Indexed OCR Text
Pages 101-120
ربع المنجيات كتاب التوبة ﴿وَلَوْ تَرَىّ إِذِ الْمُجْرِمُونَ نَاكِسُواْ رُءُوسِهِمْ عِندَ رَبِّهِمْ﴾، فبيَّنَ أنَّهُمْ عندَ ربِّهِمْ ، إلا أنَّهُمْ منكوسونَ منحوسونَ، قَدِ انقلبَتْ وجوهُهُمْ إلى أقفيتِهِمْ ، وانتكسَتْ رؤوسُهُمْ عنْ جهةِ فوقٍ إلى جهةِ أسفلَ ، وذلكَ حكمُ اللهِ تعالى فيمَنْ حرمَهُ توفيقَهُ، ولمْ يهدِهِ طريقَهُ ، فنعوذُ باللهِ مِنَ الضلالِ ، والنزولِ إلى منازلِ الجهَّالِ . حن ـكن بون فهذا حكمُ انقسام مَنْ يخرجُ مِنَ النارِ ، ويُعطى مثلَ عشرةِ أمثالِ الدنيا أوْ أكثرَ ، ولا يخرجُ مِنَ النارِ إلا موخِّدٌ، ولستُ أعني بالتوحيدِ أنْ يقولَ بلسانِهِ : ( لا إلهَ إلا اللهُ)، فإنَّ اللسانَ مِنْ عالمِ الملكِ والشهادةِ ، فلا ينفعُ إلا في عالمِ الملكِ، فيدفعُ السيفَ عنْ رقبتِهِ ، وأيديَ الغانمينَ عنْ مالِهِ(١) ، ومدَّةُ الرقبةِ والمالِ مدَّةُ الحياةِ، فحيثُ لا تبقى رقبةٌ ولا مالٌ .. لا ينفعُ القولُ باللسانِ ، وإنَّما ينفعُ الصدْقُ في التوحيدِ ، وكمالُ التوحيدِ : ألا يرى الأمورَ كلَّها إلا مِنَ اللهِ ، وعلامتُهُ: ألا يغضبَ على أحدٍ مِنَ الخلقِ بما يجري عليهِ ؛ إذْ لا يرى الوسائطَ، وإنَّما يرى مسبِّبَ الأسبابِ كما سيأتي تحقيقُهُ في كتابِ التوكُّلِ . وهذا التوحيدُ متفاوتٌ؛ فمِنَ الناسِ مَنْ لهُ مِنَ التوحيدِ مثلُ الجبالِ ، (١) وذلك قوله صلى الله عليه وسلم - الذي رواه البخاري (٢٥)، ومسلم ( ٢٢ ) -: (( أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله، فإذا قالوها .. عصموا مني دماءهم وأموالهم وأعراضهم، وحسابهم على الله عز وجل)). (( إتحاف)) (٨/ ٥٦١)، ويؤكد التخصيص بالقلب حديث الشعيرة والبرة والذرة الآتي تعليقاً. ١٠١ ـرة كتاب التوبة ربع المنجيات ومنهُمْ مَنْ لهُ مثقالٌ، ومنهُمْ مَنْ لهُ مقدارُ خردلةٍ وذرَّةٍ ، فمَنْ في قلبهِ مثقالُ دينارٍ مِنْ إيمانٍ .. فهوَ أوَّلُ مَنْ يخرجُ مِنَ النارِ، وفي الخبرِ: (( يُقالُ: أخرجوا مِنَ النارِ مَنْ في قلبِهِ مثقالُ دينارٍ مِنْ إِيمانٍ)» (١) ، وآخرُ مَنْ يخرجُ مَنْ في قلبِهِ مثقالُ ذرَّةٍ مِنْ إيمانٍ ، وما بينَ المثقالِ والذرَّةِ على قدرِ تفاوتٍ درجاتِهِمْ يخرجونَ بينَ طبقةِ المثقالِ وبينَ طبقةِ الذرَّةِ (٢) ، والموازنةُ بالمثقالِ والذرَّةِ على سبيلٍ ضربِ المثلِ ؛ كما ذكرناهُ في الموازنةِ بينَ أعيانِ الأموالِ وبينَ النقودِ . وأكثرُ ما يُدخلُ الموحدينَ النارَ مظالمُ العبادِ ، فديوانُ العبادِ هوَ الديوانُ الذي لا يُتركُ (٣)، فأمَّا بقيَّةُ السيئاتِ .. فيتسارعُ العفوُ والتكفيرُ إليها، ففي الأثرِ : ( إنَّ العبدَ ليوقفُ بينَ يديِ اللهِ تعالىُ ولُهُ مِنَ الحسناتِ أمثالُ الجبالِ ، لوْ سلمَتْ لهُ .. لكانَ مِنْ أهلِ الجنَّةِ ، فيقومُ أصحابُ المظالمِ ، فيكونُ قدْ سبَّ عرضَ هذا ، وأخذَ مالَ هذا ، وضربَ هذا ، فيقتصُّ لهُمْ مِنْ حسناتِهِ حتَّى لا تبقى لهُ حسنةٌ ، فتقولُ الملائكةُ: يا ربِّ؛ هذا قدْ فنيَتْ ـدة بينى (١) هو جزء من حديث طويل رواه البخاري (٧٤٣٩)، ومسلم (١٨٣). (٢) ففي حديث الشفاعة المشهور، وهو عند البخاري (٧٤١٠)، ومسلم ( ١٩٣ ) : (( يخرج من النار من قال : لا إله إلا الله وكان في قلبه من الخير ما يزن شعيرة ، ثم يخرج من النار من قال : لا إله إلا الله وكان في قلبه من الخير ما يزن برة ، ثم يخرج من النار من قال : لا إله إلا الله وكان في قلبه ما يزن من الخير ذرة )). (٣) فقد روى ذلك مرفوعاً عن السيدة عائشة رضي الله عنها أحمد في ((المسند)) (٢٤٠/٦)، والحاكم في (( المستدرك)) (٤/ ٥٧٥). ١٠٢ ربع المنجيات كتاب التوبة حسناتُهُ، وبقيَ طالبونَ كثيرٌ، فيقولُ اللهُ تعالى : ألقوا مِنْ سيئاتِهِمْ على سيئاتِهِ، وصكُّوا لهُ صكّاً إلى النارِ)(١). وكما يهلَكُ هوَ بسيئةٍ غيرِهِ بطريقِ القصاصِ فكذلكَ ينجو المظلومُ بحسنةٍ الظالم ؛ إذْ ينقلُ إليهِ عوضاً عمَّا ظلمَهُ بهِ ، وقدْ حُكِيَ عنِ ابنِ الجلاءِ أنَّ بعضَ إخوانِهِ اغتابَهُ ، ثمَّ أرسلَ إليهِ يستحلُّهُ ، فقالَ : لا أفعلُ ، ليسَ في صحيفتي حسنةٌ أفضلَ منها ، فكيفَ أمحوها ؟!(٢). وقالَ هوَ وغيرُهُ : ( ذنوبُ إخواني مِنْ حسناتي ، أريدُ أنْ أزيِّنَ بها صحيفتي )(٣) . فهذا ما أردنا أنْ نذكرَهُ مِنِ اختلافِ أحوالِ العبادِ في المعادِ في درجاتٍ السعادة والشقاوةِ ، وكلُّ ذلكَ حكمٌ بظاهرِ الأسبابِ ، يضاهي حكْمَ الطبيبِ على مريضٍ بأنَّهُ يموتُ - لا محالةَ - ولا يقبلُ العلاجَ، وعلى مريضٍ آخرَ بأنَّ عارضَهُ خفيفٌ وعلاجَهُ هيِّنٌ، فإنَّ ذلكَ ظٍّ يصيبُ في أكثرِ الأحوالِ ، ولكنْ قدْ يثوبُ إلى المشرفِ على الهلاكِ نفسُهُ مِنْ حيثُ لا يشعرُ الطبيبُ ، وقدْ يُساقُ إلى ذي العارضِ الخفيفِ أجلُهُ مِنْ حيثُ لا يطَّلعُ عليهِ ، وذلكَ لأسرارِ اللهِ تعالى الخفيّةِ في أرواحِ الأحياءِ ، وغموضِ الأسبابِ التي رتَّبَها (١) كذا في ((القوت)) (١٤٩/٢)، وهو بنحوه رواه أبو نعيم في ((الحلية)) (٢٠٢/٤) عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه ، وهو قريب من حديث المفلس المشهور . (٢) قوت القلوب (١٥٠/٢). (٣) هو من تتمة قول ابن الجلاء السابق كما في ((القوت)) (١٥٠/٢). ١٠٣ كتاب التوبة ربع المنجيات مسبِّبُ الأسبابِ بقدَرِ معلوم ؛ إذْ ليسَ في قوَّةِ البشرِ الوقوفُ على كنهِها ، فكذلكَ النجاةُ والفوزُ في الآخرةِ لهما أسبابٌ خفيَّةٌ ، ليسَ في قوَّةِ البشرِ الاطلاعُ عليها ، يعبّرُ عنْ ذلكَ السببِ الخفيِّ المفضي إلى النجاةِ بالعفوِ والرضا، وعمَّا يفضي إلى الهلاكِ بالغضبِ والانتقام ، ووراءَ ذلكَ سرّ المشيئةِ الإلهيةِ الأزليّةِ التي لا يطلعُ الخلقُ عليها ، فلذلكَ يجبُ علينا أنْ نجوِّزَ العفوَ عنِ العاصي وإنْ كثرَتْ سيئاتُهُ الظاهرةُ ، والغضبَ على المطيعِ وإنْ كثرَتْ طاعاتُهُ الظاهرةُ ؛ فإنَّ الاعتمادَ على التقوى ، والتقوى في القلبِ ، وهوَ أغمضُ مِنْ أنْ يطلعَ عليهِ صاحبُهُ ، فكيفَ غيرُهُ ؟! ولكنْ قدِ انكشفَ لأربابِ القلوبِ أنَّهُ لا عفوَ عنْ عبدٍ إلا بسببٍ خفيٍّ فيهِ يقتضي العفوَ، ولا غضبَ إلا بسببٍ باطنٍ يقتضي البعدَ مِنَ اللهِ تعالى ، ولولا ذلكَ .. لمْ يكنِ العفوُ والغضبُ جزاءً على الأعمالِ والأوصافِ ، ولوْ لمْ يكنْ جزاءً .. لمْ يكنْ عدْلاً، ولوْ لمْ يكنْ عدلاً .. لمْ يصحَّ قولُهُ تعالى: ﴿ وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّمٍ لِّلْعَبِيدِ﴾، ولا قولُهُ تعالى: ﴿ إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ﴾ ، وكلُّ ذلكَ صحيحٌ ، فليسَ للإنسانِ إلا ما سعى ، وسعيُهُ هوَ الذي يُرىُ ، وكلُّ نفسٍ بما كسبَتْ رهينةٌ، فلمَّا زاغوا .. أزاغَ اللهُ قلوبَهُمْ، ولمَّا غيَّروا ما بأنفسِهِمْ .. غيَّرَ اللهُ ما بِهِمْ؛ تحقيقاً لقولِهِ تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُواْمَا يِأَنْفُسِهِمْ﴾ . ـحن حن وهذا كلُّهُ قدِ انكشفَ لأربابِ القلوبِ انكشافاً أوضحَ مِنَ المشاهدةِ بالبصرِ ؛ إذِ البصرُ يمكنُ الغلطَ فيهِ ، إذْ قدْ يرى البعيدَ قريباً ، والكبيرَ ١٠٤ ربع المنجيات كتاب التوبة صغيراً ، ومشاهدةُ القلب لا يمكنُ الغلطُ فيها ، وإنَّما الشأنُ في انفتاح بصيرةِ القلبِ ، وإلا .. فما يرى بها بعدَ الانفتاح فلا يتصوَّرُ فيهِ الكذبُ(١)، وإليهِ الإشارةُ بقولِهِ تعالى: ﴿مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى﴾(٢). الرتبةُ الثالثةُ : رتبةُ الناجينَ : وأعني بالنجاةِ : السلامةَ فقطْ، دونَ السعادةِ والفوزِ ، وهُمْ قومٌ لمْ يخدموا ليُخلعَ عليهِمْ، ولمْ يقصِّروا فيعذَّبوا، ويشبهُ أنْ يكونَ هذا حالَ المجانينِ ، والصبيانِ مِنَ الكفارِ ، والمعتوهينَ ، والذينَ لمْ تبلغهُمُ الدعوةُ في أطرافِ البلادِ وعاشوا على البَلَهِ وعدمِ المعرفةِ ، فلمْ يكنْ لهُمْ معرفةٌ ، ولا جحودٌ ، ولا طاعةٌ، ولا معصيةٌ، ولا وسيلةٌ تقرِّبُهُمْ، ولا جنايةٌ تبعدُهُمْ ، فما همْ مِنْ أهلِ الجنَّةِ ولا مِنْ أهلِ النارِ ، بلْ ينزلونَ في منزلةٍ بينَ المنزلتينِ، ومقامٍ بينَ المقامينِ ، عبَّرَ الشرعُ عنهُ بالأعرافِ ، وحلولُ طائفةٍ (١) فإن قلت : نرى جماعة من أرباب العقول يغلطون في نظرهم .. فاعلم: أن فيهم خيالات وأوهاماً واعتقادات يظنون أن أحكامها أحكام العقل ، فالغلط منسوب إليها ، فأما العقل المجرد إذا تجرَّد عن غشاوة الوهم والخيال .. لم يتصور أن يغلط ، بل يرى الأشياء على ما هي عليه، وفي تجرده عسر. ((إتحاف)) (٨/ ٥٦٣). بر (٢) أي : من عجائب الملكوت الأعلى، وذلك لأن البصر من عالم الشهادة والحس ، والبصيرة من عالم الملكوت ، لا ترى بالأبصار ، وإنما تشاهد ببصيرة القلب . («إتحاف)) (٨ / ٥٦٤ ). ١٠٥ کتاب التوبة ربع المنجيات وكما تتضاعفُ أوزارُهُمْ على الذنوبِ فكذلكَ يتضاعفُ ثوابُهُمْ على الحسناتِ إذا اتُّبُعوا . G فإذا تركَ التجمُّلَ والميلَ إلى الدنيا ، وقنعَ منها باليسيرِ ، ومِنَ الطعامِ بالقوتِ ، ومِنَ الكسوةِ بالخلَقِ ، فَيُبَعُ عليهِ ، ويقتدي بهِ العلماءُ والعوامُ ، فيكونُ لهُ مثلُ ثوابِهِمْ ، وإنْ مالَ إلى التجمُّلِ .. مالَتْ طباعُ مَنْ دونَهُ إِلى التشُّهِ بهِ ، ولا يقدرونَ على التجمُّلِ إلا بخدمةِ السلاطينِ ، وجمعِ الحطامِ مِنَ الحرامِ ، ويكونُ هوَ السببَ في جميع ذلكَ ، فحركاتُ العلماءِ في طوريٍ الزيادة والنقصانِ تتضاعفُ آثارُها ؛ إمَّا بالربح ، وإمَّا بالخسرانِ . وهذا القذْرُ كافٍ في تفاصيلِ الذنوبِ التي التوبةُ توبةٌ عنها . ١١٦ a ربع المنجيات كتاب التوبة والقذْرُ الممكنُ ذكرُهُ ما فضَّلَهُ القرآنُ ، فليسَ بعدَ بيانِ اللهِ بيانٌ ، والذي لا يمكنُ التعبيرُ عنهُ في هذا العالمِ فهوَ الذي أجملَهُ قولُهُ تعالى: ﴿ فَلاَ تَعْلَمُ نَفْسٌ مَّا أُخْفِىَ لَهُم مِّن قُرَّةِ أَعْيُنٍ﴾، وقولُهُ عزَّ وجلَّ: (( أعددتُ لعبادي الصالحينَ ما لا عينٌ رَأَتْ، ولا أذنُ سمعَتْ، ولا خطر على قلبٍ بشرٍ))(١) . والعارفونَ مطلبُهُمْ تلكَ الحالةُ التي لا يُتصوَّرُ أنْ تخطرَ على قلبٍ بشرٍ في هذا العالمِ ، فأمَّا الحورُ والقصورُ، والفواكهُ واللبنُ والعسلُ والخمرُ ، والحليُّ والأساورُ .. فإنَّهُمْ لا يحرصونَ عليها، ولوْ أُعطوها .. لمْ يقنعوا بها ، ولا يطلبونَ إلا لذَّةَ النظرِ إلى وجهِ اللهِ الكريمِ ، فهيَ غايةُ السعاداتِ ، ونهايةُ اللذَّاتِ . عـ ولذلكَ لمَّا قِيلَ لرابعة العدويَّةِ رحمةُ اللهِ عليها : كيفَ رغبتُكِ في الجنَّةِ ؟ فقالَتْ : الجارُ ثمّ الدارُ . فهؤلاءِ قومٌ شغلَهُمْ حتّ ربِّ الدارِ عنِ الدارِ وزينتِها ، بلْ عنْ كلِّ شيءٍ سواهُ، حتَّى عنْ أنفسِهِمْ، ومثالُهُمْ مثالُ العاشقِ المستهتَرِ بمعشوقِهِ ، المستوفي همَّهُ بالنظرِ إلى وجهِهِ والفكرِ فيهِ ، فإنَّهُ في حالِ الاستغراقِ غافلٌ عنْ نفسِهِ ، لا يحسُّ بما يصيبُهُ في بدنِهِ ، ويُعبَّرُ عنْ هذهِ الحالةِ بأنَّهُ فنيَ عنْ نفسِهِ ، ومعناهُ: أنَّهُ صارَ مستغرقاً بغيرِهِ ، وصارَتْ همومُهُ همّاً واحداً وهوَ (١) حديث قدسي رواه البخاري (٣٢٤٤)، ومسلم (٢٨٢٤). ١٠٧ كتاب التوبة ربع المنجيات محبوبُهُ ، ولمْ يبقَ فيهِ متسعٌ لغيرِ محبوبِهِ حتَّى يلتفتَ إليهِ ، لا إلى نفسِهِ ولا إلى غيرِهِ . eG: وهئذهِ الحالةُ هيّ التي توصلُ في الآخرةِ إلى قرَّةِ عينٍ لا يُتصوَّرُ أنْ تخطرَ في هذا العالمٍ على قلبٍ بشرٍ، كما لا يُصوَّرُ أنْ تخطرَ صورةُ الألوانِ والألحانِ على قلبِ الأصمِّ والأكمَهِ ، إلا أنْ يُرفعَ الحجابُ عنْ سمعِهِ وبصرِهٍ ، فعندَ ذلكَ يدركُ حالَةً يعلمُ قطعاً أنَّهُ لمْ يُتصوَّرْ أنْ تخطرَ ببالِهِ قبلَ ذلكَ صورتُها ، فالدنيا حجابٌ على التحقيقِ ، وبرفعِهِ ينكشفُ الغطاءُ ، فعندَ ذلكَ يدركُ ذوقَ الحياةِ الطيبةِ ، وأنَّ الدارَ الآخرةَ لهيَ الحيوانَ لوْ كانوا يعلمونَ . فههذا القذْرُ كافٍ في بيانِ توزّع الدرجاتِ على الحسناتِ ، والدركاتِ على السيئاتِ ، واللهُ الموفَّقُ بلطفِهِ . ١٠٨ 0 ربع المنجيات كتاب التوبة بيان، تنظم به الصغائر من الذنوب اعلمْ : أنَّ الصغيرةَ تكبرُ بأسبابٍ : منها الإصرارُ والمواظبةُ: ولذلكَ قيلَ: (( لا صغيرةَ معَ إصرارٍ ، ولا كبيرةَ معَ استغفارِ)) (١) ، فكبيرةٌ واحدةٌ تنصرمُ ولا يتبعُها مثلُها لوْ تُصوِّرَ ذلكَ .. لكانَ العفوُ عنها أرجىُ مِنْ صغيرةٍ يواظبُ العبدُ عليها . % ومثالُ ذلكَ مثالُ قطراتٍ مِنَ الماءِ تقعُ على الحجرِ على توالٍ فتؤْثِّرُ فِيهِ ، وذلكَ القذْرُ مِنَ الماءِ لوْ صُبَّ عليهِ دفعةً واحدةً .. لمْ يؤثِّرُ . ولذلكَ قالَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: (( خيرُ الأعمالِ أدومُها وإنْ قلَّ))(٢) ، والأشياءُ تُستبانُ بأضدادِها، فإنْ كانَ النافعُ مِنَ العملِ هوَ الدائمَ وإنْ قلَّ، والكثيرُ المتصرِّمُ قليلُ النفعِ في تنويرِ القلبِ وتطهيرِهِ .. فكذلكَ القليلُ مِنَ السيئاتِ إذا دامَ .. عظمَ تأثيرُهُ في إظلامِ القلبِ . إلا أنَّ الكبيرةَ قلَّما يُتصوَّرُ الهجومُ عليها بغتةً مِنْ غيرِ سوابقَ ولواحقَ مِنْ جملةِ الصغائرِ ، فقلّما يزني الزاني بغتةً مِنْ غيرِ مراودةٍ ومقدِّماتٍ ، وقلَّما يقتلُ القاتلُ بغتةً مِنْ غيرِ مشاحنةٍ سابقةٍ ومعاداةٍ ، فكلُّ كبيرةٍ تكتنفُها صغائرُ (١) رواه ابن أبي الدنيا في ((التوبة)) ( ١٧٣)، والقضاعي في ((مسند الشهاب)) ( ٨٥٣). من حديث ابن عباس رضي الله عنهما مرفوعاً . (٢) رواه البخاري (٦٤٦٤)، ومسلم ( ٧٨٢) بنحوه . ١٠٩ كتاب التوبة ربع المنجيات سابقةٌ ولاحقةٌ ، ولوْ تُصوِّرتْ كبيرةٌ وحدَها بغتةً ولمْ يتفقْ إليها عَوْدٌ . . ربّما كانَ العفوُ فيها أرجى مِنْ صغيرةٍ واظبَ الإنسانُ عليها عمرَهُ . ـنه ومنها أنْ يستصغرَ الذنبَ : فإنَّ الذنبَ كلَّما استعظمَهُ العبدُ مِنْ نفسِهِ .. صغرَ عندَ اللهِ تعالى، وكلَّما استصغرَهُ .. كبرَ عندَ اللهِ تعالى؛ لأنَّ استعظامَهُ يصدرُ عنْ نفورِ القلبِ عنهُ ، وكراهيتِهِ لهُ ، وذلكَ النفورُ يمنعُ مِنْ شدَّةِ تأثّرِهِ بهِ ، واستصغارُهُ يصدرُ عنِ الإلفِ بهِ ، وذلكَ يوجبُ شدَّةَ الأثرِ في القلبِ ، والقلبُ هوَ المطلوبُ تنويرُهُ بالطاعاتِ ، والمحذورُ تسويدُهُ بالسيئاتِ ، ولذلكَ لا يؤاخذُ بما يجري عليهِ في الغفلةِ، فإنَّ القلبَ لا يتأثَّرُ بما يجري في الغفلةِ . وقدْ جاءَ في الخبرِ : ((المؤمنُ يرىُ ذنبَهُ كالجبلِ فوقَهُ يخافُ أنْ يقعَ عليهِ ، والمنافقُ يرىُ ذنبَهُ كذبابٍ مرَّ على أنِفِهِ فَأطارَهُ »(١) . وقالَ بعضُهُمْ : ( الذنبُ الذي لا يُغفرُ قولُ العبدِ: ليتَ كلَّ شيءٍ عملتُهُ مثلُ هذا)(٢). (١) رواه البخاري (٦٣٠٨) عن الحارث بن سويد قال : حدثنا عبد الله بن مسعود حديثين ؛ أحدهما عن النبي صلى الله عليه وسلم والآخر عن نفسه ، وذكره أوَّلاً ، وذُكر بعد حديث: (( لله أفرح بتوبة العبد))، ولم يبين المرفوع من الموقوف ، وصرح أحمد في ((المسند (٣٨٣/١) برواية بوقفه. (٢) قوت القلوب (١/ ١٨١). ١١٠ ربع المنجيات كتاب التوبة وإنَّما يعظمُ الذنبُ في قلبِ المؤمنِ لعلمِهِ بجلالِ اللهِ ، فإذا نظرَ إلى عظم مَنْ عصى بذلكَ الذنبِ .. رأى الصغيرةَ كبيرةً، وقدْ أوحى اللهُ تعالى إلى بعضٍ أنبيائِهِ : ( لا تنظرْ إلى قلَّةِ الهديةِ ، وانظرْ إلى عظم مهديها ، ولا تنظرْ إلى صغرِ الخطيئةِ، وانظرْ إلى كبرياءِ مَنْ واجهتَهُ بها)(١). وبهذا الاعتبارِ قالَ بعضُ العارفينَ: ( لا صغيرةً ، بلْ كلُّ مخالفةٍ فهيَ كبيرةٌ )(٢) . ولذلكَ قالَ بعضُ الصحابةِ للتابعينَ : ( إنَّكُمْ لتعملونَ أعمالاً هيَ في أعينِكُمْ أدقُّ مِنَ الشعرِ ، كَّا نعدُّها على عهدِ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ مِنَ الموبقاتِ )(٣) إذْ كانَتْ معرفةُ الصحابةِ بجلالِ اللهِ تعالى أتمَّ ، فكانَتِ الصغائرُ عندَهُمْ بالإضافةِ إلى جلالِ اللهِ تعالى كبائرَ . وبهذا السببِ يعظمُ مِنَ العالمِ ما لا يعظمُ مثلُهُ مِنَ الجاهلِ ، ويُتجاوزُ عنِ العامِّيِّ في أمورٍ لا يُتجاوزُ في أمثالِها عنِ العارفِ ؛ لأنَّ الذنبَ والمخالفةً يكبرُ بمعرفةِ قدْرِ المخالَفِ . (١) قوت القلوب (١٨٢/١). (٢) رواه عن ابن عباس رضي الله عنهما اللالكائي في ((اعتقاد أهل السنة)) ( ١٩١٦) بنحوه ، واختار ذلك القول أبو إسحاق الإسفرايني وأبو بكر الباقلاني وإمام الحرمين في ((الإرشاد)) والقشيري في ((المرشدة))، بل حكاه ابن فورك عن الأشاعرة واختاره في (( تفسيره)) واعتمد عليه التقي السبكي. ((إتحاف)) (٥٧١/٨). (٣) رواه أحمد في ((المسند)) (٣/٣). ١١١ كتاب التوبة ربع المنجيات ومنها السرورُ بالصغيرةِ: والفرحُ والتبجُّحُ بها ، واعتدادُ التمكُّنِ مِنْ ذلكَ نعمةً ، والغفلةُ عنْ كونِهِ سببَ الشقاوةِ ، فَكلَّما غلبَتْ حلاوةُ الصغيرةِ عندَ العبدِ .. كبرَتِ الصغيرةُ، وعظمَ أثرُها في تسويدِ قلبِهِ ، حتَّى إِنَّ مِنَ المذنبينَ مَنْ يتمدَّحُ بذنبهِ ويتبجَّحُ بهِ ؛ لشدَّةِ فرحِهِ بمقارفتِهِ إِيَّاهُ، كما يقولُ: أما رأيتَنَي كيفَ مزَّقَتُ عرضَهُ؟ ويقولُ المناظرُ في مناظرتِهِ : أما رأيتَي كيفَ فضحتُهُ ؟ وكيفَ ذكرتُ مساوئَهُ حتَّى أخجلتُهُ ؟ وكيفَ استخففتُ بهِ ؟ وكيفَ لبَّستُ عليهِ؟ ويقولُ المعاملُ في التجارةِ : أما رأيتَ كيفَ روَّجتُ عليهِ الزائفَ؟ وكيفَ خدعتُهُ؟ وكيفَ غبنْتُهُ في مالِهِ ؟ وكيفَ استحمقتُهُ ؟ فهذا وأمثالُهُ تكبرُ بهِ الصغائرُ ، فإنَّ الذنوبَ مهلكاتٌ ، وإذا دُفعَ العبدُ إليها ، وظفرَ الشيطانُ بهِ في الحملِ عليها .. فينبغي أنْ يكونَ في مصيبةٍ وتأشُفٍ بسببٍ غلبةِ العدوِّ عليه ، وبسببٍ بعدِهِ مِنَ اللهِ تعالى، فالمريضُ الذي يفرحُ بأنْ ينكسرَ إناؤُهُ الذي فيهِ دواؤُهُ حتَّى يتخلَّصَ مِنْ ألمٍ شرِهِ .. لا يُرجى شفاؤُهُ . ومنها أنْ يتهاونَ بسترِ اللهِ عليهِ وحلمِهِ عنهُ وإمهالِهِ إِيَّهُ : ولا يدري أنَّهُ إنَّما يُمهَلُ مقتاً ليزدادَ بالإمهالِ إثماً ، فيظنُّ أنَّ تمكُّنَهُ مِنَ المعاصي عنايةٌ مِنَ اللهِ تعالى بهِ ، فيكونُ ذلكَ لأمنِهِ مِنْ مكرِ اللهِ ، وجهلِهِ بمكامنِ الغرورِ باللهِ ، كما ١١٢ حر :7 ربع المنجيات كتاب التوبة قال تعالى: ﴿ وَيَقُولُونَ فِّ أَنْفُسِهِمْ لَوْلًا يُعَذِّبُنَا اللَّهُ بِمَا نَقُولُّ حَسْبُهُمْ جَهَّمُ يَصْلَوْنَهَا فَبِئْسَ اُلْمَصِيرُ﴾ . ومنها أنْ يأتيَ الذنبَ ويظهرَهُ : بأنْ يذكرَهُ بعدَ إتيانِهِ ، أوْ يأتيَهُ على ملأٍ ومشهدٍ مِنْ غيرِهِ ، فإنَّ ذلكَ منهُ جنايةٌ على سترِ اللهِ الذي أسدلَهُ عليهِ ، وتحريكٌ لرغبةِ الشرِّ فيمَنْ أسمعَهُ ذنبَهُ أَوْ أشهدَهُ فعلَهُ ، فهما جنايتانِ انضمتا إلى جنايتِهِ . . فغلظَتْ بهِ . حن جن بو فإنِ انضافَ إلى ذلكَ الترغيبُ للغيرِ فيهِ ، والحملُ عليهِ، وتهيئةُ الأسبابِ لهُ .. صارَتْ جنايةً رابعةً، وتفاحشَ الأمرُ، وفي الخبرِ: (( كلُّ الناسِ معافىّ إلا المجاهرينَ ، يبيتُ أحدُهُمْ على ذنبٍ قدْ سترَهُ اللهُ عليهِ ، فيصبحُ فيكشفُ سترَ اللهِ ويتحدَّثُ بذنبهِ))(١)، وهذا لأنَّ مِنْ صفاتِ اللهِ ونعمِهِ أنَّهُ يظهرُ الجميلَ ويسترُ القبيحَ ، ولا يهتكُ السترَ ، فالإظهارُ كفرانٌ لههذهِ النعمةِ . وقالَ بعضُهُمْ: ( لا تذنبْ، فإنْ كانَ ولا بدَّ .. فلا ترغُّبْ غيرَكَ فيهِ فتذنبَ ذنبينٍ )(٢) . (١) قوت القلوب (١/ ١٨٣)، ورواه بنحوه البخاري (٦٠٦٩)، ومسلم (٢٩٩٠). (٢) قوت القلوب (١/ ١٨٣). ١١٣ كتاب التوبة ربع المنجيات ولذلكَ قالَ تعالى: ﴿الْمُنَفِقُونَ وَالْمُنَفِقَتُ بَعْضُهُم مِّنْ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمُنكَرِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمَعْرُوفِ﴾. وقالَ بعضُ السلفِ : ( ما انتهكَ المرءُ مِنْ أخيهِ حرمةً أعظمَ مِنْ أنْ يساعدَهُ على معصيةٍ ثمَّ يهوِّنَها عليهِ)(١) . ومنها أنْ يكونَ المذنبُ عالماً يُقتدى بهِ : فإذا فعلَهُ بحيثُ يُرى ذلكَ منهُ .. كبرَ ذنبُهُ ؛ كلبسِ العالمِ الإبريسمَ ، وركوبِهِ مراكبَ الذهبِ والفضةِ ، وأخذِهِ مالَ الشبهةِ مِنْ أموالِ السلاطينِ ، ودخولِهِ على السلاطينِ ، وتوقُّدِهِ إليهِمْ (٢)، ومساعدِهِ إِيَّهُمْ بتركِ الإنكارِ عليهِمْ، وإطلاقِهِ اللسانَ في الأعراضِ ، وتعديهِ باللسانِ في المناظرةِ ، وقصدِهِ الاستخفافَ ، واشتغالِهِ مِنَ العلوم بما لا يُقصدُ منهُ إلا الجاهُ ؛ كعلم الجدلِ والمناظرةِ ، فههذهِ ذنوبٌ يُتَبعُ العالمُ عليها ، فيموتُ العالمُ ويبقى شرُّهُ مستطيراً في العالمِ آماداً متطاولةً ، فطوبى لمَنْ إذا ماتَ .. ماتَتْ معَهُ ذنوبُهُ . وفي الخبرِ: ((مَنْ سنَّ سنَّةً سيئةً .. فعليهِ وزرُها ووزرُ مَنْ عملَ بها لا ينقصُ مِنْ أوزارِهِمْ شيئاً)»(٣). (١) قوت القلوب (١٨٣/١). (٢) في (ب، ج): (وتردده إليهم) بدل ( وتودده إليهم) . (٣) رواه مسلم ( ١٠١٧) . ١١٤ ربع المنجيات كتاب التوبة وقال تعالى: ﴿وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُواْ وَءَاتَرَهُمْ﴾، والآثارُ: ما يلحقُ مِنَ الأعمالِ بعدَ انقضاءِ العملِ والعاملِ . وقالَ ابنُ عباسٍ رضيَ اللهُ عنهُما : ( ويلٌ للعالمٍ مِنَ الأتباعِ ، يزلُ زلَّةً فيرجعُ عنها ، ويحتملُها الناسُ فيذهبونَ بها في الآفاقِ )(١) . وقال بَعضُهُمْ: ( مثلُ زلَّةِ العالمِ مثلُ انكسارِ السفينةِ ، تغرقُ ويغرقُ أهلُها)(٢) . وفي الإسرائيلياتِ : أنَّ عالماً كانَ يُضلُّ الناسَ بالبدعةِ ، ثمَّ أدركتُهُ توبةٌ، فعملَ في الإصلاحِ دهراً ، فأوحى اللهُ تعالى إلى نبيّهِمْ : قُلْ لهُ : إنَّ ذنبَكَ لوْ كانَ فيما بيني وبينَكَ .. لغفرتُهُ لكَ، ولكنْ كيفَ بمَنْ أضللتَ مِنْ عبادي فأدخلتَهُمُ النارَ؟!