ: اذهبْ فأنتَ حرٌّ ، قالَ :
وأيشٍ الثاني ؟ قالَ : أنْ يُخلفَ اللهُ عليَّ الدراهمَ ، فقالَ : لكَ أربعةُ آلافِ
درهم ، وأيشِ الثالثُ ؟ قالَ : أنْ يتوبَ اللهُ عليكَ، قالَ : تبتُ إلى اللهِ
تعالى ، وأيشِ الرابعُ؟ قالَ : أنْ يغفرَ اللهُ لي ولكَ وللقومِ وللمذكُّرِ ، قالَ :
هذا الواحدُ ليسَ إليَّ، فلمَّا باتَ تلكَ الليلةَ .. رأى في المنام كأنَّ قائلاً
يقولُ لهُ : أنتَ فعلتَ ما كانَ إليكَ ، أفترى أني لا أفعلُ ما إليَّ ؟! قدْ غفرتُ
لكَ وللغلامِ ولمنصورِ بنِ عمارٍ وللقومِ الحاضرينَ أجمعينَ(١).
ورُوِيَ عنْ عبدِ الوهّابِ بنِ عبدِ المجيدِ الثقفيِّ قالَ : رأيتُ جنازةً يحملُها
دن
ب
ن
حر
(١) الرسالة القشيرية ( ص ٢٤٩).
٥٠٦

ربع المنجيات
كتاب الرجاء والخوف
ثلاثةٌ مِنَ الرجالِ وامرأةٌ ، قالَ : فأخذتُ مكانَ المرأةِ ، وذهبنا إلى المقبرةِ ،
وصلَّينا عليها ، ودفنا الميِّتَ ، فقلتُ للمرأةِ : مَنْ كانَ هذا الميتُ منكِ ؟
قالتِ : ابني ، قلتُ : ولمْ يكنْ لكُمْ جيرانٌ ؟ قالَتْ : بلى ، ولكنْ صغَّروا
أمرَهُ ، فقلتُ : وأيشٍ كانَ هذا ؟ قالتْ : مختَّئاً ، قالَ : فرحمتُها وذهبتُ
بها إلى منزلي ، وأعطيتُها دراهمَ وحنطةً وثياباً ، قالَ : فرأيتُ تلكَ الليلةَ
كأنَّهُ أتاني آتٍ كأنَّهُ القمرُ ليلةَ البدرِ ، وعليهِ ثيابٌ بيضٌ، فجعلَ يتشكَّرُ لي ،
فقلتُ : مَنْ أنتَ ؟ فقالَ : المخنَّثُ الذي دفنتموني اليومَ ، رحمَني ربِّي
باحتقارِ الناسِ إِيَّايَ(١).
وقالَ إبراهيمُ الأُطْروشُ : كنَّا قعوداً ببغدادَ معَ معروفٍ الكرخِيِّ على
دجلةَ، إذْ مرَّ قومٌ أحداثٌ في زورقٍ يضربونَ بالدفِّ ويشربونَ ويلعبونَ ،
فقالوا لمعروفٍ : أما تراهُمْ يعصونَ اللهَ تعالى مجاهرينَ ؟ ادعُ اللهَ عليهِمْ،
فرفعَ يديهِ وقالَ : إللهي ؛ كما فرَّحتَهُمْ في الدنيا ففرَّحْهُمْ في الآخرةِ ، فقالَ
القومُ: إنَّما سألناكَ أنْ تدعوَ عليهِمْ، فقالَ : إذا فرَّحَهُمْ في الآخرةِ .. تابَ
عليهمْ(٢).
وكانَ بعضُ السلفِ يقولُ في دعائِهِ : يا ربِّ ؛ وأيُّ أهلِ دهرٍ لِمْ
يعصوكَ ؟ ثمَّ كانَتْ نعمتُكَ عليهِمْ سابغةً، ورزقُكَ عليهِمْ دارّاً ، سبحانَكَ
ما أحلمَكَ ! وعزَّتِكَ ؛ إنَّكَ لتُعصى ثمَّ تسبغُ النعمةَ وتدرُّ الرزقَ حتَّى كأَنَّكَ
(١) الرسالة القشيرية (ص ٢٥٠).
(٢) رواه البيهقي في ((الشعب)) (٦٢٧٦)، والقشيري في ((رسالته)) (ص ٢٥١).
٥٠٧
جن.

كتاب الرجاء والخوف
ربع المنجيات
يا ربَّنا إنَّما تُطاعُ، سبحانَكَ ما أحلمَكَ! تُعصى وتدرُّ الرزقَ وتسبغُ النعمة
حتى لكأنَّكَ يا ربَّنا لا تغضبُ (١).
فهذهِ هيَ الأسبابُ التي يُجتلبُ بها روحُ الرجاءِ إلى قلوبِ الخائفينَ
والآيسينَ ، فأمَّا الحمقى المغرورونَ .. فلا ينبغي أنْ يسمعوا شيئاً مِنْ ذلكَ ،
بلْ يسمعونَ ما سنوردُهُ في أسبابِ الخوفِ ، فإنَّ أكثرَ الناسِ لا يصلحُ إلا
على الخوفِ ؛ كالعبدِ السوءِ والصبيِّ العَرِمِ(٢)، لا يستقيمُ إلا بالسوطِ
والعصا، وإظهار الخشونةِ في الكلام ، وأمَّا ضدُّ ذلكَ .. فيُسدُّ عليهِمْ بابُ
الصلاحِ في الدينِ والدنيا .
بون:
دن.
(١) رواه أبو نعيم في ((الحلية)) (٨/ ١٥١).
(٢) العرم : الشرس .
٥٠٨

ربع المنجيات
كتاب الرجاء والخوف
الشَّطْرُ الثَّانِي مِنَ الكِتَاب
فى الخوف
وفيهِ بيانُ حقيقةِ الخوفِ ، وبيانُ درجاتِهِ ، وبيانُ أقسامِ المخاوفِ ،
وبيانُ فضيلةِ الخوفِ ، وبيانُ الأفضلِ مِنَ الخوفِ والرجاءِ ، وبيانُ دواءٍ
الخوفِ ، وبيانُ معنى سوء الخاتمةِ ، وبيانُ أحوالِ الخائفينَ مِنَ الأنبياءِ
صلواتُ اللهِ عليهِمْ والصالحينَ رحمهُ اللهِ عليهِمْ .
جن
ـن
بيان حقيقة الخوف
اعلمْ : أنَّ الخوفَ عبارةٌ عنْ تألُمِ القلبِ واحتراقِهِ بسببٍ توقُّعِ مكروهٍ في
الاستقبالِ ، وقدْ ظهرَ هذا في بيانِ حقيقةِ الرجاءِ .
ومَنْ أنسَ باللهِ ، وملكَ الحقُّ قلبَهُ ، وصارَ ابنَ وقتِهِ ، مشاهداً لجمالٍ
الحقِّ على الدوام .. لمْ يبقَ لهُ التفاتٌ إلى المستقبلِ ؛ فلمْ يكنْ لهُ خوفٌ
ولا رجاءٌ، بلْ صارَ حالُهُ أعلىُ مِنَ الخوفِ والرجاءِ ، فإنَّهُما زمامانٍ يمنعانِ
النفسَ عنِ الخروجِ إلى رعوناتِها .
وإلى هذا أشارَ الواسطيُّ حيثُ قالَ: (الخوفُ حجابٌ بينَ اللهِ وبينَ العبدِ)(١).
95.9
(١) رواه الأزدي في ((طبقات الصوفية)) (ص ٢٣٣)، وأورده القشيري في (( رسالته)) =
٥٠٩
جـ

كتاب الرجاء والخوف
ربع المنجيات
ـو
وقالَ أيضاً : ( إذا ظهرَ الحقُّ على السرائرِ .. لا يبقى فيها فضلةٌ لرجاءٍ
ولا خوفٍ )(١) .
وبالجملةِ : فالمحبُّ إذا شغلَ قلبَهُ في مشاهدةِ المحبوبِ بخوفٍ
الفراقِ .. كانَ ذلكَ نقصاً في الشهودِ ، وإنَّما دوامُ الشهودِ غايةُ المقاماتِ ،
ولكنَّا الآنَ إنما نتكلّمُ في أوائلِ المقاماتِ ، فنقولُ :
حالُ الخوفِ ينتظمُ أيضاً مِنْ علمٍ وحالٍ وعملٍ .
