Indexed OCR Text
Pages 461-480
ربع المنجيات كتاب الصبر والشكر والأمرُ على ما قالَهُ، وهوَ صحيحٌ مِنْ جملةِ أقسامِ الصبرِ والشكرِ في القسمِ الأخيرِ الذي ذكرناهُ ، وهوَ لمْ يردْ سواهُ . ويُقالُ : كانَ أبو العباسِ بنُ عطاءٍ قدْ خالفَهُ في ذلكَ وقالَ: ( الغنيُّ الشاكرُ أفضلُ مِنَ الفقيرِ الصابرِ ) ، فدعا عليهِ الجنيدُ ، فأصابَهُ ما أصابَهُ مِنَ البلاءِ مِنْ قتلِ أولادِهِ وإتلافِ أموالِهِ وزوالِ عقلِهِ أربعَ عشرةَ سنةً ، فكانَ يقولُ : دعوةُ الجنيدِ أصابَتْني ، ورجعَ إلى تفضيلِ الفقيرِ الصابرِ على الغنيِّ الشاكرِ(١). عـ ومهما لاحظتَ المعانيَ التي ذكرناها .. علمتَ أنَّ لكلِّ واحدٍ مِنَ القولينِ وجهاً في بعضِ الأحوالِ ، فرَّ فقيرٍ صابرٍ أفضلُ مِنْ غنيٌّ شاكرٍ كما سبقَ ، وربَّ غنيٍّ شاكرٍ أفضلُ مِنْ فقيرٍ صابرٍ ، وذلكَ هوَ الغنيُّ الذي يرىُ نفسَهُ مثلَ الفقيرِ ، إذْ لا يمسكُ لنفسِهِ مِنَ المالِ إلا قدْرَ الضرورةِ ، والباقي يصرفُهُ إلى الخيراتِ ، أَوْ يمسكُهُ على اعتقادِ أنَّهُ خازنُ المحتاجينَ والمساكينَ ، وإنَّما ينتظرُ حاجةٌ تسنحُ حتَّى يصرفَ إليها، ثمَّ إذا صرفَ .. لمْ يصرفْهُ لطلبٍ جاهٍ وصيتٍ ، ولا لتقليدِ منَّةٍ ، بلْ أداءً لحقِّ اللهِ تعالى في تفقُّدِ عبادِهِ ، فهذا أفضلُ مِنَ الفقيرِ الصابرِ . فإِنْ قلتَ : فهذا لا يثقلُ على النفسِ ، والفقيرُ يثقلُ عليهِ الفقرُ ؛ لأنَّ (١) قوت القلوب (٢٠١/١). ٤٦١ كتاب الصبر والشكر ربع المنجيات هذا يستشعرُ لذَّةَ القدرةِ، وذاكَ يستشعرُ ألمَ الصبرِ ، فإنْ كانَ متألِّماً بفراقٍ المالِ .. فينجبرُ ذلكَ بلذَّتِهِ في القدرةِ على الإنفاقِ . فعـ فاعلمْ : أنَّ الذي نراهُ أنَّ مَنْ ينفقُ مالَهُ عنْ رغبةٍ وطيبٍ نفسٍ أكملُ حالاً ممَّنْ ينفقُهُ وهوَ بخيلٌ بهِ ، وإنَّما يقتطعُهُ عنْ نفسِهِ قهراً ، وقدْ ذكرنا تفصيلَ هذا فيما سبقَ مِنْ كتابِ التوبةِ ، فإيلامُ النفسِ ليسَ مطلوباً لعينِهِ ، بلْ لتأديبِها ، وذلكَ يضاهي ضرْبَ كلِ الصيدِ ، والكلبُ المتأدِّبُ أكملُ مِنَ الكلبِ المحتاجِ إلى الضرْبِ وإنْ كانَ صابراً على الضربِ ، ولذلكَ يحتاجُ إلى الإيلام والمجاهدةِ في البدايةِ ، ولا يحتاجُ إليهِما في النهايةِ ، بلِ النهايةُ أنْ يصيرَ ما كانَ مؤلماً في حقِّهِ لذيذاً عندَهُ ، كما يصيرُ التعلُّمُ عندَ الصبيِّ العاقلِ لذيذاً وقدْ كانَ مؤلماً لهُ أوّلاً ، ولكنْ لمَّا كانَ الناسُ كلُّهُمْ إلا الأقلينَ في البدايةِ بلْ قبلَ البدايةِ بكثيرٍ كالصبيانِ .. أطلقَ الجنيدُ القولَ بأنَّ الذي يؤلمُ صفتَهُ أفضلُ، وهوّ كما قالَ صحيحٌ فيما أرادَهُ مِنْ عمومِ الخلقِ . فإذاً؛ إذا كنتَ لا تفصِّلُ الجوابَ، وتطلقُهُ لإرادةِ الأكثرِ . . فأطلقِ القولَ بأنَّ الصبرَ أفضلُ مِنَ الشكرِ ؛ فإنَّهُ صحيحٌ بالمعنى السابقِ إلى الأفهامِ . فأمَّا إذا أردتَ التحقيقَ .. ففصِّلْ، فإنَّ للصبرِ درجاتٍ أقلُّها تركُ الشكوىّ معَ الكراهةِ ، ووراءَها الرضا ، وهوَ مقامٌ وراءَ الصبرِ ، ووراءَهُ الشكرُ على البلاءِ ، وهوَ وراءَ الرضا ، إذِ الصبرُ معَ التألُّمِ والرضا يمكنُ بما لا ألمَ فيهِ ولا فرحَ ، والشكرُ لا يمكنُ إلا على محبوبٍ مفروحٍ بِهِ . ٤٦٢ ربع المنجيات كتاب الصبر والشكر من وكذلكَ للشكرِ درجاتٌ كثيرةٌ ، ذكرنا أقصاها ، ويدخلُ في جملتِها أمورٌ دونَها ، فإنَّ حياءَ العبدِ مِنْ تتابع نعَمِ اللهِ عليهِ شكرٌ ، ومعرفتُهُ بتقصيرِهِ عنِ الشكرِ شكرٌ، والاعتذارُ مِنْ قَلَّةِ الشكرِ شكرٌ ، والمعرفةُ بعظيمٍ حلْمِ اللهِ وكنفِ سترِهِ شكرٌ، والاعترافُ بأنَّ النعَمَ ابتداءً مِنَ اللهِ تعالىٌ مِنْ غيرِ استحقاقٍ شكرٌ ، والعلمُ بأنَّ الشكرَ أيضاً نعمةٌ مِنْ نعم اللهِ وموهبةٌ منهُ شکرٌ ، وحسنُ التواضع للنعَمِ والتذلُّلُ فيها شكرٌ ، وشكرُ الوسائطِ شكرٌ ؛ إذْ قالَ عليهِ الصلاةُ والسلامُ: ((مَنْ لمْ يشكرِ الناسَ .. لمْ يشكرِ اللهَ))(١)، وقدْ ذكرنا حقيقةَ ذلكَ في كتابِ أسرارِ الزكاةِ ، وقلَّةُ الاعتراضِ وحسنُ الأدبِ بينَ يديٍ المنعِمِ شكرٌ ، وتلقّي النعمِ بحسْنِ القبولِ واستعظامُ صغيرِها شكرٌ . فما يندرجُ مِنَ الأعمالِ والأحوالِ تحتَ اسمِ الشكرِ والصبرِ لا تنحصرُ آحادُها ، وهيَ درجاتٌ مختلفةٌ ، فكيفَ يمكنُ إجمالُ القولِ بتفضيلِ أحدِهِما على الآخرِ إلا على سبيلِ إرادةِ الخصوصِ باللفظِ العامّ كما وردَ في الأخبارِ والآثار ؟! وقدْ رُوِيَ عنْ بعضِهِمْ أنَّهُ قالَ : رأيتُ في بعضِ الأسفارِ شيخاً كبيراً قدْ طعنَ في السنِّ ، فسألتُهُ عنْ حالِهِ ، فقالَ : إنِّي كنتُ في ابتداءِ عمري أهوى ابنةَ عمَّ لي ، وهيَ كذلكَ كانَتْ تهواني ، فاتفقَ أنَّها زُوَّجَتْ مِنِّي ، فليلةَ زفافِها قلتُ : تعالَيْ حتَّى نحبيَ هذهِ الليلةَ شكراً لله تعالى على ما جمعَنا ، (١) رواه أبو داوود (٤٨١١)، والترمذي (١٩٥٤). ٤٦٣ كتاب الصبر والشكر ربع المنجيات فصلَّينا تلكَ الليلةَ، ولمْ يتفرَّغْ أحدُنا إلى صاحبهِ ، فلمَّا كانَتِ الليلةُ الثانيةُ .. قلنا مثلَ ذلكَ ، فصلينا طولَ الليلِ ، فمنذُ سبعينَ أوْ ثمانينَ سنةً نحنُ على تلكَ الحالةِ كلَّ ليلةٍ ، أليسَ كذلكَ يا فلانةُ ؟ قالتِ العجوزُ : هوَ كما يقولُ الشيخُ(١) . فانظرْ إليهِما لوْ صبرا على بلاءِ الفرقةِ أنْ لَوْ لمْ يجمع اللهُ بِينَهُما ، وانسبْ صبرَ الفرقةِ إلى شكرِ الوصالِ على هذا الوجهِ .. فلا يخفى عليكَ أنَّ هذا الشكرَ أفضلُ . فإذاً ؛ لا وقوفَ على حقائقِ المفضلاتِ إلا بتفصيلٍ كما سبقَ ، واللهُ أعلمُ . ـه. تم كتاب الصبر والشكر وهو الكتاب الثاني من تبع المنجيات من كتب إحياء علوم الذين والحمر شد وحده، وصلى الله على نبينا محمّدٍ وآله أجمعين وسلم يتلوه كتاب الرجاء والخوف (١) الرسالة القشيرية (ص٣١٥)، قال الحافظ الزبيدي في ((إتحافه)) (١٦٣/٩): ( وفائدة ذكر العجوز والشيخ الإعلام بأنهما داما على الاشتغال بالله من حالة الصبا إلى تلك الحالة ) . ٢٠ ٤٦٤ حَكِتَابُ أَجَاءِ وَالمَوْقَّ 0.ch وهو الكتاب الثالث من ربع المنجيات من كتب إحياء علوم الذين ٠٨٥٠٠/٥٠٢/١ ٠ ٥٠ ٤٦٥ ربع المنجيات [حن كتاب الرجاء والخوف حز كتاب الرجاء والخوف بِسِْلهِ الرَّحْمِ الرَّحِيَّةِ الحمدُ للهِ المرجوّ لطفُهُ وثوابُهُ ، المَخُوفِ مكرُهُ وعقابُهُ ، الذي عَمَرَ قلوبَ أوليائِهِ برَوْحِ رجائِهِ ، حتَّى ساقَهُمْ بلطائفِ آلائِهِ إلى النزولِ بفِنائِهِ ، والعدولِ عنْ دارِ بلائِهِ ، التي هيَ مستقرُ أعدائِهِ ، وصرفَ بسياطِ التخويف وزجرِهِ العنيفِ وجوهَ المعرضينَ عنْ حضرتِهِ إلى دارِ ثوابِهِ وكرامتِهِ ، وصدَّهُمْ عنِ التعرُّضِ لأئمَّتِهِ ، والتهدُّفِ لسخطِهِ ونقمتِهِ ، قوداً لأصنافِ الخلقِ بسلاسلِ القهرِ والعنفِ وأزمَّةِ الرفْقِ واللطفِ إلى جنَّتِهِ . والصلاةُ على محمدٍ سيِّدِ أنبيائِهِ وخيرِ خليقتِهِ، وعلى آلِهِ وأصحابِهِ وعترتِهِ . أما بعد: فإنَّ الرجاءَ والخوفَ جناحانِ بهما يطيرُ المقرَّبونَ إلى كلِّ مقام محمودٍ ، ومطيََّانِ بهما يُقطعُ مِنْ طرقِ الآخرةِ كلُّ عقبةٍ كؤودٍ ، فلا يقودُ إلى قرْبِ الرحمنِ وروحِ الجنانِ معَ كونِهِ بعيدَ الأرجاءِ ، ثقيلَ الأعباءِ ، محفوفاً بمكارهِ القلوبِ ومشاقِّ الجوارحِ والأعضاءِ .. إلا أزمَّةُ الرجاءِ ، ولا يصدُّ عنْ نارِ الجحيمِ والعذابِ المقيمِ معَ كونِهِ محفوفاً بلطائفِ الشهواتِ وعجائب ٤٦٧ حة حن حز كتاب الرجاء والخوف ربع المنجيات اللذَّاتِ .. إلا سياطُ التخويفِ وسطواتُ التعنيفِ. فلا بدَّ إذاً مِنْ بيانِ حقيقتِهِما وفضيلتِهِما ، وسبيلِ التوصُّلِ إلى الجمعِ بينَهُما معَ تضادِّهِما وتعاندِهِما ، ونحنُ نجمعُ ذكرَهُما في كتابٍ واحدٍ مشتملٍ على شطرينِ : الشطرُ الأوَّلُ : في الرجاءِ . والشطرُ الثاني : في الخوفِ . ٤٦٨ ربع المنجيات كتاب الرجاء والخوف الشَّطْرُ الْأَوَلُ فى الرجماء(١) أمَّا الشطرُ الأوَّلُ .. فيشتملُ على بيانِ حقيقةِ الرجاءِ ، وبيانِ فضيلةِ الرجاءِ ، وبيانِ دواءِ الرجاءِ ، والطريقِ الذي يُجتلبُ بهِ الرجاءُ. بيان حقيقة الرّجاء اعلمْ : أنَّ الرجاءَ مِنْ جملةِ مقاماتِ السالكينَ ، وأحوالِ الطالبينَ ، وإنَّما يُسمَّى الوصفُ مقاماً إذا ثبتَ وأقامَ ، وإنَّما يُسمَّى حالاً إذا كانَ عارضاً سريعَ الزوالِ ، وكما أنَّ الصفرةَ تنقسمُ إلى ثابتةٍ ؛ كصفرةِ الذهبِ ، وإلى سريعةِ الزوالِ ؛ كصفرةِ الوَجَلِ ، وإلى ما هوَ بينَهُما ؛ كصفرةِ المريض .. فكذلكَ صفاتُ القلبِ تنقسمُ هذهِ الأقسامَ ، فالذي هوَ غيرُ ثابتٍ يُسمَّى حالاً ؛ لأنَّهُ يحولُ على القرْبِ ، وهذا جارٍ في كلِّ وصفٍ مِنْ أوصافِ القلبِ (٢). وغرضُنا الآنَ حقيقةُ الرجاءِ ، فالرجاءُ أيضاً يتمُّ مِنْ علمٍ وحالٍ وعملٍ ، فالعلمُ سببٌ يثمرُ الحالَ ، والحالُ يقتضي العملَ ، وكأنَّ الرجاءَ اسمٌ للحالِ مِنْ جملةِ الثلاثةِ . (١) العنوان زيادة من اللجنة العلمية . (٢) فما يعرف وصف من أوصافه إلا وفيه حال ومقام. ((إتحاف)) (١٦٥/٩). ٤٦٩ كتاب الرجاء والخوف ربع المنجيات G وبيانُهُ : أنَّ كلَّ ما يلاقيكَ مِنْ مكروهٍ ومحبوبٍ فينقسمُ إلى موجودٍ في الحالِ ، وإلى موجودٍ فيما مضى ، وإلى منتظرٍ في الاستقبالِ ، فإذا خطرَ ببالِكَ موجودٌ فيما مضى .. سُمِّيَ ذكراً وتذكُّراً، وإنْ كانَ ما خطرَ بقلبكَ موجوداً في الحالِ .. سُمِّيَ وجداً وذوقاً وإدراكاً ، وإنَّما سُمِّيَ وجداً لأنَّها حالةٌ تجدُها مِنْ نفسِكَ(١) ، وإنْ كانَ قدْ خطرَ ببالِكَ وجودُ شيءٍ في الاستقبالِ ، وغلبَ ذلكَ على قلبكَ .. سُمِّيَ انتظاراً وتوقُّعاً ؛ فإنْ كانَ المنتظرُ مكروهاً .. حصلَ منهُ ألمٌ في القلبِ يُسمَّى خوفاً وإشفاقاً ، وإنْ كانَ محبوباً .. حصلَ مِنِ انتظارِهِ وتعلَّقِ القلبِ بهِ وإخطارٍ وجودِهِ بالبالِ لذَّةٌ في القلبِ وارتياحٌ يُسمَّىُ ذلكَ الارتياحُ رجاءً ، فالرجاءُ : هوَ ارتياحُ القلبِ لانتظار ما هوَ محبوبٌ عندَهُ . ولكنْ ذلكَ المحبوبُ المتوقَّعُ لا بدَّ أنْ يكونَ لهُ سببٌ ، فإنْ كانَ انتظارُهُ لأجلِ حصولِ أكثرِ أسبابِهِ .. فاسمُ الرجاءِ عليهِ صادقٌ ، وإنْ كانَ ذلكَ انتظاراً معَ انخرام أسبابِهِ واضطرابِها .. فاسمُ الغرورِ والحمقِ عليهِ أصدقُ مِنِ اسمِ الرجاءِ ، وإنْ لمْ تكنِ الأسبابُ معلومةَ الوجودِ ولا معلومةَ الانتفاءِ .. فاسمُ التمنِّي أصدقُ على انتظارِهِ ؛ لأنَّهُ انتظارٌ مِنْ غيرِ سببٍ . وعلى كلِّ حالٍ فلا يُطلقُ اسمُ الرجاءِ والخوفِ إلا على ما يُتردّدُ فيهِ ، أمَّا ما يُقطعُ بهِ .. فلا؛ إذْ لا يُقالُ : أرجو طلوعَ الشمسِ وقتَ الطلوعِ، حن (١) وإنما سمي ذوقاً على التشبيه بالذوق الذي هو تناول الشيء بالفم لإدراك الطعم ، وإنما سمي إدراكاً لأنه أحاط عليه علماً بكماله. ((إتحاف)) (١٦٥/٩). ٤٧٠ ربع المنجيات کتاب الرجاء والخوف وأخافُ غروبَها وقتَ الغروبِ ؛ لأنَّ ذلكَ مقطوعٌ بهِ ، نعمْ، يُقالُ : أرجو نزولَ المطرِ وأخافُ انقطاعَهُ . وقدْ علمَ أربابُ القلوبِ أنَّ الدنيا مزرعةُ الآخرةِ ، والقلبُ كالأرضِ ، والإيمانُ كالبذْرِ فيهِ ، والطاعاتُ جاريةٌ مجرى تقليبِ الأرضِ وتطهيرِها ، ومجرى حفرِ الأنهارِ وسياقةِ الماءِ إليها ، والقلبُ المستهتَرُ بالدنيا المستغرقُ بها كالأرضِ السَّبخةِ التي لا ينمو فيها البذْرُ ، ويومُ القيامةِ يومُ الحصادِ ، ولا يحصدُ أحدٌ إلا ما زرعَ ، ولا ينمو زرعٌ إلا مِنْ بذْرِ الإيمانِ ، وقلَّما ينفعُ إيمانٌ معَ خبثِ القلبِ وسوءِ أخلاقِهِ ، كما لا ينمو بذرٌ في أرضٍ سَبِخةٍ ، فينبغي أنْ يُقاسَ رجاءُ العبدِ المغفرةَ برجاءِ صاحبِ الزرعِ . فكلُّ مَنْ طلبَ أرضاً طيبةً ، وألقى فيها بذْراً جيداً غيرَ عفنٍ ولا مسؤَّسٍ ، ثُمَّ أمدَّهُ بما يحتاجُ إليهِ وهوَ سوْقُ الماءِ إليهِ في أوقاتِهِ ، ثمَّ نقَّى الأرضَ عنِ الشوكِ والحشيشِ وكلِّ ما يمنعُ نباتَ البذْرِ أوْ يفسدُهُ ، ثمَّ جلسَ منتظراً مِنْ فضْلِ اللهِ دفعَ الصواعقِ والآفاتِ المفسدةِ إلى أنْ يتمَّ الزرعُ ويبلغَ غايتَهُ .. سُمِّيَ انتظارُهُ رجاءً . وإنْ بثَّ البَذْرَ في أرضٍ صلبةٍ سبخةٍ مرتفعةٍ لا ينصبُّ إليها الماءُ ، ولمْ يشتغلْ بتعهُّدِ البذْرِ أصلاً، ثمَّ انتظرَ حصادَ الزرع منهُ .. سُمِّيَ انتظارُهُ حمقاً وغروراً ، لا رجاءً . وإنْ بثَّ البذْرَ في أرضٍ طيِّةٍ ، لكنْ لا ماءَ لها، وأخذَ ينتظرُ مياه الأمطار حيثُ لا تغلبُ الأمطارُ ولا تمتنعُ أيضاً .. سُمِّيَ انتظارُهُ تمنِّياً، لا رجاءً . ٤٧١ كتاب الرجاء والخوف ربع المنجيات فإذاً ؛ اسمُ الرجاءِ إنَّما يصدقُ على انتظارِ محبوبٍ تمهَّدَتْ جميعُ أسبابِهِ الداخلةِ تحتَ اختيارِ العبدِ ، ولمْ يبقَ إلا ما ليسَ يدخلُ تحتَ اختیارِهِ ، وهوَ فضْلُ اللهِ تعالى بصرْفِ القواطع والمفسداتِ . فالعبدُ إذا بثَّ بذرَ الإيمانِ ، وسقاهُ بماءِ الطاعاتِ ، وطهَّرَ القلبَ عنْ شوكِ الأخلاقِ الرديئةِ ، وانتظرَ مِنْ فضلِ اللهِ تعالى تثبيتَهُ على ذلكَ إلى الموتِ ، وحسنَ الخاتمةِ المفضيةِ إلى المغفرةِ .. كانَ انتظارُهُ رجاءً حقيقياً ، محموداً في نفسِهِ ، باعثاً لهُ على المواظبةِ والقيام بمقتضى أسبابٍ الإيمانِ في إتمامٍ أسبابِ المغفرةِ إلى الموتِ . وإنْ قطعَ عنْ بذْرِ الإيمانِ تعهُّدَهُ بماءِ الطاعاتِ ، أَوْ تركَ القلبَ مشحوناً برذائلِ الأخلاقِ ، وانهمكَ في طلبٍ لذَّاتِ الدنيا ، ثمَّ انتظرَ المغفرةَ .. فانتظارُهُ حمقٌ وغرورٌ ، قالَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: ((الأحمقُ مَنْ أتبعَ نفسَهُ هواها وتمنَّى على اللهِ)) (١) . وقال تعالى: ﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفُّ أَضَاعُواْ الصَّلَوةَ وَأَتَّبَعُوْ الشَّهَوَتِّ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا﴾ . وقال تعالى: ﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ وَرِثُواْ الْكِنَبَ يَأْخُذُونَ عَرَضَ هَذَا الْأَدْنَى وَيَقُولُونَ سَيُغْفَرُ لَنَا﴾ . وذَّ اللهُ تعالى صاحبَ البستانِ إذْ دخلَ جنَّتَهُ وقالَ: ﴿ مَآ أَظُنُّ أَنْ تَبِيَدَ هَذِهِ (١) رواه الترمذي (٢٤٥٩)، وابن ماجه (٤٢٦٠). ٤٧٢ ربع المنجيات كتاب الرجاء والخوف أَبَدًا ﴾: وَمَآ أَظُنُّ السَّاعَةَ قَآئِمَةً وَلَبِن زُدِدتُ إِلَى رَبِ لَأَجِدَتَ خَيْرًا مِنْهَا مُنْقَلَبًا﴾(١). فإِذاً ؛ العبدُ المجتهدُ في الطاعاتِ ، المجتنبُ للمعاصي .. حقيقٌ بأنْ ينتظرَ مِنْ فضْلِ اللهِ تمامَ النعمةِ ، وما تمامُ النعمةِ إلا بدخولِ الجنَّةِ ، وأمَّا العاصي ؛ فإذا تابَ وتداركَ جميعَ ما فرطَ منهُ مِنْ تقصيرٍ . . فحقيقٌ بأنْ يرجوَ قبولَ التوبةِ، وأمَّا قبلَ التوبةِ إذا كانَ كارهاً للمعصيةِ ، تسوءُهُ السيئةُ وتسرُهُ الحسنةُ ، وهوَ يذمُ نفسَهُ ويلومُها ، ويشتهي التوبةَ ويشتاقُ إليها .. فحقيقٌ بأنْ يرجوَ مِنَ اللهِ التوفيقَ للتوبةِ ؛ لأنَّ كراهتَهُ للمعصيةِ وحرصَهُ على التوبةِ يجري مجرى السببِ الذي قدْ يفضي إلى التوبةِ، وإنَّما الرجاءُ بعدَ تأكُّدٍ الأسبابِ . ولذلكَ قالَ تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَالَّذِينَ هَاجَرُواْ وَجَهَدُواْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُوْلَئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَتَ اَلَّهِ﴾، معناهُ: أولئكَ يستحقُّونَ أنْ يرجوا رحمةَ اللهِ ، وما أرادَ بهِ تخصيصَ وجودِ الرجاءِ ؛ لأنَّ غيرَهُمْ أيضاً قدْ يرجو ، ولكنْ خصَّصَ بِهِمُ استحقاقَ الرجاءِ . فأمَّا مَنْ ينهمكُ فيما يكرهُهُ اللهُ تعالى ، ولا يذمُ نفسَهُ عليهِ ، ولا يعزمُ على التوبةِ والرجوع .. فرجاؤُهُ المغفرةَ حمقٌ ؛ كرجاءٍ مَنْ بثَّ البذْرَ في أرضٍ سبخةٍ وعزمَ على ألا يتعهدَهُ بسقىٍ ولا تنقيةٍ . قالَ يحيىُ بنُ معاذٍ : ( مِنْ أعظمِ الاغترارِ عندي : التمادي في الذنوبِ عيـ (١) وروى الطبري في ((تفسيره)) (٣٠٢/١٥/٩) عن قتادة في وصف صاحب البستان : ( كفور لنعم ربه ، مكذب بلقائه ، متمنٍّ على الله ) . ٤٧٣ كتاب الرجاء والخوف ربع المنجيات معَ رجاءِ العفوِ مِنْ غيرِ ندامةٍ ، وتوقّعُ القربِ مِنَ الله تعالى بغيرِ طاعةٍ ، وانتظارُ زرع الجنةِ ببذْرِ النارِ ، وطلبُ دارِ المطيعينَ بالمعاصي ، وانتظارُ الجزاءِ بغيرِ عملٍ ، والتمنِّي على اللهِ عزَّ وجلَّ معَ الإفراطِ ) . تَرْجو النَّجاةَ وَلَمْ تَسْلُكْ مَسالِكَها إِنَّ السَّفينَةَ لا تَجْرِي عَلى أَلْبَيَسِ(١) فإذا عرفتَ حقيقةَ الرجاءِ ومَظِنَتَهُ .. فقدْ علمتَ أنَّها حالةٌ أثمرَها العلمُ بجريانِ أكثرِ الأسبابِ ، وهذهِ الحالةُ تثمرُ الجهدَ للقيام ببقيةِ الأسبابِ على حسبِ الإمكانِ ، فإنَّ مَنْ حَسُنَ بذرُهُ، وطابَتْ أرضُهُ ، وغزرَ مَاؤُهُ .. صدقَ رجاؤُهُ، فلا يزالُ يحملُهُ صدقُ الرجاءِ على تفقُّدِ الأرضِ وتعهُّدِها ، وتنحيةِ كلِّ حشيشٍ ينبتُ فيها ، فلا يفترُ عنْ تعهُّدِها أصلاً إلى وقتِ الحصادِ ، وهذا لأنَّ الرجاءَ يضادُّهُ اليأسُ، واليأسُ يمنعُ مِنَ التعهُّدِ، فمَنْ عرفَ أنَّ الأرضَ سبخةٌ، وأنَّ الماءَ مُعْوِزٌ(٢)، وأنَّ البذْرَ لا ينبتُ .. فيتركُ - لا محالةَ - تفقُّدَ الأرضِ والتعبَ في تعهُّدِها . والرجاءُ محمودٌ لأنَّهُ باعثٌ ، واليأسُ مذمومٌ - وهوَ ضدُّهُ - لأنَّهُ صارفٌ عنِ العملِ ، والخوفُ ليسَ بضدٍّ للرجاءِ ، بلْ هوَ رفيقٌ لهُ كما سيأتي بيانُهُ ، بلْ هوَ باعثٌ آخرُ بطريقِ الرهبةِ ، كما أنَّ الرجاءَ باعثٌ بطريقِ الرغبةِ . فإذاً ؛ حالُ الرجاءِ يورثُ طولَ المجاهدةِ بالأعمالِ ، والمواظبةَ على الطاعاتِ كيفما تقلَّبَتِ الأحوالُ، ومِنْ آثارِهِ التلذُّذُ بدوام الإقبالِ على اللهِ حن (١) البيت من البحر البسيط، وهو لأبي العتاهية في ((ديوانه)) (ص ١٩٤). (٢) معوز : قليل الوجود . ٤٧٤ ربع المنجيات كتاب الرجاء والخوف ـحن تعالى ، والتنقُّمُ بمناجاتِهِ ، والتلطُّفُ في التملُّقِ لهُ، فإنَّ هذهِ الأحوالَ لا بدَّ وأنْ تظهرَ على كلِّ مَنْ يرجو مَلِكاً مِنَ الملوكِ أوْ شخصاً مِنَ الأشخاصِ ، فكيفَ لا يظهرُ ذلكَ في حقِّ اللهِ تعالى ؟! فإنْ كانَ ذلكَ لا يظهرُ .. فليستدلَّ بهِ على الحرمانِ عنْ مقام الرجاءِ ، والنزولِ في حضيضٍ الغرورِ والتمنِّي . فهذا هوَ البيانُ لحالِ الرجاءِ ، ولما أثمرَهُ مِنَ العلمِ ، ولما استثمرَ منهُ مِنَ العملِ . ويدلُّ على إثمارِهِ لهذهِ الأعمالِ حديثُ زيدِ الخيلِ ؛ إذْ قالَ لرسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ : جئتُ لأسألَكَ عنْ علامةِ اللهِ فيمَنْ يريدُ ، وعلامتِهِ فيمَنْ لا يريدُ ، فقالَ: (( كيفَ أصبحتَ ؟)) قالَ : أصبحتُ أحبُّ الخيرَ وأهلَهُ ، وإذا قدرتُ علىُ شيءٍ منهُ .. سارعتُ إليهِ وأيقنتُ بثوابِهِ ، وإذا فاتَنَي شيءٌ منهُ .. حزنتُ عليهِ وحننتُ إليهِ، فقالَ: (( هذهِ علامةُ اللهِ فيمَنْ يريدُ ، ولوْ أرادَكَ بالأخرى .. هيَّأَكَ لها، ثمَّ لا يبالي في أيٍّ أوديتِها هلكتَ ))(١) ، فقدْ ذكرَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ علامةَ مَنْ أُرِيدَ بهِ الخيرُ ، فمَنِ ارتجى أنْ يكونَ مراداً بالخيرِ مِنْ غيرِ هذهِ العلاماتِ .. فهوَ مغرورٌ . (١) رواه الطبراني في ((الكبير)) (٢٠٢/١٠)، وابن عدي في ((الكامل)) (٢٢/٢)، وأبو نعيم في ((الحلية)) (٣٧٦/١) من حديث ابن مسعود رضي الله عنه ، وفيه أنه صلى الله عليه وسلم سماه زيد الخير وغيَّر له اسمه . ٤٧٥ محر كتاب الرجاء والخوف ربع المنجيات بيان فضيلة الرجاء والترغيب فيه اعلمْ : أنَّ العملَ على الرجاءِ أعلى منهُ على الخوفِ ؛ لأنَّ أقربَ العبادِ إلى اللهِ تعالى أحبُّهُمْ لهُ ، والحبُّ يغلبُ بالرجاءِ . واعتبرْ ذلكَ بمَلِكينِ ؛ يُخدمُ أحدُهُما خوفاً مِنْ عقابِهِ ، والآخرُ رجاءً الثوابِهِ . ولذلكَ وردَ في الرجاءِ وحسنِ الظنِّ رغائبُ ، لا سيما في وقتٍ الموتِ ، قالَ تعالى: ﴿لَا نَقْنَطُوْ مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ﴾، فحرَّمَ أصلَ اليأسِ. وفي أخبارِ يعقوبَ عليهِ السلامُ أنَّ اللهَ تعالى أوحى إليهِ : أتدري لِمَ فَرَّقتُ بِينَكَ وبينَ يوسفَ ؟ لقولِكَ : أخافُ أنْ يأكلَهُ الذئبُ وأنتمُ عنهُ غافلونَ ، لِمَ خفتَ الذئبَ ولمْ ترجُني ؟ ولِمَ نظرتَ إلى غفلةِ إخوتِهِ ولمْ تنظرْ إلى حفظي لهُ؟