Indexed OCR Text
Pages 121-140
كتاب التوبة ربع المنجيات وأمَّا الحجُّ . . فإنْ كانَ قدِ استطاعَ في بعضِ السنينَ ولمْ يتفقْ لهُ الخروجُ وهوَ الآنَ قدْ أفلسَ .. فعليهِ الخروجُ، فإنْ لمْ يقدرْ معَ الإفلاسِ .. فعليهِ أنْ يكتسبَ مِنَ الحلالِ قَدْرَ الزادِ ، فإنْ لمْ يكنْ لهُ كسبٌ ولا مالٌ .. فعليهِ أنْ يسألَ الناسَ ليُصرفَ إليهِ مِنَ الزكواتِ أوِ الصدقاتِ ما يحجُّ بهِ ؛ فإنَّهُ إنْ ماتَ قبلَ الحجّ .. ماتَ عاصياً، قالَ عليهِ الصلاةُ والسلامُ: (( مَنْ ماتَ ولمْ يحجَّ .. فليمتْ إنْ شاءَ يهودياً وإنْ شاءَ نصرانياً))(١)، والعجزُ الطارئُ بعدَ القدرةِ لا يُسقطُ عنهُ الحجّ . فهذا طريقُ تفتيشِهِ عنِ الطاعاتِ وتداركِها . وأمَّا المعاصي .. فينبغي أنْ يفتِّشَ مَنْ أوَّلِ بلوغِهِ عنْ سمعِهِ ، وبصرِهِ ، ولسانِهِ ، وبطنِهِ ، ويدِهِ ، ورجلِهِ ، وفرجِهِ ، وسائرِ جوارحِهِ ، ثمَّ ينظرَ في جميع أيَّامِهِ وساعاتِهِ ، ويفصِّلَ عندَ نفسِهِ ديوانَ معاصيهِ ، حتَّى يطَّلعَ على جميعِها ؛ صغائرِها وكبائرِها ، ثمَّ ينظرَ فيها : فما كانَ مِنْ ذلكَ بينَهُ وبينَ اللهِ تعالىُ مِنْ حيثُ لا يتعلَّقُ بمظلمةِ العبادِ ؛ كنظرٍ إلى غيرِ محرمٍ ، وقعودٍ في مسجدٍ معَ الجنابةِ ، ومسِّ مصحفٍ بغيرِ وضوءٍ ، واعتقادِ بدعةٍ ، وشربِ خمرٍ ، وسماع ملاهٍ ، وغيرِ ذلكَ ممَّا لا يتعلَّقُ بمظالم العبادِ .. فالتوبةُ عنها بالندمِ والتحُّرِ عليها ، وبأنْ يحسبَ مقدارَها مِنْ حيثُ الكثرةُ ومِنْ حيثُ (١) رواه الترمذي (٨١٢)، والدارمي في ((سننه)) (١٨٢٦)، وأبو نعيم في (( الحلية)) (٢٥١/٩)، والبيهقي في ((السنن الكبرى)) (٣٣٤/٤) وقال: (وهذا وإن كان إسناده غير قوي .. فله شاهد من قول عمر بن الخطاب رضي الله عنه ) وذكره . ١٢١ كتاب التوبة ربع المنجيات المدَّةُ، ويطلبَ لكلِّ معصيةٍ منها حسنةً تناسبُها ، فيأتيَ مِنَ الحسناتِ بمقدارٍ تلكَ السيئاتِ ، أخذاً مِنْ قولِهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: ((اتقِ اللهَ حيثُ كنتَ ، وأتبع السيئةَ الحسنةَ تمحُها))(١) ، بلْ مِنْ قولِهِ تعالى: ﴿إِنَّ الْحَسَنَتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾ . فيكفِّرُ سماعَ الملاهي بسماع القرآنِ وبمجالسِ الذكرِ ، ويكفِّرُ القعودَ في المسجدِ جنباً بالاعتكافِ فيهِ معَ الاشتغالِ بالعبادةِ ، ويكفِّرُ منَّ المصحفِ محدثاً بإكرام المصحفِ ، وكثرةٍ قراءةِ القرآنِ منهُ، وكثرةٍ تقبيلِهِ(٢) ، وبأنْ يكتبَ مصحفاً ويجعلَهُ وقفاً ، ويكفِّرُ شربَ الخمرِ بالتصدُّقِ بكلِّ شرابٍ حلالٍ هوَ أطيبُ منهُ وأحبُّ إليهِ . وعدُّ جميع المعاصي غيرُ ممكنٍ ، وإنَّما المقصودُ سلوكُ طريقٍ المضادّةِ ، فإنَّ المرضَ يعالجُ بضدِّهِ ، فكلُّ ظلمةٍ ارتفعَتْ إلى القلبِ بمعصيةٍ فلا يمحوها إلا نورٌ يرتفعُ إليها بحسنةٍ تضادُّها، والمتضادّاتُ هيَ المتناسباتُ ، فلذلكَ ينبغي أنْ يمحوّ كلَّ سيئةٍ بحسنةٍ مِنْ جنسِها لكيْ تضادّها ، فإنَّ البياضَ يزالُ بالسوادِ ، لا بالحرارةِ والبرودةِ . وهذا التجريدُ والتحقيقُ مِنَ التلطّفِ في طريقِ المحوِ ، فالرجاءُ فيهِ أصدقُ، والثقةُ بهِ أكثرُ مِنْ أَنْ يواظبَ على نوعٍ واحدٍ مِنَ العباداتِ ، وإنْ كانَ ذلكَ أيضاً مؤثراً في المحوِ . (١) رواه أحمد في ((المسند)) (٢٣٦/٥)، والطبراني في «الكبير)) (١٤٥/٢٠). (٢) ووضعه على العينين، ورفعه في أشرف المواضع. ((إتحاف)) (٥٧٦/٨). ١٢٢ ربع المنجيات کتاب التوبة فهذا حكمُ ما بينَهُ وبينَ الله تعالى . ويدلُّ على أنَّ الشيءَ يكفَّرُ بضدِّهِ أنَّ حبَّ الدنيا رأسُ كلِّ خطيئةٍ ، وأثرُ اتباع الدنيا في القلبِ السرورُ بها ، والإلْفُ لها ، والحنينُ إليها ، فلا جرمَ كانَ كلُّ أذىّ يصيبُ المسلمَ ينبو بسببِهِ قلبُهُ عنِ الدنيا يكونُ كفارةً لهُ ؛ إِذِ القلبُ يتجافى بالهموم والغمومِ عنْ دارِ الهمومِ ، قالَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ : (((مِنَ الذنوبِ ذنوبٌ لا يكفِّرُها إلا الهمومُ))، وفي لفظٍ آخرَ: ((إلا الهمُّ بطلبِ المعيشةِ))(١) . وفي حديث عائشةَ رضيَ اللهُ عنها : (( إذا كثرَتْ ذنوبُ العبدِ ولمْ تكنْ لهُ أعمالٌ تكفِّرُها .. أدخلَ اللهُ تعالى عليهِ الهمومَ، فتكونُ كفَّارةً لذنوبِهِ))(٢). ويُقالُ : ( إنَّ الهمَّ الذي يدخلُ على القلبِ والعبدُ لا يعرفُهُ هوَ ظلمةُ الذنوبِ والهمُّ بها ، وشعورُ القلبِ بوقفةِ الحسابِ وهولِ المطَّلَع )(٣) فإنْ قلتَ : همُّ الإنسانِ غالباً بمالِهِ وولدِهِ وجاهِهِ ، وهوَ خطيئةٌ ، فكيفَ يكونُ كفَّارةٌ ؟ 13 5x: (١) رواه الطبراني في ((الأوسط)) (١٠٢)، وأبو نعيم في ((الحلية)) (٢٣٥/٦)، وابن عساكر في (( تاريخ دمشق)) ( ٥٤/ ٢٠٠) . (٢) رواه أحمد في « المسند» ( ٦/ ١٥٧) بنحوه . (٣) بنحوه عند صاحب ((القوت)) (١٨٦/١). ١٢٣ كتاب التوبة ربع المنجيات فاعلمْ: أنَّ الحبَّ لهُ خطيئةٌ ، والحرمانَ عنهُ كفَّارَةٌ ، ولوْ تمثَّ بهِ .. لتمَّتِ الخطيئةُ، فقدْ رُوِيَ أنَّ جبريلَ عليهِ السلامُ دخلَ على يوسفَ عليهِ السلامُ في السجنِ ، فقالَ لهُ : كيفَ تركتَ الشيخَ الكئيبَ ؟ فقالَ : قدْ حزنَ عليكَ حزنَ مئةِ ثكلى ، قالَ : فما لهُ عندَ اللهِ ؟ قالَ: أجرُ مئةِ شهيدٍ (١). فإذاً ؛ الهمومُ أيضاً مكفِّراتٌ حقوقَ اللهِ . فهذا حكمُ ما بينَهُ وبينَ اللهِ . وأمَّا مظالمُ العبادِ .. ففيها أيضاً معصيةٌ وجنايةٌ على حقِّ اللهِ تعالى ، فإنَّ اللهَ تعالى نهى عنْ ظلم العبادِ أيضاً ، فما يتعلَّقُ منهُ بحقِّ اللهِ تعالى تداركَهُ بالندم والتحُّرِ ، وتَرْكِ مثلِهِ في المستقبلِ ، والإتيانِ بالحسناتِ التي هيّ أضدادُها، فيقابلُ إيذاءَهُ الناسَ بالإحسانِ إليهِمْ، ويكفِّرُ غصْبَ أموالِهِمْ بالتصدُّقِ بملكِهِ الحلالِ ، ويكفِّرُ تناولَ أعراضِهِمْ بالغيبةِ والقدحِ فيهِمْ بالثناءِ على أهلِ الدينِ وإظهارِ ما يعرفُ مِنْ خصالِ الخيرِ مِنْ أقرانِهِ وأمثالِهِ ، ويكفِّرُ قَتْلَ النفوسِ بإعتاقِ الرقابِ ؛ لأنَّ ذلكَ إحياءٌ ؛ إذِ العبدُ مفقودٌ لنفسِهِ ، موجودٌ لسيِّدِهِ ، فالإعتاقُ إيجادٌ لا يقدرُ الإنسانُ على أكثرَ منهُ، فيقابلُ الإعدامَ بالإيجادِ ، وبهذا تعرفُ أنَّ ما ذكرناهُ مِنْ سلوكِ طريقِ المضادةِ في التكفيرِ والمحوِ مشهودٌ لهُ في الشرع، حيثُ كفَّرَ القتلَ بإعتاقِ رقبةٍ ، ثمَّ إذا فعلَ ذلكَ كلَّهُ .. لمْ ينجِهِ ولمْ يكفِهِ ما لمْ يخرجْ عنْ مظالمِ العبادِ ، ومظالمُ (١) كذا في ((القوت)) (١٨٦/١)، وينحوه رواه الطبري في ((تفسيره)) (٦٠/١٣/٨). ١٢٤ كتاب التوبة ربع المنجيات العبادِ إِمَّا في النفوسِ ، أوِ الأموالِ ، أوِ الأعراضِ ، أوِ القلوبِ ؛ أعني بهِ : الإيذاءَ المحضَ . أمّا النفوسُ : فإنْ جرى عليهِ قتلُ خطأِ .. فتوبتُهُ بتسليمِ الديةِ ووصولها إلى المستحقِّ ؛ إمَّا منهُ أوْ مِنْ عاقلتِهِ ، وهوَ في عهدةِ ذلكَ قبلَ الوصولِ ، وإنْ كانَ عمداً موجباً للقصاصِ .. فبالقصاصِ، فإنْ لمْ يُعرفْ .. فيجبُ عليهِ أنْ يعترفَ عندَ وليِّ الدم ، ويحكِّمَهُ في روحِهِ ، فإنْ شاءَ عفا عنهُ ، وإِنْ شاءَ .. قتلَهُ، ولا تسقطُ عهدتُهُ إلا بهذا، ولا يجوزُ لهُ الإخفاءُ . وليسَ هذا كما لوْ زنى ، أوْ شربَ ، أوْ سرقَ ، أوْ قطعَ الطريقَ ، أَوْ باشرَ ما يجبُ فيهِ حدٌّ اللهِ تعالى؛ فإنَّهُ لا يلزمُهُ في التوبةِ أنْ يفضحَ نفسَهُ ، ويهتكَ سترَهُ، ويلتمسَ مِنَ الوالي استيفاءَ حقِّ اللهِ تعالىُ ، بلْ عليهِ أنْ يتسترَ بسترِ اللهِ عزَّ وجلَّ، ويقيمَ حدَّ اللهِ تعالى على نفسِهِ بأنواع المجاهدةِ والتعذيبِ ، فالعفوُ في محضٍ حقوقِ اللهِ تعالى قريبٌ مِنَ التائبينَ النادمينَ . فإنْ رفعَ أمرَهُ إلى الوالي حتَّى أقامَ عليهِ الحدَّ .. وقعَ موقعَهُ، وتكونُ توبتُهُ صحيحةً مقبولةً عندَ اللهِ تعالى ؛ بدليلٍ ما رُوِيَ أنَّ ماعزَ بنَ مالكٍ أتى رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ فقالَ : يا رسولَ اللهِ ؛ إنِّي قدْ ظلمتُ نفسي وزنيتُ ، وإنِّي أريدُ أنْ تطهِّرَني، فردَّهُ، فلمَّا كانَ مِنَ الغدِ .. أتاهُ ، فقالَ : يا رسولَ اللهِ؛ إنِّي قدْ زنيتُ ، فردَّهُ الثانيةَ والثالثةَ، فلمَّا