Indexed OCR Text
Pages 381-400
ربع المنجيات كتاب الصبر والشكر ولا يدركُ المعقولاتِ ؛ لأنَّ ذلكَ طورٌ لمْ يبلغْهُ بعدُ .. فكذلكَ يدركُ البالغُ المعقولاتِ ولا يدركُ ما وراءَها؛ لأنَّ ذلكَ طورٌ لمْ يبلغْهُ بعدُ، وإنَّهُ لمقامٌ شريفٌ، ومشربٌ عذبٌ، ورتبةٌ عاليةٌ ، فيها يُلحظُ جنابُ الحقِّ بنورِ الإيمانِ واليقينِ ، وذلكَ المشربُ أعزُّ مِنْ أنْ يكونَ شريعةً لكلِّ واردٍ ، بلْ لا يطلعُ عليهِ إلا واحدٌ بعدَ واحدٍ ، ولجنابِ الحقِّ صدرٌ ، وفي مقدمةِ الصدرِ مجالٌ وميدانٌ رحبٌ ، وعلى أوَّلِ الميدانِ عتبةٌ هيَ مستقرُ ذلكَ الأمرِ الربَّانِيِّ، فمَنْ لمْ يكنْ لهُ على هذهِ العتبةِ جوازٌ ، ولا لحافظِ العتبةِ مشاهدةٌ .. استحالَ أنْ يصلَ إلى الميدانِ، فكيفَ بالانتهاءِ إلى ما وراءَهُ مِنَ المشاهداتِ العاليةِ ؟! ولذلكَ قيلَ : ( مَنْ لمْ يعرفْ نفسَهُ .. لمْ يعرفْ ربَّهُ)(١) ، وأنَّى يُصادفُ هذا في خزانةِ الأطباءِ ؟! ومِنْ أينَ للطبيبِ أنْ يلاحظَهُ ؟ بلِ المعنى المسمَّى روحاً عندَ الطبيبِ بالإضافةِ إلى هذا الأمرِ الرَّانِيِّ كالكرةِ التي يحرِّكُها صولجانُ الملكِ بالإضافةِ إلى الملكِ ، فمَنْ عرفَ الروحَ الطبِّيَّ فظنَّ أنَّهُ أدركَ الأمرَ الربَّانيَّ .. كانَ كمَنْ رأى الكرةَ التي يحرِّكُها صولجانُ الملكِ فظنَّ أنَّهُ رأى الملكَ ، ولا يُشكّ في أنَّ خطأَهُ فاحشٌ ، وهذا الخطأُ أفحشُ منهُ جداً . ولمَّا كانتِ العقولُ التي بها يحصلُ التكليفُ وبها تُدُرُ مصالحُ الدنيا (١) أورده ابن عطية في ((المحرر الوجيز)) (٢٩١/٥) عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه . ٣٨١ 20 كتاب الصبر والشكر ربع المنجيات عقولاً قاصرةً عنْ ملاحظةِ كنْهِ هذا الأمرِ .. لمْ يأذنِ اللهُ تعالى لرسولِهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ أنْ يتحدَّثَ عنهُ ، بلْ أمرَهُ أنْ يكلُّمَ الناسَ على قدْرِ عقولِهِمْ، ولمْ يذكرِ اللهُ تعالى في كتابِهِ مِنْ حقيقةِ هذا الأمرِ شيئاً ، لكنْ ذكرَ نسبتَهُ وفعلَهُ، ولمْ يذكرْ ذاتَهُ؛ أمَّا نسبتُهُ .. ففي قولِهِ تعالى: ﴿مِنْ أَمْرٍ رَقِ﴾، وأمَّا فعلُهُ .. فقدْ ذُكِرَ في قولِهِ تعالى: ﴿يَأَيَُّهَا النَّفْسُ الْمُطْمَيِنَّةُ أَرْجِعِيّ إِلَى رَبِّكِ رَضِيَةً مَّرْضِيَّةٌ ﴿ فَأَدْخُلِ فِ عِبَدِىِ ﴿ وَآَدْخُلِ جَنَِّ﴾ . ولنرجع الآنَ إلى الغرضِ ، فإنَّ المقصودَ ذكْرُ نعمِ اللهِ تعالىُ في الأكلِ ، فقدْ ذكرنا بعضَ نعمِ اللهِ تعالى في آلاتِ الأكلِ . ٧ ٣٨٢ ربع المنجيات كتاب الصبر والشكر ـحر الطرف الرابع: في نقسم الله تعالى في الأصول التي منها تحصل الأطعمة وتصير صالحة لأن يصلحها الآدميّ بعد ذلك بصنعت اعلمْ : أنَّ الأطعمةَ كثيرةٌ ، وللهِ تعالى في خلقِها عجائبٌ كثيرةٌ لا تُحصى، وأسبابٌ متواليةٌ لا تتناهى، وذكرُ ذلكَ في كلِّ طعامٍ ممَّا يطولُ ، فإنَّ الأطعمةَ إمَّا أدويةٌ، وإمَّا فواكهُ، وإمَّا أغذيةٌ ، فلنأخذِ الأغذيةَ ؛ فإنَّها الأصلُ ، ولنأخذْ مِنْ جملتِها حبَّةً مِنَ البُرِّ ، ولندعْ سائرَ الأغذيةِ ، فنقولُ : إذا وجدتَ حبَّةً أوْ حبَّاتٍ، فلوْ أكلتَها .. فنيَتْ وبقيتَ جائعاً، فما أحوجَكَ إلى أنْ تنموَ الحيَّةُ في نفسِها ، وتزيدَ وتتضاعفَ حتَّى تفيَ بتمامٍ حاجتِكَ ، فخلقَ اللهُ تعالى في حبّةِ الحنطةِ مِنَ القوى ما تغتذي بهِ كما خلقَ فيكَ ؛ فإنَّ النباتَ إنَّما يفارقُكَ في الحسِّ والحركةِ ، ولا يخالفُكَ في الاغتذاءِ ؛ لأنَّهُ يغتذي بالماءِ ويجتذبُ إلى باطنِهِ بواسطةِ العروقِ كما تغتذي أنتَ وتجتذبُ ، ولسنا نطنبُ في ذكرِ آلاتِ النباتِ في اجتذابِ الغذاءِ إلى نفسِهِ ، ولكنْ نشيرُ إلى غذائِهِ فنقولُ : 3 كما أنَّ الخشبَ والترابَ لا يغذِّيكَ ، بلْ تحتاجُ إلى طعامِ مخصوصٍ .. فكذلكَ الحبّةُ لا تغتذي بكلِّ شيءٍ ، بل تحتاجُ إلى شيءٍ مخصوصٍ ؛ بدليلٍ أنَّكَ لوْ تركتَها في البيتِ .. لمْ تزدْ ؛ لأنَّهُ ليسَ يحيطُ بها إلا الهواءُ ، ومجرَّدُ ٣٨٣ كتاب الصبر والشكر ربع المنجيات الهواءِ لا يصلحُ لغذائِها ، ولوْ تركتَها في الماءِ .. لمْ تزدْ ، ولوْ تركتَها في أرضٍ لا ماءَ فيها .. لمْ تزدْ، بلْ لا بدَّ مِنْ أرضٍ فيها ماءٌ يمتزجُ ماؤُها بالأرضِ فيصيرُ طيناً، وإليهِ الإشارةُ بقولِهِ تعالى: ﴿فَلْتُطُرِ الْإِسَنُ إِلَى طَعَامِهِ: ﴿ أَنَّا صَبَبْنَا الْمَآءَ صَبَّاء في٤: ثُمَّ شَقَقْنَا الْأَرْضَ شَقًّا﴾. ثمَّ لا يكفي الماءُ والترابُ ؛ إذْ لوْ تُرَكَتْ في أرضٍ نديَّةٍ صلبةٍ متراكمةٍ .. لمْ تنبتْ ؛ لفقدِ الهواءِ ، فيحتاجُ إلى تركِها في أرضٍ رَخوةٍ متخلخلةٍ ، يتغلغلُ الهواءُ إليها . ثُمَّ الهواءُ لا يتحرَّكُ إليها بنفسِهِ ، فيحتاجُ إلى ريح تحرِّكُ الهواءَ وتضربُهُ بقهْرٍ وعنفٍ على الأرضِ حتَّى ينفذَ فيها ، وإليهِ الإشارةُ بقولِهِ تعالى : ﴿ وَأَرْسَلْنَا الْرِّيَحَ لَوَقِحَ﴾ وإنَّما إلقاحُها في إيقاع الازدواجِ بينَ الهواءِ والماءِ والأرضِ . ثُمَّ كلُّ ذلكَ لا يغنيكَ لوْ كانَ في بردٍ مفرطٍ وشتاءِ شاتٍ ، فتحتاجُ إلى حرارةِ الربيعِ والصيفِ . فقدْ بانَ احتياجُ غذائِهِ إلى هذهِ الأربعةِ ، فانظرْ إلى ماذا يحتاجُ كلُّ واحدٍ ؛ إذْ يحتاجُ الماءُ لينساقَ إلى أرضِ الزراعةِ مِنَ البحارِ والعيونِ والأنهارِ والسواقي ، فانظرْ كيفَ خلقَ اللهُ البحارَ ، وفَجَّرَ العيونَ ، وأجرى منها الأنهارَ . ثُمَّ الأرضُ ربَّما تكونُ مرتفعةً والمياهُ لا ترتفعُ إليها ، فانظرْ كيفَ خلقَ ٣٨٤ ربع المنجيات کتاب الصبر والشكر الغيومَ وكيفَ سلَّطَ الرياحَ عليها لتسوقَها بإذنِهِ إلى أقطارِ الأرضِ ، وهيَ سُحُبٌّ ثِقالٌ حواملُ بالماءِ ، ثُمَّ انظرْ كيفَ يرسلُهُ مدراراً على الأراضي في وقتِ الربيع والخريفِ على حسبِ الحاجةِ . وانظرْ كيفَ خلقَ الجبالَ حافظةً للمياهِ ، تتفجَّرُ منها العيونُ تدريجاً ، فلوْ خرجَتْ دفعةً .. لغرقتِ البلادُ ، وهلكَ الزرعُ والمواشي ، ونعمُ اللهِ تعالى في الجبالِ والسحابِ والبحارِ والأمطارِ لا يمكنُ إحصاؤها . وأمَّا الحرارةُ .. فإنَّها لا تحصلُ بينَ الماءِ والأرضِ ، وكلاهما باردانِ ، فانظرْ كيفَ سخَّرَ الشمسَ ، وكيفَ خلقَها معَ بعدِها عنِ الأرضِ مسخِّنَةً للأرضِ في وقتٍ دونَ وقتٍ ؛ ليحصلَ البردُ عندَ الحاجةِ إلى البردِ ، والحرّ عندَ الحاجةِ إلى الحرِّ ، فهذهِ إحدىُ حكَمِ الشمسِ ، والحكَمُ فيها أكثرُ مِنْ أنْ تُحصى . ثمَّ النباتُ إذا ارتفعَ عنِ الأرضِ .. كانَ في الفواكهِ انعقادٌ وصلابةٌ ، فتفتقرُ إلى رطوبةٍ تنضجُها ، فانظرْ كيفَ خلقَ القمرَ وجعلَ مِنْ خاصِّيتِهِ الترطيبَ ، كما جعلَ مِنْ خاصِّيةِ الشمس التسخينَ ، فهوَ ينضجُ الفواكه ويصبِّغُها بتقديرِ الفاطرِ الحكيمِ ، ولذلكَ لوْ كانَتِ الأشجارُ في ظلِّ يمنعُ شروقَ الشمسِ والقمرِ وسائرِ الكواكبِ عليها .. لكانَتْ فاسدةً ناقصةً ، حتَّى إِنَّ الشجرةَ الصغيرةَ تفسدُ إذا أظلَّتْها شجرةٌ كبيرةٌ ، وتعرفُ ترطيبَ القمرِ بأنّ تكشفَ رأسَكَ لهُ بالليلِ ، فتغلبَ على رأسِكَ الرطوبةُ التي يُعبَّرُ عنها بالزكامِ ، فكما يرطِّبُ رأسَكَ يرطِّبُ الفواكهَ أيضاً . ٣٨٥ كتاب الصبر والشكر ربع المنجيات ولا نطوِّلُ فيما لا مطمعَ في استقصائِهِ ، بلْ نقولُ : كلُّ كوكبٍ في السماءِ فقدْ سُخِّرَ لنوع فائدةٍ كما سُخِّرَتِ الشمسُ للتسخينِ والقمرُ للترطيبِ ، فلا يخلو واحدٌ منها عنْ حكَمٍ كثيرةٍ لا تفي قوَّةُ البشرِ بإحصائِها، ولوْ لمْ يكنْ كذلكَ .. لكانَ خلقُها عبئاً وباطلاً ، ولمْ يصحَّ قولُهُ تعالى: ﴿رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَطِلًا﴾، وقولُهُ تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَوَتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لَعِينَ﴾، وكما أنَّهُ ليسَ في أعضاءِ بدِنِكَ عضوٌ إلا الفائدةٍ .. فليسَ في أعضاءِ بدنِ العالمِ عضوٌ إلا لفائدةٍ ، والعالمُ كلُّهُ كشخصٍ واحدٍ ، وآحادُ أجسامِهِ كالأعضاءِ لهُ، وهيَ متعاونةٌ تعاونَ أعضاءِ بدنِكَ في جملةِ بدِنِكَ ، وشرحُ ذلكَ يطولُ . ولا ينبغي أنْ تظنَّ أنَّ الإيمانَ بأنَّ النجومَ والشمس والقمرَ مسخراتٌ بأمرِ اللهِ تعالى في أمورِ جُعلَتْ أسباباً لها بحكْمِ الحكمةِ .. مخالفٌ للشرع ؛ لما وردَ فيهِ مِنَ النهي عنْ تصديقِ المنجِّمينَ وعنْ علمِ النجومِ(١) ، بلِ المنهيُّ عنهُ في النجومِ أمرانِ : حن. تن حن أحدُهُما : أنْ تصدِّقَ بأنَّها فاعلةٌ لآثارها مستقلَّةٌ بها ، وأنَّها ليسَتْ مسخَّرةً تحتَ تدبيرٍ مدبِّرٍ خلقَهَا وقهرَها ، وهذا كفرٌ . جن حن (١) فقد روى أبو داوود (٣٩٠٥)، وابن ماجه (٣٧٢٦) عن ابن عباس رضي الله عنهما مرفوعاً: (( من اقتبس علماً من النجوم .. اقتبس شعبة من السحر زاد ما زاد))، وروى أحمد في «المسند)) (٧٨/١)، والخرائطي في (( مساوىء الأخلاق)) ( ٧٧٦) مرفوعاً: (( يا علي ؛ لا تجالس أصحاب النجوم)). ٣٨٦ ٢٠٠ ربع المنجيات كتاب الصبر والشكر ـثن ئن حن 3 حن من حن والثاني : تصديقُ المنجِّمينَ في تفصيلٍ ما يخبرونَ عنهُ مِنَ الآثارِ التي لا يشتركُ كافَّةُ الخلقِ في درْكِها ؛ لأنَّهُمْ يقولونَ ذلكَ عنْ جهلٍ ، فإنَّ علمَ أحكامِ النجومٍ كانَ معجزةً لبعضٍ الأنبياءِ (١)، ثمَّ اندرسَ ذلكَ العلمُ ، فلمْ يبقَ منهُ إلا ما هوَ مختلط لا يتميّزُ فيهِ الصوابُ عنِ الخطأِ ، فاعتقادُ كونِ الكواكبِ أسباباً لآثارِ تحصلُ بخلْقِ اللهِ تعالى في الأرضِ وفي النباتِ وفي الحيوانِ .. ليسَ قادحاً في الدينِ ، بلْ هوَ حقٌّ ، ولكنْ دعوى العلمِ بتلكَ الآثارِ على التفصيلِ معَ الجهلِ قادحٌ في الدينِ ، ولذلكَ إذا كانَ معَكَ ثوبٌ غسلتَهُ وتريدُ تجفيفَهُ، فقالَ لكَ غيرُكَ: ( أخرج الثوبَ وابسطْهُ ؛ فإنَّ الشمسَ قدْ طلعَتْ وحميَ الهواءُ) .. لا يلزمُكَ تكذيبُهُ، ولا يلزمُكَ الإنكارُ عليهِ بحوالتِهِ حَمْيَ الهواءِ على طلوع الشمسِ ، وإذا سألتَ عنْ تغيُّرِ وجهِ الإنسانِ بذلكَ ، فقالَ : ( قرعَتْني الشمسُ في الطريقِ فاسودَّ وجهي ) .. لمْ يلزمْكَ تكذيبُهُ بذلكَ ، وقسْ بهذا سائرَ الآثارِ . إلا أنَّ الآثارَ بعضُها معلومٌ وبعضُها مجهولٌ ، فالمجهولُ لا يجوزُ دعوى العلمِ فيهِ ، والمعلومُ بعضُهُ معلومٌ للناسِ كافَّةً ؛ كحصولِ الضياءِ والحرارةِ بطلوع الشمسِ ، وبعضُهُ لبعضِ الناسِ ؛ كحصولِ الزكامِ بشروقِ القمرِ . فإذاً ؛ الكواكبُ ما خُلقَتْ عبثاً ، بلْ فيها حكَمٌ كثيرةٌ لا تُحصى ، ولهذا (١) قيل: هو إدريس، وقيل: هو دانيال. ((إتحاف)) (١١٨/٩)، وفي (أ): (لأنهم لا يقولون ذلك عن جهل ؛ فإن علم أحكام ... )، ولا يبعد. ٣٨٧ كتاب الصبر والشكر ربع المنجيات نظرَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ إلى السماءِ وقرأَ قولَهُ تعالى: ﴿رَبَّنَامَا خَلَقْتَ هَذَا بَطِلًا سُبْحَنَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ ثمَّ قالَ: ((ويلٌ لمَنْ قرأَ هذهِ الْآيَةَ ثمَّ مسحَ بها سَبَلَتَهُ))(١)، ومعناهُ: أنْ يقرأَ ويتركَ التأمُّلَ ، ويقتصرَ مِنْ فهمِ ملكوتِ السماواتِ على أنْ يعرفَ لونَ السماءِ وضوءَ الكواكبِ ، وذلكَ ممَّا تعرفُهُ البهائمُ أيضاً ، فمَنْ قنعَ منهُ بمعرفةِ ذلكَ .. فهوَ الذي مسحَ بها سبلتَهُ . فللَّهِ تعالى في ملكوتِ السماواتِ والآفاقِ والأنفسِ والحيواناتِ والنباتِ عجائبُ يطلبُ معرفتَها المحتُّونَ للهِ تعالى، فإنَّ مَنْ أحبَّ عالماً .. فلا يزالُ مشغوفاً بطلبٍ تصانيفِهِ ؛ ليزدادَ بمزيدِ الوقوفِ على عجائبٍ علمِهِ حبّاً لهُ ، فكذلكَ الأمرُ في عجائبٍ صنع اللهِ تعالى ، فإنَّ العالمَ كلَّهُ مِنْ تصنيفِهِ ، بلْ تصنيفُ المصنِّفِينَ مِنْ تصنيفِهِ الذي صنَّفَهُ بواسطةِ قلوبِ عبادِهِ ، فإنْ تعجَّبتَ مِنْ تصنيفٍ .. فلا تتعجَّبْ مِنَ المصنِّفِ، بلْ مِنَ الذي سخّرَ المصنّفَ لتصنيفِهِ بما أنعمَ عليهِ مِنْ هدايتِهِ وتسديدِهِ وتعريفِهِ ، كما إذا رأيتَ لُعَبَ المشعوذِ ترقصُ وتتحرَّكُ حركاتٍ موزونةً متناسبةً .. فلا تتعجَّبْ مِنَ اللعبِ؛ فإنَّها خِرَقٌ محرَّكَةٌ لا متحرِّكةٌ ، ولكنْ تعجَّبْ مِنْ حذْقِ المشعوذِ المحرّكِ لها بروابطَ دقيقةٍ خفيَّةٍ عنِ الأبصارِ . فإذاً ؛ المقصودُ أنَّ غذاءَ النباتِ لا يتمُّ إلا بالماءِ والهواءِ والشمسِ والقمرِ (١) كذا لفظه في ((القوت)) (٢٥٤/١)، وروى ابن حبان في ((صحيحه)) (٦٢٠) نحوه ، والسَّبَلَة : الشارب ، أو الدائرة في وسط الشفة العليا ، أو ما على الذقن إلى طرف اللحية . CG ٣٨٨ ١ ربع المنجيات كتاب الصبر والشكر والكواكبٍ ، ولا يتمُّ ذلكَ إلا بالأفلاكِ التي هيَ مركوزةٌ فيها ، ولا تتمُّ الأفلاكُ إلا بحركاتِها ، ولا تتمُّ حركاتُها إلا بملائكةٍ سماويّةٍ يحرِّكونَها ، وكذلكَ يتمادى ذلكَ إلى أسبابٍ بعيدةٍ تركنا ذكرَها تنبيهاً بما ذكرناهُ على ما أهملناهُ ، ولنقتصرْ على هذا مِنْ ذكرِ أسبابِ غذاءِ النباتِ . عـ حن ٣٨٩ حر كتاب الصبر والشكر الطرف الخامس: في نعم الله تعالى في الأسباب الموصلة للأطعمة إليك اعلمْ : أنَّ هذهِ الأطعمةَ كلَّها لا تُوجدُ في كلِّ مكانٍ ، بلْ لها شروطٌ مخصوصةٌ لأجلِها تُوجدُ في بعضِ الأماكنِ دونَ بعضٍ ، والناسُ منتشرونَ على وجهِ الأرضِ ، وقدْ تبعدُ عنهُمُ الأطعمةُ ، ويحولُ بينَهُمْ وبينَها البحارُ والبراري . تعـ فانظرْ كيفَ سخَّرَ اللهُ تعالى التجَّارَ ، وسلَّطَ عليهِمْ حرْصَ المالِ وشرهَ الربح ، معَ أنَّهُ لا يغنيهِمْ في غالبِ الأمرِ شيئاً ، بلْ يجمعونَ ؛ فإمَّا أنْ تغرقَ بها السفنُ ، أوْ تنهبَها قطَّاعُ الطريقِ ، أوْ يموتوا في بعضِ البلادِ فيأخذَها السلاطينُ ، وأحسنُ أحوالِهِمْ أنْ يأخذَها ورثتُهُمْ وهُمْ أشدُّ أعدائِهِمْ لو عرفوا . فانظر كيفَ سلَّطَ اللهُ الجهلَ والغفلةَ عليهِمْ، حتَّى يقاسونَ الشدائدَ في طلبِ الربحِ ويركبونَ الأخطارَ ، ويغررونَ بالأرواحِ في ركوبِ البحارِ ، فيحملونَ الأطعمةَ وأنواعَ الحوائجِ مِنْ أقصى الشرقِ والغربِ إليكَ . ـدن ـحة ـدة حن كن وانظرْ كيفَ علَّمَهُمُ اللهُ تعالى صناعةَ السفنِ ، وكيفيَّةَ الركوبِ فيها ، وانظرْ كيفَ خلقَ الحيواناتِ ، وسخَّرَها للركوبِ والحمْلِ في البراري ، وانظرْ إلى الإبلِ كيفَ خُلقَتْ ، وإلى الفرسِ كيفَ أُمَّتْ بسرعةِ الحركةِ ، وإلى الحمارِ كيفَ جُعِلَ صبوراً على التعبِ ، وإلى الجمالِ كيفَ تقطعُ ٣٩٠ ربع المنجيات ربع المنجيات كتاب الصبر والشكر البراريَ وتطوي المراحلَ تحتَ الأعباءِ الثقيلةِ على الجوع والعطشِ ، وانظرْ كيفَ سيَّرَهُمُ اللهُ تعالى بواسطةِ السفنِ والحيواناتِ في البرِّ والبحرِ ليحملوا إليكَ الأطعمةَ وسائرَ الحوائجِ . وتأمَّلْ ما يحتاجُ إليهِ الحيواناتُ مِنْ أسبابِها وأدواتِها وعلِفِها ، وما تحتاجُ إليهِ السفنُ ، فقدْ خلقَ اللهُ تعالى جميعَ ذلكَ إلى حدِّ الحاجةِ وفوقَ الحاجةِ ، وإحصاءُ ذلكَ غيرُ ممكنٍ ، ويتمادى هذا إلى أمورِ خارجةٍ عنِ الحصْرِ نرى تركَها طلباً للإيجازِ . حن ـحيو ٣٩١ حر كتاب الصبر والشكر ربع المنجيات الطرف المناوس: في إصلاح الأطعمة اعلمْ : أنَّ الذي ينبتُ في الأرضِ مِنَ النباتِ ، وما يُخلقُ مِنَ الحيواناتِ .. لا يمكنُ أنْ يُقضمَ ويُؤكلَ وهوَ كذلكَ ، بلْ لا بدَّ في كلِّ واحدٍ مِنْ إصلاحٍ وطبخٍ وتركيبٍ وتنظيفٍ بإلقاءِ البعضِ وإبقاءِ البعضِ ، إلى أمورٍ أُخرَ لا تُحصى، واستقصاءُ ذلكَ في كلِّ طعام طويلٌ ، فلنعيِّنْ رغيفاً واحداً ، ولننظرْ إلى ما يحتاجُ إليهِ الرغيفُ الواحدُ حتَّى يستديرَ ويصلحَ للأكلِ مِنْ بعدِ إلقاءِ البذرِ في الأرضِ . فأوَّلُ ما يحتاجُ إليهِ الحَّاثُ ؛ ليزرعَ ويصلحَ الأرضَ ، ثمَّ الثورُ الذي يثيرُ بهِ الأرضَ والفَدَانُ وجميعُ أسبابِهِ ، ثمَّ بعدَ ذلكَ التعهُّدُ بسقي الماءِ مدَّةً ، ثمَّ تنقيةُ الأرضِ مِنَ الحشيشِ، ثمَّ الحصادُ ، ثمَّ الفركُ والتنقيةُ، ثمَّ الطحنُ ، ثمَّ العجْنُ ، ثمَّ الخبْزُ . فتأمَّلْ عددَ هذهِ الأفعالِ التي ذكرناها وما لمْ نذكرْهُ ، وعددَ الأشخاصِ القائمينَ بها ، وعددَ الآلاتِ التي يُحتاجُ إليها مِنَ الحديدِ والخشبِ والحجرِ وغيرِهِ . حز ـحة حن وانظرْ إلى أعمالِ الصنَّاعِ في إصلاحِ آلاتِ الحراثةِ والطحْنِ والخِبْزِ ؛ مِنْ نجَّارٍ وحدَّادٍ وغيرِهِما ، وانظرْ إلى حاجةِ الحدَّادِ إلى الحديدِ والرصاصِ والنحاس ، وانظرْ كيفَ خلقَ اللهُ تعالى الجبالَ والأحجارَ والمعادنَ ، وكيفَ جعلَ الأرضَ قطعاً متجاوراتٍ مختلفةً . ـدة ٣٩٢ . NG ربع المنجيات كتاب الصبر والشكر فإِنْ فتشتَ .. علمتَ أنَّ رغيفاً واحداً لا يستديرُ بحيثُ يصلحُ لأكلِكَ يا مسكينُ ما لمْ يعملْ عليهِ أكثرُ مِنْ ألفِ صانع ، فابتُدىَ مِنَ المَلَكِ الذي يزجي السحابَ لينزلَ الماءَ ، إلى آخرِ الأعمالِ مِنْ جهةِ الملائكةِ، حتَّى تنتهيَ النوبةُ إلى عملِ الإنسانِ ، فإذا استدارَ .. طلبَهُ قريبٌ مِنْ سبعةِ آلافٍ صانع ، كلُّ صانع أصلٌ مِنْ أصولِ الصنائع التي بها تتمُّ مصلحةُ الخلقِ . ثمَّ تأمَّلْ كثرةَ أعمالِ الإنسانِ في تلكَ الآلاتِ ، حتَّى إنَّ الإبرةَ التي هيَ آلةٌ صغيرةٌ فائدتُها خياطةُ اللباسِ الذي يمنعُ البردَ عنكَ لا تكملُ صورتُها مِنْ حديدةٍ تصلحُ للإِبرةِ إلا بعدَ أنْ تمَّ على يدِ الإِبْريِّ خمساً وعشرينَ مرَّةً ، يتعاطى في كلِّ مرَّةٍ منها عملاً ، فلوْ لمْ يجمع اللهُ تعالى البلادَ ، ولمْ يسخِّرِ العبادَ ، وافتقرتَ إلى عملِ المِنْجلِ الذي تحصدُ بهِ البرَّ مثلاً بعدَ نباتِهِ .. لنفدَ عمرُكَ وعجزتَ عنهُ . أفلا ترى كيفَ هدى اللهُ عبدَهُ الذي خلقَهُ مِنْ نطفةٍ قذرةٍ لأَنْ يعملَ هذهِ الأعمالَ العجيبةَ والصنائعَ الغريبةَ ؟! فانظرْ إلى المقراضِ مثلاً وهما جَلَمانِ متطابقانِ ، ينطبقُ أحدُهُما على الآخرِ ، فيتناولانِ الشيءَ معاً ويقطعانِهِ بسرعةٍ ، ولوْ لمْ يكشفِ اللهُ تعالى طريقَ اتخاذِهِ بفضلِهِ وكرمِهِ لِمَنْ قبلَنا ، وافتقرنا إلى استنباطِ الطريقِ فيهِ بفكرنا ، ثمَّ إلى استخراجِ الحديدِ مِنَ الحجرِ ، وإلى تحصيلِ الآلاتِ التي بها يُعملُ المقراضُ، وعُمِّرَ الواحدُ منَّا عمرَ نوح ، وأُوتِيَ أكملَ العقولِ .. ٣٩٣ حن. حن جة % كتاب الصبر والشكر ربع المنجيات لقصرَ عمرُهُ عنِ استنباطِ الطريقِ في إصلاحِ هذهِ الآلةِ وحدَها فضلاً عنْ غيرِها . فسبحانَ مَنْ ألحقَ ذوي الأبصارِ بالعميانِ ! وسبحانَ مَنْ منعَ التبيُّنَ معَ هذا البيانِ ! فانظرِ الآنَ لوْ خلا بلدُكَ عنِ الطحانِ مثلاً ، أوْ عنِ الحدَّادِ ، أوْ عنِ الحجَّام الذي هوَ أخسُّ العمَّالِ ، أوْ عنِ الحائكِ ، أَوْ عنْ واحدٍ مِنْ جملةِ الصنَّاعِ .. ماذا يصيبُكَ مِنَ الأذىُ، وكيفَ تضطربُ عليكَ أمورُكَ كلُّها ، فسبحانَ مَنْ سخّرَ بعضَ العبادِ لبعضٍ حتَّى نفذَتْ بهِ مشيئتُهُ ، وتمَّتْ بهِ حکمتُهُ . ولنوجزِ القولَ في هذهِ الطبقةِ أيضاً ، فإنَّ الغرضَ التنبيهُ على النعَمِ دونَ الاستقصاءِ . ٣٩٤ 1 ربع المنجيات كتاب الصبر والشكر حر الطرف التابع: في إصلاح المصلحين ـخ اعلمْ : أنَّ هؤلاءِ الصنَّاعَ المصلحينَ للأطعمةِ وغيرِها لوْ تفرَّقَتْ آراؤُهُمْ وتنافرَتْ طباعُهُمْ تنافرَ طباع الوحشِ .. لتبدَّدوا وتباعدوا ، ولمْ ينتفعْ بعضُهُمْ ببعضٍ ، بلْ كانوا كالوحوشِ لا يحويهِمْ مكانٌ واحدٌ ، ولا يجمعُهُمْ غرضٌ واحدٌ ، فانظر كيفَ أَلَّفَ اللهُ تعالى بينَ قلوبِهِمْ، وسلَّطَ الأنْسَ والمحبَّةَ عليهِمْ ، ﴿ لَوْ أَنْفَقْتَ مَا فِ اُلْأَرْضِ جَمِيعَا مَّا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ﴾، فلأجلِ الإلْفِ وتعارفِ الأرواحِ اجتمعوا وائتلفوا ، وبنَوُا المدنَ والبلادَ ورتبوا المساكنَ والدورَ متقاربةً متجاورةً ، ورتبوا الأسواقَ والخاناتِ وسائرَ أصنافِ البقاع ، ممَّا يطولُ إحصاؤُهُ . ثمَّ هذهِ المحبَّةُ تزولُ بأغراضٍ يتزاحمونَ عليها ، ويتنافسونَ فيها ، ففي جبلةِ الإنسانِ الغيظُ والحسدُ والمنافسةُ ، وذلكَ مما يؤدي إلى التقاتلِ والتنافرِ ، فانظرْ كيفَ سلَّطَ اللهُ تعالى السلاطينَ وأمدَّهُمْ بالقوَّةِ والعدةِ والأسبابِ ، وألقى رعبَهُمْ في قلوبِ الرعايا حتَّى أذعنوا لهُمْ طوعاً وكرهاً ، وكيفَ هدى السلاطينَ إلى طريقِ إصلاحِ البلادِ ، حتَّىُ رتَّبُوا أجزاءَ البلدِ كأنَّها أجزاءُ شخصٍ واحدٍ ، تتعاونُ على غرضٍ واحدٍ ، ينتفعُ البعضُ منها بالبعضِ، فرتَبُوا الرؤساءَ والقضاةَ والشِّحَنَ وزعماءَ الأسواقِ (١) ، واضطروا (١) الشِّحن : جمع شِحنة ، لفظة فارسية بمعنى نائب الحاكم ومسؤول الأمن. ٣٩٥ كتاب الصبر والشكر ربع المنجيات الخلقَ إلى قانونِ العدْلِ، وألزموهُمُ التساعدَ والتعاونَ، حتَّى صارَ الحدَّادُ ينتفعُ بالقصَّابِ والخِبَّازِ وسائرِ أهلِ البلدِ ، وكلُّهُمْ ينتفعونَ بالحدَّادِ ، وصارَ الحجَّامُ ينتفعُ بالحرَّاثِ ، والحرَّاثُ بالحجَّامِ ، وينتفعُ كلُّ واحدٍ بكلِّ واحدٍ بسببٍ ترتّبِّهِمْ واجتماعِهِمْ وانضباطِهِمْ تحتَ ترتيبِ السلطانِ وجمعِهِ ؛ كما يتعاونُ جميعُ أعضاءِ البدنِ وينتفعُ بعضُها ببعضٍ . وانظرْ كيفَ بعثَ الأنبياءَ عليهمُ السلامُ حتَّى أصلحوا السلاطينَ المصلحينَ للرعايا، وعرَّفوهُمْ قوانينَ الشرع في حفْظِ العدْلِ بينَ الخلقِ ، وقوانينَ السياسةِ في ضبطِهِمْ، وكشفوا مِنْ أحكام الإمامةِ والسلطنةِ وأحكام الفقهِ ما اهتدوا بهِ إلى إصلاحِ الدنيا، فضلاً عمَّا أرشدوهُمْ إليهِ مِنْ إصلاحِ الدينِ . وانظرْ كيفَ أصلحَ اللهُ تعالى الأنبياءَ بالملائكةِ ، وكيفَ أصلحَ الملائكةَ بعضَهُمْ ببعضٍ ، إلى أنْ ينتهيَ إلى الملكِ المقرَّبِ الذي لا واسطةَ بينَهُ وبينَ اللهِ تعالى . ـحر ٩٠ فالخبَّارُ يخبزُ العجينَ ، والطخَّانُ يصلحُ الحبَّ بالطحْنِ ، والحزَّاثُ يصلحُهُ بالحصادِ ، والحدَّادُ يصلحُ آلاتِ الحراثةِ ، والنجَّارُ يصلحُ آلاتِ الحدَّادِ ، وكذا جميعُ أربابِ الصناعاتِ المصلحينَ لآلاتِ الأطعمةِ ، والسلطانُ يصلحُ الصنَّاعَ ، والأنبياءُ يصلحونَ العلماءَ الذينَ هُمْ ورثتُهُمْ ، والعلماءُ يصلحونَ السلاطينَ ، والملائكةُ يصلحونَ الأنبياءَ ، إلى أنْ ينتهيَ إلى حضرةِ الربوبيّةِ التي هيَ ينبوعُ كلِّ نظامٍ ، ومطلعُ كلِّ حسنٍ وجمالٍ ، ٣٩٦ ربع المنجيات کتاب الصبر والشكر ومنشأُ كلِّ ترتيبٍ وتأليفٍ ، وكلُّ ذلكَ نعَمِّ مِنْ ربِّ الأربابِ ومسببٌّ الأسبابِ ، ولولا فضلُهُ وكرمُهُ إذْ قالَ تعالى: ﴿ وَالَّذِينَ جَهَدُواْ فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا﴾ .. لما اهتدينا إلى معرفةِ هذهِ النبذةِ اليسيرةِ مِنْ نعَمِ اللهِ تعالى ، ولولا عزلُهُ إِيَّنا عنْ أنْ نطمحَ بعينِ الطمع إلى الإحاطةِ بكنْهِ نعَمِهِ .. لتشوَّفنا إلى طلبِ الإحاطةِ والاستقصاءِ ، ولكنَّه تعالى عزلَنا بحكْمِ القهرِ والقدرةِ فقالَ تعالى: ﴿ وَإِن تَعُدُّ واْنِعْمَتَ اَللَّهِ لَا تُحْصُوهَا﴾. فإنْ تكلمنا .. فبإذنِهِ انبسطنا، وإنْ سكتنا .. فبقهرِهِ انقبضنا؛ إذْ لا معطيَ لما منعَ ، ولا مانعَ لما أعطى ؛ لأنَّا في كلِّ لحظةٍ مِنْ لحظاتٍ العمرِ قبلَ الموتِ نسمعُ بسمع القلوبِ نداءَ الملكِ الجبّارِ: ﴿لِمَنِ الْمُلْكُ اَلْيَوْمّ لِلَّهِ الْوَحِدِ الْقَهَّارِ﴾، فالحمدُ للهِ الذي ميَّزَنا عنِ الكفَّارِ، وأسمعَنا هذا النداءَ قبلَ انقضاءِ الأعمارِ . % ـمر تحو. ٣٩٧ كتاب الصبر والشكر ربع المنجيات الطرف الثَّامن: في بيان نعمة الله تعالى في خلق الملائكة عليهم السلام ليسَ يخفى عليكَ ما سبقَ مِنْ نعمةِ اللهِ في خلقِ الملائكةِ بإصلاحِ الأنبياءِ عليهمُ السلامُ وهدايتِهِمْ ، وتبليغِ الوحي إليهِمْ، ولا تظنَّنَّ أنَّهُمْ مقتصرونَ في أفعالِهِمْ على ذلكَ القَدْرِ ، بلْ طبقاتُ الملائكةِ معَ كثرتِها وترتُّبِ مراتبها تنحصرُ بالجملةِ في ثلاثِ طبقاتٍ : الملائكةُ الأرضيَّةُ ، والسماويَّةُ ، وحملةُ العرشِ. فانظرْ كيفَ وكلَهُمُ اللهُ تعالى بكَ فيما يرجعُ إلى الأكلِ والغذاءِ الذي ذكرناهُ دونَ ما يجاوزُ ذلكَ مِنَ الهدايةِ والإرشادِ وغيرِهِما . واعلمْ : أنَّ كلَّ جزءٍ مِنْ أجزاءٍ بدنِكَ ، بلْ مِنْ أجزاءِ النباتِ .. لا يتغذّى إلا بأنْ يُوكلَ بهِ سبعةٌ مِنَ الملائكةِ هوَ أقلُّهُ إلى عشرةٍ ، إلى مئةٍ ، إلى ما وراءَ ذلكَ . وبيانُهُ : أنَّ معنى الغذاءِ أنْ يقومَ جزءٌ مِنَ الغذاءِ مقامَ جزءٍ قَدْ تلفَ ، وذلكَ الغذاءُ يصيرُ دماً في آخرِ الأمرِ ، ثمَّ يصيرُ لحماً وعظماً ، فإذا صارَ لحماً وعظماً .. تمَّ اغتذاؤُكَ، والدمُ واللحمُ أجسامٌ ليسَ لها قدرةٌ ومعرفةٌ واختيارٌ ، فهي لا تتحرَّكَ بأنفسِها ، ولا تتغيَّرُ بأنفسِها ، ومجرَّدُ الطبع لا يكفي في تركُّدِها في أطوارِها ، كما أنَّ البُرَّ بنفسِهِ لا يصيرُ طحيناً ، ثمَّ عجيناً ، ثمَّ خبزاً مستديراً مخبوزاً إلا بصنَّاع ؛ فكذلكَ الدمُ بنفسِهِ لا يصيرُ لحماً وعظماً وعرقاً وعصباً إلا بصنَّاع ، والصنَّعُ في الباطنِ هُمُ الملائكةُ ؛ ـكن ٣٩٨ ربع المنجيات كتاب الصبر والشكر حر كما أنَّ الصنّاعَ في الظاهرِ هُمْ أهلُ البلدِ ، وقدْ أسبغَ اللهُ تعالى عليكَ نعمَهُ ظاهرةً وباطنةً ، فلا ينبغي أنْ تغفُلَ عنْ نعمِهِ الباطنةِ ، فأقولُ : لا بدَّ مِنْ مَلَكِ يجذبُ الغذاءَ إلى جوارِ اللحم والعظمِ، فإنَّ الغذاءَ لا يتحرَّكُ بنفسِهِ، ولا بدَّ مِنْ مَلَكِ آخرَ يمسكُ الغذاءَ في جوارِهِ ، ولا بدَّ مِنْ ثالثٍ يخلعُ عنهُ صورةَ الدمِ ، ولا بدَّ مِنْ رابعٍ يكسوهُ صورةَ اللحمِ والعظمِ والعرقِ ، ولا بدَّ مِنْ خامسٍ يدفعُ الفضْلَ الفاضلَ عنْ حاجةِ الغذاءِ ، ولا بدَّ مِنْ سادسٍ يلصقُ ما اكتسبَ صفةَ العظمِ بالعظمِ ، وما اكتسبَ صفةَ اللحمِ باللحم ؛ حتَّى لا يكونَ منفصلاً، ولا بدَّ مِنْ سابعِ يرعى المقاديرَ في الإلصاقِ ، فيلحقُ بالمستديرِ ما لا يبطلُ استدارتَهُ ، وبالعريضِ ما لا يزيلُ عرْضَهُ ، وبالمجوَّفِ ما لا يبطلُ تجويفَهُ ، ويحفظُ على كلِّ واحدٍ قدْرَ حاجتِهِ ، فإنَّهُ لوْ جُمِعَ مثلاً مِنَ الغذاءِ على أنفِ الصبيِّ ما يجمعُ على فخذِهِ .. لكبرَ أنفُهُ ، وبطلَ تجويفُهُ ، وتشوَّهَتْ صورتُهُ ، بلْ ينبغي أنْ يسوقَ إلى الأجفان معَ رقَّتِها ، وإلى الحدقةِ معَ صفائِها ، وإلى الأفخاذِ معَ غلظِها ، وإلى العظْمِ معَ صلابتِهِ .. ما يليقُ بكلِّ واحدٍ منها مِنْ حيثُ القَدْرُ والشكلُ ، وإلا .. بطلَتِ الصورةُ ، وربا بعضُ المواضع ، وضعفَ بعضُ المواضعِ ، بلْ لو لمْ يراع هذا الملكُ العدْلَ في القسمةِ والتقسيطِ ؛ فساقَ إلى رأسِ الصبيِّ وسائرِ بدنِهِ مِنَ الغذاءِ ما ينمو بهِ إلا إحدى الرجْلينِ مثلاً .. لبقيَتْ تلك الرجْلُ كما كانَتْ في حدِّ الصغرِ ، وكبرَ جميعُ البدنِ ، فكنتَ ترى شخصاً في ضخامةِ رجُلٍ ولهُ رجْلٌ واحدةٌ كأنَّها رجْلٌ صبيٍّ ، فلا ينتفعُ بنفسِهِ ألبتةَ . ٣٩٩ كتاب الصبر والشكر ربع المنجيات فمراعاةُ هذهِ الهندسةِ في هذهِ القسمةِ مفوَّضٌ إلى ملكِ مِنَ الملائكةِ ، ولا تظنَّنَّ أنَّ الدمَ بطبعِهِ يهندسُ شكْلَ نفسِهِ ، فإنَّ محيلَ هذهِ الأمورِ على الطبعِ جاهلٌ لا يدري ما يقولُ . فهذهِ هيَ الملائكةُ الأرضيَّةُ . وقدْ شُغلوا بكَ وأنتَ في النومِ تستريحُ ، وفي الغفلةِ تتردّدُ ، وهُمْ يصلحونَ الغذاءَ في باطنِكَ ، ولا خبرَ لكَ منهُمْ ، وذلكَ في كلِّ جزءٍ مِنْ أجزائِكَ التي لا تتجزَّأُ ، حتَّى يفتقرُ بعضُ الأجزاءِ كالعينِ والقلبِ إلى أكثرَ مِنْ مئةِ ملكِ ، تركنا تفصيلَ ذلكَ للإيجازِ . والملائكةُ الأرضيَّةُ مددُهُمْ مِنَ الملائكةِ السماويَّةِ على ترتيبٍ معلومٍ ، لا يحيطُ بكنهِهِ إلا اللهُ تعالى ، ومددُ الملائكةِ السماويَّةِ مِنْ حملةِ العرشِ ، والمنعِمُ على جميعِهِمْ بالتأييدِ والهدايةِ والتسديدِ المهيمنُ القدُّوسُ المنفردُ بالملْكِ والملكوتِ والعزَّةِ والجبروتِ ، جبَّارُ السماواتِ والأرضِ ، مالكُ الملكِ ذو الجلالِ والإكرامِ . والأخبارُ الواردةُ في الملائكةِ الموكلينَ بالسماواتِ والأرضِ وأجزاءِ النباتِ والحيواناتِ حتَّى كلِّ قطرةٍ مِنَ المطرِ ، وكلِّ سحابٍ ينجرُّ مِنْ جانبٍ إلى جانبٍ .. أكثرُ مِنْ أنْ تُحصى، فلذلكَ تركنا الاستشهادَ بهِ (١). (١) ينظر ((الحبائك في أخبار الملائك)) لمزيد التوسع، ففيه ما يشفي ويكفي. ٤٠٠