أمَّا العلمُ : فهوَ العلمُ بالسببِ المفضي إلى المكروهِ ، وذلكَ کمَنْ جنی
على ملكِ، ثمَّ وقعَ في يدهِ ، فيخافُ القتلَ مثلاً، ويجوِّزُ العفوَ أوٍ
الإفلاتَ ، ولكنْ يكونُ تألُمُ قلبِهِ بالخوفِ بحسَبِ قَوَّةِ علمِهِ بالأسبابِ
المفضية إلى قتلِهِ ، وهوَ تفاحشُ جنايتِهِ ، وكونُ الملكِ في نفسِهِ حقوداً
غضوباً منتقماً ، وكونُهُ محفوفاً بمَنْ يحثُّهُ على الانتقام ، خالياً عمَّنْ يتشفّعُ
إليهِ في حقِّهِ ، وكانَ هذا الخائفُ عاطلاً عنْ كلِّ وسيلةٍ وحسنةٍ تمحو أثرَ
جنايتِهِ عندَ الملكِ . فالعلمُ بتظاهرِ هذهِ الأسبابِ سببٌ لقوَّةِ الخوفِ وشدَّةِ
تَألْمِ القلبِ ، وبحسَبِ ضعفِ هذِهِ الأسبابِ يضعفُ الخوفُ .
حن حن
٢
(ص٢٣٧)، وقال : ( وهذا اللفظ فيه إشكال ، ومعناه : أن الخائف متطلع لوقت
=
ثان ، وأبناء الوقت لا تطلع لهم في المستقبل ، وحسنات الأبرار سيئات المقربين ) .
(١) أورده القشيري في ((رسالته)) (ص٢٣٩)، وقال: ( وهذا فيه إشكال ، ومعناه : إذا
اصطلمت شواهد الحق تعالى الأسرار .. ملكتها ، فلا يبقى فيها مساغ لذكر حدثان ،
والخوف والرجاء من آثار بقاء الإحساس بالأحكام البشرية ) .
٥١٠

ربع المنجيات
كتاب الرجاء والخوف
وقدْ يكونُ الخوفُ لا عنْ سببٍ جنايةٍ قارفَها الخائفُ ، بلْ عنْ صفةٍ
المَخُوفِ ؛ كالذي وقَع في مخالبٍ سبعٍ ؛ فإنَّهُ يخافُ السبعَ لصفةِ ذاتِ
السبعِ ، وهيَ سطوتُهُ وحرصُهُ على الافتراسِ غالباً، وإنْ كانَ افتراسُهُ
بالاختیارِ .
ـحة.
وقدْ يكونُ مِنْ صفةٍ جبلٌيَّةٍ للمَخُوفِ منهُ ؛ كخوفِ مَنْ وقعَ في مجرى
سيلٍ أوْ جوارٍ حريقٍ ؛ فإنَّ الماءَ يُخافُ لأنَّهُ بطبعِهِ مجبولٌ على السيلانِ
والإغراقِ ، وكذا النارُ على الإحراقِ .
فالعلمُ بأسبابِ المكروهِ هوَ السببُ الباعثُ المثيرُ لاحتراقِ القلبِ
وتألُمِهِ ، وذلكَ الاحتراقُ هوَ الخوفُ ، فكذلكَ الخوفُ مِنَ اللهِ تعالى ؛ تارةً
يكونُ لمعرفةِ اللهِ تعالى ومعرفةِ صفاتِهِ وأنَّهُ لوْ أهلكَ العالمينَ .. لمْ يبالِ ولمْ
يمنعْهُ مانعٌ ، وتارةً يكونُ لكثرةِ الجنايةِ مِنَ العبدِ بمقارفةِ المعاصي ، وتارةً
يكونُ بهما جميعاً .
ہے
وبحسَبِ معرفتِهِ بعيوبِ نفسِهِ ، ومعرفِهِ بجلالِ اللهِ وتعاليهِ واستغنائِهِ ، وأنَّهُ
لا يُسألُ عمَّا يفعلُ وهُمْ يُسألونَ .. تكونُ قوَّةُ خوفِهِ ، فأخوفُ الناس لربِّهِ أعرفُهُمْ
بنفسِهِ وبربِّهِ، ولذلكَ قالَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: ((أنا أخوفُكُمْ للهِ))(١)،
(١) رواه البخاري (٥٠٦٣) من حديث أنس رضي الله عنه في قصة الرهط الثلاثة الذين
تقالُوا عمله صلى الله عليه وسلم، فقال: ((أما والله إني لأخشاكم لله وأتقاكم له ... ))
الحديث ، وعند البخاري (٦١٠١)، ومسلم (٢٣٥٦) من حديث عائشة رضي الله
عنها : (( فوالله ؛ إني لأعلمهم بالله وأشدهم له خشية)).
٥١١

كتاب الرجاء والخوف
ربع المنجيات
ولذلك قالَ اللهُ تعالى: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَوْأَ﴾.
ثُمَّ إذا كملَتِ المعرفةُ .. أورثَتْ حالَ الخوفِ واحتراقِ القلبِ ، ثمَّ
يفيضُ أثرُ الحرقةِ مِنَ القلبِ على البدنِ ، وعلى الجوارحِ ، وعلى
الصفات .