كانَ في الرابعةِ .. أمرَ بهِ فحُفرَ لهُ حفيرةٌ ، ثمَّ أَمرَ بهِ فرُجمَ ، فكانَ الناسُ فيه فرقتينٍ ؛ قائلٌ يقولُ : لقدْ هلكَ ، لقدْ أحاطَتْ بهِ خطيئتُهُ ، وقائلٌ يقولُ : ما توبةٌ أفضلَ مِنْ ١٢٥ كتاب التوبة ربع المنجيات توبةٍ ماعزِ، فقالَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: ((لقدْ تابَ توبةً لوْ قسمَتْ بينَ أمَّةٍ .. لوسعَتْهُمْ))(١). ٥% :* وجاءتِ الغامديَّةُ فقالَتْ : يا رسولَ اللهِ ؛ إنِّي قَدْ زنيتُ فطهّرْني، فردَّها ، فلمَّا كانَ مِنَ الغدِ .. قالَتْ: يا رسولَ اللهِ ؛ لِمَ تردُّني؟ لعلَّكَ تريدُ أنْ تردِّدَني كما ردَّدْتَ ماعزاً ، فواللهِ ؛ إنِّي لحبلى ، فقالَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ : ((إِمَّا لا .. فاذهبي حتَّى تلدي))، فلمَّا ولدَتْ .. أتَتْ بالصبيُّ في خرقةٍ ، فقالَتْ: هذا قدْ ولدتُهُ، قالَ: ((اذهبي فأرضعيهِ حتَّى تفطميهِ ))، فلمَّا فطمَتْهُ .. أتَتْ بالصبيِّ وفي يدهِ كسرةُ خبزٍ، وقالَتْ : هذا يا نبيَّ اللهِ قَدْ فطمتُهُ، وقدْ أكلَ الطعامَ ، فدفعَ الصبيَّ إلى رجلٍ مِنَ المسلمينَ ، ثمَّ أمرّ بها ، فحفرَ لها إلى صدرِها ، وأمرَ الناسَ فرجموها ، فأقبلَ خالدُ بنُ الوليدِ بحجٍ ، فرمى رأسَها ، فتنضَّحَ الدمُ على وجهِهِ ، فسَّها، فسمعَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ سبَّهُ إِيَّاها، فقالَ: ((مهلاً يا خالدُ ، فوالذي نفسي بيدهِ ؛ لقدْ تابَتْ توبةً لوْ تابَها صاحبُ مكسٍ .. لغفرَ لهُ))، ثمَّ أمرَ بها فصُلِّيَ عليها ودفنَتْ(٢) . C (١) رواه مسلم (١٦٩٥). (٢) رواه مسلم ( ١٦٩٥) متابعة للحديث السابق، ومفرداً كما هو هنا، وقوله: (( إما لا)) : هو بكسر الهمز وتشديد الميم وبالإمالة ، وفي غير (ب، س): ( أما الآن ) بدل (إما لا)، وهو غلط كما قاله الحافظ الزبيدي في «إتحافه)) (٨/ ٥٨٠)، قال الإمام النووي في ((شرح مسلم)) (٢٠٣/١١)، (ومعناه: إذا أبيت أن تستري على نفسك وتتوبي وترجعي عن قولك .. فاذهبي حتى تلدي فتُرجمين بعد ذلك ) . ١٢٦ ربع المنجيات كتاب التوبة وأمَّا القصاصُ وحُّ القذفِ .. فلا بدَّ مِنْ تحكيمِ المستحقُّ فيهِ (١) ، وإِنْ كانَ المتناولُ مالاً قدْ تناولَهُ بغصْبٍ أوْ خيانةٍ أوْ غبنٍ في معاملةٍ بنوعٍ تلبيسٍ ؛ كترويجٍ زائفٍ ، أَوْ سَترِ عيبٍ مِنَ المبيع ، أوْ نقصٍ أجرةِ أجيرٍ ، أَوْ منعٍ أجرتِهِ ، فكلُّ ذلكَ يجبُ أنْ يفتشَ عنهُ، لا مِنْ حدٍّ بلوغِهِ ، بلْ مِنْ أوَّلِ حدٌ وجودِهِ ، فإنَّ ما يجبُ في مالِ الصبيِّ يجبُ على الصبيِّ إخراجُهُ بعدَ البلوغِ إِنْ كانَ الوليُّ قَدْ قَصَّرَ فيهِ ، فإنْ لمْ يفعلْ كانَ ظالماً مطالباً بهِ ؛ إذْ يستوي في الحقوقِ المالِيَّةِ الصبيُّ والبالغُ ، وليحاسبْ نفسَهُ على الحبَّاتِ والذرَّاتِ مِنْ أوَّلِ يومٍ حياتِهِ إلى يومٍ توبتِهِ قبلَ أنْ يُحاسبَ في القيامةِ ، وليناقشْ نفسَهُ قبلَ أنْ يُناقشَ، فَمَنْ لمْ يُحاسبْ نفسَهُ في الدنيا .. طالَ في الآخرةِ حسابُهُ . فإذا حصلَ مجموعُ ما عليهِ بظنِّ غالبٍ ونوعٍ مِنَ الاجتهادِ ممكنٍ .. فليكتبْهُ ، وليكتبْ أساميَ أصحابِ المظالمِ واحداً واحداً ، وليطفْ في نواحي العالمٍ وليطلبْهُمْ ، وليستحلَّهُمْ أوْ ليؤدِّ حقوقَهُمْ . وهذهِ التوبةُ تشقُّ على الظلمةِ وعلى التجَّارِ ، فإنَّهُمْ لا يقدرونَ على طلبِ المعاملينَ كلَّهِمْ ، ولا على طلبٍ ورثتِهِمْ ، ولكنْ على كلِّ واحدٍ منهُمْ أنْ يفعلَ منهُ ما يقدرُ عليهِ ، فإنْ عجزَ .. فلا يبقى لهُ طريقٌ إلا أنْ يكثرَ مِنَ الحسناتِ حتَّى تفيضَ منهُ يومَ القيامةِ ، فَتُؤخذُ حسناتُهُ وتُوضعُ في موازينٍ أربابِ المظالمِ ، ولتكنْ كثرةُ حسناتِهِ بقدْرِ كثرةِ مظالمِهِ ، فإنَّهُ إنْ لمْ تفِ بها (١) فإن شاء .. اقتصَّ، وإن شاء .. عفا، وكذا في حد القذف. ((إتحاف)) (٥٨٢/٨). ١٢٧ كتاب التوبة ربع المنجيات حسناتُهُ .. حُمِّلَ مِنْ سيئاتِ أربابِ المظالمِ ، فيهلكُ بسيِّئَاتٍ غيرِهِ . فهذا طريقُ كلِّ تائبٍ في ردِّ المظالمِ ، وهذا يوجبُ استغراقَ العمرِ في الحسناتِ لوْ طالَ العمرُ بحسَبِ طولِ مدَّةِ المظالمِ ، فكيفَ وذلكَ ممَّا لا يُعرفُ وربَّما يكونُ الأجلُ قريباً؟! فينبغي أنْ يكونَ تشمُّرُهُ للحسناتِ والوقتُ ضيِّقٌ أشدَّ مِنْ تشمُّرِهِ الذي كانَ في المعاصي في متَّسع الأوقاتِ . هذا حكْمُ المظالمِ الثابتةِ في ذمَّتِهِ . أمَّا أموالُهُ الحاضرةُ .. فليردَّ إلى المالكِ ما يعرفُ لهُ مالكاً معيَّناً ، وما لا يعرفُ لهُ مالكاً .. فعليهِ أنْ يتصدَّقَ بهِ ، فإنِ اختلطَ الحرامُ بالحلالِ .. عرفَ قَدْرَ الحرامِ بالاجتهادِ ، وتصدَّقَ بذلكَ المقدارِ كما سبقَ تفصيلُهُ في كتابٍ الحلالِ والحرامِ . وأمَّا الجنايةُ على القلوبِ بمشافهةِ الناسِ بما يسوءُهُمْ أَوْ يعيبُهُمْ في الغيبةِ .. فليطلبْ كلَّ مَنْ تعرَّضَ لهُ بلسانِهِ ، أوْ آذىْ قلبَهُ بفعلٍ مِنْ أفعالِهِ ، وليستحلَّ واحداً واحداً منهُمْ، ومَنْ ماتَ أوْ غابَ .. فقدْ فاتَ أمرُهُ، ولا تداركَ لهُ إلا بتكثيرِ الحسناتِ ، لِتُؤْخَذَ منهُ عوضاً في القيامةِ ، وأمَّا مَنْ وجدَهُ وأحلَّهُ بطيبةٍ قلبٍ منهُ .. فذلكَ كفَّارتُهُ، وعليهِ أنْ يعرِّفَهُ قَدْرَ جنائِهِ وتعرُّضَهُ لهُ، فالاستحلالُ المبهمُ لا يكفي ، وربَّما لوْ عرفَ ذلكَ وكثرةً تعدِّيهِ عليهِ .. لمْ تطبْ نفسُهُ بالإحلالِ ، وادخرَ ذلكَ في القيامةِ ذخيرةٌ يأخذُها مِنْ حسناتِهِ ، أوْ يحمِّلُهُ مِنْ سيئاتِهِ . جرة ١٢٨ ربع المنجيات كتاب التوبة ـحن فإنْ كانَ في جملةِ جنايتِهِ على الغيرِ ما لوْ ذكرَهُ وعرفَهُ لتأذَّى بمعرفتِهِ ؛ كزناهُ بجاريتِهِ أوْ أهلِهِ ، أَوْ نسبتِهِ باللسانِ إلى عيبٍ مِنْ خفايا عيوبِهِ يعظمُ أذاهُ مهما شوَّفَهُ بهِ .. فقدِ انسدَّ عليهِ طريقُ الاستحلالِ ، فليسَ لهُ إلا أنْ يستحلَّ مبهماً ، ثمَّ تبقى لهُ مظلمةٌ فليجبرها بالحسناتِ كما يجبرُ مظلمةً الميتِ والغائبِ ، فأمَّا الذكرُ والتعريفُ .. فهوَ سيئةٌ جديدٌ يجبُ الاستحلالُ منها ، ومهما ذكرَ جنايتَهُ وعزَّفَهُ المجنيَّ عليهِ فلمْ تسمحْ نفسُهُ بالإحلالِ .. بقيتٍ المظلمةُ عليهِ ؛ فإنَّ هذا حقُّهُ ، فعليهِ أنْ يتلطَّفَ بهِ ، ويسعى في مهمَّاتِهِ وأغراضِهِ، ويظهرَ مِنْ حبِّهِ والشفقةِ عليهِ ما يستميلُ بهِ قلبَهُ، فإنَّ الإنسانَ عبدُ الإحسانِ ، وكلُّ مَنْ نفرَ بسيئةٍ .. مالَ بحسنةٍ ، فإذا طابَ قلبُهُ بكثرةٍ توذُّدِهِ وتلطُّفِهِ .. سمحَتْ نفسُهُ بالإحلالِ ، فإنْ أبى إلاَّ الإصرارَ .. فيمكنُ أنْ يكونَ تلطُّفُهُ بهِ واعتذارُهُ إليهِ مِنْ جملةِ حسناتِهِ التي يمكنُ أنْ يجبرَ بها في القيامةِ جنايتهُ . وليكنْ قدْرُ سعِهِ في فرحِهِ وسرورٍ قلبهِ بتودُّدِهِ وتلطّفِهِ كقدْرِ سعيهِ في إيذائِهِ ؛ حتّى إذا قاومَ أحدُهُما الآخرَ أوْ زادَ عليهِ .. أُخِذَ ذلكَ منهُ عوضاً في القيامةِ بحكمِ اللهِ بهِ عليهِ ؛ كمَنْ أتلفَ في الدنيا مالاً، فجاءَ بمثلِهِ ، فامتنعَ مَنْ لهُ المالُ عنِ القبولِ وعنِ الإبراءِ ، فإنَّ الحاكمَ يحكمُ عليهِ بالقبضِ منهُ شاءَ أمْ أبى ، فكذلكَ يحكمُ في صعيدِ القيامةِ أحكمُ الحاكمينَ وأعدلُ المقسطينَ . وفي المتفقِ عليهِ مِنَ ((الصحيحينِ )) عن أبي سعيد الخدريِّ أنَّ نبيَّ اللهِ ١٢٩ كتاب التوبة ربع المنجيات صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ قالَ: ((كانَ فيمَنْ كانَ قبلَكُمْ رجلٌ قتلَ تسعةً وتسعينَ نفساً ، فسألَ عنْ أعلمٍ أهلِ الأرضِ ، فدُلَّ على راهبٍ ، فأتاهُ فقالَ : إنَّهُ قتلَ تسعةً وتسعينَ نفساً ، فهلْ لهُ مِنْ توبةٍ ؟ فقالَ: لا ، فقتلَهُ، فكمَّلَ بهِ مئةً ، ثمَّ سألَ عنْ أعلمٍ أهلِ الأرضِ ، فدُلَّ على رجلٍ عالمٍ ، فقالَ لهُ: إنَّهُ قتلَ مئةً نفسٍ ، فهلْ لهُ مِنْ توبةٍ ؟ فقالَ : نعمْ ، ومَنْ يحولُ بينَهُ وبينَ التوبةِ ؟ انطلقْ إلى أرضٍ كذا وكذا، فإنَّ بها أناساً يعبدونَ اللهَ عزَّ وجلَّ، فاعبدِ اللهَ معَهُمْ ولا ترجعْ إلى أرضِكَ، فإنَّها أرضُ سوءٍ، فانطلقَ، حتَّى إذا نَصَفَ الطريقُ .. أتاهُ الموتُ ، فاختصمَتْ فيهِ ملائكةُ الرحمةِ وملائكةُ العذابِ ، فقالَتْ ملائكةُ الرحمةِ: جاءَ تائباً مقبلاً بقلبهِ إلى اللهِ ، وقالَتْ ملائكةُ العذابِ : إنَّهُ لمْ يعملْ خيراً قطُّ ، فأتاهُمْ ملكٌ في صورةٍ آدميٍّ ، فجعلوهُ حَكماً بينَهُمْ ، فقالَ : قيسوا ما بينَ الأرضينِ ، فإلى أيتِهما كانَ أدنى .. فهوَ لها ، فقاسوا، فوجودهُ أدنى إلى الأرضِ التي أرادَ، فقبضَتْهُ ملائكةُ الرحمةِ ))، وفي روايةٍ: (( فكانَ إلى القريةِ الصالحةِ أقربَ منها بشبرٍ ، فَجُعِلَ مِنْ أهلِها » ، وفي روايةٍ : ((فأوحى اللهُ تعالى إلى هذهِ أنْ تباعدي ، وإلى هذهِ أنْ تقرَّبي ، وقالَ : قيسوا ما بينَهُما، فوجدوهُ إلى هذهِ أقربَ بشبرٍ، فَغُفِرَ لهُ))(١). فبهذا تعرفُ أنَّهُ لا خلاصَ إلا برجحانِ ميزانِ الحسناتِ ولَوْ بمثقالٍ ذرَّةٍ ، فلا بدَّ للتائبِ مِنْ تكثيرِ الحسناتِ . (١) هو كما قال المصنف رحمه الله تعالى عند البخاري (٣٤٧٠)، ومسلم ( ٢٧٦٦) واللفظ والروايات له . ١٣٠ ربع المنجيات كتاب التوبة هذا حكمُ القصدِ المتعلِّقِ بالماضي . فأمَّا العزمُ المرتبطُ بالاستقبالِ : فهوَ أنْ يعقدَ معَ اللهِ عقداً مؤكّداً ، ويعاهدَهُ بعهدٍ وثيقٍ ألا يعودَ إلى تلكَ الذنوبِ ، ولا إلى أمثالِها ؛ كالذي يعلمُ في مرضِهِ أنَّ الفاكهةَ تضرُّهُ مثلاً ، فيعزمُ عزماً جزْماً أنَّهُ لا يتناولُ الفاكهةَ ما لمْ يزلْ مرضُهُ ، فإنَّ هذا العزمَ يتأكَّدُ في الحالِ وإنْ كانَ يُتصوَّرُ أنْ تغلبَهُ الشهوةُ في ثاني الحالِ ، ولكنْ لا يكونُ تائباً ما لمْ يتأكَّدْ عزمُهُ في الحالِ ، ولا يُصوَّرُ أنْ يتمَّ ذلكَ للتائبِ في أوَّلِ أمرِهِ إلا بالعزلةِ ، والصمتِ ، وقلَّةِ الأكلِ والنومِ ، وإحرازِ قوتٍ حلالٍ . فإنْ كانَ لهُ مالٌ موروثٌ حلالٌ ، أوْ كانَتْ لهُ حرفٌ يكتسبُ بها قدْرَ الكفايةِ .. فليقتصرْ عليهِ، فإنَّ رأسَ المعاصي أكلُ الحرام ، فكيفَ يكونُ تائباً معَ الإصرارِ علیهِ ؟! ولا يكتفي بالحلالِ وتركِ الشبهاتِ مَنْ لا يقدرُ على تركِ الشهواتِ في المأكولاتِ والملبوساتِ . وقالَ بعضُهُمْ : ( مَنْ صدقَ في تركِ شهوةٍ ، وجاهدَ نفسَهُ للهِ سبعَ مرَّاتٍ .. لمْ يبتلَ بها)(١). (١) قوت القلوب (١٨٨/١)، وقريب منها كلمة أبي يزيد البسطامي المشهورة التي رواها القشيري في ((رسالته)) (ص٦٧): ( ومن صدق في ترك شهوة .. ذهب الله بها من قلبه ، والله تعالى أكرم من أن يعذب قلباً بشهوة تركت له ) . ١٣١ كتاب التوبة ربع المنجيات ـو وقالَ آخرُ : ( مَنْ تَابَ مِنْ ذنبٍ واستقامَ عليهِ سبعَ سنينَ .. لمْ يعدْ إليهِ أبداً)(١) . ومِنْ مهمَّاتِ التائبِ إذا لمْ يكنْ عالماً : أنْ يتعلَّمَ ما يجبُ عليهِ في المستقبلِ وما يحرمُ عليهِ؛ حَتَّى يمكنَهُ الاستقامةُ، وإنْ لمْ يؤثِرِ العزلةَ .. لمْ تتمّ لهُ الاستقامةُ المطلقةُ ، إلا أنْ يتوبَ عنْ بعضِ الذنوبِ ؛ كالذي يتوبُ عنِ الشربِ والزنا والغصْبِ مثلاً ، وليسَتْ هذهِ توبةً مطلقةً ، وقدْ قالَ بعضُ الناسِ : (إنَّ هذهِ التوبةَ لا تصحُ)(٢). وقالَ قائلونَ: ( تصحُ )(٣) . ولفظُ الصحّةِ في هذا المقام مجملٌ ، بلْ نقولُ لمَنْ قالَ : ( لا تصحُ ) : إنْ عنيتَ بهِ أنَّ تركَهُ بعضَ الذنوبِ لا يفيدُ أصلاً، بلْ وجودُهُ كعدمِهِ .. فما أعظمَ خطاَكَ، فإنَّا نعلمُ أنَّ كثرةَ الذنوبِ سببٌ لكثرةِ العقاب، وقلَّتَها سببٌ لقلَِّهِ . ونقولُ لمَنْ قَالَ : ( تصحُ ) : إنْ أردتَ بهِ أنَّ التوبةَ عنْ بعضِ الذنوبِ توجبُ قبولاً يوصلُ إلى النجاةِ والفوزِ .. فهذا أيضاً خطأً ، بلِ النجاةُ والفوزُ بتركِ الجميعِ . (١) قوت القلوب (١٨٨/١)، وقوله: ( واستقام عليه) أي: على توبته من ذلك الذنب ، وسقطت ( عليه ) من ((القوت)) وهو المناسب للسياق . (٢) وهو المحكي عن المعتزلة. ((إتحاف)) (٨/ ٥٨٤). (٣) وهو المحكي عن أهل السنة والجماعة. ((إتحاف)) (٥٨٤/٨). ١٣٢ ربع المنجبات كتاب التوبة هذا حكْمُ الظاهرِ ، ولسنا نتكلّمُ في خفايا أسرارِ عفوِ اللهِ . وإِنْ قالَ مَنْ ذهبَ إلى أنَّها لا تصحُّ : إنِّي أردتُ بهِ أنَّ التوبةَ عبارةٌ عنِ الندمِ ، وإنَّما يندمُ على السرقةِ مثلاً لكونِها معصيةً، لا