(٣). فبهذا يتضحُ أنَّ أمرَ العلماءِ مخطرٌ ، فعليهِمْ وظيفتانِ : إحداهما : تركُ الذنبِ . والأخرى : إخفاؤُهُ . (١) قوت القلوب (١٨٣/١). (٢) القول لعبد الله بن المعتز، رواه عنه الخطيب في ((الفقيه والمتفقه)) (٦٤٦). (٣) رواه ابن أبي شيبة في ((المصنف)) (٣٦٣١٣)، والخطيب في ((الفقيه والمتفقه)) (١٠٤٦) عن خالد الربعي، وقد نقل الخبر صاحب (القوت)) (١٨٤/١) وقال عقبه : ( فأما استحلال المعصية وإحلالها للغير .. فليس من هذه الأبواب في شيء ، إنما ذلك خروج عن الملة وتبديل للشريعة ، وهو الكفر بالله تعالى ) . ١١٥ كتاب التوبة ربع المنجيات وكما تتضاعفُ أوزارُهُمْ على الذنوبِ فكذلكَ يتضاعفُ ثوابُهُمْ على الحسناتِ إذا اتّبعوا . فإذا تركَ التجمُّلَ والميلَ إلى الدنيا ، وقنعَ منها باليسيرِ ، ومِنَ الطعامِ بالقوتِ ، ومِنَ الكسوةِ بالخلَقِ ، فيُتَبَعُ عليهِ ، ويقتدي بهِ العلماءُ والعوامُّ ، فيكونُ لهُ مثلُ ثوابِهِمْ ، وإنْ مالَ إلى التجُّلِ .. مالَتْ طباعُ مَنْ دونَهُ إلى التشُّهِ بهِ ، ولا يقدرونَ على التجمُّلِ إلا بخدمةِ السلاطينِ ، وجمعِ الحطامِ مِنَ الحرامِ ، ويكونُ هوَ السببَ في جميع ذلكَ ، فحركاتُ العلماءِ في طوريٍ الزيادة والنقصانِ تتضاعفُ آثارُها ؛ إمَّا بالربحِ ، وإمَّا بالخسرانِ . وهذا القذْرُ كافٍ في تفاصيلِ الذنوبِ التي التوبةُ توبةٌ عنها . جن ١١٦ ربع المنجيات كتاب التوبة الرُّكْنُ الثَّالِثُ في تمام التّؤية وشروطها في دوامها إلى آخر العمر قدْ ذكرنا أنَّ التوبةَ عبارةٌ عنْ ندم يورثُ عزماً وقصداً ، وذلكَ الندمُ أورثَهُ العلمُ بكونِ المعاصي حائلاً بينَهُ وبينَ محبوبِهِ . ولكلِّ واحدٍ مِنَ العلمِ والندمِ والعزمِ دوامٌ وتمامٌ ، ولتمامِها علامةٌ ، ولدوامِها شرطٌ ، فلا بدَّ مِنْ بيانِها . جر أمّا العلمُ : فالنظرُ فيهِ نظرٌ في سببِ التوبةِ ، وسيأتي . وأمَّا الندمُ : فهوَ توجُّعُ القلبِ عندَ شعورِهِ بفواتِ المحبوبِ ، وعلامتُهُ : طولُ الحسرةِ والحزنِ ، وانسكابُ الدمع وطولُ البكاءِ والفكرِ ، فمَنِ استشعرَ عقوبةً نازلةٌ بولدِهِ أوْ ببعض أعزَّتِهِ . . طالَ عليهِ بكاؤُهُ لمصيبتِهِ ، وأُّ عزيزِ أعزُّ عليهِ مِنَ نفسِهِ ؟! وأيُّ عقوبة أشدُّ مِنَ النارِ ؟! وأُّ سببٍ أدلُّ على نزولِ العقوبةِ مِنَ المعاصي ؟! وأيُّ مخبرٍ أصدقُ مِنَ اللهِ ورسولِهِ ؟! ولوْ حدَّثَهُ إنسانٌ واحدٌ يسمَّى طبيباً أنَّ ولدَهُ المريضَ لا يبرأُ، وأنَّهُ سيموتُ منهُ .. طالَ في الحالِ حزنُهُ، فليسَ ولدُهُ بأعزَّ مِنْ نفسِهِ ، ولا الطبيبُ بأعلمَ ولا أصدقَ مِنَ اللهِ ورسولِهِ ، ولا الموتُ بأشدَّ مِنَ النّارِ ، ولا المرضُ بأدلَّ على الموتِ مِنَ المعاصي على سخطِ اللهِ تعالى ، والتعرضِ بها للنارِ . eG ١١٧ کتاب التوبة ربع المنجيات فألمُ الندم كلَّما كانَ أشدّ .. كانَ تكفيرُ الذنوبِ بهِ أرجى، فعلامةُ صحَّةٍ الندم رقَّةُ القلبِ ، وغزارةُ الدمع، وفي الخبرِ : ( جالسوا التوَّابِينَ ؛ فإنَّهُمْ أرقُ أفئدةٌ)(١) . ومِنْ علامتِهِ : أنْ تتمكَّنَ مرارةُ تلكَ الذنوبِ في قلبهِ بدلاً مِنْ حلاوتِها ، فيستبدلُ بالميلِ كراهيةً ، وبالرغبةِ نفرةً . وفي الإسرائيلياتِ : أنَّ اللهَ سبحانَهُ وتعالى قالَ لبعضٍ أنبيائِهِ وقدْ سألَهُ قبولَ توبةِ عبدٍ بعدَ أنِ اجتهدَ سنينَ في العبادةِ ولمْ يرَ قبولَ توبتِهِ فقالَ : وعزَّتي وجلالي ؛ لوْ شفعَ فيهِ أهلُ السماواتِ والأرضِ ما قبلتُ توبتَهُ وحلاوةُ ذلكَ الذنبِ الذي تابَ منهُ في قلبِهِ(٢). فإنْ قلتَ : فالذنوبُ هيَ أعمالٌ مشتهاةٌ بالطبع ، فكيفَ يجدُ مرارتَها ؟ فأقولُ : مَنْ تناولَ عسلاً كانَ فيهِ سٌّ ولمْ يدركْهُ بالذوقِ واستلذَّهُ ، ثمّ مرضَ وطالَ مرضُهُ وألمُهُ ، وتناثرَ شعرُهُ، وفُلجَتْ أعضاؤُهُ ، فإذا قدِّمَ إليهِ عسلٌ فيهِ مثلُ ذلكَ السمِّ وهوَ في غايةِ الجوعِ والشهوةِ للحلاوةِ .. فهل تنفرُ نفسُهُ عنْ ذلكَ العسلِ أَمْ لا ؟ (١) رواه ابن أبي شيبة في ((المصنف)) (٣٥٦٠٦)، وأحمد في ((الزهد)) (٦٣١) موقوفاً على عمر رضي الله عنه . (٢) قوت القلوب (١٨١/١). ١١٨ ربع المنجيات كتاب التوبة حن فإنْ قلتَ : لا ، فهوَ جحدٌ للضرورةِ والمشاهدةِ ، بلْ ربَّما تنفرُ عنِ العسلِ الذي ليسَ فيهِ سٌ أيضاً ؛ لشبهِهِ بهِ ! فوجدانُ التائبِ مرارةَ الذنبِ كذلكَ يكونُ ، وذلكَ لعلمِهِ بأنَّ كلَّ ذنبٍ فذوقُهُ ذوقُ العسلِ ، وعملُهُ عملُ السمِّ . ولا تصحُّ التوبةُ ولا تصدقُ إلا بمثلِ هذا الإيمانِ ، ولمَّا عزَّ مثلُ هذا الإيمانِ .. عزَّتِ التوبةُ والتائبونَ ، فلا ترى إلا معرضاً عنِ اللهِ تعالى ، متهاوناً بالذنوبِ ، مصرّاً عليها . فهذا شرطُ تمام الندمِ . وينبغي أنْ يدومَ إلى الموتِ ، وينبغي أنْ يجدَ هذهِ المرارةَ في جميعِ الذنوبِ وإنْ لمْ يكنْ قدِ ارتكبها مِنْ قبلُ ؛ كما يجدُ متناولُ السمِّ في العسلِ النفرةَ مِنَ الماءِ الباردِ مهما علمَ أنَّ فيهِ مثلَ ذلكَ السمِّ ؛ إذْ لمْ يكنْ ضررُهُ مِنَ العسلِ ، بلْ ممَّ فيهِ ، ولمْ يكنْ ضررُ التائبِ مِنْ سرقتِهِ وزناهُ مِنْ حيثُ إنَّهُ سرقةٌ وزناً ، بلْ مِنْ حيثُ مخالفتُهُ أمرَ اللهِ تعالى ، وذلكَ جارٍ في كلِّ ذنبٍ . وأمَّا القصدُ الذي ينبعثُ منهُ ، وهوَ إرادةُ التداركِ : فلهُ تعلُّقٌ بالحالِ ؛ وهوَ موجِبٌ تركَ كلِّ محظورٍ هوَ ملابسٌ لهُ ، وأداءَ كلِّ فرضٍ هوَ متوجّهُ علیهِ في الحالِ ، ولهُ تعلُّقٌ بالماضي ؛ وهوَ تداركُ ما فرطَ ، وله تعلُّقٌ بالمستقبلِ ؛ وهوَ دوامُ الطاعةِ ودوامُ تركِ المعصيةِ إلى الموتِ . وشرطُ صحتِهِ فيما يتعلَّقُ بالماضي : أنْ يردّ فكرَهُ إلى أَوَّلِ يومٍ بلغَ فيهِ ١١٩ كتاب التوبة ربع المنجيات بالسنِّ أوِ الاحتلام ، ويفتِّشَ عمَّا مضىُ مِنْ عمرِهِ سنةً سنةً ، وشهراً شهراً ، ويوماً يوماً ، ونَفَساً نَفَساً ، وينظرَ إلى الطاعاتِ ما الذي قصَّرَ فيهِ منها ، وإلى المعاصي ما الذي قارفَهُ منها . فإنْ كانَ قدْ تركَ صلاةٌ ، أوْ صلاَها في ثوبٍ نجسٍ ، أَوْ صلاَّها بنيّةٍ غيرِ صحيحةٍ لجهلِهِ بشرطِ النيّةِ .. فيقضيها عنْ آخرِها ، فإنْ شكّ في عددٍ ما فاتَهُ منها .. حسبَ مِنْ مدَّةِ بلوغِهِ وتركَ القدْرَ الذي يستيقنُ أنَّهُ أَدَّاهُ ، ويقضي الباقيَ ، ولهُ أنْ يأخذَ فيهِ بغالبِ الظنِّ ، ويصلُ إليهِ على سبيلِ التحرِّي والاجتهادِ . وأمَّا الصومُ .. فإنْ كانَ قدْ تركَهُ في سفرٍ ولمْ يقضِهِ ، أوْ أفطرَ عمداً ، أوْ نسيَ النِيََّ بالليلِ ولمْ يقضٍ .. فيتعرَّفُ مجموعَ ذلكَ بالتحرِّي والاجتهادِ ، ويشتغلُ بقضائِهِ . وأمَّا الزكاةُ .. فيحسبُ جميعَ مالِهِ ، وعددَ السنينَ مِنْ أوَّلِ ملكِهِ ، لا مِنْ زمانِ البلوغ ؛ فإنَّ الزكاةَ واجبةٌ في مالِ الصبيِّ ، فيؤدِّي ما علمَ بغالبِ الظنِّ أنَّهُ في ذمَّتِهِ ، فإنْ أدَّهُ لا على وجهٍ يوافقُ مذهبَهُ ؛ بأنْ لمْ يُصرفْ إلى الأصنافِ الثمانيةِ ، أوْ أخرجَ البدلَ وهوَ على مذهبِ الشافعيِّ رحمهُ اللهُ تعالى .. فيقضي جميعَ ذلكَ، فإنَّ ذلكَ لا يجزئُهُ أصلاً، وحسابُ الزكاةِ ومعرفةُ ذلكَ يطولُ، ويحتاجُ فيهِ إلى تأمُّلٍ شافٍ ، ويلزمُهُ أنْ يسألَ عنْ كيفيَّةِ الخروج عنْهُ العلماءَ . ١٢٠ ۔