أمَّا في البدنِ .. فبالنحولِ ، والصفارِ ، والغشيةِ ، والزعقةِ ، والبكاءِ ،
وقدْ تنشقُّ بهِ المرارةُ فيفضي إلى الموتِ ، أوْ يصعدُ إلى الدماغ فيفسدُ
العقلَ ، أوْ يقوى فيورثُ القنوطَ واليأسَ .
وأمَّا في الجوارحِ .. فبكفِّها عنِ المعاصي ، وتقييدِها بالطاعاتِ ؛ تلافياً
لما فرطَ، واستعداداً للمستقبلِ، ولذلكَ قيلَ: ( ليسَ الخائفُ مَنْ يبكي
ويمسحُ عينيهِ، بلْ مَنْ يتركُ ما يخافُ أنْ يُعاقبَ عليهِ)(١) .
وقالَ أبو القاسم الحكيمُ: (مَنْ خافَ شيئاً .. هربَ منهُ، ومَنْ
خافَ اللهَ .. هربَ إليهِ)(٢) .
وقيلَ لذي النونِ : متى يكونُ العبدُ خائفاً ؟ قالَ : إذا أنزلَ نفسَهُ منزلةَ
السقيمِ الذي يحتمي مخافةً طولِ السقامِ(٣).
(١) رواه الدينوري في ((المجالسة وجواهر العلم)) (ص٣٦) من كلام إسحاق بن خلف .
(٢) الرسالة القشيرية ( ص ٢٣٦)، وأبو القاسم هو إسحاق بن محمد السمرقندي ، وليس
القشيري .
(٣) الرسالة القشيرية (ص ٢٣٦).
٥١٢

ربع المنجيات
كتاب الرجاء والخوف
وأمَّا في الصفاتِ .. فهوَ أنْ يقمعَ الشهواتِ ، ويكدِّرَ اللذَّاتِ ، فتصيرَ
المعاصي المحبوبةُ عندَهُ مكروهةً كما يصيرُ العسلُ مكروهاً عندَ مَنْ يشتهيهِ إذا
عرفَ أنَّ فيهِ سمّاً ، فتحترقُ الشهواتُ بالخوفِ ، وتتأدَّبُ الجوارحُ ،
ويحصلُ في القلبِ الذبولُ، والخشوعُ ، والذلَّةُ ، والاستكانةُ ، ويفارقُهُ
الكبرُ ، والحقدُ ، والحسدُ ، بلْ يصيرُ مستوعبَ الهمِّ بخوفِهِ والنظرِ في خطرٍ
عاقبتِهِ ، فلا يتفرَّغُ لغيرِهِ ، ولا يكونُ لهُ شغلٌ إلا المراقبةُ ، والمحاسبةُ ،
والمجاهدةُ ، والضنَّةُ بالأنفاسِ واللحظاتِ ، ومؤاخذةُ النفسِ في الخطراتِ
والخطواتِ والكلماتِ ، ويكونُ حالُهُ حالَ مَنْ وقعَ في مخالبٍ سبعٍ ضَارٍ ،
لا يدري أنَّهُ يغفُلُ عنهُ فيفلتُ، أوْ يهجمُ عليهِ فيهلكُ، فيكونُ ظاهرُهُ وباطنُهُ
مشغولاً بما هوَ خائفٌ منهُ ، لا متسعَ فيهِ لغيرِهِ .
هذا حالُ مَنْ غلبَهُ الخوفُ واستولى عليهِ ، وهكذا كانَ جماعةٌ مِنَ
الصحابة والتابعينَ .
وقوَّةُ المراقبةِ والمحاسبةِ والمجاهدةِ بحسَبِ قوَّةِ الخوفِ الذي هَو تألُمُ
القلبِ واحتراقُهُ ، وقوَّةُ الخوفِ بحسَبِ قوَّةِ المعرفةِ بجلالِ اللهِ تعالى وصفاتِهِ
وأفعالِهِ ، وبعيوبِ النفسِ وما بينَ يديها مِنَ الأخطارِ والأهوالِ .
وأقلُّ درجاتِ الخوفِ ممَّا يظهرُ أثرُهُ في الأعمالِ أنْ يمنعَ عنِ
المحظوراتِ ، ويُسمَّى الكفُّ الحاصلُ عنِ المحظوراتِ ورعاً، فإنْ زادَتْ
قوَّتُهُ .. كفَّ عمَّا يتطرّقُ إليهِ إمكانُ التحريم، فيكفُّ عمَّا لا يُتَيقَّنُ أيضاً
٥١٣

كتاب الرجاء والخوف
ربع المنجيات
كن
تحريمَهُ، ويُسمَّى ذلكَ تقوى(١)؛ إذِ التقوى أنْ يتركَ ما يريبُهُ إلى ما لا
يريبُهُ، وقدْ يحملُهُ على أنْ يتركَ ما لا بأسَ بهِ مخافةَ ما بهِ بأسٌ، وهوَ
الصدقُ في التقوى ، فإذا انضمَّ إليهِ التجرُّدُ للخدمةِ ، فصارَ لا يبني ما لا
يسكنُهُ ، ولا يجمعُ ما لا يأكلُهُ، ولا يلتفتُ إلى دنيا يعلمُ أنَّها تفارقُهُ ،
ولا يصرفُ إلى غيرِ اللهِ تعالى نَفَساً مِنْ أنفاسِهِ .. فهوَ الصدْقُ، وصاحبُهُ
جديرٌ بأنْ يُسمَّى صدِّيقاً، ويدخلُ في الصدقِ التقوى ، ويدخلُ في التقوى
الورعُ، ويدخلُ في الورع العقَّةُ ؛ فإنَّها عبارةٌ عنِ الامتناع عنْ مقتضى
الشهواتِ خاصةً .
فإِذاً ؛ الخوفُ يؤثِّرُ في الجوارحِ بالكفِّ والإقدامِ ، ويتجدَّدُ لهُ بسبب
الكفِّ اسمُ العفَّةِ، وهوَ كفتٍّ عنْ مقتضى الشهوةِ ، وأعلَىُ منهُ الورعُ، فإنَّهُ
أعمُّ ؛ لأنَّهُ كفتُّ عنْ كلِّ محظورٍ ، وأعلى منهُ التقوى، فإنَّهُ اسمٌ للكفِّ عنِ
المحظورِ والشبهةِ جميعاً ، ووراءَهُ اسمُ الصدِّيقِ والمقرَّبِ ، وتجري الرتبةُ
الأخيرةُ ممَّا قبلَها مجرى الأخصِّ مِنَ الأعمِّ ، فإذا ذكرتَ الأخصَّ .. فقدْ
ذكرتَ الكلَّ، كما أنَّكَ تقولُ : الإنسانُ إمَّا عربيٍّ وإمَّا عجميٌّ ، والعربيُّ إِمَّا
قرشيٍّ أوْ غيرُهُ، والقرشيُّ إمَّا هاشميٌّ أَوْ غيرُهُ ، والهاشمِّيُّ إمَّا علويُّ أَوْ
غيرُهُ ، والعلويُّ إمَّا حسنيٌّ أَوْ حسينيٌّ، فإذا ذكرتَ أنَّهُ حسنيٌّ مثلاً .. فقدْ
(١) وهذه هي الدرجة الثالثة من درجات الورع، وهي ما لا تحرمه الفتوى ولا شبهة في
حلُّه، ولكن يُخاف أداؤه إلى محرم، وهو ورع المتقين. ((إتحاف)) (١٩٩/٩).
كن
٥١٤

ربع المنجيات
كتاب الرجاء والخوف
وصفتهُ بالجميع ، وإنْ وصفتَهُ بأنَّهُ علويٌّ .. وصفتَهُ بما هوَ فوقَهُ ممَّا هوَ أعمُّ
منْهُ ، فكذلكَ إذا قلتَ : صدِيقٌ .. فقدْ قلتَ : إنَّهُ متقٍ وورعٌ وعفيفٌ ، فلا
ينبغي أنْ تظنَّ أنَّ كثرةَ هذهِ الأسامي تدلُّ على معانٍ كثيرةٍ متباينةٍ ، فيختلطَ
عليكَ كما اختلطَ على كلِّ مَنْ طلبَ المعانيَ مِنَ الألفاظِ ، ولمْ يتبع الألفاظَ
المعانيَ .
فهذهِ إشارةٌ إلى مجامع معاني الخوفِ ، وما يكتنفُهُ مِنْ جانبِ العلوِ ؛
كالمعرفةِ الموجبةِ لهُ ، ومن جانبِ السفلِ ؛ كالأعمالِ الصادرةِ منهُ كفّأ
وإقداماً .
٥١٥

1
ربع المنجيات
كتاب الرجاء والخوف
بيان درجات الخوف واختلاف في القوّة والضّعف
مو.
