Indexed OCR Text
Pages 421-440
ربع المنجيات كتاب الصبر والشكر فكذلكَ البلاءُ ينقسمُ إلى مطلقٍ ومقيّدٍ ؛ أمَّا المطلقُ في الآخرةِ .. فالبعدُ مِنَ اللهِ تعالى إمَّا مدَّةً وإمَّا أبداً، وأمَّا في الدنيا .. فالكفرُ والمعصيةُ وسوءُ الخلقِ ، وهيَ التي تفضي إلى البلاءِ المطلقِ، وأمَّا المقيَّدُ .. فكالفقرِ والمرضِ والخوفِ وسائرِ أنواع البلاءِ التي لا تكونُ بلاءً في الدينِ بلْ في الدنيا . فالشكرُ المطلقُ للنعمةِ المطلقةِ، أمَّا البلاءُ المطلقُ في الدنيا .. فقدْ لا يُؤمرُ بالصبرِ عليهِ ؛ لأنَّ الكفرَ بلاءٌ، ولا معنى للصبرِ عليهِ ، وكذا المعصيةُ ، بلْ حقُّ الكافرِ أنْ يتركَ كفرَهُ وكذا حقُّ العاصي . نعم ، الكافرُ قدْ لا يعرفُ أنَّهُ كافرٌ ، فيكونُ كمَنْ بهِ علَّةٌ وهوَ لا يتألَّمُ بها بسببٍ غَشْيةٍ أوْ غيرِها ، فلا صبرَ عليهِ ، والعاصي يعرفُ أنَّهُ عاصٍ ، فعليهِ تركُ المعصيةِ ، بلْ كلُّ بلاءٍ يقدرُ الإنسانُ على دفعِهِ فلا يُؤمرُ بالصبرِ عليهِ ، فلوْ تركَ الإنسانُ الماءَ معَ طولِ العطشِ حتَّى عظمَ ألمُهُ .. فلا يُؤمرُ بالصبرِ عليهِ ، بلْ يُؤمرُ بإزالةِ الألمٍ ، وإنَّما الصبرُ على ألمٍ ليسَ إلى العبدِ إزالتُهُ . فإذاً ؛ يرجعُ الصبرُ في الدنيا إلى ما ليسَ ببلاءٍ مطلقٍ ، بلْ يجوزُ أنْ يكونَ نعمةً مِنْ وجهٍ ، فلذلكَ يُتصوَّرُ أنْ تجتمعَ عليهِ وظيفةُ الصبرِ والشكرِ ، فإنَّ الغنى مثلاً يجوزُ أن يصيرَ سبب هلاكِ الإنسانِ ، حتَّى يُقصدُ بسببِ مالِهِ ، فيُقْتُلُ وتُقُتلُ أولادُهُ ، والصحةُ أيضاً كذلكَ ، فما مِنْ نعمةٍ مِنْ هذهِ النعمِ الدنيويةِ إلا ويجوزُ أنْ تصيرَ بلاءً ، ولكنْ بالإضافةِ إليهِ ، فكذلكَ ما مِنْ بلاءٍ ٤٢١ ٠٠٠ كتاب الصبر والشكر ربع المنجيات ـجو. إلا ويجوزُ أنْ يصيرَ نعمةً ، ولكنْ بالإضافةِ إلى حالِهِ ، فرَّ عبدٍ تكونُ الخيرةُ لهُ في الفقرِ والمرضِ ، ولوْ صحَّ بدنُهُ وكثرَ مالُهُ .. لبطِرَ وبغىُ ، قالَ اللهُ تعالى: ﴿وَلَوْ بَسَطَ اللَّهُ الْرِّزْقَ لِعِبَادِهِ، لَبَغَوْ فِ اُلْأَرْضِ﴾. وقال تعالى: ﴿إِنَّ الْإِنسَنَ لَطْعَى ﴾: أَنْ زَّءَاهُ أَسْتَغْنَى﴾. وقالَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: ((إنَّ اللهَ ليحمي عبدَهُ المؤمنَ مِنَ الدنيا وهوَ يحبُّهُ كما يحمي أحدُكُمْ مريضَهُ ))(١) . وكذلكَ الزوجةُ والولدُ والقريبُ وكلُّ ما ذكرناهُ في الأقسام الستةَ عشرَ مِنَ النعمِ سوى الإيمانِ وحسن الخلقِ .. فإنَّها يُصوَّرُ أنْ تكونَ بلاءً في حقِّ بعضِ الناسِ ، فتكونَ أضدادُها إذاً نعماً في حقُّهِمْ ، إذْ قدْ سبقَ أنَّ المعرفةَ كمالٌ ونعمةٌ ، فإنَّها صفةٌ مِنْ صفاتِ اللهِ تعالى ، ولكنْ قدْ تكونُ على العبدِ في بعضِ الأمورِ بلاءً ، ويكونُ فقدُها نعمةً . مثالُهُ: جهلُ الإنسانِ بأجلِهِ ، فإنَّهُ نعمةٌ عليهِ؛ إذْ لوْ عرفَهُ .. ربما تنغَّصَ عليهِ العيشُ ، وطالَ بذلكَ غُّهُ . وكذلكَ جهلُهُ بما يضمرُهُ الناسُ عليهِ مِنْ معارفِهِ وأقاربِهِ نعمةٌ عليهِ ؛ إذْ لوْ رُفِعَ السترُ وأُطلعَ عليهِ .. لطالَ ألمُهُ وحقدُهُ وحسدُهُ واشتغالُهُ بالانتقام . ـون وكذلكَ جهلُهُ بالصفاتِ المذمومةِ مِنْ غيرِهِ نعمةٌ عليهِ ؛ إذْ لوْ عرفَها .. أبغضَهُ وآذاهُ ، وكانَ ذلكَ وبالاً عليهِ في الدنيا والآخرةِ . ٩٠ حن (١) رواه الترمذي (٢٠٣٦)، والحاكم في ((المستدرك)) (٣٠٩/٤). ٤٢٢ ربع المنجيات تقر کتاب الصبر والشكر بلْ جهلُهُ بالخصالِ المحمودةِ في غيرِهِ قدْ يكونُ نعمةٌ عليهِ ، فإنَّهُ ربما يكونُ وليّاً للهِ تعالى وهوَ يُضطرُّ إلى إيذائِهِ وإهانتِهِ ، ولَوْ عرفَ ذلكَ وآذى .. كانَ إثمُهُ أعظمَ لا محالةَ ، فليسَ مَنْ آذى نبيّاً أوْ وليّاً وهوَ يعرفُ كمَنْ آذى وهوَ لا يعرفُ . ومنها إبهامُ اللهِ تعالى أمرَ القيامةِ ، وإبهامُهُ ليلةَ القدرِ ، وساعةً يوم الجمعةِ ، وإبهامُهُ بعضَ الكبائرِ ، فكلُّ ذلكَ نعمةٌ ؛ لأنَّ هذا الجهلَ يوفّرَ دواعيَكَ على الطلبِ والاجتهادِ . فهذهِ وجوهُ نعمِ اللهِ تعالى في الجهلِ ، فكيفَ في العلمِ ؟! وحيثُ قلنا: إنَّ اللهِ تعالى في كلِّ موجودٍ نعمةً .. فهوَ حقٌّ ، وذلكَ مطردٌ في حقِّ كلِّ أحدٍ ، ولا يُستثنى عنهُ بالظنِّ إلا الآلامُ التي يخلقُها في بعضِ الناسِ ، وهيَ أيضاً قدْ تكونُ نعمةً في حقِّ المتألِّمِ بها ، فإنْ لمْ تكنْ نعمةٌ في حقُّهِ ؛ كالألمِ الحاصلِ مِنَ المعصيةِ ، كقطعِهِ يدَ نفسِهِ ، ووشمِهِ بشرتَهُ، فإنَّهُ يتألمُ بهِ وهوَ عاصٍ بهِ ، وألمِ الكفَّارِ في النارِ .. فهيَ أيضاً نعمةٌ ، ولكنْ في حقِّ غيرِهِمْ مِنَ العبادِ لا في حقِّهِمْ، فإنَّ مصائبَ قَومٍ عندَ قوم فوائدُ ، ولولا أنَّ اللهَ تعالى خلقَ العذابَ وعذَّبَ بهِ طائفةً .. لما عرفَ المتنعِّمونَ قدْرَ نعمتِهِ ، ولا كثرَ فرحُهُمْ بها ، ففرحُ أهلِ الجنَّةِ إنَّما يتضاعفُ إذا تفكّروا في آلامِ أهلِ النارِ ، أما ترى أهلَ الدنيا ليسَ يشتدُ فرحُهُمْ بنورِ الشمسِ معَ شدَّةٍ حاجتِهِمْ إليها مِنْ حيثُ إنَّها عامَّةٌ مبذولةٌ ؟ ٤٢٣ كتاب الصبر والشكر ربع المنجيات ولا يشتدُّ فرحُهُمْ بالنظرِ إلى زينةِ السماءِ وهيَ أحسنُ مِنْ كلِّ بستانٍ لهُمْ في الأرضِ يجتهدونَ في عمارتِهِ ، ولكنْ زينةُ السماءِ لمَّا عمَّتْ .. لمْ يشعروا بها ، ولمْ يفرحوا بسببها ؟ فإذاً؛ قدْ صحَّ ما ذكرناهُ مِنْ أَنَّ اللهَ تعالى لمْ يخلقْ شيئاً إلا وفيهِ حكمةٌ ، ولا خلقَ شيئاً إلا وفيهِ نعمةٌ ، إمَّا على جميع عبادِهِ ، أَوْ على بعضِهِمْ ، فإذاً في خلقِ اللهِ تعالى البلاءَ أيضاً نعمةٌ ، إمَّا على المبتلى أو على غيرِ المبتلى ، فإذاً كلُّ حالةٍ لا تُوصفُ بأنَّها بلاءٌ مطلقٌ ولا نعمةٌ مطلقةٌ فيجتمعُ فيها على العبدِ وظيفتانِ : الصبرُ والشكرُ جميعاً . ـنت فإنْ قلتَ : فهما متضادانِ ، فكيفَ يجتمعانِ ؟! إذْ لا صبرَ إلا على غمِّ ، ولا شكرَ إلا على فرحٍ . فاعلمْ : أنَّ الشيءَ الواحدَ قدْ يُغتمُّ بهِ مِنْ وجهٍ ، ويُفرحُ بهِ مِنْ وجهٍ آخرَ ، فيكونُ الصبرُ مِنْ حيثُ الاغتمامُ ، والشكرُ مِنْ حيثُ الفرحُ . وفي كلِّ فقرٍ ومرضٍ وخوفٍ وبلاءٍ في الدنيا خمسةُ أمورٍ ينبغي أنْ يفرحَ العاقلُ بها ويشكرَ عليها : أحدُها : أنَّ كلَّ مصيبةٍ ومرضٍ فيُصوَّرُ أنْ يكونَ أكبرُ منها ؛ إذْ مقدوراتُ اللهِ تعالى لا تتناهى ، فلوْ ضعَّفَها اللهُ تعالى وزادَها .. ماذا كانَ يردُّهُ ويحجزُهُ ؟ فليشكرْ إذْ لمْ تكنْ أعظمُ منها في الدنيا . ـدة ٤٢٤ ربع المنجيات كتاب الصبر والشكر الثاني : أنَّهُ كانَ يمكنُ أنْ تكونَ مصيبتُهُ في دينِهِ ، قالَ رجلٌ لسهلٍ رضيَ اللهُ عنهُ : دخلَ اللصُّ بيتي وأخذَ متاعي ، فقالَ : اشكرِ اللهَ تعالى ، لوْ دخلَ الشيطانُ قلبَكَ وأفسدَ التوحيدَ .. ماذا كنتَ تصنعُ؟(١) . حن ـدة ولذلكَ استعاذَ عيسى عليهِ الصلاةُ والسلامُ في دعائِهِ إِذْ قالَ : ( اللهمَّ ؛ لا تجعل مصيبتي في ديني )(٢) . وقالَ عمرُ بنُ الخطابِ رضيَ اللهُ تعالى عنهُ : ( ما ابتليتُ ببلاءٍ إلا كانَ للهِ تعالى عليَّ فيهِ أربعُ نعَمٍ ؛ إذْ لمْ يكنْ في ديني، وإذْ لمْ يكنْ أعظمَ منهُ ، وإذْ لمْ أُحرمِ الرضا بهِ، وإِذْ أرجو الثوابَ عليهِ)(٣). عـ وكانَ لبعضٍ أربابِ القلوبِ صديقٌ ، فحبسَهُ السلطانُ ، فأرسلَ إليهِ يعلمُهُ ويشكو إليهِ ، فقالَ لهُ : اشكرِ اللهَ، فضربَهُ ، فأرسلَ إليهِ يعلمُهُ ويشكو إليهِ ، فقالَ : اشكرِ اللهَ، فجيءَ بمجوسيٍّ فحُبسَ عندَهُ وكانَ مبطوناً، فقُيِّدَ، وجُعلَ حلقةٌ مِنْ قيدِهِ في رجْلِهِ وحلقةٌ في رجْلِ المجوسيِّ ، فأرسلَ إليهِ ، فقالَ : اشكرِ اللهَ، فكانَ يحتاجُ المجوسيُّ إلى أنْ يقومَ مرَّاتٍ وهوَ يحتاجُ أنْ يقومَ معَهُ ويقفَ على رأسِهِ حتَّى يقضيَ حاجتَهُ ، فكتبَ إليهِ بذلكَ ، فقالَ : اشكرِ اللهَ ، فقالَ : إلى متى هذا؟ وأيُّ بلاءٍ أعظمُ مِنْ هذا ؟! فقالَ: لوْ جُعلَ الزنَّارُ (١) الرسالة القشيرية (ص٣١٣). (٢) رواه عبد الرزاق في ((المصنف)) (٣٧/١١)، وابن أبي شيبة في ((المصنف)) (٣٥٣٧٧)، والبيهقي في ((الشعب)) (٢٣٧). (٣) قوت القلوب (٢١١/١) دون نسبة بنحوه . G ٤٢٥ كتاب الصبر والشكر ربع المنجيات الذي في وسطِهِ على وسطِكَ .. ماذا كنتَ تصنعُ؟!(١). فإذاً ؛ ما مِنْ إنسانٍ قدْ أُصيبَ ببلاءٍ إلا ولوْ تأمَّلَ حقَّ التأمُّلِ في سوءِ أدِهِ ظاهراً وباطناً في حقٌّ مولاهُ .. لكانَ يرى أنَّهُ يستحقُّ أكثرَ ممَّا أُصيبَ بهِ عاجلاً وآجلاً، ومَنِ استحقَّ عليكَ أنْ يضربَكَ مئةَ سوطٍ ، فاقتصرَ على عشرةٍ .. فهوَ مستحقٌّ للشكرِ ، ومَنِ استحقَّ عليكَ أنْ يقطعَ يديكَ ، فتركَ إحداهما .. فهوَ مستحقٌّ للشكرِ . ولذلكَ مرَّ بعضُ الشيوخ في شارعٍ ، فصُبَّ على رأسِهِ طشتٌ مِنْ رمادٍ ، فسجدَ للهِ تعالى سجدةَ الشكرِ ، فقيلَ لهُ: ما هذهِ السجدةُ ؟ فقالَ : كنتُ أنتظرُ أنْ تُصبَّ عليَّ النارُ، فالاقتصارُ على الرمادِ نعمةٌ(٢) . وقيلَ لبعضِهِمْ : ألا تخرجُ إلى الاستسقاءِ ؛ فقدِ احتبسَتِ الأمطارُ ؟ فقالَ : أنتُمْ تستبطئونَ المطرَ وأنا أستبطىءُ الحجرَ(٣). فإنْ قلتَ : كيفَ أفرحُ وأرى جماعةً ممَّنْ زادَتْ معصيتُهُمْ على معصيتي ولمْ يُصابوا بمثلِ ما أُصبتُ بهِ حتَّى الكفارِ ؟! فاعلمْ : أَنَّ الكافرَ قدْ خُبِّىَ لهُ ما هوَ أكثرُ، وإنَّما أُمهلَ حتَّى يستكثرَ مِنَ (١) الرسالة القشيرية (ص ٣١٣). (٢) وهو أبو عثمان الزاهد، وعبارته كما في ((الرسالة القشيرية)) (ص٤١٤): (من استحق أن يصب عليه النار فصولح على الرماد .. لم يجز له أن يغضب ) . (٣) رواه أبو نعيم في ((الحلية)) (٣٧٣/٢) ، وصاحب الخبر هو مالك بن دينار . ٤٢٦ 1 ربع المنجيات كتاب الصبر والشكر الإثمِ، ويطولَ عليهِ العقابُ؛ كما قال تعالى: ﴿إِنَّمَا نُمْلِى لَهُمْ لِيَزْدَادُوَاْ إِثْمًا﴾ . وأمَّا العاصي .. فمِنْ أينَ تعلمُ أنَّ في العالمِ مَنْ هوَ أعصىُ منكَ ؟! وربَ خاطرٍ بسوءِ أدبٍ في حقِّ اللهِ تعالى وفي صفاتِهِ أعظمُ وأطمُّ مِنْ شربِ الخمرِ والزنا وسائرِ المعاصي بالجوارحِ ، ولذلكَ قالَ تعالى في مثلِهِ: ﴿ وَتَحْسَبُونَهُ هَيِنَاوَهُوَ عِندَ اللّهِ عَظِيمٌ﴾، فمِنْ أينَ تعلمُ أنَّ غيرَكَ أعصى منكَ ؟! ثمّ لعلَّهُ قدْ أُخِّرَتْ عقوبتُهُ إلى الآخرةِ وعُجَّلَتْ عقوبتُكَ في الدنيا ، فلِمَ لا تشكرُ الله تعالى على ذلكَ ؟ وهذا هوَ الوجهُ الثالثُ في الشكرِ، وهوَ أنَّهُ ما مِنْ عقوبةٍ إلا وكانَ يُتصوَّرُ أنْ تُؤخَّرَ إلى الآخرةِ ، ومصائبُ الدنيا يُسلَّىُ عنها بأسبابِ أُخرَ تهوِّنُ المصيبةَ فيخفُّ وقعُها ، ومصيبةُ الآخرةِ تدومُ ، وإنْ لمْ تدمْ . . فلا سبيلَ إلى تخفيفِها بالتسلِّي ، إذْ أسبابُ التسلِّي مقطوعةٌ بالكليّةِ في الآخرةِ عنِ المعذَّبينَ . ومَنْ عُجِّلَتْ عقوبتُهُ في الدنيا .. فلا يُعاقبُ ثانياً ؛ إذْ قالَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ : ((إنَّ العبدَ إذا أذنبَ ذنباً، فأصابَتْهُ شِدَّةٌ أوْ بلاءٌ في الدنيا .. فاللهُ أكرمُ مِنْ أَنْ يعذِّبَهُ ثانياً))(١). (١) رواه الترمذي (٢٦٢٦)، وابن ماجه (٢٦٠٤) ولفظه: (( من أصاب حدّاً فعُجِّل عقوبتُه في الدنيا .. فالله أعدل من أن يثنِّيَ على عبده العقوبة في الآخرة ، ومن أصاب حدّاً فستره الله عليه وعفا عنه .. فالله أكرم من أن يعود إلى شيء قد عفا عنه )). ٤٢٧ كتاب الصبر والشكر ربع المنجيات الرابعُ : أنَّ هذهِ المصيبةَ والبليَّةَ كانَتْ مكتوبةً عليهِ في أمِّ الكتابِ ، وكانَ لا بدَّ مِنْ وصولِها إليهِ ، وقدْ وصلَتْ، ووقعَ الفراغُ، واستراحَ مِنْ بعضِها أوْ مِنْ جميعِها ، فهذهِ نعمةٌ . الخامسُ : أنَّ ثوابَها أكثرُ منها ؛ فإنَّ مصائب الدنيا طرقٌ إلى الآخرةِ مِنْ وجھینِ : - أحدُهُما : الوجهُ الذي يكونُ بهِ الدواءُ الكريهُ نعمةً في حقِّ المريضِ ، ويكونُ المنعُ مِنْ أسبابِ اللعبِ نعمةً في حقِّ الصبيِّ، فإنَّهُ لوْ خُلِّيَ واللعبَ .. كانَ يمنعُهُ ذلكَ عنِ العلمِ والأدبِ ، فكانَ يخسرُ جميعَ عمرِهِ ؛ فكذلكَ المالُ والأهلُ والأقاربُ والأعضاءُ حتَّى العينُ التي هيَ أعزُّ الأشياءِ قَدْ تكونُ سبباً لهلاكِ الإنسانِ في بعضِ الأحوالِ . بلِ العقلُ الذي هوَ أعزُّ الأمورِ قدْ يكونُ سبباً لهلاكِهِ ، فالملحدةُ غداً يتمنَّونَ لوْ كانوا مجانينَ أَوْ صبياناً ولمْ يتصرَّفوا بعقولِهِمْ في دينِ الله تعالى ، فما مِنْ شيءٍ مِنْ هذهِ الأسبابِ يوجدُ مِنَ العبدِ إلا ويُصوَّرُ أنْ يكونَ لهُ فيهِ خيرةٌ دينيّةٌ ، فعليهِ أنْ يحسنَ الظنَّ باللهِ تعالى ، ويقدِّرَ فيهِ الخيرةَ ويشكرَهُ عليهِ ؛ فإنَّ حكمةَ اللهِ تعالى واسعةٌ ، وهوَ بمصالح العبادِ أعلمُ مِنَ العبادِ ، وغداً يشكرُهُ العبادُ على البلايا إذا رأَوا ثوابَ اللهِ على البلايا كما يشكرُ الصبيُّ بعدَ العقلِ والبلوغ أستاذَهُ وأباهُ على ضربِهِ وتأديبهِ ؛ إذْ يدركُ ثمرةَ ما استفادَهُ مِنَ التأديبِ ، والبلاءُ تأديبٌ مِنَ اللهِ تعالى، وعنايتُهُ بعبادِهِ أتمُّ وأوفرُ مِنْ ٤٢٨ ربع المنجيات كتاب الصبر والشكر عنايةِ الآباءِ بالأولادِ ؛ فقدْ رُوِيَ أنَّ رجلاً قالَ لرسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: أوصني، فقالَ: ((لا تتهمِ اللهَ في شيءٍ قضاهُ عليكَ))(١) . ونظرَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ إلى السماءِ فضحكَ، فسُئِلَ ، فقالَ : ((عجبتُ لقضاءِ اللهِ تعالى للمؤمنِ ؛ إنْ قضى لهُ بالسرَّاءِ .. رضيَ وكانَ خيراً لهُ، وإنْ قضىُ لهُ بالضرَّاءِ .. رضيَ وكانَ خيراً لهُ)) (٢). - الوجهُ الثاني : أنَّ رأسَ الخطايا المهلكةِ حبُّ الدنيا ، ورأسَ أسبابِ النجاةِ التجافي بالقلبِ عنْ دارِ الغرورِ ، ومواتاةُ النعمِ علىْ وَفْقِ المرادِ مِنْ غيرِ امتزاجٍ ببلاءٍ ومصيبةٍ تورثُ طمأنينةَ القلبِ إلى الدنيا وأنساً بها ، حتَّى تصيرَ كالجنَّةِ في حقِّهِ ، فيعظمُ بلاؤُهُ عندَ الموتِ بسببٍ مفارقتِهِ ، وإذا كثرَتْ عليهِ المصائبُ .. انزعجَ قلبُهُ عنِ الدنيا ، ولمْ يسكنْ إليها ، ولمْ يأنسْ بها ، وصارَتْ سجناً عليهِ ، وكانَتْ نجاتُهُ منها غايةَ اللذَّةِ ؛ كالخلاصِ مِنَ السجنِ . ولذلكَ قالَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: ((الدنيا سجنُ المؤمنِ وجنَّةُ الكافرِ))(٣)، والكافرُ كلُّ مَنْ أعرضَ عنِ اللهِ تعالى ولمْ يردْ إلا الحياةَ (١) كذا في ((القوت)) (٢١٧/١)، وقد رواه أحمد في ((المسند)) (٢٠٤/٤)، (٣١٨/٥)، والبيهقي في ((الشعب)) ( ٩٢٦٣). (٢) كذا في ((القوت)) (٢١٧/١)، وهو عند مسلم (٢٩٩٩) دون ذكر النظر إلى السماء والضحك، وقد ورد ذكر ذلك في أخبار مقاربة، انظر ((الإتحاف)) (١٤١/٩). (٣) رواه مسلم ( ٢٩٥٦) . ٤٢٩ كتاب الصبر والشكر ربع المنجيات الدنيا ، ورضيَ بها ، واطمأنَّ إليها ، والمؤمنُ كلُّ منقلع بقلبِهِ عنِ الدنيا ، شديدِ الحنينِ إلى الخروج منها ، والكفرُ بعضُهُ ظاهرٌ وبعضُهُ خفيٌّ ، وبقدْرِ حبِّ الدنيا في القلبِ يسري فيهِ الشركُ الخفيُّ، بلِ الموحِّدُ المطلقُ هوَ الذي لا يحبُّ إلا الواحدَ الحقَّ . فإذاً ؛ في البلاءِ نعَمِّ مِنْ هذا الوجهِ ، فيجبُ الفرحُ بهِ . وأمَّا التألْمُ .. فهوَ ضروريٍّ، وذلكَ يضاهي فرحَكَ عندَ الحاجةِ إلى الحجامةِ بمَنْ يتولَّى حجامتَكَ مجاناً، أوْ يسقيكَ دواءً نافعاً بشعاً مجاناً ؛ فإنَّكَ تتألَّمُ وتفرحُ ، فتصبرُ على الألمٍ ، وتشكرُهُ على سببٍ الفرحِ ، فكلُّ بلاءٍ في الأمورِ الدنيويَّةِ مثالُهُ الدواءُ الذي يؤلمُ في الحالِ وينفعُ في المآلِ . بلْ مَنْ دخلَ دارَ ملكِ للنضارةِ (١) ، وعلمَ أنَّهُ يخرجُ منها لا محالةَ ، فرأى وجهاً حسناً لا يخرجُ معَهُ مِنَ الدارِ .. كانَ ذلكَ وبالاً وبلاءً عليهِ؛ لأنَّهُ يورثُهُ الأنسَ بمنزلٍ لا يمكنُهُ المُقامُ فيهِ ، ولوْ كانَ عليهِ في المُقَامِ خطرٌ مِنْ أنْ يطلعَ عليهِ الملكُ فيعذّبَهُ، فأصابَهُ ما يكرهُ حتَّى نفرَهُ عنِ المقام .. كانَ ذلكَ نعمةٌ عليهِ ، والدنيا منزلٌ، وقدْ دخلَها الناسُ مِنْ بابِ الرحمِ ، وهُمْ خارجونَ عنها مِنْ بابِ اللحدِ ، فكلُّ ما يحقّقُ أنسَهُمْ بالمنزلِ فهوَ بلاءٌ ، وكلُّ ما يزعجُ قلوبَهُمْ عنها ويقطعُ أنسَهُمْ بها فهوَ نعمةٌ ، فمَنْ عرفَ هذا .. ـة (١) أي : التفرج . ٤٣٠ ربع المنجيات كتاب الصبر والشكر تُصوّرَ منهُ أنْ يشكرَ على البلاءِ، ومَنْ لمْ يعرفْ هذهِ النعمةَ في البلاءِ .. لمْ يُتصوَّرْ منهُ الشكرُ ؛ لأنَّ الشكرَ يتبعُ معرفةَ النعمةِ بالضرورةِ ، ومَنْ لا يؤمنُ بأنَّ ثوابَ المصيبةِ أكبرُ مِنَ المصيبةِ .. لمْ يُتصوَّرْ منهُ الشكرُ على المصيبةِ . ـدم وحُكِيَ أنَّ أعرابياً عزَّى ابنَ عباسٍ على أبيهِ رضي الله عنهُما فقالَ(١): [من الكامل] صَبْرُ الرَّعِيَّةِ بِعَدْ صَبْرِ الرَّاسِ إِصْبِرْ نَكُنْ بِكَ صابِرِينَ فَإِنَّما وَاللهُ خَيْرٌ مِنْكَ لِلْعَبَّاسِ خَيْرٌ مِنَ الْعَبَّاسِ أَجْرُكَ بَعْدَهُ جن جم جن فقالَ ابنُ عباس : ما عزَّاني أحدٌ أحسنَ مِنْ تعزيتِهِ(٢). والأخبارُ الواردةُ في الصبرِ على المصائبِ كثيرةٌ ، قالَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: ((مَنْ يردِ اللهُ بِهِ خيراً .. يصبْ منهُ))(٣) . وقالَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ : ((قالَ اللهُ تعالى: إذا وجَّهتُ إلى عبدٍ مِنْ عبيدي مصيبةً في بدنِهِ أوْ مالِهِ أوْ ولدِهِ ، ثمَّ استقبلَ ذلكَ بصبرٍ جميلٍ .. استحييتُ منهُ يومَ القيامةِ أنْ أنصبَ لهُ ميزاناً أوْ أنشرَ لهُ ديواناً)» (٤). وقالَ عليهِ الصلاةُ والسلامُ: (( ما مِنْ عبدٍ أُصيبَ بمصيبةٍ ، فقالَ كما أمرَهُ اللهُ تعالى: ﴿ إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَجِعُونَ﴾، اللهمَّ؛ أُجُرْني في مصيبتي، (١) البيتان في (( التذكرة الحمدونية)) (٢٤٧/٤) بسياق مختلف. (٢) قوت القلوب (٢١١/١). (٣) رواه البخاري (٥٦٤٥ ) . (٤) رواه الحكيم الترمذي في ((نوادر الأصول)) (ص٢٢٢)، وابن عدي في (( الكامل)) (١٥٠/٧)، والقضاعي في ((مسند الشهاب)) ( ١٤٦٢). ٤٣١ كتاب الصبر والشكر ربع المنجيات وأعقبْني خيراً منها .. إلا فعلَ اللهُ ذلكَ بهِ))(١) . وقالَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: ((قالَ اللهُ تعالىُ: مَنْ سلبتُ كريمتيهِ .. فجزاؤُهُ الخلودُ في داري، والنظرُ إلى وجهي)) (٢). ورُوِيَ أنَّ رجلاً قالَ : يا رسولَ اللهِ ؛ ذهبَ مالي ، وسقمَ جسمي ، فقالَ النبيُّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: ((لا خيرَ في عبدٍ لا يذهبُ مالُهُ ولا يسقمُ جسمُهُ، إِنَّ اللهَ إذا أحبَّ عبداً .. ابتلاهُ، وإذا ابتلاهُ .. صبَّرَهُ)) (٣). وقالَ عليهِ الصلاةُ والسلامُ: ((إنَّ الرَّجلَ لتكونُ لهُ الدرجةُ عندَ اللهِ تعالى لا يبلغُها بعملٍ حتَّى يُبتلى ببلاءٍ في جسمِهِ، فيبلغُها بذلكَ))(٤) . وعنْ خبَّابِ بنِ الأرتِّ قالَ: أتينا رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ وهوَ متوسِّدٌ بردائِهِ في ظلِّ الكعبةِ ، فشكونا إليهِ ، فقلنا : يا رسولَ اللهِ ؛ ألا تدعو اللهَ تستنصرُهُ لنا، فجلسَ محمرّاً لونُهُ، ثمّ قالَ: ((إنَّ مَنْ كانَ قبلَكُمْ (١) رواه مسلم (٩١٨)، و(أجرني): يجوز فيه أيضاً مد الهمزة والقصر والوصل ، ( آجِرني، أَجِرني، أُجُرني )؛ بمعنى طلب الأجر على المد والوصل ، أو من الإجارة على القصر . (٢) رواه الطبراني في ((الأوسط)) ( ٨٨٥٠)، وعند البخاري ( ٥٦٥٣ ) من حديث أنس رضي الله عنه مرفوعاً: (( إن الله قال : إذا ابتليت عبدي بحبيبتيه فصبر .. عوضته منهما الجنة)) . (٣) رواه ابن أبي الدنيا في ((المرض والكفارات)) (٢٥٤). (٤) رواه ابن حبان في ((صحيحه)) (٢٩٠٨)، والحاكم في ((المستدرك)) (٣٤٤/١) بنحوه من حديث أبي هريرة رضي الله عنه . ٤٣٢ ربع المنجيات كتاب الصبر والشكر ليُؤتى بالرجلِ ، فيُحفرُ لهُ في الأرضِ حفيرةٌ ، ويُجاءُ بالمنشارِ ، فیوضعُ على رأسِهِ ، فَيُجعلُ فرقتينٍ، ما يصرفُهُ ذلكَ عنْ دينِهِ)) (١) . وعنْ عليٍّ كرَّمَ اللهُ وجهَهُ قالَ : ( أيُما رجلٍ حبسَهُ السلطانُ ظلماً فماتَ .. فهوَ شهيدٌ، وإنْ ضربَهُ فماتَ .. فهوَ شهيدٌ)(٢) . وقالَ أيضاً: ( مِنْ إجلالِ اللهِ ومعرفةِ حقِّهِ ألا تشكوَ وجعَكَ، ولا تذكرَ مصيبتكَ)(٣). وقالَ أبو الدرداءِ رضيَ اللهُ تعالى عنهُ: ( تُولدونَ للموتِ ، وتعمرونَ للخرابِ ، وتحرصونَ على ما يفنى ، وتذرون ما يبقى ، ألا حبذا المكروهاتُ الثلاثُ : الفقرُ والمرضُ والموتُ)(٤). وعنْ أنسٍ رضيَ اللهُ عنهُ قالَ : قالَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ : ((إذا أرادَ اللهُ بعبدٍ خيراً، وأرادَ أنْ يصافيَهُ .. صَبَّ عليهِ البلاءَ صبّاً، وثجَّهُ عليهِ ثجّاً ، فإذا دعاهُ .. قالَتِ الملائكةُ: صوتٌ معروفٌ، فإنْ دعاهُ ثانياً فقالَ : يا ربِّ .. قالَ اللهُ تعالى: ليَّكَ عبدي وسعديكَ، لا تسألُني شيئاً إلاّ أعطيتُكَ أوْ دفعتُ عنكَ ما هوَ خيرٌ ، واذَّخرتُ لكَ عندي ما هوَ أفضلُ منهُ ، فإذا كانَ يومُ القيامةِ .. جيءَ بأهلِ الأعمالِ، فؤُقُّوا أعمالَهُمْ بالميزانِ ، أهلُ (١) رواه البخاري (٣٦١٢)، وأبو داوود (٢٦٤٩). (٢) أورده الأبشيهي في ((المستطرف)) (٣٣٥/٢). (٣) قال الحافظ العراقي: (لم أجده مرفوعاً، وإنما رواه ابن أبي الدنيا في ((المرض والكفارات)) [٢٢٣] من رواية سفيان عن بعض الفقهاء). ((الإتحاف)) (٢٩/٩). وقول سفيان رواه أبو نعيم في (( الحلية)) (٣٨٩/٦) أيضاً . (٤) رواه ابن المبارك في ((الزهد)) (٢٦٢)، وابن عساكر في (( تاريخ دمشق)) (٤٧ /١٦٣ ) . ٤٣٣ كتاب الصبر والشكر ربع المنجيات الصلاةِ والصيام والصدقةِ والحجِّ ، ثمَّ يُؤتى بأهلِ البلاءِ .. فلا يُنصبُ لهُمْ ميزانٌ ، ولا ينشرُ لهُمْ ديوانٌ ، يُصبُّ عليهِمُ الأجرُ صبّاً كما كان يُصبُّ عليهِمُ البلاءُ صبّاً ، فيوذُّ أهلُ العافيةِ في الدنيا لوْ أنَّهُمْ كانَتْ تُقُرضُ أجسادُهُمْ بالمقاريضٍ لما يرونَ ما يذهبُ بهِ أهلُ البلاءِ مِنَ الثوابِ ، فذلكَ قولُهُ تعالى: ﴿ إِنَّمَايُوَّ الصَِّرُونَ أَجْرَهُم بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾))(١) . CG وعنِ ابنِ عباسٍ رضيَ اللهُ تعالى عنهُما قالَ : ( شكا نبيٌّ مِنَ الأنبياءِ إلى ربِّهِ فقالَ : يا ربِّ؛ العبدُ المؤمنُ يطيعُكَ ويجتنبُ معاصيَكَ ، تزوي عنهُ الدنيا ، وتعرضُ لهُ البلاءَ، ويكونُ العبدُ الكافرُ لا يطيعُكَ ويجترىءُ عليكَ وعلى معاصيكَ، تزوي عنهُ البلاءَ، وتبسطُ لهُ الدنيا ، فأوحى اللهُ تعالى إليهِ : إنَّ العبادَ لي، والبلاءَ لي، وكلٌّ يسبِّحُ بحمدي ، فيكونُ المؤمنُ عليهِ مِنَ الذنوبِ ، فأزوي عنهُ الدنيا ، وأعرضُ لهُ البلاءَ ، فيكونُ كفارةً لذنوبِهِ ؛ حتَّى يلقاني فأجزيَهُ بحسناتِهِ ، ويكونُ الكافرُ لهُ الحسناتُ ، فأبسطُ لهُ في الرزقِ ، وأزوي عنهُ البلاءَ ، فأجزيهِ بحسناتِهِ في الدنيا ؛ حتَّى يلقاني فأجزيَهُ بسيئاتِهِ )(٢) . ورُوِيَ أنَّهُ لمَّا نزلَ قولُهُ تعالى: ﴿ مَن يَعْمَلْ سُوْءًا يُجْزَ بِهِ﴾ .. قالَ (١) رواه بتمامه التميمي في ((المحن)) (ص ٢٨٦)، والترمذي (٢٤٠٢) روى بعضه ، وهو قوله : ((يود أهل العافية يوم القيامة حين يعطى أهل البلاء الثواب لو أن جلودهم كانت قرضت في الدنيا بالمقاريض)). (٢) رواه أبو نعيم في «الحلية)) (١٢٣/٨). ٤٣٤ ربع المنجيات كتاب الصبر والشكر أبو بكرٍ الصديقُ رضيَ اللهُ عنهُ: كيفَ الفرحُ بعدَ هذهِ الآيةِ ؟ فقالَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: ((غفرَ اللهُ لكَ يا أبا بكرٍ ؛ ألستَ تمرضُ ؟ ألستَ يصيبُكَ الأذى ؟ ألستَ تحزنُ ؟ فهذا ما تُجزونَ بهِ ))(١) ؛ يعني: أنَّ جميعَ ما يصيبُكَ يكونُ كفارةً لذنوبِكَ . وعنْ عقبةَ بنِ عامرٍ رضيَ اللهُ عنهُ عنِ النبيِّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ أنَّهُ قالَ : ((إذا رأيتُمُ الرجلَ يعطيهِ اللهُ ما يحبُّ وهوَ مقيمٌ على معصيتِهِ .. فاعلموا أنَّ ذلكَ استدراجٌ، ثمَّ قرأ قولَهُ تعالى: ﴿فَلَنَا فَسُواْ مَا ذُكِرُوا بِهِ، فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَبَ كُلِّ شَىْءٍ﴾))(٢)، يعني: لمَّا تركوا ما أُمروا بهِ .. فتحنا عليهِمْ أبوابَ الخيراتِ، ﴿ حَتَّىَ إِذَا فَرِحُواْ بِمَا أُوتُواْ﴾ أيْ: بما أُعطوا مِنَ الخيرِ، ﴿أَخَذْنَهُمْ بَغْتَةٌ﴾ . وعنِ الحسنِ البصريِّ رحمَهُ اللهُ: أنَّ رجلاً مِنَ الصحابةِ رأى امرأةً كانَ يعرفُها في الجاهليةِ ، فكلَّمَها ثمَّ تركَها ، فجعلَ الرجلُ يلتفتُ إليها وهوَ يمشي ، فصدمَهُ حائطٌ، فأثَّرَ في وجهِهِ ، فأتى النبيَّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ ، فأخبرَهُ، فقالَ النبيُّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: ((إذا أرادَ اللهُ بعبدٍ خيراً .. عجَّلَ لهُ عقوبةَ ذنبهِ في الدنيا))(٣). (١) رواه أحمد في ((المسند)) (١١/١)، وابن حبان في (صحيحه)) (٢٩١٠). (٢) رواه أحمد في ((المسند)) (١٤٥/٤)، والطبراني في ((الأوسط)) ( ٩٢٦٨). (٣) رواه أحمد في ((المسند)) (٨٧/٤)، وابن حبان في ( صحيحه)) (٢٩١١) عن الحسن عن عبد الله بن مغفَّل رضي الله عنه . ٤٣٥ كتاب الصبر والشكر ربع المنجبات وقالَ عليٍّ كرَّمَ اللهُ وجهَهُ : ألا أخبرُكُمْ بأرجى آيةٍ في كتابِ اللهِ عزَّ وجلَّ؟ قالوا: بلى، فقرأَ عليهِمْ: ﴿ وَمَآ أَصَبَكُم مِّن مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُواْ عَنْ كَثِيرٍ ﴾، فالمصائبُ في الدنيا بكسبِ الأوزارِ ، فإذا عاقبَهُ اللهُ في الدنيا .. فاللهُ أكرمُ مِنْ أنْ يعذبَهُ ثانياً ، وإنْ عفا عنهُ في الدنيا .. فاللهُ أُكرِمُ مِنْ أنْ يعذِّبَهُ يومَ القيامةِ(١). G وعنْ أنسٍ رضيَ اللهُ تعالى عنهُ عنِ النبيِّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ قالَ: (( ما تجرعَ عبدٌ قطَّ جرعتينِ أحبَّ إلى اللهِ مِنْ جرعةِ غَيظِ ردَّها بحلمٍ ، وجرعةٍ مصيبةٍ يصبرُ الرجلُ لها ، ولا قطرَتْ قطرةٌ أحبُّ إلى اللهِ مِنْ قطرة دم أهريقَتْ في سبيلِ اللهِ، أوْ قطرةٍ دمعٍ في سوادِ الليلِ وهوَ ساجدٌ ولا يراهُ إلا اللهُ تعالى ، وما خطا عبدٌ خطوتينِ أحبَّ إلى اللهِ تعالى مِنْ خطوةٍ إلى صلاةِ الفريضةِ، وخطوةٍ إلى صلة الرحمِ))(٢). (١) رواه مرفوعاً الحاكم في ((المستدرك)) (٣٨٨/٤)، وأحمد في ((المسند)) (٨٥/١). (٢) قال الحافظ العراقي: (رواه أبو بكر بن لال في ((مكارم الأخلاق)) من حديث علي بن أبي طالب ، دون ذكر القطرتين ، وفيه محمد بن صدقة ، وهو الفدكي ، منكر الحديث ، وروى ابن ماجه [٤١٨٩] من حديث ابن عمر بإسناد جيد: (( ما من جرعة أعظم أجراً عند الله من جرعة غيظ كظمها عبد ابتغاء وجه الله )) ، وروى الديلمي في ((مسند الفردوس)) [٦٢٠٥] من حديث أبي أمامة: (( ما قطر في الأرض قطرة أحب إلى الله عز وجل من دم رجل مسلم في سبيل الله أو قطرة دمع في سواد الليل))، وفيه محمد بن صدقة ، وهو القدكي ، منكر الحديث ). ((إتحاف)) (١٤٥/٩) . وروى ابن وهب في ((جامعه)) ( ٤٧٨) حديث الجرعتين مرفوعاً من حديث ابن عباس رضي الله عنهما . ٤٣٦ ربع المنجيات كتاب الصبر والشكر وعنْ أبي الدرداءِ قالَ : تُوفي ابنٌ لسليمانَ بنِ داوودَ عليهِما السلامُ ، فوجدَ عليهِ وجداً شديداً ، فأتاهُ ملكانِ ، فجلسا بينَ يديهِ في زيِّ الخصومِ ، فقالَ أحدُهُما : بذرتُ بذراً ، فلمَّا استحصدَ .. مرَّ بهِ هذا فأفسدَهُ ، فقالَ للآخر : ما تقولُ ؟ فقالَ : أخذتُ الجادةَ فأتيتُ على زرع ، فنظرتُ يميناً وشمالاً فإذا الطريقُ عليهِ ، فقالَ سليمانُ عليهِ السلامُ : ولِمَ بذرتَ على الطريقِ ؟ أما علمتَ أنْ لا بدَّ للناسِ مِنَ الطريقِ ؟! قالَ : فِلِمَ تحزنُ على ولدِكَ ؟ أما علمتَ أنَّ الموتَ سبيلُ الآخرةِ؟! فتابَ سليمانُ عليهِ السلامُ إلى ربِّهِ ، ولمْ يجزعْ علىْ ولِدِهِ بعدَ ذلكَ(١) . ودخلَ عمرُ بنُ عبدِ العزيزِ رحمةُ اللهِ عليهِ على ابنٍ لهُ مريضٍ ، فقالَ : يا بنيَّ؛ لأنْ تكونَ في ميزاني أحبُّ إليَّ مِنْ أنْ أكونَ في ميزانِكَ ، فقالَ : يا أبتِ ؛ لأَنْ يكونَ ما تحبُّ أحبُّ إليَّ مِنْ أنْ يكونَ ما أحبُّ(٢). وعنِ ابنِ عباسٍ رضيَ اللهُ عنهُما أنَّهُ نُعيَ إليهِ ابنةٌ لهُ ، فاسترجعَ وقالَ : عورةٌ سترَها اللهُ، ومؤنةٌ كفاها اللهُ، وأجرٌ قدْ ساقَهُ اللهُ، ثمَّ نزلَ فصلَّى ركعتينٍ، ثمَّ قالَ: قدْ صنعنا ما أمرَ اللهُ تعالى، قالَ اللهُ تعالى: ﴿وَأَسْتَعِينُواْ بِالصَّبْرِ وَالصَّلَوْةِ﴾(٣). (١) رواه ابن أبي شيبة في ((المصنف)) (٣٥٤١٣). (٢) رواه ابن أبي الدنيا في ((المحتضرين)) (١٥٥)، والدينوري في (( المجالسة وجواهر العلم)) ( ص٣٨١) . (٣) عزاه الحافظ السخاوي في ((المقاصد الحسنة)) (ص ٢١٥) لابن أبي الدنيا في ((العزاء)). ٤٣٧ كتاب الصبر والشكر ربع المنجيات وعنِ ابنِ المباركِ أنَّهُ ماتَ لهُ ابنٌّ، فعزَّاهُ مجوسيٌّ يعرفُهُ فقالَ لهُ : ينبغي للعاقلِ أنْ يفعلَ اليومَ ما يفعلُهُ الجاهلُ بعدَ خمسةِ أيام ، فقالَ ابنُ المباركِ : اكتبوا عنهُ هذهٍ(١) . وقالَ بعضُ العلماءِ : ( إنَّ اللهَ تعالى ليبتلي العبدَ بالبلاءِ بعدَ البلاءِ ، حتَّى يمشي على الأرضِ وما لهُ ذنبٌ)(٢) . وقالَ الفضيلُ : ( إنَّ اللهَ عزَّ وجلَّ ليتعاهدُ عبدَهُ المؤمنَ بالبلاءِ كما يتعاهدُ الرجلُ أهلَهُ بالخيرِ )(٣). وقالَ حاتمٌ الأصمُّ: ( إنَّ اللهَ عزَّ وجلَّ يحتجُّ على الخلقِ يومَ القيامةِ بأربعةِ أنفسٍ على أربعةِ أجناسِ : على الأغنياءِ بسليمانَ ، وعلى الفقراءِ بعيسىُ ، وعلى العبيدِ بيوسفَ، وعلى المرضىُ بأيوبَ ، صلواتُ اللهِ علیھِمْ أجمعينَ ) . ورُوِيَ أَنَّ زكريا عليهِ السلامُ لمَّ هربَ مِنَ الكفارِ مِنْ بني إسرائيلَ ، (١) أورده الراغب في ((محاضرات الأدباء)) (٣٣٨/٤). (٢) روى الحاكم في ((المستدرك)) (٣٤٧/١) عن أبي هريرة رضي الله عنه نحوه مرفوعاً، والطبراني في ((الكبير)) (١٢٩/٢) عن جبير بن مطعم رضي الله عنه نحوه مرفوعاً . (٣) روي هذا من حديث حذيفة رضي الله عنه مرفوعاً كما هو عند البيهقي في (( الشعب)) (٩٦٤٨)، ويلفظ: ((إن الله ليتعاهد عبده المؤمن بالبلاء كما يتعاهد الوالد ولده بخير)) ، قال حذيفة: وإنَّ أقرَّ أيامي لعيني يوم أدخل على أهلي فيشكون إلي الحاجة . ٤٣٨ CG ربع المنجيات كتاب الصبر والشكر واختفى في الشجرةِ ، فعرفوا ذلك ، فجيءَ بالمنشارِ ، فَنُشرَتِ الشجرةُ حتَّى بلغَ المنشارُ إلى رأس زكريا ، فأنَّ منهُ أنَّةً، فأوحى اللهُ تعالى إليهِ : يا زكريا ؛ لئنْ صعدَتْ منكَ أنَّةٌ ثانيةٌ لأمحونَّكَ مِنْ ديوانِ النبوَّةِ ، فعضَّ زكريا عليه السلامُ على الصبرِ حتَّى قُطْعَ بشطرينٍ (١). ـحة وقالَ أبو مسعودٍ البلخيُّ : ( مَنْ أُصيبَ بمصيبةٍ فمزَّقَ ثوباً ، أوْ ضربَ صدراً .. فكأنَّما أخذَ رمحاً يريدُ أنْ يقاتلَ بهِ ربَّهَ عزَّ وجلَّ)(٢) . وقالَ لقمانُ رحمهُ اللهُ لابنِهِ : ( يا بنيَّ؛ إنَّ الذهبَ يُجرَّبُ بالنارِ ، والعبدُ الصالحُ يُجرَّبُ بالبلاءِ، فإذا أحبَّ اللهُ قوماً .. ابتلاهُمْ، فمَنْ رضيَ .. فلهُ الرضا، ومَنْ سخطَ .. فلهُ السخطُ)(٣). وقالَ الأحنفُ بنُ قيسٍ : أصبحتُ يوماً أشتكي ضرسي ، فقلتُ لعمِّي : ما نمتُ البارحةَ مِنْ وجع الضرسِ ، حتَّى قلتُها ثلاثاً ، فقالَ : لقدْ أكثرتَ مِنْ (١) رواه الدينوري في ((المجالسة وجواهر العلم)) ( ص١٥) عن وهب بن منبه . (٢) أورده الراغب في ((محاضرات الأدباء)) (٣٥٧/٤). (٣) هذا القول متوازع في المرفوع، فقد روى الطبراني في ((الكبير)) (١٦٦/٨)، والحاكم في ((المستدرك)) (٣١٤/٤) من حديث أبي أمامة رضي الله عنه مرفوعاً : ((إن الله ليجرب أحدكم بالبلاء وهو أعلم به كما يجرب أحدكم ذهبه بالنار ... )) الحديث ، وروى الترمذي (٢٣٩٦)، وابن ماجه (٤٠٣١) من حديث أنس رضي الله عنه مرفوعاً: (( إن عظم الجزاء مع عظم البلاء ، وإن الله إذا أحب قوماً .. ابتلاهم ، فمن رضي .. فله الرضا، ومن سخط .. فله السخط)). ٤٣٩ كتاب الصبر والشكر ربع المنجيات شكوى ضرسِكَ في ليلةٍ واحدةٍ ، وقدْ ذهبَتْ عيني هذهِ منذ ثلاثينَ سنةً ما علمَ بها أحدٌ(١). وأوحى اللهُ تعالى إلى عزيرِ عليهِ السلامُ: إذا نزلَتْ بِكَ بليَّةٌ .. فلا تشكُّني إلى خلقي ، واشكُ إليَّ كما لا أشكوكَ إلى ملائكتي إذا صعدَتْ بمساوئِكَ وفضائحِكَ(٢)، نسألُ اللهَ مِنْ عظيم لطفِهِ وكرمِهِ سترَهُ الجميلَ في الدنيا والآخرةِ . (١) رواه البيهقي في ((الشعب)) (٩٥٨٣) عن ابن أخ للأحنف ، وصاحب القول هو الأحنف نفسه، ورواه البلاذري في ((أنساب الأشراف)) ( ٣٢٩/١٢) عن الأحنف وعمه المتشمس بن معاوية ولم يعيِّن الشكوى . (٢) رواه الديلمي في ((مسند الفردوس)) (٥١٤) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه مرفوعاً: ((أوحى الله عز وجل إلى أخي العزير: يا عزير ... )) الخبر. ٤٤٠