Indexed OCR Text
Pages 261-280
ربع المنجيات كتاب الصبر والشكر حن أشدُّها كفُّ الباطنِ عنْ حديثِ النفسِ ، وإنَّما يشتدُّ ذلكَ على مَنْ تفرَّغَ لهُ ؛ بأنّ قمعَ الشهواتِ الظاهرةَ والباطنةَ كلَّها ، وآثرَ العزلةَ ، وجلسَ للمراقبةِ والذكرِ والفكرِ ، فإنَّ الوسواسَ لا يزالُ يجاذبُهُ مِنْ جانبٍ إلى جانبٍ ، وهذا لا علاجَ لهُ ألبتةَ إلا قطعُ العلائقِ كلِّها ظاهراً وباطناً ؛ بالفرارِ عنِ الأهلِ والولدِ ، والمالِ والجاهِ ، والرفقاءِ والأصدقاءِ ، والاعتزالِ إلى زاويةٍ بعدَ إحرازِ قدْرٍ يسيرٍ مِنَ القوتِ ، وبعدَ القناعةِ بهِ . ثمَّ كلُّ ذلكَ لا يكفي ما لمْ تصرِ الهمومُ همّاً واحداً ، وهوَ اللهُ تعالى، ثمَّ إذا غلبَ ذلكَ على القلبِ .. فلا يكفي ذلكَ ما لمْ يكنْ لهُ مجالٌ في الفكرِ ، وسيرٌ بالباطنِ في ملكوتِ السماواتِ والأرضِ ، وعجائبٍ صنعِ اللهِ تعالى ، وسائرِ أبوابٍ معرفةِ اللهِ تعالى، حتَّى إذا استولى ذلكَ على قلبهِ .. دفعَ اشتغالُهُ بذلكَ محادثةَ (١) الشيطانِ ووسواسَهُ . حن جن صــ وإنْ لمْ يكنْ لهُ سيرٌ بالباطنِ .. فلا ينجيهِ إلا الأورادُ المتواصلةُ المترتبةُ في كلِّ لحظةٍ ؛ مِنَ القراءةِ ، والأذكارِ ، والصلواتِ ، ويحتاجُ معَ ذلكَ إلى تكليفِ القلبِ الحضورَ ، فإنَّ الفكرَ بالباطنِ هوَ الذي يستغرقُ القلبَ دونَ الأورادِ الظاهرةِ . ثمَّ إذا فعلَ كلَّ ذلكَ .. لمْ يسلمْ لهُ مِنَ الأوقاتِ إلا بعضُها؛ إذْ لا يخلو في جميع أوقاتِهِ عنْ حوادثَ تتجدّدُ فتشغلُهُ عنِ الفكرِ والذكرِ ؛ مِنْ مرضٍ ، (١) في (ن): (بذلك مجاذبة ) بدل ( بذلك محادثة ). ٢٦١ كتاب الصبر والشكر ربع المنجيات وخوفٍ ، وإيذاءٍ مِنْ إنسانٍ، وطغيانٍ مِنْ مخالطٍ ؛ إذْ لا يستغني عنْ مخالطةِ مَنْ يعينُهُ في بعضٍ أسبابِ المعيشةِ . فهذا أحدُ الأنواع الشاغلةِ . G وأمَّا النوعُ الثاني فهوَ ضروريٌّ أشدُّ ضرورةٌ مِنَ الأولِ ، وهوَ اشتغالُهُ بالمطعمِ والملبسِ وأسبابِ المعاشِ ، فإنَّ تهيئةَ ذلكَ أيضاً تحوجُ إلى شغلٍ إِنْ تولاَّهُ بنفسِهِ، وإنْ تولاَّهُ غيرُهُ .. فلا يخلو عنْ شغلٍ قلبٍ بمَنْ يتولاهُ ، ولكنْ بعدَ قطع العلائقِ كلُّها تسلمُ لهُ أكثرَ الأوقاتِ إنْ لمْ تهجمْ عليهِ ملمَّةٌ أُوْ واقعةٌ ، وفي تلكَ الأوقاتِ يصفو القلبُ، ويتيسَّرُ لهُ الفكرُ ، وينكشفُ فيهِ مِنْ أسرارِ اللهِ تعالى في ملكوتِ السماواتِ والأرضِ ما لا يقدرُ على عُشْرِ عَشِيرِهِ في زمانٍ طويلٍ لو كانَ مشغولَ القلبِ بالعلائقِ ، والانتهاءُ إلى هذا هوَ أقصى المقاماتِ التي يمكنُ أنْ تُنْالَ بالاكتسابِ والجهدِ . فأمَّا مقاديرُ ما ينكشفُ ، ومبالغُ ما يردُ مِنْ لطفِ اللهِ تعالى في الأحوالِ والأعمالِ .. فذلكَ يجري مَجرى الصيدِ ، وهوَ بحسبِ الرزقِ ، فقدْ يقلُّ الجهدُ ويجلُّ الصيدُ ، وقدْ يطولُ الجهدُ ويقلُّ الحظُّ، والمعوَّلُ وراءَ هذا الاجتهادِ على جذبةٍ مِنْ جذباتِ الرحمانِ ، فإنَّها توازي أعمالَ الثقلينِ ، وليسَ ذلكَ باختيارِ العبدِ . نعم ، اختيارُ العبدِ في أنْ يتعرَّضَ لتلكَ الجذبةِ ؛ بأنْ يقطعَ عنْ قلِهِ جواذبَ الدنيا ، فإنَّ المجذوبَ إلى أسفلِ سافلينَ لا ينجذبُ إلى أعلى ٢٦٢ ٥ ربع المنجيات كتاب الصبر والشكر علِّينَ ، وكلُّ منهوم بالدنيا فهوَ منجذبٌ إليها ، فقطعُ العلائقِ الجاذبةِ هوَ المرادُ بقولِهِ عليهِ الصلاةُ والسلامُ: ((إنَّ لربِّكُمْ في أيام دهرِكُمْ نفحاتٍ ، ألا فتعرَّضوا لها ))(١)، وذلكَ لأَنَّ تلكَ النفحاتِ والجذباتِ لها أسبابٌ سماويّةٌ؛ إذْ قالَ اللهُ تعالى: ﴿ وَفِ التَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ﴾، وهذا مِنْ أعلى أنواع الرزقِ ، والأمورُ السماويَّةُ غائبةٌ عنَّا، فلا ندري متى يبسِّرُ اللهُ أسبابَ الرزقِ ، فما علينا إلا تفريغُ المحلِّ والانتظارُ لنزولِ الرحمةِ وبلوغِ الكتابِ أجلَهُ ؛ كالذي يصلحُ الأرضَ وينقِيها مِنَ الحشيشِ ، ويبتُّ البذرَ فيها، وكلُّ ذلكَ لا ينفعُهُ إلا بمطرٍ ، ولا يدري متى يقدِّرُ اللهُ أسبابَ المطرِ، إلا أنَّهُ يثقُ بفضلِ اللهِ تعالى ورحمتِهِ أنَّهُ لا يخلي سنةً عنْ مطرٍ ، فكذلكَ قلَّما تخلو سنةٌ وشهرٌ ويومٌ عنْ جذبةٍ مِنَ الجذباتِ ونفحةٍ مِنَ النفحاتِ . فينبغي أنْ يكونَ العبدُ قدْ طهَّرَ القلبَ مِنْ حشيشِ الشهواتِ ، وبذرَ فيهِ بذرَ الإرادةِ والإخلاصِ ، وعرضَهُ لمهاٌ رياحِ الرحمةِ ، وكما يقوى انتظارُ الأمطارِ في أوقاتِ الربيع وعندَ ظهورِ الغيمٍ .. فيقوى انتظارُ تلكَ النفحاتِ في الأوقاتِ الشريفةِ وعند اجتماع الهممِ وتساعدِ القلوبِ ؛ كما في يومٍ عرفةَ ، ويوم الجمعةِ، وأيامِ رمضانَ ؛ فإنَّ الهممَ والأنفاسَ أسبابٌ بحكْمٍ تقديرِ اللهِ تعالى لاستدرارِ رحمتِهِ ، حتَّى تستدُّ بها الأمطارُ في أوقاتٍ الاستسقاءِ ، وهي لاستدرارِ أمطارِ المكاشفاتِ ولطائفِ المعارفِ مِنْ خزائنٍ (١) رواه الطبراني في ((الكبير)) (٢٣٣/١٩)، وابن عبد البر في ((التمهيد)) (٣٣٩/٥) بنحوه . ٢٦٣ كتاب الصبر والشكر ربع المنجيات الملكوتِ أشدُّ مناسبةً منها لاستدرار قطراتِ الماءِ واستجرارِ الغيوم مِنْ أقطارِ الجبالِ والبحارِ . بلِ الأحوالُ والمكاشفاتُ حاضرةٌ معَكَ في قلبكَ ، وإنَّما أنتَ مشغولٌ عنها بعلائقِكَ وشهواتِكَ ، فصارَ ذلكَ حجاباً بِينَكَ وبينَها ، فلا تحتاجُ إلا إلىْ أنْ تكسرَ البثقَ(١)، ويُرفعَ الحجابُ، فتُشرقُ أنوارُ المعارفِ مِنْ باطنِ القلبِ ، وإظهارُ ماءِ الأرضِ بحفْرِ القُنى أسهلُ وأقربُ مِنِ استنزالِ الماءِ إليها مِنْ مكانٍ بعيدٍ منخفضٍ عنها ، ولكونِهِ حاضراً في القلبِ ومنسيّاً بالشغلِ عنهُ سمَّى اللهُ تعالى جميعَ معارفِ الإيمانِ تذكُّراً، فقالَ تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَفِظُونَ﴾، وقال تعالى: ﴿وَلَتَذَّكَّرَ أُوْلُواْ الْأَلْبِ﴾، وقالَ تعالى: ﴿ وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْءَانَ لِلِذِكْرِ فَهَلْ مِن مُّذَّكِرٍ﴾ . فهذا هوَ علاجُ الصبرِ عنِ الوساوسِ والشواغلِ ، وهوَ آخرُ درجاتِ الصبرِ. وإنَّما الصبرُ عنِ العلائق كلُّها مقدَّمٌ على الصبرِ عنِ الخواطرِ ، قالَ الجنيدُ رحمهُ اللهُ: ( المسيرُ مِنَ الدنيا إلى الآخرةِ سهلٌ على المؤمنِ ، وهجرانٌ الخلقِ في جنبِ الحقِّ شديدٌ، والمسيرُ مِنَ النفسِ إلى اللهِ تعالى صعبٌ شديدٌ، والصبرُ معَ اللهِ أشدٌ)(٢). ــن حن: (١) البثق: اسم الموضع الذي حفره الماء ، واسم للمكان المكسور، واستعمال هذه اللفظة يناسب قوله : ( بل الأحوال والمكاشفات حاضرة معك في قلبك ) ، وفي ( ب ) : ( تكسر النفس ) . (٢) رواه القشيري في ((رسالته)) (ص٣٢٤). ٢٦٤ - ربع المنجيات كتاب الصبر والشكر فذكرَ شدةَ الصبرِ عنْ شواغلِ القلبِ ، ثمَّ شدةً هجرانِ الخلقِ ، وأشدُ العلائقِ على النفسِ علاقةُ الخلقِ وحبُّ الجاهِ ؛ فإنَّ لذةَ الرئاسةِ والغلبةِ والاستعلاءِ والاستتباع أغلبُ اللذاتِ في الدنيا على نفوسِ العقلاءِ ، وكيفَ لا تكونُ أغلبَ اللذاتِ ومطلوبُها صفةٌ مِنْ صفاتِ اللهِ تعالى وهيَ الربوبيةُ ؟! والربوبيةُ محبوبةٌ ومطلوبةٌ بالطبع للقلبِ ؛ لما فيهِ مِنَ المناسبةِ للأمور الربوبيةِ ، وعنهُ العبارةُ بقولِهِ تعالى: ﴿قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّ﴾ . مـ وليسَ القلبُ مذموماً على حبُِّ ذلكَ ، وإنَّما هوَ مذمومٌ على غلطٍ وقعَ لهُ بسببٍ تغريرِ الشيطانِ اللعينِ المبعدِ عنْ عالمِ الأمرِ ، إذْ حسدَهُ على كونِهِ مِنْ عالمِ الأمرِ ، فأضلَّهُ وأغواهُ ، وكيفَ يكونُ مذموماً عليهِ وهوَ يطلبُ سعادةَ الآخرةِ ؟! ليسَ يطلبُ إلا بقاءً لا فناءَ فيهِ، وعزّاً لا ذلَّ فِيهِ ، وأمناً لا خوفَ فيهِ ، وغنىّ لا فقرَ فيهِ ، وكمالاً لا نقصانَ فيهِ ، وهذهِ كلُّها مِنْ أوصافِ الربوبيَّةِ ، وليسَ مذموماً على طلبِ ذلكَ، بلْ حقُّ كلِّ عبدٍ أنْ يطلبَ ملكاً عظيماً لا آخرَ لهُ، وطالبُ الملكِ طالبٌ للعلوِّ والعزِّ والكمالِ لا محالةَ ، ولكنِ الملكُ ملکانِ : ملكٌ مشوبٌ بأنواعِ الآلامِ ، وملحوقٌ بسرعةِ الانصرامِ ، ولكنَّهُ عاجلٌ ، وهوَ في الدنيا . وملكٌ مخلَّدٌ دائمٌ لا يشوبُهُ كدرٌ ولا ألمٌّ، ولا يقطعُهُ قاطعٌ ، ولكنَّهُ آجلٌ . ٢٦٥ كتاب الصبر والشكر ربع المنجيات مسسب ے وقدْ خُلقَ الإنسانُ عجولاً راغباً في العاجلةِ ، فجاءَ الشيطانُ وتوسَّلَ إليهِ بواسطةِ العجلةِ التي في طبعِهِ ، فاستغواهُ بالعاجلةِ ، وزيَّنَّ لهُ الحاضرةَ ، وتوسَّلَ إليهِ بواسطةِ الحمقِ ، فوعدَهُ بالغرورِ في الآخرةِ ، ومنَّهُ معَ ملكِ الدنيا ملكَ الآخرةِ، كما قالَ عليهِ الصلاةُ والسلامُ: (( والأحمقُ مَنْ أتبعَ نفسَهُ هواها وتمنَّى على اللهِ الأمانيَّ))(١) ، فانخدعَ المخذولُ بغرورِهِ، واشتغلَ بطلبِ عزِّ الدنيا وملكِها على قدْرِ إمكانِهِ ، ولمْ يتدلَّ الموفَّقُ بحبلٍ غرورِهِ ؛ إذْ علمَ مداخلَ مكْرِهِ ، فأعرضَ عنِ العاجلةِ ، فَعُيَِّ عنِ المخذولينِ وقيلَ: ﴿كَّابَلْ تُونَ الْعَلِلَةٌّ ◌ِيُ وَذَرُونَ الْآَخِرَةَ﴾. وقال تعالى: ﴿إِنََّ هَؤُلَاءِ يُحِبُّونَ الْعَاجِلَةَ وَيَذَرُونَ وَرَآءَ هُمْ يَوْمًا ثَّقِيلًا﴾. وقال تعالى: ﴿فَأَعْرِضْ عَن مَّن تَّوَلَّ عَن ذِكْرِنَا وَلَمْ يُرِدْ إِلَّا الْحَيَوَةَ الدُّنْيَاَ ﴾ ذَلِكَ مَبْلَغُهُمْ مِنَ الْعِلْمِ﴾. ولمَّا استطارَ مكرُ الشيطانِ في كافّةِ الخلقِ .. أرسلَ اللهُ الملائكةَ إلى الرسلِ ، فأوحَوا إليهِمْ ما تمَّ على الخلقِ مِنْ إهلاكِ العدوِّ وإغوائِهِ ، فاشتغلوا بدعوةِ الخلقِ إلى الملْكِ الحقيقيِّ عنِ الملكِ المجازيِّ الذي لا أصلَ لهُ إنْ سلمَ ، ولا دوامَ لهُ أصلاً، فنادَوا فيهِمْ: ﴿يَتَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُ أَنِفِرُواْ فِى سَبِيلِ اللَّهِ أَنَّا قَلْتُمْ إِلَى الْأَرْضِ أَرَضِيتُم بِالْحَيَوْةِ الذُّنْيَا مِنَ الْآَخِرَةِ فَمَا مَتَعُ الْحَيَوَةِ الدُّنْيَا فِ الْآَخِرَةِ إِلََّ قَلِيلُ﴾. (١) رواه الترمذي (٢٤٥٩)، وابن ماجه ( ٤٢٦٠ ). ٢٦٦ كتاب الصبر والشكر ربع المنجيات فالتوراةُ والإنجيلُ والزبورُ والفرقانُ وصحفُ موسى وإبراهيمَ وكلُّ كتابٍ منزلٍ .. ما أُنزلَ إلا لدعوةِ الخلقِ إلى الملْكِ الدائمِ المخلَّدِ، والمرادُ منهُمْ أنْ يكونوا ملوكاً في الدنيا ملوكاً في الآخرةِ ، أمَّا ملكُ الدنيا .. فبالزهدِ فيها ، والقناعةِ باليسيرِ منها ، وأمَّا ملكُ الآخرةِ .. فبالقربِ مِنَ اللهِ تعالىُ بدرْكِ بقاءٍ لا فناءَ فيهِ ، وعزٍّ لا ذلَّ فيهِ ، وقرَّةِ عينٍ أُخفيَتْ في هذا العالمِ لا تعلمُها نفسٌ مِنَ النفوسِ . والشيطانُ يدعوهُمْ إلى ملكِ الدنيا لعلمِهِ بأنَّ ملكَ الآخرةِ يفوتُ بهِ ؛ إذِ الدنيا والآخرةُ ضرَّتانِ، ولعلمِهِ بأنَّ الدنيا لا تسلمُ لهُ أيضاً ، ولوْ كانَتْ تسلمُ لهُ .. لكانَ يحسدُهُ أيضاً، ولكنْ ملكُ الدنيا لا يخلو عنِ المنازعاتِ والمكدِّراتِ وطولِ الهموم في التدبيراتِ ، وكذا سائرُ أسبابِ الجاهِ ، ثمَّ كما تسلمُ وتتمُّ الأسبابُ ينقضي العمرُ، ﴿حَتَّىَ إِذَا أَخَذَتِ اٌلْأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَأَزَّيَّنَتْ وَظَرَ أَهْلُهَآ أَنَّهُمْ قَدِرُونَ عَلَيْهَا أَتَنِهَا أَمْهُنَا لَيْلَا أَوْ نَهَارًا فَجَعَلْنَهَا حَصِيدًا كَأَنْ لَّْ تَغْنَ بِالْأَمْسِ﴾، فضربَ اللهُ تعالى لها مثلاً فقالَ: ﴿ وَأَضْرِبْ لَهُمْ مَّثَلَ الْحَيَوَةِ اُلَُّا كَمَآءٍ أَنْزَلْتَهُ مِنَ السَّمَآءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ فَأَصْبَحَ هَشِيمًا نَذْرُوهُ اَلْرِّيَحُ﴾. والزهدُ في الدنيا لمّا أنْ كانَ ملكاً حاضراً .. حسدَهُ الشيطانُ عليهِ ، فصدَّهُ عنهُ ، ومعنى الزهدِ : أنْ يملكَ العبدُ شهوتَهُ وغضبَهُ ، فينقادانِ لباعثٍ الدينِ وإشارةِ الإيمانِ ، وهذا ملكٌ بالاستحقاقِ ؛ إذْ بهِ يصيرُ صاحبُهُ حرّاً ، وباستيلاءِ الشهوةِ عليهِ يصيرُ عبداً لفرجِهِ وبطنِهِ وسائرٍ أغراضِهِ ، فيكونُ ٢٦٧ كتاب الصبر والشكر ربع المنجيات مسخَّراً مثلَ البهيمةِ ، مملوكاً يستجرُّهُ زمامُ الشهوةِ آخذاً بمُخَنَّقِهِ إلى حيثُ یریدُ ویھوی . فما أعظمَ اغترارَ الإنسانِ ! إذْ ظنَّ أنَّهُ ينالُ الملكَ بأنْ يصيرَ مملوكاً ، وينالُ الربوبيَّةَ بأنْ يصيرَ عبداً ! ومثلُ هذا هلْ يكونُ إلا معكوساً في الدنيا ، منكوساً في الآخرةِ ؟! ولهذا قالَ بعضُ الملوكِ لبعضٍ الزهَّادِ : هلْ مِنْ حاجةٍ ؟ فقالَ : كيفُ أطلبُ منكَ حاجةً وملكي أعظمُ مِنْ ملكِكَ، فقالَ : كيفَ ؟ قالَ : مَنْ أنتَ عبدُهُ فهوَ عبدٌ لي ، فقالَ : كيفَ ذلكَ ؟ قالَ : أنتَ عبدُ شهوتِكَ وغضبكَ وفرجِكَ وبطنِكَ، وقدْ ملكتُ هؤلاءِ كلَّهُمْ فهُمْ عبيدٌ لي (١). فهذا إذاً هوَ الملكُ في الدنيا ، وهوَ الذي يسوقُ إلى الملكِ في الآخرةِ ، فالمنخدعونَ بغرورِ الشيطانِ خسروا الدنيا والآخرةَ جميعاً ، والذين وُفُقوا للاشتدادِ على الصراطِ المستقيمِ فازوا بالدنيا والآخرةِ جميعاً . فإذا عرفتَ الآنَ معنى الملْكِ والربوبيَّةِ ، ومعنى التسخيرِ والعبوديةِ ، ومدخلَ الغلطِ في ذلكَ ، وكيفَ تعميةُ الشيطانِ وتلبيسُهُ .. يسهلُ عليكَ النزوعُ عنِ الملكِ والجاهِ والإعراضُ عنهما ، والصبرُ عندَ فواتِهما ؛ إذْ تصيرُ بتركِهِما ملكاً في الحالِ ، وترجو بهِ ملْكاً في الآخرةِ . (١) وممن حكي عنه هذا بعد عصر المصنف الشيخُ الجليل أبو الغيث بن جميل ، انظر (الإرشاد والتطريز)) (ص ١٤٢). ٢٦٨ ربع المنجيات كتاب الصبر والشكر ومَنْ كُوشفَ بهذهِ الأمورِ بعدَ أنْ ألفَ الجاهَ وأنسَ بهِ ورسخَتْ فيهِ بالعادةِ مباشرةُ أسبابِهِ .. فلا يكفيهِ في العلاج مجرَّدُ العلمِ والكشفِ ، بلْ لا بدَّ وأنْ يضيفَ إليهِ العملَ، وعملُهُ في ثلاثةِ أمورٍ : أحدُها : أنْ يهربَ عنْ موضع الجاهِ كي لا يشاهدَ أسبابَهُ ، فيعسرَ عليهِ الصبرُ معَ الأسبابِ ؛ كما يهربُ مَنْ غلبَتْهُ الشهوةُ عنْ مشاهدةِ الصورِ المحرِّكةِ ، ومَنْ لمْ يفعلْ ههذا .. فقدْ كفرَ نعمةَ اللهِ تعالى في سعةِ الأرضِ ؛ إذْ قالَ تعالى: ﴿أَلَمْ تَكُنّ أَرْضُ الَّهِ وَسِعَةٌ فَنُهَاجِرُوا فِيهَا﴾. ? الثاني : أنْ يكلِّفَ نفسَهُ في أعمالِهِ أفعالاً تخالفُ ما اعتادَهُ، فيبدُّلُ التكلُّفَ بالتبذُّلِ ، وزيَّ الحشمةِ بزيِّ التواضع ، وكذلكَ كلُّ هيئةٍ وحالٍ وفعلٍ في مسكنٍ وملبسٍ ومطعمٍ وقيام وقعودٍ كانَ يعتادُهُ وفاءً بمقتضى جاهِهِ ، فينبغي أنْ يبدِّلَها بنقائضِها ، حتَّى يرسخَ باعتيادِ ذلكَ ضدُّ ما رسخَ فيهِ مِنْ قبلُ باعتيادِ ضدِّهِ ، فلا معنى للمعالجةِ إلا المضادّةُ . الثالثُ : أنْ يراعيَ في ذلكَ التلطُّفَ والتدريجَ ، فلا ينتقلَ دفعةً واحدةً إلى الطرفِ الأقصىْ مِنَ التبذُّلِ، فإنَّ الطبعَ نفورٌ ، ولا يمكنُ نقلُهُ عنْ أخلاقِهِ إلا بالتدريج ، فيتركُ البعضَ ويسلَّ نفسَهُ بالبعضِ ، ثمَّ إذا قنعَتْ نفسُهُ بذلكَ البعض .. ابتدأَ بتركِ البعضِ مِنْ ذلكَ البعضِ ، إلى أنْ يقنعَ بالبقيّةِ ، وهكذا يفعلُ شيئاً فشيئاً ، إلى أنْ يقمعَ تلكَ الصفاتِ التي رسخَتْ فيهِ . وإلى هذا التدريج الإشارةُ بقولِهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: ((إنَّ هذا الدِّينَ ٢٦٩ : حن كتاب الصبر والشكر ربع المنجيات متينٌ ، فأوغلْ فيهِ برفقٍ ، ولا تبغُّضْ إلى نفسِكَ عبادةَ اللهِ ؛ فإنَّ المنبثَ لا أرضاً قطعَ ولا ظهراً أبقى)) (١). وإليهِ الإشارةُ بقولِهِ عليهِ الصلاةُ والسلامُ : (( لا تشادُّوا هذا الدينَ ؛ فإنَّ مَنْ يشادُّهُ يغلبُهُ))(٢) . فإذاً ؛ ما ذكرناهُ في علاجِ الصبرِ عنِ الوسواسِ وعنِ الشهوةِ وعنِ الجاهِ .. أضفْهُ إلى ما ذكرناهُ مِنْ قوانينِ طرقِ المجاهدةِ في كتابٍ رياضةٍ النفسِ مِنْ ربع المهلكاتِ واتخذْهُ دستورَكَ ؛ لتعرفَ بهِ علاجَ الصبرِ في جميعٍ الأقسام التي فصلناها مِنْ قبلُ ؛ فإنَّ تفصيلَ الآحادِ يطولُ، ومَنْ راعى التدريجَ .. ترقّى بهِ الصبرُ إلى حالةٍ يشقُّ عليهِ الصبرُ دونَهُ كما كانَ يشقُّ علیهِ الصبرُ معَهُ ، فتنعكسُ أمورُهُ ، فيصيرُ ما كانَ محبوباً عندَهُ ممقوتاً ، وما كانَ مكروهاً عندَهُ مشرباً هنيئاً لا يصبرُ عنهُ، وهذا لا يُعرفُ إلا بالتجربةِ والذوقِ ، ولهُ نظيرٌ في العاداتِ، فإنَّ الصبيَّ يُحملُ على التعلُّمِ في الابتداءِ قهراً ، فيشقُّ عليهِ الصبرُ عنِ اللعبِ والصبرُ معَ العلمِ ، حتَّى إذا انفتحَتْ بصيرتهُ وأنسَ بالعلم .. انقلبَ الأمرُ ، فصارَ يشقُّ عليهِ الصبرُ عنِ العلمِ والصبرُ على اللعبِ . وإلىّ هذا يشيرُ ما حُكِيَ عنْ بعضِ العارفينَ أنَّهُ سألَ الشبليَّ عنِ الصبرِ : (١) رواه ابن المبارك في ((الزهد)) (١١٧٨)، والبيهقي في ((شعب الإيمان)) (٣٦٠٢). (٢) رواه البخاري (٣٩) بنحوه . ٢٧٠ ربع المنجيات حر كتاب الصبر والشكر أيُّهُ أشدُّ ؟ فقالَ : الصبرُ في اللهِ تعالى ، فقالَ : لا ، فقالَ : الصبرُ للهِ ، قالَ : لا، قالَ : الصبرُ معَ اللهِ، قالَ: لا ، قالَ : فأيشٍ؟ قالَ : الصبرُ عنِ اللهِ، فصرخَ الشبليُّ صرخةً كادَتْ روحُهُ تتلفُ (١). وقدْ قيلَ في معنى قولهِ تعالى: ﴿أَصْبِرُواْ وَصَابِرُواْ وَرَابِطُواْ﴾: ( اصبروا في اللهِ، وصابروا باللهِ، ورابطوا معَ اللهِ)(٢) . وقيلَ : ( الصبرُ اللهِ عناءٌ(٣)، والصبرُ باللهِ بقاءٌ، والصبرُ معَ اللهِ وفاءٌ ، والصبرُ عنِ اللهِ جفاءٌ)(٤). وقدْ قيلَ في معناهُ(٥) : [من البسيط] وَالصَّبْرُ عَنْكَ فَمَذْمُومٌ عَواقِبُهُ وَالصَّبْرُ فِي سَائِرِ الأَشْياءِ مَحْمُودُ وقيلَ أيضاً (٦) : [من الرجز] اَلَصَّبْرُ يَجْمُلُ فِي الْمَواطِنِ كُلُّها إلاَّ عَلَيْكَ فَإِنَّهُ لا يَجْمُلُ هذا آخرُ ما أردنا شرحَهُ مِنْ علومِ الصبرِ وأسرارِهِ . : 2 (١) الخبر عند الطوسي في ((اللمع)) (ص٧٦)، والقشيري في ((رسالته)) (ص٣٢٦). (٢) الرسالة القشيرية (ص ٣٢٧) . (٣) في غير (ب، د): (غنيّ) بدل (عناء) . (٤) الرسالة القشيرية ( ص ٣٢٧) . (٥) البيت للحلاج. انظر ((ذيل تاريخ بغداد)) لابن النجار (٨٩/١٩). (٦) البيت للشبلي في (( ديوانه)) ( ص١١٩). ٢٧١ ـكن ـن" كتاب الصبر والشكر ربع المنجيات ..-------- الشَّظِرُ الثَّانِي مِنَ الْكِتَاب فى الشّكر ولهُ ثلاثةُ أركانٍ : الركنُ الأوَّلُ : في فضيلةِ الشكرِ وحقيقتِهِ ، وأقسامِهِ وأحكامِهِ . الركنُ الثاني : في حقيقةِ النعمةِ ، وأقسامِها الخاصَّةِ والعامَّةِ . الركنُ الثالثُ : في بيانِ الأفضلِ مِنَ الصبرِ والشكرِ . G الركن الأوّل: في نفس الشّكر بيان فضيلة الشكر اعلمْ : أنَّ اللهَ تعالى قرنَ الشكرَ بالذكرِ في كتابِهِ معَ أنَّه قالَ: ﴿وَلَذِكْرُ اَللَّهِ أَكْبَرُ﴾، فقالَ تعالى: ﴿فَأَذْكُونِيّ أَذْكُرَّكُمْ وَأَشْكُرُ واْلِ وَلَا تَكْفُرُونِ﴾. وقال تعالى: ﴿ مَا يَفْعَلُ اَللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِن شَكَرْتُمْ وَءَامَنتُمْ﴾. وقالَ تعالى: ﴿ وَسَنَجْزِى الشَّكِرِينَ﴾ . وقالَ تعالى إخباراً عنْ إبليسَ اللعينِ: ﴿لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَطَكَ اٌلْمُسْتَقِيمَ﴾، قيلَ : هوَ طريقُ الشكرِ(١). (١) قوت القلوب (٢٠٣/١). ٢٧٢ جن" ربع المنجيات كتاب الصبر والشكر حن ولعلوِّ رتبةِ الشكرِ طعنَ اللعينُ في الخلقِ فقالَ: ﴿وَلَا تَجِدُ أَكْتَرَهُمْ شَكِينَ﴾ . وقال تعالى: ﴿وَقَلِيلٌ مِّنْ عِبَادِىَ الشَّكُورُ﴾. وقدْ قطعَ اللهُ تعالى بالمزيدِ معَ الشكرِ ولمْ يستثنِ فقالَ تعالى: ﴿ لَيِن شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ﴾، واستثنى في خمسةِ أشياءً؛ في الإغناءِ، والإجابةِ ، والرزقِ ، والمغفرةِ، والتوبةِ، فقالَ تعالى: ﴿فَسَوَّفَ يُغْنِيَكُمُ اَللَّهُ مِن فَضْلِهِ: إِن شَآءَ﴾، وقالَ: ﴿فَيَكْشِفُ مَا تَدْعُونَ إِلَيْهِ إِن شَآءَ﴾، وقالَ : ﴿يَرْزُقُ مَن يَشَآءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾، وقالَ: ﴿ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَآءُ﴾، وقالَ : ﴿ وَيَتُوبُ اَللَّهُ عَلَى مَن يَشَآءُ﴾ . وهوَ خلقٌ مِنْ أخلاقِ الربوبيَّةِ ؛ إذْ قالَ تعالى: ﴿وَاللَّهُ شَكُورُ حَلِيمٌ﴾. وقدْ جعلَ اللهُ الشكرَ مفتاحَ كلام أهلِ الجنةِ، فقالَ تعالى: ﴿ وَقَالُواْ اُلْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِى صَدَقَنَا وَعْدَهُ﴾، وقالَ: ﴿وَءَاخِرُ دَعْوَنُهُمْ أَنِ الْحَمْدُ للَّهِ رَبِّ الْعَلَمِينَ﴾. وأمّا الأخبار : فقدْ قالَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: ((الطاعمُ الشاكرُ بمنزلةِ الصائمِ الصابرِ))(١). (١) رواه الترمذي (٢٤٨٦)، وابن ماجه ( ١٧٦٤). ٢٧٣ حن حق حن جم حم حن حن كتاب الصبر والشكر ربع المنجيات ورُوِيَ عنْ عطاءِ أنَّهُ قالَ : دخلتُ على عائشةَ رضيَ اللهُ عنها فقلتُ : أخبرينا بأعجبِ ما رأيتِ مِنْ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ، فبكَتْ وقالَتْ : وأيُّ شأنِهِ لمْ يكنْ عجباً ؟! إنَّهُ أتاني ليلةً فدخلَ معي في فراشي - أوْ قالَتْ : في لحافي - حتَّى منَّ جلدُهُ جلدِي، ثمَّ قالَ: (( يا بنةَ أبي بكرٍ ؛ ذريني أتعبَّدُ لربِّي؟ )) ، قالَتْ: قلتُ : إنِّي أحبُّ قربَكَ لكِنِّي أوثرُ هواكَ ، فأذنتُ لهُ، فقامَ إلى قربةِ ماءِ ، فتوضَّأَ فلمْ يكثر صبَّ الماءِ ، ثمَّ قامَ يصلِّي ، فبكىُ حتَّى سالَتْ دموعُهُ على صدرِهِ ، ثمَّ ركعَ فبكى، ثمَّ سجدَ فبكى ، ثمَّ رفعَ رأسَهُ فبكى ، فلمْ يزلْ كذلكَ حتَّى جاءَ بلالُ فآذنَهُ بالصلاةِ ، فقلتُ : يا رسولَ اللهِ ؛ ما يبكيكَ وقدْ غفرَ اللهُ لكَ ما تقدَّمَ مِنْ ذنبِكَ وما تأخّرَ؟ قالَ: ((أفلا أكونُ عبداً شكوراً، ولمَ لا أفعلُ وقدْ أنزلَ اللهُ تعالى عليَّ: ﴿إِنَّ فِ خَلْقِ السَّمَوَتِ وَاْلْأَرْضِ ... ﴾ الآياتِ؟!))(١). وهذا يدلُّ على أنَّ البكاءَ ينبغي ألا ينقطعَ أبداً ، وإلى هذا السرِّ يشيرُ ما رُوِيَ أنَّهُ مرَّ بعضُ الأنبياءِ بحجرٍ صغيرٍ يخرجُ منهُ ماءٌ كثيرٌ ، فتعجَّبَ منهُ ، فأنطقَهُ اللهُ تعالى فقالَ: منذُ سمعتُ قولَهُ تعالى: ﴿وَقُودُهَا النَّاسُ وَالِجَارَةُ﴾ فأنا أبكي مِنْ خوفِهِ ، فسألَّهُ أنْ يجيرَهُ مِنَ النارِ، فأجارَهُ، ثمَّ رآهُ بعدَ مدَّةٍ (١) رواه أبو الشيخ في ((أخلاق النبي)) (٥٢١)، وابن حبان في (صحيحه)) ( ٦٢٠ )، والقشيري في ((رسالته)) (ص٣١٠)، عن عطاء ومعه عبيد بن عمير رحمهما الله تعالى ، ورواه مختصراً من حديثها رضي الله عنها مسلم ( ٢٨٢٠). ٢٧٤ ربع المنجيات کتاب الصبر والشكر مثلَ ذلكَ ، فقالَ : لِمَ تبكي الآنَ؟ فقالَ: ذلكَ بكاءُ الخوفِ ، وهذا بكاءُ الشكرِ والسرورِ (١) . وقلبُ العبدِ كالحجارةِ أوْ أشدُّ قسوةً ، ولا تزولُ قسوتُهُ إلا بالبكاءِ في حالِ الخوفِ والشكرِ جميعاً . جن ورُوِيَ عنهُ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ أنَّهُ قالَ: « يُنادى يومَ القيامةِ : ليقمٍ الحمَّادونَ ، فتقومُ زمرةٌ ، فيُنصبُ لهُمْ لواءٌ فيدخلونَ الجنَّةَ )» ، قيلَ : ومَنِ الحمَّادونَ؟ قالَ: ((الذينَ يشكرونَ اللهَ تعالى على كلِّ حالٍ))، وفي لفظٍ آخرَ: ((على السرَّاءِ والضرَّاءِ)) (٢). وقالَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: ((الحمدُ رداءُ الرحمنِ))(٣). وأوحى اللهُ تعالى إلى أيوبَ عليهِ السلامُ: ( إنِّي رضيتُ بالشكرِ مكافأةً مِنْ أوليائي ) في كلامٍ طويلٍ (٤). وأوحى اللهُ تعالى إليهِ أيضاً في صفةِ الصابرينَ: ( دارُهُمْ دارُ السلام ، (١) الرسالة القشيرية (ص٣١٤). (٢) كذا في ((القوت)) (٢٠٦/١) بالروايتين، ورواه الطبراني في «الكبير)) (١٩/١٢)، والحاكم في ((المستدرك)) (٥٠٢/١)، وأبو نعيم في ((الحلية)) (٦٩/٥). (٣) كذا في ((القوت)) (٢٠٥/١) حيث قال: ( وفي الخبر ... )، ورواه ابن أبي حاتم في (( تفسيره)) (٢٦/١) عن الضحاك ولم يرفعه، وتقدم: «الكبرياء رداؤه )» . (٤) قوت القلوب (٢٠٣/١) . ٢٧٥ كتاب الصبر والشكر ربع المنجيات ـدر إذا دخلوها .. ألهمتُهُمُ الشكرَ وهوَ خيرُ الكلام ، وعندَ الشكرِ أستزيدُهُمْ، وبالنظرِ إليَّ أزيدُهُمْ)(١) . ولمَّا نزلَ في الكنوزِ ما نزلَ(٢) .. قالَ عمرُ رضيَ اللهُ عنهُ: فأيَّ المالِ نتخذُ؟ فقالَ عليهِ الصلاةُ والسلامُ: (( ليتخذْ أحدُكُمْ لساناً ذاكراً ، وقلباً شاكراً)) (٣)، فأمرَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ باقتناءِ القلبِ الشاكرِ بدلاً مِنَ المالِ . وقالَ ابنُ مسعودٍ رضيَ اللهُ عنهُ: ( الشكرُ نصفُ الإيمانِ ) (٤) . ـدة حن (١) قوت القلوب (٢٠٤/١) . (٢) وهو قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَكْثِرُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنفِقُونَهَا فِى سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُم يِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾. («إتحاف)» (٤٨/٩). (٣) رواه الترمذي (٣٠٩٤)، وابن ماجه ( ١٨٥٦). (٤) قوت القلوب (٢٠٣/١). ٢٧٦ ن ـحن .بين: ربع المنجيات كتاب الصبر والشكر حـ بيان فذ الشّكر وتقيقته اعلمْ: أنَّ الشكرَ مِنْ جملةِ مقاماتِ السالكينَ ، وهوَ أيضاً ينتظمُ مِنْ علمٍ وحالٍ وعملٍ ، فالعلمُ هوَ الأصلُ ، فيورثُ الحالَ ، والحالُ يورثُ العملّ . حر حن أَمَّا العلمُ : فهوَ معرفةُ النعمةِ مِنَ المنعِمِ ، والحالُ : هوَ الفرحُ الحاصلُ بإنعامِهِ، والعملُ: هوَ القيامُ بما هوَ مقصودُ المنعِمِ ومحبوبُهُ ، ويتعلَّقُ ذلكَ العملُ بالقلبِ وبالجوارحِ وباللسانِ ، ولا بدَّ مِنْ بيانِ جميع ذلكَ ليحصلَ بمجموعِهِ الإحاطةُ بحقيقةِ الشكرِ ، فإنَّ كلَّ ما قيلَ في حدِّ الشكرِ قاصرٌ عنِ الإحاطةِ بكمالِ معانيهِ . فالأصلُ الأوَّلُ : العلمُ : وهوَ علمٌ بثلاثةِ أمورٍ : بعينِ النعمةِ ، ووجهِ كونِها نعمةً في حقِّهِ ، وبذاتِ المنعمِ ووجودِ صفاتِهِ التي بها يتمُّ الإنعامُ ويصدرُ الإنعامُ منهُ عليهِ ، فإنَّهُ لا بدَّ مِنْ نعمةٍ ومنعِمٍ ومنعَمِ عليهِ تصلُ إليهِ النعمةُ مِنَ المنعِمِ بقصدٍ وإرادةٍ ، فهذِهِ الأمورُ لا بدَّ مِنْ معرفتِها ، هذا في حقِّ غيرِ اللهِ تعالى . فأمَّا في حقِّ اللهِ تعالى .. فلا يتمُّ الإيمانُ إلا بأنْ يعرفَ أنَّ النعمَ كلَّها مِنَ اللهِ، وأنَّهُ هوَ المنعمُ ، والوسائطَ مسخرونَ مِنْ جهتِهِ ، وهذهِ المعرفةُ وراءَ التقديسِ والتوحيدِ ؛ إذْ دخلَ التقديسُ والتوحيدُ فيها ، بلِ الرتبةُ الأولى 26. ٢٧٧ حن حن. كتاب الصبر والشكر حن ربع المنجيات في معارفِ الإيمانِ التقديسُ، ثمَّ إذا عرفَ ذاتاً مقدسةً .. فيعرفُ أنَّهُ لا مقدَّسَ إلا واحدٌ، وما عداهُ غيرُ مقدَّسٍ، وهوّ التوحيدُ ، ثمَّ يعلمُ أنَّ كلَّ ما في العالمِ فهوَ موجودٌ مِنْ ذلكَ الواحدِ فقطْ ، فالكلُّ نعمةٌ منهُ ، فتقعُ هذهِ المعرفةُ في الرتبةِ الثالثةِ ؛ إذْ ينطوي فيها معَ التقديسِ والتوحيدِ كمالُ القدرةِ والانفرادُ بالفعلِ، وعنْ هذا عبَّرَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ حيثُ قالَ : (( مَنْ قالَ : سبحانَ اللهِ .. فلهُ عشرُ حسناتٍ، ومَنْ قالَ: لا إلهَ إلا اللهُ .. فلهُ عشرونَ حسنةً، ومَنْ قالَ : الحمدُ للهِ .. فلهُ ثلاثونَ حسنةً))(١). G وقالَ عليهِ الصلاةُ والسلامُ: ((أفضلُ الذكرِ لا إله إلا اللهُ، وأفضلُ الدعاءِ الحمدُ للهِ))(٢). M وقالَ عليهِ الصلاةُ والسلامُ: (( ليسَ شيءٌ مِنَ الأذكارِ يُضاعفُ كما يُضاعفُ الحمدُ للهِ))(٣) . ولا تظنَّنَّ أنَّ هذهِ الحسناتِ بإزاءِ تحريكِ اللسانِ بهذهِ الكلماتِ مِنْ غیرِ حصولِ معانيها في القلبِ ، فسبحانَ اللهِ كلمةٌ تدلُّ على التقديسِ ، ولا إلهَ إلا اللهُ كلمةٌ تدلُّ على التوحيدِ ، والحمدُ للهِ كلمةٌ تدلُّ على معرفةِ النعمةِ مِنَ (١) قوت القلوب (٢٠٥/١) . (٢) رواه الترمذي ( ٣٣٨٣)، وابن ماجه (٣٨٠٠). (٣) كذا في ((القوت)) (٢٠٥/١)، وروى أبو نعيم في «الحلية)) (٢٣١/٤)، والبيهقي في ((الشعب)» (٤٠٨٣) من كلام إبراهيم النخعي بلفظ : ( إن الحمد لله أكثر الكلام تضعيفاً ) . ٢٧٨ ربع المنجيات كتاب الصبر والشكر الواحدِ الحقِّ ، فالحسناتُ بإزاءِ هذهِ المعارفِ التي هيَ مِنْ أبوابِ الإيمانِ واليقينِ . واعلمْ : أنَّ تمامَ هذهِ المعرفةِ ينفي الشركَ في الأفعالِ ، فمَنْ أنعمَ عليهِ ملكٌ مِنَ الملوكِ بشيءٍ ؛ فإنْ رأىُ لوزيرِهِ أوْ لوكيلِهِ دخلاً في تيسيرِ ذلكَ وإيصالِهِ إليهِ .. فهوَ إشراكٌ بهِ في النعمةِ، فلا يرى النعمةَ مِنَ الملكِ مِنْ كلِّ وجهٍ ، بلْ منهُ بوجهٍ ، ومنْ غيرِهِ بوجهٍ ، فيتوزَّعُ فرحُهُ عليهِما ، فلا يكونُ موحداً في حقِّ الملكِ . جـ نعمْ ، لا يغضُّ مِنْ توحيدِهِ في حقِّ الملكِ وكمالِ شكرِهِ أنْ يرى النعمةَ الواصلةَ إليهِ بتوقيعِهِ الذي كتبَهُ بقلمِهِ ، وبالكاغدِ الذي كتبَهُ عليهِ ، فإنَّهُ لا يفرحُ بالقلمِ والكاغدِ ولا يشكرُهُما؛ لأنَّهُ لا يثبتُ لهما دخلاً مِنْ حيثُ هما موجودانِ بأنفسِهِما ، بلْ مِنْ حيثُ هما مسخَّرانِ تحتَ قدرةِ الملكِ ، وقدْ يعلمُ أنَّ الوكيلَ الموصلَ والخازنَ أيضاً مضطرانٍ مِنْ جهةِ الملكِ في الإيصالِ، وأنَّهُ لوْ ردَّ الأمرَ إليهِ ولمْ يكنْ مِنْ جهةِ الملكِ إرهاقٌ وأمرٌ جزْمٌ يخافُ عاقِبتَهُ .. لما سلَّمَ إليهِ شيئاً ، فإذا عرفَ ذلكَ .. كانَ نظرُهُ إلى الخازنِ الموصلِ كنظرِهِ إلى القلمِ والكاغدِ ، فلا يورثُ ذلكَ شركاً في توحيدِهِ مِنْ إضافةِ النعمةِ إلى الملكِ . وكذلكَ مَنْ عرفَ اللهَ سبحانَهُ وعرفَ أفعالَهُ .. علمَ أنَّ الشمسَ والقمرَ والنجومَ مسخَّراتٌ بأمرِهِ كالقلم مثلاً في يدِ الكاتبِ ، وأنَّ الحيواناتِ التي لها ٢٧٩ :حة كتاب الصبر والشكر ربع المنجيات اختيارٌ مسخَّراتٌ في نفسِ اختيارِها ، فإنَّ اللهَ هوَ المسلِّطُ للدواعي عليها لتفعلَ شاءَتْ أمْ أبتْ ؛ كالخازنِ المضطرِّ الذي لا يجدُ سبيلاً إلى مخالفةِ الملكِ ، ولوْ خُلِّيَ ونفسَهُ .. لما أعطاكَ ذرَّةً ممَّا في يدِهِ ، فكلُّ مَنْ وصلَ إليكَ نعمةٌ مِنَ اللهِ تعالى على يدِهِ فهوَ مضطرٍّ؛ إذْ سلَّطَ اللهُ تعالى عليهِ الإرادةَ وهيَّجَ عليهِ الدواعيَ ، وألقى في نفسِهِ أنَّ خيرَهُ في الدنيا والآخرةِ في أنْ يعطيَكَ ما أعطاكَ، وأنَّ غرضَهُ المقصودَ عندَهُ في الحالِ والمَآلِ لا يحصلُ إلا بهِ ، وبعدَ أنْ خلقَ اللهُ لهُ هذا الاعتقادَ .. فلا يجدُ سبيلاً إلى تركِهِ ، فهوَ إذاًّ إنَّما يعطيكَ لغرضِ نفسِهِ لا لغرضِكَ، ولوْ لمْ يكنْ غرضُهُ في العطاءِ .. لما أعطاكَ ، ولوْ لمْ يعلمْ أنَّ منفعتهُ في منفعتِكَ .. لما نفعَكَ، فهوَ إذاً إنَّما يطلبُ نفعَ نفسِهِ بنفعِكَ، فليسَ منعماً عليكَ، بلِ اتخذَكَ وسيلةً إلى نعمةٍ أخرىُ هوَ يرجوها ، وإنَّما الذي أنعمَ عليكَ هوَ الذي سخَّرَهُ لكَ ، وألقى في قلبهِ مِنَ الاعتقاداتِ والإراداتِ ما صارَ بهِ مضطراً إلى الإيصالِ إليكَ. فإِنْ عرفتَ الأمورَ كذلكَ .. فقدْ عرفتَ اللهَ وعرفتَ فعلَهُ، وكنتَ موحِّداً ، وقدرتَ على شكرِهِ ، بلْ كنتَ بهذهِ المعرفةِ بمجرَّدِها شاكراً . ولذلكَ قالَ موسى عليهِ السلامُ في مناجاتِهِ : إلهي ؛ خلقتَ آدمَ بيدِكَ ، وفعلتَ وفعلتَ ، فكيفَ شكرَكَ ؟ فقالَ : علمَ أنَّ كلَّ ذلكَ مِنِّي ، فكانَتْ معرفتُهُ شكراً(١) . (١) كذا في ((الرسالة القشيرية)) (ص٣١٣)، ورواه بنحوه هناد في (( الزهد)) ( ٧٧٧). ٢٨٠