اعلمْ : أنَّ الخوفَ محمودٌ ، وربما يُظنُّ أنَّ كلَّ ما هوَ محمودٌ فكلَّما كانَ
أقوى وأكثرَ .. كانَ أحمدَ، وهوَ غلطٌ، بلِ الخوفُ سوطُ اللهِ تعالى يسوقُ بهِ
عبادَهُ إلى المواظبة على العلمِ والعملِ ؛ لينالوا بهما رتبةَ القرْبِ مِنَ اللهِ
تعالى ، والأصلحُ للبهيمةِ ألا تخلوَ عنْ سوطٍ ، وكذا الصبيُّ ، ولكنَّ ذلكَ
لا يدلُّ على أنَّ المبالغةَ في الضرْبِ محمودةٌ، وكذلكَ الخوفُ لهُ قصورٌ،
ولهُ إفراطٌ ، ولهُ اعتدالٌ، والمحمودُ هوَ الاعتدالُ والوسطُ .
فأمَّا القاصرُ منهُ . . فهوَ الذي يجري مَجرىُ رقَّةِ النساءِ ، يخطرُ بالبالِ عندَ
سماع آيةٍ مِنَ القرآنِ ، فيورثُ البكاءَ ، وتفيضُ الدموعُ، وكذلكَ عندَ
مشاهدةِ سببٍ هائلٍ ، فإذا غابَ ذلكَ السببُ عنِ الحسِّ .. رجعَ القلبُ إلى
الغفلةِ ، فهذا خوفٌ قاصرٌ قليلُ الجدوى ضعيفُ النفع ، وهوَ كالقضيبِ
الضعيفِ الذي تضربُ بهِ دابَّةً قويَّةً لا يؤلمُها ألماً مبرحاً ، فلا يسوقُها إلى
المقصدِ ، ولا يصلحُ لرياضتِها .
دن
وهكذا خوفُ الناس كلُّهِمْ إلا العارفينَ والعلماءَ ، ولستُ أعني بالعلماءِ
المترسمينَ برسوم العلماءِ ، والمتسمينَ بأسمائِهِمْ ؛ فإنَّهُمْ أبعدُ الناسِ عنِ
الخوفِ، بلْ أعني العلماءَ باللهِ وبأيامِهِ وبأفعالِهِ، وذلكَ ممَّا قَدْ عزَّ وجودُهُ الآنَ .
ولذلكَ قالَ الفضيلُ بنُ عياضٍ رحمَهُ اللهُ: ( إذا قيلَ لكَ : هلْ
٥١٦

ربع المنجيات
كتاب الرجاء والخوف
تخافُ اللهَ : فاسكتْ ؛ فإنَّكَ إنْ قلتَ : لا .. كفرتَ، وإنْ قلتَ: نعمْ ..
كذبتَ)(١) ، وأشارَ بهِ إلى أنَّ الخوفَ هوَ الذي يكفُّ الجوارحَ عنِ
المعاصي ، ويقيّدُها بالطاعاتِ ، وما لمْ يؤثِّرْ في الجوارح .. فهوَ حديثُ
نفْسٍ وحركةُ خاطرٍ ، لا يستحقُّ أنْ يُسمَّى خوفاً .
وأمَّا المفرّطُ .. فهوَ الذي يقوى ويجاوزُ حدَّ الاعتدالِ حتَّى يخرجَ إلى
اليأس والقنوطِ ، وهوَ مذمومٌ أيضاً ؛ لأنَّهُ يمنعُ مِنَ العملِ ، والمرادُ مِنَ
الخوفِ ما هوَ المرادُ مِنَ السوطِ ، وهوَ الحملُ على العملِ ، ولولاهُ .. لما
كانَ الخوفُ كمالاً ؛ لأنَّهُ بالحقيقةِ نقصانٌ ؛ لأنَّ منشأَهُ الجهلُ والعجزُ :
دن
حت
أمّا الجهلُ .. فإنَّهُ ليسَ يدري عاقبةَ أمرِهِ ، ولوْ عرفَ .. لمْ يكنْ خائفاً ؛
لأَنَّ المَخُوفَ هوَ الذي يُتردّدُ فيهِ .
وأمَّا العجزُ .. فهوَ أنَّهُ متعرضٌ لمحذورٍ لا يقدرُ على دفعِهِ .
فإذاً ؛ هوَ محمودٌ بالإضافةِ إلى نقْصِ الآدميِّ، وإنَّما المحمودُ في نفسِهِ
وذاتِهِ هوَ العلمُ والقدرةُ ، وكلُّ ما يجوزُ أنْ يُوصفَ اللهُ تعالىُ بهِ ، وما لا
يجوزُ وصفُ اللهِ بهِ .. فليسَ بكمالٍ في ذاتِهِ ، وإنَّما يصير محموداً بالإضافةِ
إلى نقْصٍ أعظمَ منهُ ، كما يكونُ احتمالُ ألم الدواءِ محموداً لأنَّهُ أهونُ مِنْ ألم
المرضِ والموتِ ، فما يخرجُ إلى القنوطِ فهوَ مذمومٌ .
وقدْ يخرجُ الخوفُ أيضاً إلى المرضِ والضعفِ ، وإلى الولهِ والدهشةِ
(١) قوت القلوب (٢٢٦/١).
٥١٧

كتاب الرجاء والخوف
ربع المنجيات
ـجو
وزوالِ العقلِ ، وقدْ يخرجُ إلى الموتِ ، وكلُّ ذلكَ مذمومٌ ، وهوَ كالضربِ
الذي يقتلُ الصبيَّ، والسوطِ الذي يهلكُ الدابَّةَ أوْ يمرضُها أوْ يكسرُ عضواً
مِنْ أعضائِها، وإنَّما ذكرَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ أسبابَ الرجاءِ وأكثرَ
منها ليعالجَ بها صدمةَ الخوفِ المفرطِ المفضي إلى القنوطِ أوْ أحدِ هذهِ
الأمورِ ، فكلُّ ما يرادُ لأمرٍ فالمحمودُ منهُ ما يفضي إلى المرادِ المقصودِ
منهُ ، وما يقصرُ عنهُ أوْ يجاوزُهُ فهوَ مذمومٌ .
وفائدةُ الخوفِ : الحذرُ، والورعُ، والتقوى ، والمجاهدةُ ،
والعبادةُ، والفكرُ ، والذكرُ ، وسائرُ الأسبابِ الموصلةِ إلى اللهِ تعالى ،
وكلُّ ذلكَ يستدعي الحياةَ معَ صِحَّةِ البدنِ وسلامةِ العقلِ ، فكلُّ ما يقدحُ في
هذهِ الأسبابِ فهوَ مذمومٌ .
فإنْ قلتَ : مَنْ خافَ فماتَ مِنْ خوفِهِ فهوَ شهيدٌ، فكيفَ يكونُ حالُهُ
مذموماً ؟!
دن
ـكن
ـكن
فاعلمْ : أنَّ معنى كونِهِ شهيداً أنَّ لهُ رتبةً بسببٍ موتِهِ مِنَ الخوفِ كانَ
لا ينالُها لوْ ماتَ في ذلكَ الوقتِ لا بسببِ الخوفِ ، فهوَ بالإضافةِ إليهِ
فضيلةٌ، فأمَّا بالإضافةِ إلى تقديرِ بقائِهِ وطولِ عمرِهِ في طاعةِ اللهِ وسلوكِ
سبلِهِ .. فليسَ بفضيلةٍ ، بلْ للسالكِ سبيلَ اللهِ تعالى بطريقِ الفكرِ والمشاهدةِ
والترقّي في درجاتِ المعارفِ في كلِّ لحظةٍ رتبةُ شهيدٍ وشهداءَ ، ولولا
٥١٨

ربع المنجيات
حر
كتاب الرجاء والخوف
هذا .. لكانَتْ رتبةُ صبيٍّ يُقتلُ أوْ مجنونٍ يفترسُهُ سبعٌ أعلىُ مِنْ رتبةِ نبيٍّ أَوْ وليٍّ
يموتُ حتفَ أنفِهِ ، وهوَ محالٌ ، فلا ينبغي أنْ يُظنَّ هذا ، بلْ أفضلُ السعاداتِ
طولُ العمرِ في طاعةِ اللهِ تعالى ، فكلُّ ما أبطلَ العمرَ أوِ العقلَ أوِ الصحَّةَ التي
يتعطَّلُ العمرُ بتعطُّلِها .. فهوَ خسرانٌ ونقصانٌ بالإضافةِ إلى أمورٍ ، وإنْ كانَ
بعضُ أقسامِها فضيلةً بالإضافةِ إلى أمورٍ أخرَ ؛ كما كانَتِ الشهادةُ فضيلةً
بالإضافةِ إلى ما دونَها ، لا بالإضافةِ إلى درجةِ النبيِّينَ والصدِّيقينَ .