(١). وقالَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ : ((لا يموتَنَّ أحدُكُمْ إلا وهوَ يحسنُ الظنّ باللهِ تعالى))(٢) . وقالَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ : ((قالَ اللهُ عزَّ وجلَّ: أنا عندَ ظنِّ عبدي بي، فليظنَّ بي ما شاءَ))(٣). (١) قوت القلوب (٢١٥/١). (٢) رواه مسلم ( ٢٨٧٧) . (٣) رواه أحمد في ((المسند)) (٤٩١/٣)، وابن حبان في ((صحيحه)) ( ٦٣٣)، وأصله في (( الصحيحين)). ٤٧٦ ربع المنجيات كتاب الرجاء والخوف ودخلَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ على رجلٍ وهوَ في النزع، فقالَ: (( كيفَ تجدُكَ ؟ » فقالَ: أجدُني أخافُ ذنوبي وأرجو رحمةَ ربِّي، فقالَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: (( ما اجتمعا في قلبِ عبدِ في هذا الموطنِ إلا أعطاهُ اللهُ ما رجا، وأمَّنَهُ ممَّا يخافُ))(١). وقالَ عليٍّ رضيَ اللهُ عنهُ لرجلٍ أخرجَهُ الخوفُ إلى القنوطِ لكثرةِ ذنوبِهِ : ( يا هذا ؛ يأسُكَ مِنْ رحمةِ اللهِ أعظمُ مِنْ ذنوبِكَ)(٢). وقالَ سفيانُ : ( مَنْ أذنبَ ذنباً فعلمَ أنَّ اللهَ تعالى قدَّرَهُ عليهِ ورجا غفرانَهُ .. غفرَ اللهُ لهُ ذنبَهُ، قالَ: لأنَّ اللهَ عزَّ وجلَّ عيَّرَ قوماً فقالَ : ﴿وَذَلِكُمْ ظَبُّكُمُ الَّذِى ظَنْتُمْ بِرَبَّكُمْ أَرْدَكُمْ﴾، وقال تعالى: ﴿وَظَنَنْتُمْ ظَنَّ السَّوْءِ وَكُنْتُمْ قَوْمَا بُورًا﴾)(٣). وقالَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ : (( إنَّ اللهَ تعالى يقولُ للعبدِ يومَ القيامةِ : ما منعَكَ إذْ رأيتَ المنكرَ أنْ تنكرَهُ؟ فإنْ لقَّنَهُ اللهُ حَجَّتَهُ .. قالَ: يا ربِّ؛ رجوتُكَ وخفتُ الناسَ، قالَ: فيقولُ اللهُ تعالى: قدْ غفرتُهُ لكَ))(٤). (١) رواه الترمذي (٩٨٣)، والنسائي في (( السنن الكبرى)) (١٠٨٣٤)، وابن ماجه ( ٤٢٦١ ) . (٢) رواه ابن أبي الدنيا في ((حسن الظن بالله)) (٩٤) بنحوه، وهو بلفظه هنا في ((القوت)) (٢١٥/١ ) . (٣) كذا في ((القوت)) (٢١٧/١). (٤) رواه ابن ماجه ( ٤٠١٧). ٤٧٧ كتاب الرجاء والخوف ربع المنجيات وفي الخبرِ الصحيح : (( أنَّ رجلاً كانَ يداينُ الناسَ فيسامحُ الغنيَّ، ويتجاوزُ عنِ المعسرِ ، فلقي اللهَ ولمْ يعملْ خيراً قطُّ ، فقالَ اللهُ عزَّ وجلَّ : مَنْ أحقُّ بذلكَ منّا ؟ فعفا عنهُ لحسنٍ ظنِّهِ ورجائِهِ أنَّهُ يعفو عنهُ معَ إفلاسِهِ عنِ الطاعاتِ))(١). وقالَ اللهُ تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِنَبَ اللَّهِ وَأَقَامُواْ الصَّلَوَةَ وَأَنْفَقُواْ مِمَّا رَزَقْنَهُمْ سِرًّا وَعَلَاَنِيَةٌ يَرْجُونَ نِحَرَةَ لَّنْ تَبُّورَ﴾. ولمَّا قالَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: ((لو تعلمونَ ما أعلمُ .. لضحكتُمْ قليلاً ، ولبكيتُمْ كثيراً ، ولخرجتُمْ إلى الصُّعُداتِ تلدمونَ صدورَكُمْ ، وتجأرونَ إلى ربِّكُمْ))، فهبطَ جبريلُ عليهِ السلامُ فقالَ : إنَّ ربَّكَ يقولُ لكَ : لِمَ تقنِّطُ عبادي ؟ فخرجَ عليهِمْ فرجَّاهُمْ وشوَّقَهُمْ(٢) . وفي الخبرِ : إنَّ اللهَ تعالى أوحى إلى داوودَ عليهِ السلامُ: أحبَّني ، وأحبَّ مَنْ يحبُّني ، وحبِّني إلى خلقي ، فقالَ: يا ربِّ؛ كيفَ أحبَّبُّكَ إِلى خلقِكَ ؟ قالَ : اذكرْني بالحسنِ الجميلِ ، واذكرْ آلائي وإحساني ، وذكِّرْهُمْ ـئن ٤٠ حن كن (١) رواه مسلم (١٥٦٠) ولفظه: ((تلقَّت الملائكة روح رجل ممن كان قبلكم ، فقالوا : أعملت من الخير شيئاً؟ قال : لا، قالوا : تذكَّرْ، قال : كنت أداين الناس ، فآمر فتياني أن ينظروا المعسر ويتجوَّزوا عن الموسر ، قال : قال الله عز وجل : تجوَّزوا عنه))، وهو مختصراً عند البخاري ( ٢٣٩١). ـور (٢) كذا في ((القوت)) (٢٢٠/١)، ورواه ابن حبان في «صحيحه)) ( ١١٣)، وليس فيه ذكر الصعدات ، وهي عند أحمد في ((المسند)) (١٧٣/٥). ٤٧٨ ربع المنجيات كتاب الرجاء والخوف ذلكَ، فإنَّهُمْ لا يعرفونَ مِنِّي إلا الجميلَ(١). ورُئِيَ أبانُ بنُ أبي عيَّاشٍ في النومِ وكانَ يكثرُ ذكرَ أبوابِ الرجاءِ ، فقالَ : أوقفَني اللهُ تعالىُ بينَ يديهِ ، فقالَ : ما الذي حملَكَ على ذلكَ ؟ فقلتُ : أردتُ أنْ أحبِّبَكَ إلى خلقِكَ، فقالَ: قدْ غفرتُ لكَ (٢). ورُئِيَ يحيى بنُ أكثمَ في النومِ بعدَ موتِهِ ، فقيلَ لهُ : ما فعلَ اللهُ بكَ ؟ فقالَ : أوقفَني بينَ يديهِ وقالَ: يا شيخَ السوءِ ؛ فعلتَ وفعلتَ ، قالَ : فأخذَني مِنَ الرعبِ ما يعلمُ اللهُ، ثمَّ قلتُ: يا ربِّ؛ ما هكذا حُدثتُ عنكَ ، فقالَ : وما حدثتَ عنِّي ؟ فقلتُ : حدثَنَا عبدُ الرزاقِ ، عنْ معمرٍ ، عنِ الزهريِّ ، عنْ أنسٍ ، عنْ نبيِّكَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ ؛ عنْ جبريلَ عليهِ السلامُ : أَنَّكَ قلتَ : أنا عندَ ظنِّ عبدي بي ، فليظنَّ بي ما شاءَ، وكنتُ أظنُّ بكَ ألا تعذَّبَني ، فقالَ اللهُ عزَّ وجلَّ : صدقَ جبريلُ ، وصدقَ نبيِّي ، وصدقَ أنسٌ ، وصدقَ الزهريُّ ، وصدقَ معمرٌ ، وصدقَ عبدُ الرزاقِ ، وصدقتَ ، قالَ : فأُلبستُ ومشى بينَ يديَّ الولدانُ إلى الجنَّةِ ، فقلتُ : يا لها مِنْ فرحةٍ(٣) . (١) كذا في ((القوت)) (٢٢٢/١)، وقد رواه من حديث ابن عباس رضي الله عنهما مرفوعاً البيهقيُّ في ((الشعب)) (٧٢٦٢) بنحوه، ورواه ابن أبي شيبة في ((المصنف)) ( ٣٥٣٩٥) عن عبد الله بن الحارث من كلامه . (٢) قوت القلوب (٢٢٢/١). (٣) كذا في ((القوت)) (٢٢٢/١)، ورواه الخطيب في ((تاريخ بغداد)) (٢٠٦/١٤)، وابن عساكر في (( تاريخ دمشق)) (٦٤/ ٩١ ). ٤٧٩ حن حن حن ٥ كتاب الرجاء والخوف ربع المنجيات وفي الخبرِ : أنَّ رجلاً مِنْ بني إسرائيلَ كانَ يقِّطُ الناسَ ويشدِّدُ عليهِمْ ، قالَ : فيقولُ اللهُ تعالى يومَ القيامةِ : اليومَ أؤيسُكَ مِنْ رحمتي كما كنتَ تقنِّطُ عبادي منها (١). وقالَ النبيُّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ : ((إنَّ رجلاً يدخلُ النارَ ، فيمكثُ فيها ألفَ سنةٍ ينادي : يا حنَّانُ، يا منَّانُ ، فيقولُ اللهُ تعالى لجبريلَ : اذهبْ فأتني بعبدِي ، قالَ : فيجيءُ بهِ ، فيوقفُهُ على ربِّهِ، فيقولُ اللهُ تعالى: كيفَ وجدتَ مكانَكَ ؟ فيقولُ : شرّ مكانٍ ، قالَ : فيقولُ : ردُّوهُ إلى مكانِهِ ، قالَ : فيمشي ويلتفتُ إلى ورائِهِ ، فيقولُ اللهُ عزَّ وجلَّ : إلى أيِّ شيءٍ تلتفتُ ؟ فيقولُ : لقدْ رجوتُ ألا تعيدَني إليها بعدَ إذْ أخرجتَي منها ، فيقولُ اللهُ تعالى: اذهبوا بهِ إلى الجنةِ))(٢)، فدلَّ هذا علىُ أنَّ رجاءَهُ كانَ سببَ نجاتِهِ ، نسالُ اللهَ حسنَ التوفيقِ بلطفِهِ وکرمِهِ . (١) كذا في ((القوت)) (٢٢٣/١)، ورواه عبد الرزاق في ((المصنف)) (٢٨٨/١١)، وأبو نعيم في ((الحلية)) (٢٢٢/٣) عن زيد بن أسلم . (٢) رواه أحمد في ((المسند)) (٢٣٠/٣)، وابن أبي الدنيا في (( حسن الظن بالله )) (١٠٩)، وأبو يعلى في ((مسنده)) (٤٢١٠)، والبيهقي في ((الشعب)) (٣١٥) من حديث أنس رضي الله عنه مرفوعاً . ٤٨٠ ٢٠٠