لكونِها سرقةً ، ويستحيلُ أنْ يندمَ عليها دونَ الزنا إنْ كانَ توجُّعُهُ لأجلِ المعصيةِ ؛ فإنَّ العلَّةَ شاملةٌ لهما ؛ إذْ مَنْ يتوجَّعُ على قتلِ ولِدِهِ بالسيفِ يتوجَّعُ على قتلِهِ بالسكينِ ؛ لأنَّ توجُّعَهُ بفواتِ محبوبِهِ سواءٌ كانَ بالسيفِ أوْ بالسكينِ ، فكذلكَ توجُّعُ العبدِ بفواتِ محبوبِهِ ، وذلكَ بالمعصيةِ سواءً عصى بالسرقةِ أوْ بالزنا ، فكيفَ يتوجَّعُ على البعضِ دونَ البعضِ ؟! فالندمُ حالةٌ يوجبُها العلمُ بكونِ المعصيةِ مفوتةً للمحبوبِ مِنْ حيثُ إنَّها معصيةٌ ، فلا يتصوَّرُ أنْ يكونَ على بعضِ المعاصي دونَ بعضٍ ، ولوْ جازَ هذا .. لجازَ أنْ يتوبَ مَنْ شربَ الخمرَ مِنْ أحدِ الدَّنَّيْنِ دونَ الآخرِ ، فإنِ استحالَ ذلكَ مِنْ حيثُ إنَّ المعصيةَ في الخمرينِ واحدةٌ ، وإنَّما الدُّنانُ ظروفٌ .. فكذلكَ أعيانُ المعاصي آلاتٌ للمعصيةِ ، والمعصيةُ مِنْ حيثُ مخالفةُ الأمرِ واحدةٌ . فإذاً ؛ معنى عدم الصحّةِ : أنَّ اللهَ تعالى وعدَ التائبينَ رتبةً ، وتلكَ الرتبةُ لا تُثَالُ إلا بالندم ، ولا يُصوَّرُ الندمُ على بعضِ المتماثلاتِ ، فهوَ كالمِلْكِ المرتَّبِ على الإيجابِ والقبولِ ؛ فإنَّهُ إذا لمْ يتمَّ الإيجابُ والقبولُ .. يُقالُ: إِنَّ العقدَ لمْ يصحَّ ؛ أيْ : لا تترتَّبُ عليهِ الثمرةُ ، وهوَ المِلْكُ . وتحقيقُ هذا : أنَّ ثمرةَ مجرَّدِ التركِ أنْ ينقطعَ عنهُ عقابُ ما تركَهُ ، حن ١٣٣ حمـ كتاب التوبة ربع المنجیات وثمرةَ الندم تكفيرُ ما سبقَ ، فتركُ السرقةِ لا يكفِّرُ السرقةَ ، بلِ الندمُ عليها يكفِّرُها ، ولا يُتصوَّرُ الندمُّ إلا لكونِها معصيةً ، وذلكَ يعمُّ جميعَ المعاصي . وهذا كلامٌ مفهومٌ واقعٌ ، يستنطقُ المنصِفَ بتفصيلِ بهِ ينكشفُ الغطاءُ ، فنقولُ : التوبةُ عنْ بعضٍ الذنوبِ لا تخلو : إمَّا أنْ تكونَ عنِ الكبائرِ دونَ الصغائرِ ، أَوْ عنِ الصغائرِ دونَ الكبائرِ ، أَوْ عنَ كبيرةٍ دونَ كبيرةٍ . أمَّا التوبةُ عنِ الكبائرِ دونَ الصغائرِ : فأمرٌ ممكنٌ ؛ لأنَّهُ يعلمُ أنَّ الكبائرَ أعظمُ عندَ اللهِ ، وأجلبُ لسخطِ اللهِ ومقتِهِ ، والصغائرَ أقربُ إلى تطرّقِ العفوِ إليها ، فلا يستحيلُ أنْ يتوبَ عنِ الأعظمِ ويتندَّمَ عليهِ ؛ كالذي يجني على أهلِ الملكِ وحرمِهِ ، ويجني على دابَتِهِ ، فيكونُ خائفاً مِنَ الجنايةِ على الأهلِ ، مستحقراً للجنايةِ على الدابَّةِ ، والندمُ بحسَبِ استعظامِ الذنبِ ، واعتقادِ كونِهِ مبعداً عنِ اللهِ تعالى . ـت ـور وهذا ممكنٌ وجودُهُ في الشرع ، فقدْ كثرَ التائبونَ في الأعصارِ الخاليةِ ولمْ يكنْ أحدٌ منهُمْ معصوماً ، فلا تستدعي التوبةُ العصمةَ ، والطبيبُ قدْ يحدِّرُ المريضَ العسلَ تحذيراً شديداً ، ويحذِّرُهُ السكّرَ تحذيراً أخفَّ منهُ ، على وجهٍ يشعرُ معَهُ بأنَّهُ ربَّما لا يظهرُ ضررُ السَكَّرِ أصلاً ، فيتوبُ المريضُ بقولهِ عنِ العسلِ دونَ السكَّرِ ، فهذا غيرُ محالٍ وجودُهُ ، وإنْ أكلَهُما جميعاً بحكْمٍ شهوتِهِ .. ندمَ على أكلِ العسلِ دونَ السكّرِ . جن ١٣٤ ربع المنجيات كتاب التوبة الثاني : أنْ يتوبَ عنْ بعضِ الكبائرِ دونَ بعضٍ : وهذا أيضاً ممكنٌ ؛ لاعتقادِهِ أنَّ بعضَ الكبائرِ أشدُ وأغلظُ مِنْ بعضٍٍ عندَ اللهِ ؛ كالذي يتوبُ عنِ القتلِ والنهبِ والظلمٍ ومظالمٍ العبادِ لعلمِهِ أنَّ ديوانَ العبادِ لا يُتركُ، وما بينَهُ وبينَ اللهِ يتسارعُ العفوُ إليهِ . فهذا أيضاً ممكنٌ ، كما في تفاوتِ الكبائرِ والصغائرِ ؛ لأنَّ الكبائرَ أيضاً متفاوتةٌ في أنفسِها وفي اعتقادٍ مرتكبيها . وكذلكَ قدْ يتوبُ عنْ بعضٍ الكبائرِ التي لا تتعلَّقُ بالعبادِ ، كما يتوبُ عنْ شربِ الخمرِ دونَ الزنا مثلاً ؛ إذْ يتضحُ لهُ أنَّ الخمرَ مفتاحُ الشرورِ ، وأنَّهُ إذا زالَ عقلُهُ .. ارتكبَ جميعَ المعاصي وهوَ لا يدري ، فبحسَبٍ ترجُّح شربٍ الخمرِ عندَهُ ينبعثُ منهُ خوفٌ يوجبُ ذلكَ تركاً في المستقبلِ وندماً على الماضي . جم الثالثُ : أنْ يتوبَ عنْ صغيرةٍ أوْ صغائرَ وهوَ مصرٌّ علىٍ كبيرةٍ يعلمُ أنَّها كبيرةٌ : كالذي يتوبُ عنِ الغيبةِ أوْ عنِ النظرِ إلى غيرِ المحرمِ أوْ ما يجري مَجراهُ وهوُ مصرٌّ على شربِ الخمرِ ، وهوَ أيضاً ممكنٌ ، ووجهُ إمكانِهِ : أنَّهُ ما مِنْ مؤمنٍ إلا وهوَ خائفٌ على معاصيهِ (١) ، ونادمٌ على فعلِهِ ندماً إمَّا ضعيفاً وإمَّا قوياً ، ولكنْ تكونُ لذَّهُ نفسِهِ في تلكَ المعصيةِ أقوىُ مِنْ ألمٍ قلبِهِ (١) كذا ( على معاصيه)، ومن معاني (على) التعليل ؛ أي : خائف لوجود معاصيه. ١٣٥ كتاب التوبة ربع المنجيات في الخوفِ منها لأسبابٍ توجبُ ضعفَ الخوفِ ؛ مِنَ الجهلِ والغفلةِ ، وأسبابٍ توجبُ قوَّةَ الشهوةِ ، فيكونُ الندمُ موجوداً ، ولكنْ لا يكونُ مليئاً بتحريكِ العزم(١) ، ولا قويّاً عليهِ، فإنْ سلمَ عنْ شهوةٍ أقوى منهُ ؛ بأنْ لمْ يعارضْهُ إلا ما هوَ أضعفُ .. قهرَ الخوفُ الشهوةَ وغلبَها، وأوجبَ ذلكَ تركَ المعصيةِ . وقدْ تشتدُّ ضراوةُ الفاسقِ بالخمرِ ، فلا يقدرُ على الصبرِ عنها ، وتكونُ لهُ ضراوةٌ ما بالغيبةِ وثلبِ الناسِ والنظرِ إلى غيرِ المحرم ، وخوفُهُ مِنَ اللهِ قدْ بلغَ مبلغاً يقمعُ هذهِ الشهوةَ الضعيفةَ دونَ القويَّةِ ، فيوجبُ غلبةُ جندِ الخوفِ انبعاثَ العزم للتركِ ، بلْ يقولُ هذا الفاسقُ في نفسِهِ : ( إنْ قهرَني الشيطانُ بواسطةٍ غلبةِ الشهوةِ في بعضٍ المعاصي .. فلا ينبغي أنْ أخلعَ العذارَ وأرخي العِنانَ بالكليّةِ ، بلْ أجاهدُهُ في بعضِ المعاصي ، فعساني أغلبُهُ ، فيكونُ قهري لهُ في البعضِ كفارةً لبعضٍ ذنوبي)، ولَوْ لمْ يُصوَّرْ هذا .. لما تُصوَّرَ مِنَ الفاسقِ أنْ يصلِّيَ ويصومَ، ولقيلَ لهُ : (إنْ كانَتْ صلاتُكَ لغيرِ اللهِ .. فلا تصحُّ ، وإنْ كانَتْ للهِ . . فاتركِ الفسقَ للهِ ، فإنَّ أمرَ اللهِ فيهِ واحدٌ ، فلا يُصوَّرُ أنْ تقصدَ بصلاتِكَ التقرُّبَ إلى اللهِ تعالى ما لمْ تتقرَّبْ بتركِ الفسقِ ) ، وهذا محالٌ ، بلْ يقولُ : ( للهِ تعالى عليَّ أمرانِ ، ولي على المخالفةِ فيهما عقوبتانِ ، وأنا مليءٌ في أحدِهِما بقهْرِ الشيطانِ ، عاجزٌ عنهُ في الآخرةِ ، (١) المليء : بوزن فعيل هنا، وفي سياقات آتية بمعنى : قادر . ١٣٦ ربع المنجيات كتاب التوبة فأنا أقهرُهُ فيما أقدرُ عليهِ ، وأرجو بمجاهدتي فيهِ أنْ يُكفَّرَ عني بعضُ ما عجزتُ عنهُ لفرطِ شهوتي ) ، فكيفَ لا يُصوَّرُ هذا وهوَ حالُ كلِّ مسلمٍ ؟! إذْ لا مسلمَ إلا وهوَ جامعٌ بينَ طاعةِ اللهِ ومعصيتِهِ ، ولا سببَ لهُ إلا هذا . وإذا فهمَ هذا .. فهمَ أنَّ غلبةَ الخوفِ للشهوةِ في بعضِ الذنوبِ ممكنٌ وجودُها ، والخوفُ إذا كانَ مِنْ فعلٍ ماضٍ أورثَ الندمَ ، والندمُ يورثُ العزمَ، وقدْ قالَ النبيُّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: ((الندمُ توبةٌ)»(١) ، ولمْ يشترطِ الندمَ على كلِّ ذنبٍ . وقالَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: ((التائبُ مِنَ الذنبِ كمَنْ لا ذنبَ لهُ))(٢)، ولمْ يقلٍ : التائبُ مِنَ الذنوبِ كلِّها . وبهذهِ المعاني تبيَّنَ سقوطُ قولِ القائلِ : إنَّ التوبةَ عنْ بعضِ الذنوبِ غيرُ ممكنةٍ؛ لأنَّها متماثلةٌ في حقِّ الشهوةِ ، وفي حقِّ التعرُّضِ لسخطِ اللهِ تعالى . نعمْ ، يجوزُ أنْ يتوبَ عنْ شربِ الخمرِ دونَ النبيذِ ؛ لتفاوتِهِما في اقتضاءِ السخطِ ، ويتوبَ عنِ الكثيرِ دونَ القليلِ ؛ لأنَّ لكثرةِ المعصيةِ تأثيراً في كثرةٍ العقوبةِ ، فيساعدُ الشهوةَ بالقدْرِ الذي يعجزُ عنهُ ، ويتركُ بعضَ شهوتِهِ للهِ تعالى ، كالمريضِ الذي حذَّرَهُ الطبيبُ الفاكهةَ ، فإنَّهُ قدْ يتناولُ قليلَها ، ولكنْ لا يستكثرُ منها . (١) رواه ابن ماجه ( ٤٢٥٢). (٢) رواه ابن ماجه (٤٢٥٠). ١٣٧ كتاب التوبة ربع المنجيات فقدْ حصلَ مِنْ هذا : أنَّهُ لا يمكنُ أنْ يتوبَ عنْ شيءٍ ولا يتوبَ عنْ مثلِهِ ، بلْ لا بدّ وأنْ يكونَ ما تابَ عنهُ مخالفاً لما بقيَ عليهِ ؛ إمَّا في شدَّةٍ المعصية ، وإمَّا في غلبةِ الشهوةِ ، وإذا حصلَ هذا التفاوتُ في اعتقادٍ التائبِ .. تُصوِّرَ اختلافُ حالِهِ في الخوفِ والندم ، فيُصوَّرُ اختلافُ حالِهِ في التركِ، فندمُهُ على ذلكَ الذنبِ ووفاؤُهُ بعزمِهِ على التركِ يلحقُهُ بمَنْ لمْ يذنبْ ، وإنْ لمْ يكنْ قدْ أطاعَ اللهَ في جميعِ الأوامرِ والنواهي . فإنْ قلتَ : فهلْ تصحُّ توبةُ العنِينِ مِنَ الزنا الذي قارفَهُ قبلَ طريانِ العنَّةِ ؟ فأقولُ : لا ؛ لأنَّ التوبةَ عبارةٌ عنْ ندمٍ ببعثُ العزمَ على التركِ فيما يقدرُ على فعلِهِ ، وما لا يقدرُ على فعلِهِ فقدِ انعدمَ بنفسِهِ ، لا بتركِهِ إِيَّهُ . ولكنِّي أقولُ : لوْ طرأَ عليهِ بعدَ العنَّةِ كشفٌّ ومعرفةٌ تحقَّقٌ بهِ ضررَ الزنا الذي قارفَهُ، وثارَ منهُ احتراقٌ وتحسُّرٌ وندمٌ ؛ بحيثُ لوْ كانَتْ شهوةُ الوقاع باقيةً لكانَتْ حرقةُ الندم تقمعُ تلكَ الشهوةَ وتغلبُها .. فإنِّي أرجو أنْ يكونَ ذلكَ مكفِّراً لذنبهِ ، وماحياً عنهُ سيْئَتَهُ؛ إذْ لا خلافَ في أنَّهُ لَوْ تابَ قبلَ طريانِ العَّةِ وماتَ عَقيبَ التوبةِ .. كانَ مِنَ التائبينَ وإنْ لمْ تطرأُ عليهِ حالةٌ تهيجُ فيها الشهوةُ ، وتتيسَّرُ فيها أسبابُ القضاءِ للشهوةِ ، ولكنَّهُ تائبٌ باعتبارِ أَنَّ ندمَهُ بلغَ مبلغاً أوجبَ صرْفَ قصدِهِ عنِ الزنا لوْ ظهرَ قصدُهُ . جة فإذاً ؛ لا يستحيلُ أنْ تبلغَ قوَّةُ الندم في حقِّ العنِّينِ هذا المبلغَ ، إلا أنَّهُ ١٣٨ ربع المنجيات كتاب التوبة لا يعرفُهُ مِنْ نفسِهِ ، فإنَّ كلَّ مَنْ لا يشتهي شيئاً يقدِّرُ نفسَهُ قادراً على تركِهِ بأدنى خوفٍ ، واللهُ تعالى مطلعٌ على ضميرِهِ وعلى مقدارِ تندُّمِهِ ، فعساهُ يقبلُهُ منهُ ، بلِ الظاهرُ أنَّهُ يقبلُهُ . والحقيقةُ في هذا كلِّهِ ترجعُ إلى أنَّ ظلمةَ المعصيةِ تنمحي عنِ القلبِ بشيئينٍ : أحدُمُما : حرقةُ الندمِ . والآخرُ : شدَّةُ المجاهدةِ بالتركِ في المستقبلِ . وقدِ امتنعَتِ المجاهدةُ بزوالِ الشهوةِ ، ولكنْ ليسَ محالاً أنْ يقوى الندمُ بحيثُ يقوى على محوِها دونَ المجاهدةِ ، ولولا هذا .. لقلنا : إنَّ التوبةَ لا تُقُبلُ ما لمْ يعشِ التائبُ بعدَ التوبةِ مدَّةً يجاهدُ نفسَهُ في عينِ تلكَ الشهوةِ مرَّاتٍ كثيرةً ، وذلكَ ممَّا لا يدلُّ ظاهرُ الشرع على اشتراطِهِ أصلاً . فإنْ قلتَ : إذا فرضْنا تائبينِ ؛ أحدُهُما : سكنتْ نفسُهُ عنِ النزوع إلى الذنبِ ، والآخرُ : بقيَ في نفسِهِ نزوعٌ إليهِ وهوَ يجاهدُها ويمنعُها ، فأيُّهُما أفضلُ ؟ فاعلمْ : أنَّ هذا ممَّا اختلفَ العلماءُ فيهِ : فقالَ أحمدُ بنُ أبي الحواريِّ وأصحابُ أبي سليمانَ الدارانيِّ : إنَّ المجاهدَ أفضلُ ؛ لأنَّ لهُ معَ التوبةِ فضْلَ الجهادِ . ١٣٩ كتاب التوبة ربع المنجيات وقالَ علماءُ البصرةِ : ذلكَ الآخرُ أفضلُ؛ لأنَّهُ لوْ فترَ في توبتِهِ .. كانَ أقربَ إلى السلامةِ مِنَ المجاهدِ الذي هوَ في عرضةِ القصورِ عنِ المجاهدةِ . وما قالَهُ كلُّ واحدٍ مِنَ الفريقينِ لا يخلو عنْ حقِّ وعنْ قصورٍ عنْ كمالٍ الحقيقةِ . والحقُّ فيهِ : أنَّ الذي انقطعَ نزوعُ نفسِهِ لهُ حالتانِ : إحداهما : أنْ يكونَ انقطاعُ نزوعِهِ إليهِ لفتورٍ في نفسِ الشهوةِ فقطْ ، فالمجاهدةُ أفضلُ مِنْ هذا ؛ إذْ تركُهُ بالمجاهدةِ قَدْ دلَّ على قوَّةِ يقينِهِ ، واستيلاءِ دينِهِ على شهوتِهِ ، فهوَ دليلٌ قاطعٌ على قوَّةِ اليقينِ ، وعلىُ قوَّةِ الدينِ ، وأعني بقوّةِ الدينِ : قوَّةَ الإرادةِ التي تنبعثُ بإشارةِ اليقينِ ، وتقمعُ الشهوةَ المنبعثةَ بإشارةِ الشياطينِ ، فهاتان قوَّتانِ تدلُّ المجاهدةُ عليهما قطعاً . وقولُ القائلِ : (إنَّ هذا أسلمُ؛ إذْ لوْ فترَ .. لا يعودُ إلى الذنبِ )، فهذا صحيحٌ ، ولكنِ استعمالُ لفظِ الأفضلِ فيهِ خطأٌ ، وهوَ كقولِ القائلِ: ( العنينُ أفضلُ مِنَ الفحلِ ؛ لأنَّهُ في أمنٍ مِنْ خطرِ الشهوةِ ، والصبيُّ أفضلُ مِنَ البالغِ ؛ لأنَّهُ أسلمُ ، والمفلسُ أفضلُ مِنَ الملكِ القاهرِ القامع لأعدائِهِ ؛ لأنَّ المفلسَ لا عدوَّ لهُ والملكُ ربَّما يُغلبُ مرَّةً وإنْ غلبَ مرَّاتٍ ) ، وهذا كلامُ رجلٍ سليمِ القلبِ ، قاصِرِ النظرِ على الظواهرِ ، غيرِ عالمٍ بأنَّ العزَّ في الأخطار ، وأنَّ العلوَّ شرطُهُ اقتحامُ الأغرارِ ، بلْ هوَ كقولِ القائلِ : ( الصيّادُ ١٤٠ -