فإذاً ؛ الخوفُ إنْ لمْ يؤثِّرَ في العملِ .. فوجودُهُ كعدمِهِ ؛ مثلُ السوطِ
الذي لا يزيدُ في حركةِ الدائّةِ ، وإنْ أثَّرَ .. فلهُ درجاتٌ بحسَبٍ ظهورٍ أثرِهِ ،
فإنْ لمْ يحملْ إلا على العقَّةِ وهيَ الكفُّ عنْ مقتضى الشهواتِ .. فلهُ درجةٌ ،
فإنْ أثمرَ الورِعَ .. فهوَ أعلىُ ، وأقصى درجاتِهِ أنْ يثمرَ درجاتِ الصدِّيقينَ ،
وهوَ أنْ يسلبَ الظاهرَ والباطنَ عمَّا سوى اللهِ حتَّى لا يبقى لغيرِ اللهِ فيهِ
متسعٌ ، فهذا أقصى ما يُحمدُ منهُ، وذلكَ معَ بقاءِ الصحَّةِ والعقلِ .
فإنْ جاوزَ هذا إلى إزالةِ العقلِ أوِ الصحَّةِ .. فهوَ مرضٌ يجبُ علاجُهُ إِنْ قدرَ
عليهِ ، ولوْ كانَ محموداً .. لما وجبَ علاجُهُ بأسبابِ الرجاءِ وبغيرِهِ حتَّى
يزولَ، ولذلكَ كانَ سهلٌ رحمَهُ اللهُ يقولُ للمريدينَ الملازمينَ للجوع أياماً
كثيرةً : ( احفظوا عقولَكُمْ؛ فإنَّهْ لمْ يكنْ لهِ تعالى وليٌّ ناقصُ العقلِ)(١).
(١) قوت القلوب (٢٣٨/١).
٥١٩
جن
حن
ـات
%
٠٠٥٬٠٠

كتاب الرجاء والخوف
ربع المنجيات
بيان أقسام الخوف بالإضافة إلى مايخاف منه
اعلمْ : أنَّ الخوفَ لا يتحقَّقُ إلا بانتظارِ مكروهٍ ، والمكروهُ إمَّا أنْ يكونَ
مكروهاً في ذاتِهِ كالنارِ ، وإمَّا أنْ يكونَ مكروهاً لأنَّهُ يفضي إلى المكروهِ ؛
كما تُكرهُ المعاصي لأدائِها إلى مكروهٍ في الآخرةِ ، وكما يكرهُ المريضُ
الفواكه المضرَّةَ لأدائِها إلى الموتِ ، ولا بدَّ لكلِّ خائفٍ أنْ يتمثَّلَ في نفسِهِ
مكروهاً مِنْ أحدِ القسمينِ ، ويقوى انتظارُهُ في قلبهِ حتَّى يحترقَ قلبُهُ بسببٍ
استشعارِهِ ذلكَ المكروه .
ومقامُ الخائفينَ يختلفُ فيما يغلبُ على قلوبِهِمْ مِنَ المكروهاتِ
المحذورةِ ، فالذينَ يغلبُ على قلوبِهِمْ ما ليسَ مكروهاً لذاتِهِ بلْ لغيرِهِ ؛
كالذينَ يغلبُ عليهِمْ خوفُ الموتِ قبلَ التوبةِ ، أوْ خوفُ نقضِ التوبةِ ونكثٍ
العهدِ، أوْ خوفُ ضعفِ القوَّةِ عنِ الوفاءِ بتمامِ حقوقِ اللهِ ، أَوْ خوفُ زوالٍ
رقَّةِ القلبِ وتبدُّلِها بالقساوةِ أوْ خوفُ الميلِ عَنِ الاستقامةِ ، أَوْ خوفُ استيلاءِ
العادةِ فِي اتباع الشهواتِ المألوفةِ ، أوْ خوفُ أنْ يكلَهُ اللهُ تعالى إلى حسناتِهِ
التي اتكلَ عليها وتعزَّزَ بها في عبادِ اللهِ ، أوْ خوفُ البطرِ بكثرةِ نعَمِ اللهِ عليهِ ،
أوْ خوفُ الاشتغالِ عنِ اللهِ بغيرِ اللهِ ، أَوْ خوفُ الاستدراجِ بتواترِ النعَمِ ، أَوْ
خوفُ انكشافِ غوائلِ طاعاتِهِ حيثُ يبدو لهُ مِنَ اللهِ ما لمْ يكنْ يحتسبُ ، أوْ
خوفُ تبعاتِ الناسِ عندَهُ في الغيبةِ والخيانةِ والغشِّ وإضمارِ السوءِ ، أوْ
٥٢٠