Indexed OCR Text
Pages 341-360
ربع المنجيات كتاب الصبر والشكر م: الخندقِ في شدَّةِ الضرِّ ، وقالَ ذلكَ مزَّةً في السرورِ منعاً للنفسِ مِنَ الركونِ إلى سرورِ الدنيا، وذلكَ عندَ إحداقِ الناسِ بهِ في حيَّةِ الوداعِ(١). وقالَ رجلٌ : اللهمَّ ؛ إنِّي أسألُكَ تمامَ النعمةِ ، فقالَ النبيُّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ : ((وهلْ تعلمُ ما تمامُ النعمةِ؟))، قالَ: لا، قالَ: ((تمامُ النعمةِ دخولُ الجنةِ)»(٢). وأمَّا الوسائلُ .. فتنقسمُ إلى الأقربِ الأخصِّ ؛ كفضائلِ النفسِ ، وإلى ما يليهِ في القرْبِ ؛ كفضائلِ البدنِ ، وهوَ الثاني ، وإلى ما يليهِ في القربِ ويجاوزُ إلى غيرِ البدنِ ؛ كالأسبابِ المطيفةِ بالبدنِ مِنَ المالِ والأهلِ والعشيرةِ ، وإلى ما يجمعُ بينَ هذِهِ الأسبابِ الخارجةِ عنِ النفسِ وبينَ الحاصلةِ للنفسِ ؛ كالتوفيقِ والهدايةِ ، فهيَ إذاً أربعةُ أنواعٍ . بون النوعُ الأوَّلُ وهوَ الأخصُّ : الفضائلُ النفسيّةُ : ويرجعُ حاصلُها معَ انشعابِ أطرافِها إلى الإيمانِ وحسْنِ الخلقِ ، وينقسمُ الإيمانُ إلى علمٍ المكاشفةِ ؛ وهوّ العلمُ باللهِ تعالىُ وصفاتِهِ وملائكتِهِ ورسِلِهِ ، وإلى علومِ المعاملةِ . وحسْنُ الخلقِ ينقسمُ إلى قسمينِ : تركُ مقتضى الشهوةِ والغضبِ واسمُهُ العقَّةُ، ومراعاةُ العدْلِ في الكفِّ عنْ مقتضى الشهواتِ والإقدام حتَّى (١) رواه الشافعي كما في ((الأم)) (٣٩١/٣) عن مجاهد مرسلاً . (٢) رواه الترمذي ( ٣٥٢٧) . ٣٤١ حن جن كتاب الصبر والشكر ربع المنجيات بكن لا يمتنعَ أصلاً ولا يقدمَ كيفَ شاءَ، بلْ يكونُ إقدامُهُ وإحجامُهُ بالميزانِ العدْلِ الذي أنزلَهُ اللهُ سبحانَهُ وتعالى على لسانِ رسولِهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ إذْ قالَ تعالى: ﴿أَلَّا تَطْفَوْاْ فِ اَلْمِيزَانِ ﴿ وَأَقِيمُواْ أَلْوَزْنَ بِالْقِسْطِ وَلَا تُخِرُوا اَلْمِيزَانَ﴾ . %3. 8 فمَنْ خصى نفسَهُ ليزيلَ شهوةَ النكاح ، أوْ تركَ النكاحَ معَ القدرةِ والأمنِ مِنَ الآفاتِ، أَوْ تركَ الأكلَ حتَّى ضعفَ عنِ العبادةِ والذكرِ والفكرِ .. فقدْ أخسرَ الميزانَ ، ومَنِ انهمَكَ في شهوةِ البطنِ والفرجِ .. فقدْ طغى في الميزانِ ، وإنَّما العدْلُ أنْ يخلوَ وزنُهُ وتقديرُهُ عنِ الطغيانِ والخسرانِ ، فتعتدلَ بهِ كفتا الميزانِ . فإذاً ؛ الفضائلُ الخاصَّةُ بالنفسِ المقربةُ إلى اللهِ تعالى أربعةٌ: علمُ مكاشفةٍ ، وعلمُ معاملةٍ ، وعفةٌ، وعدالةٌ ، ولا يتمُّ هذا في غالبِ الأمرِ إلا بالنوعِ الثاني ، وهيَ الفضائلُ البدنيّةُ ، وهيَ أربعةٌ: الصحةُ، والقوَّةُ ، والجمالُ ، وطولُ العمرِ ، ولا تتهيّأُ هذهِ الأمورُ الأربعةُ إلا بالنوع الثالثِ ، وهيَ النعَمُ الخارجةُ المطيفةُ بالبدنِ، وهيَ أربعةٌ: المالُ، والأهلُ، والجاهُ ، وكرمُ العشيرةِ ، ولا ينتفعُ بشيءٍ مِنْ هذهِ الأسبابِ الخارجةِ والبدنيّةِ إلا بالنوع الرابع ، وهيَ الأسبابُ التي تجمعُ بينَها وبينَ ما يناسبُ الفضائلَ النفسيَّةَ الداخلةَ، وهيَ أربعةٌ : هدايةُ اللهِ، ورشدُهُ، وتسديدُهُ ، وتأييدُهُ . ٣٤٢ .. ربع المنجيات كتاب الصبر والشكر فمجموعُ هذهِ النعَم ستَّ عشرةَ ؛ إذْ قسمناها إلى أربعةٍ وقسمنا كلَّ واحدةٍ منَ الأربعةِ إلى أربعةٍ . وهذهِ الجملةُ يحتاجُ البعضُ منها إلى البعضِ ؛ إمَّا حاجةً ضروريَّةً ، أوْ نافعةً . أمَّا الحاجةُ الضروريَّةُ .. فكحاجةٍ سعادةِ الآخرةِ إلى الإيمانِ وحسْنِ الخلقِ ؛ إذْ لا سبيلَ إلى الوصولِ إلى سعادةِ الآخرةِ ألبتةَ إلا بهِما ، فليسَ للإنسانِ إلا ما سعى ، وليسَ لأحدٍ في الآخرةِ إلا ما تزوَّدَ مِنَ الدنيا ، وكذلكَ حاجةُ الفضائلِ النفسيّةِ بكسبِ العلومِ وتهذيبِ الأخلاقِ إلى صحَّةِ البدن ضروريٌّ . حن حن وأمَّا الحاجةُ النافعةُ على الجملةِ .. فكحاجةِ هذهِ النعمِ النفسيّةِ والبدنيّةِ إلى النعمِ الخارجةِ ؛ مثلُ المالِ والعزِّ والأهلِ؛ فإنَّ ذلكَ لَوْ عُدِمَ .. ربما تطرَّقَ الخللُ إلى بعضِ النعمِ الداخلةِ . فإنْ قلتَ : فما وجهُ الحاجةِ لطريقِ الآخرةِ إلى النعمِ الخارجةِ مِنَ المالِ والأهلِ والجاهِ والعشيرةِ ؟ فاعلمْ : أنَّ هذهِ الأسبابَ جاريةٌ مجرى الجناحِ المبلِّغِ والآلةِ المسهّلِةِ للمقصودِ . أمَّا المالُ : فالفقيرُ في طلبِ العلمِ والكمالِ وليسَ معَهُ كفايةٌ كساع إلى ٣٤٣ كتاب الصبر والشكر ربع المنجيات الهيجا بغيرِ سلاحٍ ، وكبازٍ يرومُ الصيدَ بلا جناحِ (١). ولذلكَ قالَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: (( نعْمَ المالُ الصالحُ للرجلِ الصالحِ)) (٢) . وقالَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: ((نعْمَ العونُ على تقوى اللهِ المالُ))(٣). وكيفَ لا ومَنْ عدمَ المالَ .. صارَ مستغرقَ الأوقاتِ في طلبِ الأقواتِ ، وفي تهيئةِ اللباسِ والمسكنِ وضروراتِ المعيشةِ ؟! ثُمَّ يتعرَّضُ لأنواعٍ مِنَ الأذى تشغلُهُ عنِ الذكرِ والفكرِ ، ولا تندفعُ إلا بسلاحِ المالِ ، ثمَّ معَ ذلكَ يُحرمُ عنْ فضيلةِ الحجِّ والزكاةِ والصدقاتِ وإفاضةِ الخيراتِ ! وقالَ بعضُ الحكماءِ وقدْ قيلَ لهُ : ما النعيمُ؟ فقالَ : الغنى ؛ فإنِّي رأيتُ الفقيرَ لا عيشَ لهُ، قيلَ : زدْنا، قالَ : الأمنُ ؛ فإنِّي رأيتُ الخائفَ لا عيشَ لهُ ، قيلَ : زدْنا ، قالَ : العافيةُ؛ فإِنِّي رأيتُ المريضَ لا عيشَ لهُ ، قيلَ : زدْنا، قالَ: الشبابُ ؛ فإنِّي رأيتُ الهرِمَ لا عيشَ لهُ(٤). (١) الهيجا : الحرب . (٢) رواه أحمد في ((المسند)) (١٩٧/٤)، وابن حبان في ((صحيحه)) (٣٢١٠). (٣) رواه الديلمي في (( مسند الفردوس)) (٦٧٥٦) من حديث جابر رضي الله عنه مرفوعاً ، ورواه القضاعي في ((مسند الشهاب)) (١٣١٧) من حديث محمد بن المنكدر مرسلاً ، ورواه ابن حبان في ((روضة العقلاء)) (ص٢٢٤) من كلام محمد بن المنكدر . (٤) قوت القلوب (٢٠٩/١). ٣٤٤ - ربع المنجيات كتاب الصبر والشكر حـ وكأنَّ ما ذكرَهُ إشارةٌ إلى نعيمِ الدنيا ، ولكنَّهُ مِنْ حيثُ إنَّهُ معينٌ على الآخرةِ فهوَ نعمةٌ ، ولذلكَ قالَ عليهِ الصلاةُ والسلامُ: ((مَنْ أصبحَ معافىً في بدِنِهِ ، آمناً في سربِهِ ، عندَهُ قوتُ يومِهِ .. فكأنَّما حِيزَتْ لهُ الدنيا بحذافيرِها))(١). وأمَّا الأهلُ والولدُ الصالحُ : فلا يخفى وجهُ الحاجةِ إليهما ؛ إذْ قالَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: ((نعْمَ العونُ على الدينِ المرأةُ الصالحةُ))(٢) . وقالَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ في الولدِ: ((إذا ماتَ العبدُ .. انقطعَ عملُهُ إلا مِنْ ثلاثٍ: ولدٌ صالحٌ يدعو لهُ ... )) الحديثَ(٣)، وقدْ ذكرنا فوائدَ الأهلِ والولدِ في کتابِ النكاحِ . وأمَّا الأقاربُ : فمهما كثرَ أولادُ الرجلِ وأقاربُهُ .. كانوا لهُ مثلَ الأعينِ والأيدي ، فيتيسَّرُ لهُ بسبِهِمْ مِنَ الأمورِ الدنيويَّةِ المهمَّةِ في دينِهِ ما لوِ انفردَ بهِ .. لطالَ شغلُهُ ، وكلُّ ما يفرغُ قلبَكَ عنْ ضروراتِ الدنيا فهوَ معينٌ لكَ على الدينِ ، فهوَ إذاً نعمةٌ . (١) رواه الترمذي (٢٣٤٦)، وابن ماجه (٤١٤١) من حديث عبيد بن محصن رضي الله عنه مرفوعاً ، وليس عندهما: ( بحذافيرها)، وهي عند أبي نعيم في (( الحلية)) (٢٤٩/٥) من حديث أبي الدرداء رضي الله عنه مرفوعاً . (٢) رواه مسلم (١٤٦٧ ) من حديث عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما مرفوعاً بلفظ : ((الدنيا متاع، وخير متاع الدنيا المرأة الصالحة )). (٣) رواه مسلم ( ١٦٣١). ٣٤٥ کتاب الصبر والشكر ربع المنجيات وأمَّا العزُّ والجاهُ : فبهِ يدفعُ الإنسانُ عنْ نفسِهِ الذلَّ والضيمَ ، ولا يستغني عنهُ مسلمٌ ، فإنَّهُ لا ينفكُ عنْ عدوٍّ يؤذيهِ ، وظالمٍ يشوِّشُ عليهِ علمَهُ وعملَهُ وفراغَهُ ، ويشغلُ قلبَهُ، وقلبُهُ رأسُ مالِهِ ، وإنَّما تندفعُ هذهِ الشواغلُ بالعزِّ والجاهِ ، ولذلكَ قيلَ : ( الدينُ والسلطانُ توءمانِ ) . وقالَ اللهُ تعالى: ﴿وَلَوْلَا دَفْعُ اَللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَّفَسَدَتِ اُلْأَرْضُ﴾. ولا معنى للجاه إلا ملكُ القلوبِ ؛ كما لا معنى للغنى إلا ملكُ الدراهمِ، ومَنْ ملكَ القلوبَ .. تسخَّرَتْ لهُ أربابُ القلوبِ لدفع الأذى عنهُ، فكما يحتاجُ الإنسانُ إلى سقفٍ يدفعُ عنهُ المطرَ، وجبَّةٍ تدفعُ عنهُ البردَ ، وكلبٍ يدفعُ الذئبَ عنْ ماشيتِهِ .. فيحتاجُ أيضاً إلى مَنْ يدفعُ الشّرَّ بهِ عنْ نفسِهِ . وعلى هذا القصدِ كانَ الأنبياءُ الذينَ لا ملكَ لهُمْ ولا سلطنةَ يراعونَ السلاطينَ ويطلبونَ عندَهُمُ الجاهَ ، وكذلكَ علماءُ الدينِ ، لا علىُ قصدٍ التناولِ مِنْ خزائنِهِمْ أوِ الاستئثارِ والاستكثارِ في الدنيا بمتابعتِهِمْ . ولا تظنَّنَّ أنَّ نعمةَ اللهِ تعالى على رسولِهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ حيثُ نصرَهُ وأكملَ دينَهُ وأظهرَهُ على جميع أعدائِهِ ومكَّنَ لهُ في القلوبِ حبَّهُ حتَّی اتسعَ بهِ عزَّهُ وجاهُهُ .. كانَتْ أَقلَّ مِنْ نعمتِهِ عليهِ حيثُ كانَ يُؤْذى ويُضربُ حتَّى افتقرَ إلى الهربِ والهجرةِ . ـون ٣٤٦ الجوه ٥٨٢ ربع المنجيات كتاب الصبر والشكر فإنْ قلتَ : كرمُ العشيرةِ وشرفُ الأهلِ هوَ مِنَ النعمِ أمْ لا ؟ فأقولُ: نعمْ، ولذلكَ قالَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: ((الأئمّةُ مِنْ قريشٍ)) (١) . دن ولذلكَ كانَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ مِنْ أكرمِ الناسِ أَرُومةً في نسبٍ آدَمَ عليهِ السلامُ(٢). حة ولذلكَ قالَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: ((تخيَّروا لنطفِكُمْ الأكفاءَ))(٣). وقالَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: ((إيَّكُمْ وخضراءَ الدِّمَنِ))، فقيلَ : وما خضراءُ الدمنِ؟ قالَ: ((المرأةُ الحسناءُ في المنبتِ السوءِ))(٤). فهذا أيضاً مِنَ النعمِ ، ولستُ أعني بهِ الانتسابَ إلى الظلمةِ وأربابٍ الدنيا ، بلِ الانتسابَ إلى شجرةِ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ ، وإلى أئمةٍ العلماءِ ، وإلى الصالحينَ والأبرارِ المتزيّنينَ بالعلمِ والعملِ . (١) رواه النسائي في (( السنن الكبرى)) ( ٥٩٠٩). (٢) الأرومة: الأصل ، وروى مسلم (٢٢٧٦) عن واثلة بن الأسقع رضي الله عنه مرفوعاً : (( إن الله اصطفى كنانة من ولد إسماعيل ، واصطفى قريشاً من كنانة ، واصطفى من قريش بني هاشم ، واصطفاني من بني هاشم )) . (٣) رواه ابن ماجه (١٩٦٨)، والحاكم في ((المستدرك)) (١٦٣/٢ ). (٤) رواه الرامهرمزي في ((أمثال الحديث)) (٨٤)، والشهاب في ((مسنده)) (٩٥٧) ، والديلمي في ((مسند الفردوس)) ( ١٥٣٧). ٣٤٧ G کتاب الصبر والشكر ربع المنجيات فإنْ قلتَ : فما غناءُ الفضائلِ البدنيّةِ ؟ فأقولُ : لا خفاءَ بشدّةِ الحاجةِ إلى الصحةِ وإلى القوَّةِ وإلى طولِ العمرِ ؛ إذْ لا يتمُّ علمٌ وعملٌ إلا بهِما، ولذلكَ قالَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: ((أفضلُ السعاداتِ طولُ العمرِ في طاعةِ اللهِ تعالى))(١). وإنَّما يُستحقرُ مِنْ جملتِهِ أمرُ الجمالِ ، فيُقالُ : يكفي أنْ يكونَ البدنُ سليماً مِنَ الأمراضِ الشاغلةِ عنْ تحرِّي الخيراتِ ، ولعمري ؛ الجمالُ قليلُ الغَناءِ ، ولكنَّهُ مِنَ الخيراتِ أيضاً ، أمَّا في الدنيا .. فلا يخفى نفعُهُ فيها، وأمَّا في الآخرةِ .. فمِنْ وجهينِ : أحدُهُما : أنَّ القبيحَ مذمومٌ، والطباعُ عنهُ نافرةٌ ، وحاجاتُ الجميلِ إلى الإجابةِ أقربُ، وجاهُهُ في الصدورِ أوسعُ ، فكأنَّهُ مِنْ هذا الوجهِ جناحٌ مبلغٌ كالمالِ والجاهِ ؛ إذْ هوَ نوعُ قدرةٍ ، إذْ يقدرُ الجميلُ الوجهِ على تنجيزِ حاجاتٍ لا يقدرُ عليها القبيحُ ، وكلُّ معينٍ على قضاءِ حاجاتِ الدنيا فمعينٌ على الآخرةِ بواسطتِها . ١ (١) رواه القضاعي في ((مسند الشهاب)) (٣١٢) من حديث ابن عمر رضي الله عنهما، والخطيب في ((تاريخ بغداد)) (١٦/٦) من حديث عبد الله بن حنطب، وبلفظ: ((إن السعادة كل السعادة طول العمر في طاعة الله عز وجل )"، وروى الترمذي (٢٣٢٩) عن عبد الله بن بسر رضي الله عنه : أن أعرابياً قال : يا رسول الله ؛ من خير الناس ؟ قال : (( من طال عمره وحسن عمله )) . ٣٤٨ ربع المنجيات كتاب الصبر والشكر والثاني : أنَّ الجمالَ في الأكثرِ يدلُّ على فضيلةِ النفسِ ؛ لأنَّ نورَ النفسِ إذا تمَّ إشراقُهُ .. تأذَىُ إلى البدنِ(١) ، فالمنظرُ والمخبرُ كثيراً ما يتلازمانِ . ـدة ـدة ولذلكَ عوَّلَ أصحابُ الفراسةِ في معرفةِ مكارمِ النفسِ على هيئاتِ البدنِ وقالوا : الوجهُ والعينُ مرآةُ الباطنِ ، ولذلكَ يظهرُ فيهِ أثرُ الغضبِ والسرورِ والغمِّ . ولذلكَ قيلَ : ( طلاقةُ الوجهِ عنوانُ ما في النفسِ ) . وقيلَ : ( ما في الأرضِ قبيحٌ إلا ووجهُهُ أحسنُ ما فيهِ ) . واستعرضَ المأمونُ جيشاً ، فعُرِضَ عليهِ رجلٌ قبيحٌ ، فاستنطقَهُ ، فإذا هوَ ألكنُ ، فأسقطَ اسمَهُ مِنَ الديوانِ وقالَ : الروحُ إذا أشرقَتْ على الظاهرِ .. فصباحَةٌ، أوْ على الباطنِ .. ففصاحةٌ، وهذا ليسَ لهُ ظاهرٌ ولا باطنٌ . وقدْ قالَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: ((اطلبوا الخيرَ عند حسانِ الوجوهِ)) (٢). (١) وكلُّ شخص فله حكمان : أحدهما من قبل جسمه وهو منظره ، والآخر من قبل نفسه وهو مخبره. ((إتحاف)) (٩٠/٩). (٢) رواه أحمد في ((فضائل الصحابة)) (١٢٤٦)، وأبو يعلى في ((مسنده)) ( ٤٧٥٩)، والخرائطي في ((اعتلال القلوب)) (٣٤٢) من حديث جبرة بنت محمد بن ثابت عن أبيها عن عائشة مرفوعاً ، ورواه عبد بن حميد في (( مسنده )) ( ٧٥٢) من حديث ابن عمر مرفوعاً، والطبراني في (( الكبير)) (٨١/١١) من حديث ابن عباس رضي الله عنهما مرفوعاً . ٣٤٩ كتاب الصبر والشكر ربع المنجيات وقالَ عمرُ رضيَ اللهُ تعالى عنهُ: ( إذا بعثُمْ رسولاً .. فاطلبوا حسنَ الوجهِ، حسنَ الاسمِ )(١) . وقالَ الفقهاءُ: إذا تساوتْ درجاتُ المصلِّينَ .. فأحسنُهُمْ وجهاً أولاهُمْ بالإمامةِ (٢). وقالَ اللهُ تعالى ممتنّاً بذلك: ﴿ وَزَادَهُ بَسْطَةً فِىِ الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ﴾. ولسنا نعني بالجمالِ ما يحرِّكُ الشهوةَ ؛ فإنَّ ذلكَ أنوثةٌ ، وإنَّما نعني بهِ ارتفاعَ القامةِ على الاستقامةِ ، معَ الاعتدالِ في اللحمِ ، وتناسبِ الأعضاءِ ، وتناصفِ خلقةِ الوجهِ ، بحيث لا تنبو الطباعُ عنِ النظرِ إليهِ . ته فإنْ قلتَ : فقدْ أدخلتَ المالَ والجاهَ والنسبَ والأهلَ والولدَ في حيّرٍ النعمِ وقدْ ذمَّ اللهُ تعالى المالَ والجاهَ، وكذا رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ(٣)، وكذا العلماءُ؛ قالَ تعالى: ﴿إِنَ مِنْ أَزْوَجِكُمْ وَأَوْلَدِكُمْ عَدُوًّا لَّكُمْ فَاحْذَرُوهُمْ﴾، وقال تعالى: ﴿إِنَّمَآ أَمَّوَلُكُمْ وَأَوْلَدُكُمْ فِتْنَةٌ﴾، وقالَ ٤٠ ـحن (١) روى هذا مرفوعاً أبو الشيخ في ((أخلاق النبي)) (٧٥٩) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه . ١٩٠ حن (٢) وروى فيه البيهقي حديثاً مرفوعاً في ((السنن الكبرى)) (١٢١/٣). (٣) روى الترمذي (٢٣٧٦) من حديث كعب بن مالك رضي الله عنه مرفوعاً: ((ما ذئبان جائعان أرسلا في غنم بأفسد لها من حرص المرء على المال والشرف لدينه )). ـدة حن حن ٣٥٠ ربع المنجيات كتاب الصبر والشكر عليٍّ رضيَ اللهُ عنهُ في ذمِّ النسبِ: ( الناسُ أبناءُ ما يحسنونَ)(١) ، و( قيمةُ كلِّ امرىءٍ ما يحسنُهُ)(٢)، وقيلَ: ( المرءُ بنفسِهِ لا بأبيهِ ) ، فما معنى كونِها نعمةً معَ كونِها مذمومةً شرعاً ؟ فاعلمْ: أنَّ مَنْ يأخذُ العلومَ مِنَ الألفاظِ المنقولةِ المؤولةِ والعموماتِ المخصصَّةِ .. كانَ الضلالُ عليهِ أغلبَ ما لمْ يهتدِ بنورِ اللهِ تعالى إلى إدراكِ العلومِ على ما هيَ عليهِ ، ثمَّ ينزِّلُ النقلَ على وفْقِ ما ظهرَ لهُ منها ؛ بالتأويلِ مرَّةً ، وبالتخصيصِ أخرى ، فهذهِ نعمٌ معينةٌ على أمرِ الآخرةِ لا سبيل إلى جحدِها ، إلا أنَّ فيها فتناً ومخاوفَ . فمثالُ المالِ مثالُ الحيَّةِ التي فيها ترياقٌ نافعٌ وسمٌّ ناقعٌ ، فإنْ أصابَها المعزِّمُ الذي يعرفُ وجهَ الاحترازِ عنْ سمِّها وطريقَ استخراجِ ترياقِها النافع .. كانَتْ نعمةً ، وإنْ أصابَها السوادِيُّ الغرّ .. فهيَ عليهِ بلاءٌ وهلاكٌ. وهوَ مثلُ البحرِ الذي تحتَهُ أصنافُ الجواهرِ واللآلىءٍ ، فمَنْ ظفرَ بالبحرِ ؛ فإنْ كانَ عالماً بالسباحةِ وطريقِ الغوْصِ وطريقِ الاحترازِ عنْ مهلكاتِ البحرِ .. فقدْ ظفرَ بنعمِهِ، وإنْ خاضَهُ جاهلاً بذلكَ .. فقدْ هلكَ . فلذلكَ مدحَ اللهُ تعالى المالَ وسمَّاهُ خيراً، ومدحَهُ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ (١) كذا أورده الماوردي في ((أدب الدنيا والدين)) (ص٤٨). (٢) كذا أورده العسكري في ((ديوان المعاني)) (١٤٦/١). ٣٥١ كن حن حن دن كتاب الصبر والشكر ربع المنجيات عليهِ وسلَّمَ وقالَ: ((نعمَ العونُ على تقوى اللهِ تعالى المالُ))(١). وكذلكَ مدحَ الجاهَ والعزَّ ؛ إذْ منَّ اللهُ تعالى على رسولِهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ بأنْ أظهرَهُ على الدينِ كلِّهِ ، وحبََّهُ في قلوبِ الخلقِ ، وهوَ المعنيُّ بالجاهِ ، ولكنِ المنقولُ في مدحِهِما قليلٌ ، والمنقولُ في ذمِّ المالِ والجاهِ كثيرٌ، وحيثُ ذُمَّ الرياءُ فهوَ ذُّ الجاهِ ، إذِ الرياءُ مقصودُهُ اجتلابُ القلوبِ ، ومعنى الجاهِ ملكُ القلوبِ، وإنَّما كثرَ هذا وقلَّ ذاكَ لأنَّ الناسَ أكثرُهُمْ جهَّالٌ بطريقِ الرقيةِ لحيَّةِ المالِ ، وطريقِ الغوْصِ في بحرِ الجاهِ ، فوجبَ تحذيرُهُمْ؛ فإنَّهُمْ يهلكونَ بِسُمِّ المالِ قبلَ الوصولِ إلى ترياقِهِ ، ويهلكُهُمْ تمساحُ بحرِ الجاهِ قبلَ العثورِ على جواهرِهِ ، ولوْ كانا في أعيانِهِما مذمومينِ بالإضافةِ إلى كلِّ أحدٍ .. لما تُصوِّرَ أنْ ينضافَ إلى النبوَّةِ الملْكُ؛ كما كانَ لرسولِنا صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ، ولا أنْ ينضافَ إليها الغنى؛ كما كانَ لسليمانَ عليهِ السلامُ . فالناسُ كلُّهُمْ صبيانٌ ، والأموالُ حيَّاتٌ، والأنبياءُ والعارفونَ معزِّمونَ، فقدْ يضرُّ الصبيَّ ما لا يضرُّ المعزِّمَ . نعم ، المعزِّمُ لوْ كانَ لهُ ولدٌ يريدُ بقاءَهُ وإصلاحَهُ وقدْ وجدَ حيَّةً وعلمَ أنَّهُ لوْ أخذَها لأجلِ ترياقِها لاقتدى بهِ ولدُهُ وأخذَ الحيّةَ إذا رآها ليلعبَ بها (١) رواه الديلمي في ((مسند الفردوس)) (٦٧٥٦) من حديث جابر رضي الله عنه مرفوعاً ، ورواه القضاعي في ((مسند الشهاب)) (١٣١٧) من حديث محمد بن المنكدر مرسلاً ، ورواه ابن حبان في ((روضة العقلاء)) (ص٢٢٤) من كلام محمد بن المنكدر . ٣٥٢ ربع المنجيات كتاب الصبر والشكر فيهلَكَ .. فلهُ غرضٌ في الترياقِ ، ولهُ غرضٌ في حفْظِ الولدِ ، فواجبٌ عليهِ أنْ يزنَ غرضَهُ في الترياقِ بغرضِهِ في حفْظِ الولدِ ، فإذا كانَ يقدرُ على الصبرِ عنِ الترياقٍ ولا يستضرُّ بهِ ضرراً كثيراً، ولوْ أخذَها لأخذها الصبيُّ، ويعظمُ ضررُهُ بهلاكِهِ .. فواجبٌ عليهِ أنْ يهربَ عنِ الحيَّةِ إذا رآها ويشيرُ على الصبيِّ بالهربِ ، ويقبِّحُ صورتَها في عينِهِ ، ويعرِّفُهُ أنَّ فيها سمّاً قاتلاً لا ينجو منهُ أحدٌ، ولا يحدِّثُهُ أصلاً بما فيها مِنْ نفع الترياقِ ؛ فإنَّ ذلكَ ربما يغرُّهُ فيقدمُ عليهِ مِنْ غيرِ تمامِ المعرفةِ . وكذلكَ الغوَّاصُ إذا علمَ أنَّهُ لوْ غاصَ في البحرِ بمرأىّ مِنْ ولِدِهِ لاتبعَهُ وهلكَ .. فواجبٌ عليهِ أنْ يحذَّرَ الصبيَّ ساحلَ البحرِ والنهرِ ، فإنْ كانَ لا ينزجرُ الصبيُّ بمجرَّدِ الزجرِ مهما رأى أباهُ يحومُ حولَ الساحلِ .. فواجبٌ عليهِ أنْ يبعُدَ مِنَ الساحلِ معَ الصبيِّ ولا يقربَ منهُ بينَ يديهِ . فكذلكَ الأمَّةُ في حجرِ الأنبياءِ عليهِمُ السلامُ كالصبيانِ الأغبياءِ ، ولذلكَ قالَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: ((إنَّما أنا لكُمْ مثلُ الوالدِ لولدِهِ))(١) . وقالَ عليهِ الصلاةُ والسلامُ: (( إنَّكُمْ تتهافتونَ على النارِ تهافتَ الفراشِ وأنا آخذٌ بحُجِزِكُمْ ))(٢). وحظُّهُمُ الأوفرُ في حفْظِ أولادِهِمْ عنِ المهالكِ ، فإنَّهُمْ لمْ يُبعثوا إلا (١) رواه أبو داوود (٨)، والنسائي (٣٨/١)، وابن ماجه (٣١٣). (٢) رواه البخاري ( ٦٤٨٣)، ومسلم (٢٢٨٤) . ٣٥٣ كتاب الصبر والشكر ربع المنجيات لذلكَ، وليسَ لهُمْ في المالِ حظًّ إلا بقدْرِ القوتِ ، فلا جرمَ اقتصروا على قدْرِ القوتِ ، وما فضلَ فلمْ يمسكوهُ ، بلْ أنفقوهُ ؛ فإنَّ الإنفاقَ فيهِ الترياقُ ، وفي الإمساكِ السمُّ، ولوْ فُتِحَ للناسِ بابُ كسبِ المالِ ورُغِّبُوا فيهِ .. لمالوا إلى سمِّ الإمساكِ، ورغبوا عنْ ترياقِ الإنفاقِ ، فلذلكَ قُبُّحَتِ الأموالُ ، والمعنيُّ بهِ تقبيحُ إمساكِها ، والحرصِ عليها للاستكثارِ منها ، والتوسع في نعيمِها بما يوجبُ الركونَ إلى الدنيا ولذَّاتِها، فأمَّا أخذُها بقدْرِ الكفايةِ ، وصرْفُ الفاضلِ إلى الخيراتِ .. فليسَ بمذمومٍ . وحقُّ كلِّ مسافرٍ ألا يحملَ إلا بقدْرِ زادِهِ في السفرِ إذا صمَّمَ العزمَ على أنْ يختصَّ بما يحملُهُ، فأمَّا إنْ سمحَتْ نفسُهُ بإطعام الطعام وتوسيعِ الزادِ على الرفقاءِ .. فلا بأسَ بالاستكثارِ، وقولُهُ عليهِ الصلاةُ والسلامُ: ((ليكنْ بلاغُ أحدِكُمْ مِنَ الدنيا كزادِ الراكبٍ)) (١) معناهُ: لأنفسِكُمْ خاصَّةً ، وإلا .. فقدْ كانَ فيمَنْ يروي هذا الحديثَ ويعملُ بهِ مَنْ يأخذُ مئةَ ألفِ درهمٍ في موضعٍ واحدٍ ويفرِّقُها في موضعِهِ ، ولا يمسكُ منها حبَّةٌ(٢). (١) رواه الترمذي (١٧٨٠) عن عائشة رضي الله عنها قالت : قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((إذا أردتِ اللحوق بي .. فليكفكِ من الدنيا كزاد الراكب ... ))، ورواه ابن ماجه (٤١٠٤) عن سلمان رضي الله عنه قال: ( عهد إليَّ - رسول الله صلى الله عليه وسلم - أنه يكفي أحدكم مثل زاد الراكب ... ) . (٢) منهم السيدة المبجلة عائشة رضي الله عنها ، كما سبق ذكر ذلك عنها في كتاب ( ذم البخل ) عند بدء الكلام على حكايات الأسخياء وكذا سلمان رضي الله عنه ، فقد روى أبو نعيم في ((الحلية)) (١٩٨/١): ( أن عطاءه كان خمسة آلاف درهم ، وكان أميراً = ٣٥٤ جن. ربع المنجيات حر كتاب الصبر والشكر ولمَّا ذكرَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ أنَّ الأغنياءَ يدخلونَ الجنَّةَ بشدَّةٍ .. استأذنَهُ عبدُ الرحمنِ بنُ عوفٍ رضيَ اللهُ عنهُ في أنْ يخرجَ عنْ جميع ما يملكُهُ، فأذنَ لهُ ، فنزلَ جبريلُ عليهِ السلامُ وقالَ : مُرْهُ بأنْ يطعمَ المسكينَ ، ويكسوَ العاريَ، ويقريَ الضيفَ ... الحديثَ(١). فإذاً ؛ النعمُ الدنيويَّةُ مشوبةٌ ، قدِ امتزجَ داؤُها بدوائِها ، ومرجوُّها بمَخُوفِها، ونفعُها بضرِّها ، فمَنْ وثقَ ببصيرتِهِ وكمالِ معرفتِهِ .. فلهُ أنْ يقرُبَ منها متقياً داءَها ومستخرجاً دواءَها، ومَنْ لا يقدرُ على ذلكَ .. فالبعدَ البعدَ ، والفرارَ الفرارَ عنْ مظانِّ الأخطارِ ، فلا تعدلْ بالسلامةِ شيئاً في حقٌّ هؤلاءِ ، وهُمُ الخلْقُ كلُّهُمْ إلا مَنْ عصمَهُ اللهُ تعالى وهداهُ لطريقِهِ . فإنْ قلتَ : فما معنى النعَم التوفيقيَّةِ الراجعةِ إلى الهدايةِ والرشدِ والتأييدِ والتسديدٍ ؟ فاعلمْ : أنَّ التوفيقَ لا يستغني عنهُ أحدٌ ، وهوَ عبارةٌ عنِ التأليفِ والتلفيقِ بينَ إرادةِ العبدِ وبينَ قضاءِ اللهِ وقدَرِهِ ، وهذا يشملُ الشرَّ والخيرَ ، وما هوَ سعادةٌ وما هوَ شقاوةٌ ، ولكنْ جرتِ العادةُ بتخصيصِ اسمِ التوفيقِ بما يوافقُ على زهاء ثلاثين ألفاً من المسلمين ، وكان يخطب الناس في عباءة يفترش بعضها = ويلبس بعضها ، وإذا خرج عطاؤه .. أمضاه ويأكل من سفيف يده ) . (١) رواه الحاكم في ((المستدرك)) (٣١١/٣)، وأبو نعيم في ((الحلية)) (٩٩/١)، والبيهقي في ((الشعب)) (٣٠٦٤). ٣٥٥ 1 كتاب الصبر والشكر ربع المنجيات السعادةَ مِنْ جملةِ قضاءِ اللهِ تعالى وقدَرِهِ ، كما أنَّ الإلحادَ عبارةٌ عنِ الميلِ ، فخُصِّصَ بمَنْ يميلُ إلى الباطلِ عنِ الحقِ ، وكذا الارتدادُ . ولا خفاءَ بالحاجةِ إلى التوفيقِ ، ولذلكَ قيلَ(١): [من الطويل] إِذا لَمْ يَكُنْ عَوْنٌ مِنَ الهِ لِلْفَتَى فَأَكْثَرُ ما يَجْنِي عَلَيْهِ أَجْتِهَادُهُ فأمَّا الهدايةُ : فلا سبيلَ لأحدٍ إلى طلبِ السعادةِ إلا بها ؛ لأنَّ داعيةَ الإنسانِ قدْ تكونُ مائلةً إلى ما فيهِ صلاحُ آخرِهِ ، ولكنْ إذا لمْ يعلمْ ما فيهِ صلاحُ آخرتِهِ حتَّى يظنُّ الفسادَ صلاحاً .. فمِنْ أينَ ينفعُهُ مجرَّدُ الإرادةِ ؟! فلا فائدةَ في الإرادةِ والقدرةِ والأسبابِ إلا بعدَ الهدايةِ . ولذلكَ قالَ تعالى: ﴿رَبُّنَا الَّذِىّ أَعْطَى كُلّ شَىْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّهَدَى﴾ . وقال تعالى: ﴿وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَ مِنْكُم مِّنْ أَحَدٍ أَبَدًّا وَلَكِنَّ اللَّهَ يُزَكِّ مَن يَشَآءُ﴾ . وقالَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ : (( ما مِنْ أحدٍ يدخلُ الجنَّةَ إلا برحمةِ اللهِ تعالى)) أيْ: بهدايتِهِ، فقيلَ: ولا أنتَ يا رسولَ اللهِ؟ قالَ: (( ولا أنا)) (٢) . (١) البيت لسيدنا علي في ((ديوانه)) الموسوم بـ ((أنوار العقول لوصي الرسول)) ( ص٢٦٤ ) . (٢) رواه البخاري ( ٥٦٧٣)، ومسلم (٢٨١٦) بنحوه . ٣٥٦ ربع المنجيات حر كتاب الصبر والشكر وللهدايةِ ثلاثُ منازلَ : الأولىُ : معرفةٌ طريقِ الخيرِ والشرِّ المشارِ إليهِ بقولهِ تعالى: ﴿وَهَدَيْنَهُ النَّجْدَيْنِ﴾، وقدْ أنعمَ اللهُ تعالى بهِ على كافَّةِ عبادِهِ ، بعضُهُ بالعقلِ، وبعضُهُ على لسانِ الرسلِ ، ولذلكَ قالَ تعالى: ﴿ وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَهُمْ فَأَسْتَحَبُّواْ اَلْعَمَى عَلَى اَلْهُدَى﴾، فأسبابُ الهدى هيَ الكتبُ والرسلُ وبصائرُ العقولِ ، وهيَ مبذولةٌ ، ولا يمنعُ منها إلا الحسدُ ، والكبرُ ، وحبُّ الدنيا ، والأسبابُ التي تعمي القلوبَ وإنْ كانَتْ لا تعمي الأبصارَ . قالَ تعالى: ﴿فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَرُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِى فِ الصُّدُورِ﴾. ومِنْ جملةِ المعمِياتِ الإِلْفُ والعادةُ وحبُّ استصحابهما ، وعنهُ العبارةُ بقولِهِ تعالى: ﴿إِنَّا وَجَدْنَآ ءَابَآءَ نَا عَلَىَ أُمَّةٍ ... ﴾ الآيةَ. وعنِ الكبرِ والحسدِ العبارةُ بقولِهِ تعالى: ﴿ وَقَالُواْ لَوْلَا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْءَانُ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ﴾، وقولِهِ تعالى: ﴿أَبَشَرًا مِنَّا وَاحِدَا نََّّعُهُ﴾. فهذهِ المعمِياتُ هيَ التي منعَتِ الاهتداءَ . والهدايةُ الثانيةُ : وراءَ هذهِ الهدايةِ العامَّةِ ، وهيَ التي يمدُّ اللهُ تعالى بها العبدَ حالاً بعدَ حالٍ، وهيَ ثمرةُ المجاهدةِ، حيث قالَ تعالى: ﴿ وَأَلَّذِينَ جَهَدُواْ فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا﴾، وهوَ المرادُ بقولِهِ تعالى: ﴿وَالَّذِينَ أَهْتَدَوْ زَادَهُمْ هُدَى﴾ . والهدايةُ الثالثةُ : وراءَ الثانيةِ ، وهوَ النورُ الذي يشرقُ في عالمِ النبؤَّةِ ٣٥٧ مصر ـن حن .. کتاب الصبر والشكر ربع المنجيات والولايةِ بعدَ كمالِ المجاهدةِ ، فيهتدي بها إلى ما لا يهتدي إليهِ بالعقلِ الذي يحصلُ التكليفُ وإمكانُ تعلُّمِ العلومِ بهِ ، وهوَ الهدى المطلقُ ، وما عداهُ حجابٌ لهُ ومقدماتٌ ، وهوَ الذي شرَّفَهُ اللهُ تعالى بتخصيصٍٍ الإضافةِ إليهِ وإنْ كانَ الكلُّ مِنْ جهتِهِ تعالى ، فقالَ تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ هُدَى اَللّهِ هُوَ أَلْهُدَى﴾ . وهوَ المسمَّى حياةً في قولِهِ تعالى: ﴿أَوَ مَن كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِى بِهِ، فِى النَّاسِ﴾، والمعنيُّ بقولِهِ تعالى: ﴿أَفَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَمِ فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِّن رَّبِهِ ﴾ . وأمَّا الرشدُ : فنعني بهِ العنايةَ الإلهيَّةَ التي تعينُ الإنسانَ عندَ توجُّهِهِ إلى مقاصدِهِ ، فتقوِّيهِ على ما فيهِ صلاحُهُ ، وتفتِّرُهُ عمَّا فيهِ فسادُهُ ، ويكونُ ذلكَ مِنَ الباطنِ ، كما قالَ تعالى: ﴿وَلَقَدْ ءَانَيْنَآ إِبَّرِهِيَمَ رُشْدَهُ مِن قَبْلُ وَكُنَّا بِهِ، عَلِمِينَ﴾، فالرشدُ : عبارةٌ عنْ هدايةِ باعثةٍ إلى جهةِ السعادةِ ، محرِّكةٍ إليها ، فالصبيُّ إذا بلغَ خبيراً بحفْظِ المالِ وطرقِ التجارةِ والاستنماءِ ولكنَّهُ معَ ذلكَ يبذِّرُ ولا يريدُ الاستنماءَ .. لا يُسمَّى رشيداً ، لا لعدم هدايتِهِ ، بلْ لقصورِ هدايتِهِ عنْ تحريكِ داعيتِهِ ، فَكَمْ مِنْ شخصٍ يقدمُ على ما يعلمُ أنَّهُ يضرُّهُ ، فقدْ أُعطيَ الهدايةَ ومُيِّزَ بها عنِ الجاهلِ الذي لا يدري أنَّهُ يضرُّهُ ، ولكنْ ما أُعطيَ الرشدَ ، فالرشدُ بهذا الاعتبارِ أكملُ مِنْ مجرَّدِ الهدايةِ إلى وجوهِ الأعمالِ ، وهيَ نعمةٌ عظيمةٌ . 9. ٣٥٨ ربع المنجيات كتاب الصبر والشكر وأمَّا التسديدُ : فهوَ توجيهُ حركاتِهِ إلى صوبِ المطلوبِ ، وتيسُّرُها عليهِ ليستدَّ في صوبٍ الصوابِ في أسرع وقتٍ ، فإنَّ الهدايةَ بمجرَّدِها لا تكفي ، بلْ لا بدَّ مِنْ هدايةٍ محرِّكةٍ للداعيةِ وهيَ الرشدُ ، والرشدُ لا يكفي ، بل لا بدَّ مِنْ تيسيرِ الحركاتِ بمساعدةِ الأعضاءِ والآلاتِ حتَّى يتمَّ المرادُ ممَّا انبعثَتِ الداعيةُ إليهِ . فالهدايةُ : محضُ التعريفِ ، والرشدُ : هوَ تنبيهُ الداعيةِ لتستيقظَ وتتحرَّكَ ، والتسديدُ : إعانةٌ ونصرةٌ بتحريكِ الأعضاءِ في صوبِ السدادِ . وأمَّا التأييدُ : فكأنَّهُ جامعٌ للكلِّ ، وهوَ عبارةٌ عنْ تقويةِ أمرِهِ بالبصيرةِ مِنْ داخلٍ وتقويةٍ البطشِ ومساعدةِ الأسبابِ مِنْ خارجٍ ، وهوَ المرادُ بقولِهِ تعالى: ﴿إِذْ أَبَّدتُّكَ بِرُوجِ الْقُدُسِ﴾، وتقرُبُ منهُ العصمةُ ، وهيَ عبارةٌ عنْ جودٍ إلهيٍّ يسبحُ في الباطنِ يقوىُ بهِ الإنسانُ على تحرِّي الخيرِ وتجنُّبِ الشرِّ ، حتَّى يصيرَ كمانعٍ مِنْ باطِنِهِ غيرِ محسوسٍ، وإَّهُ عُنيَ بقولِهِ تعالى: ﴿وَلَقَدْ هَمَّتْ ◌ِهِ، وَهَمَّ بِهَا لَوْلَا أَن رَّءَابُرْهَنَ رَبِّهِ﴾. فهذهِ هيَ مجامعُ النعمِ ، ولنْ تتثبَّتَ إلا بما يخوّلُهُ اللهُ مِنَ الفهمِ الصافي الثاقبِ ، والسمع الواعي ، والقلبِ البصيرِ المتواضع المراعي ، والمعلِّم الناصحِ ، والمالِ الزائدِ على ما يقصرُ عنِ المهمَّاتِ بقلَّتِهِ ، القاصرِ عمَّا ٣٥٩ كتاب الصبر والشكر ربع المنجيات يشغلُ عنِ الدينِ بكثرتِهِ ، والعزِّ الذي يصونُهُ عنْ سفهِ السفهاءِ وظلْمِ الأعداءِ . ويستدعي كلُّ واحدٍ مِنْ هذهِ الأسبابِ الستةَ عشرَ أسباباً ، وتستدعي تلكَ الأسبابُ أسباباً ، إلى أنْ تنتهيَ بالآخرةِ إلى دليلِ المتحيِّرِينَ وملجأٍ المضطرينَ ، وذلكَ ربُّ الأربابِ ومسبِّبُ الأسبابِ . وإذا كانَتْ تلكَ الأسبابُ طويلةً لا يحتملُ مثلُ هذا الكتابِ استقصاءَها .. فلنذكرْ منها أنموذجاً؛ ليُعلمَ بهِ معنى قولِهِ تعالى: ﴿وَإِن تَعُدُ وانِعْمَتَ اللَّهِلَا تُخُصُوهَا﴾، وبالله التوفيقُ . ٣٦٠