Indexed OCR Text

Pages 21-40

ربع المنجيات
كتاب التوبة
والأخبارُ والآثارُ في ذلكَ لا تُحصى ، والإجماعُ منعقدٌ مِنَ الأمَّةِ على
وجوبِها ؛ إذْ معناهُ العلمُ بأنَّ الذنوبَ والمعاصيَ مهلكاتٌ ومبعِداتٌ عنِ اللهِ
تعالى ، وهذا داخلٌ في وجوبِ الإيمانِ ، ولكنْ قدْ تدهشُ الغفلةُ عنهُ ،
فمعنى هذا العلمِ إزالةُ هذهِ الغفلةِ ، ولا خلافَ في وجوبِها .
ومِنْ معانيها : تركُ المعاصي في الحالِ ، والعزمُ على تركِها في
الاستقبالِ ، وتداركُ ما سبقَ مِنَ التقصيرِ في سابقِ الأحوالِ ، وذلكَ لا يُشكُّ
في وجوبِهِ .
وأمَّا التنذُّمُ على ما سبقَ والتحزُّنُ عليهِ .. فواجبٌ، وهوَ روحُ التوبةِ ،
وبهِ تمامُ التلافي ، فكيفَ لا يكونُ واجباً ؟! بلْ هوَ نوعُ ألمٍ يحصلُ -
لا محالةَ - عَقيبَ حقيقةِ المعرفةِ بما فاتَ مِنَ العمرِ وضاعَ في سخطِ اللهِ .
فإنْ قلتَ : تألُمُ القلبِ أمرٌ ضروريٍّ لا يدخلُ تحتَ الاختيارِ ، فكيفَ
يُوصفُ بالوجوبِ ؟(١) .
فاعلمْ : أنَّ سببَهُ تحقيقُ العلمِ بفواتِ المحبوبِ ، ولَهُ سبيلٌ إلى تحصيل
سببِهِ ، وبمثلِ هذا المعنى دخلَ العلمُ تحتَ الوجوبِ ، لا بمعنى أنَّ العلمَ
يخلقُهُ العبدُ ويحدثُهُ في نفسِهِ ، فإنَّ ذلكَ محالٌ ، بلِ العلمُ والندمُ والفعلُ
(١) أي : كيف يوصف بوجوب الإيجاد وهو موجود بالضرورة لعلمنا بأن من فعل كذا ..
فقد عصى الله تعالى ، ومن عصاه .. فقد فاته محبوبه ونأى عن سعادته ؟
٢١

كتاب التوبة
ربع المنجيات
والإرادةُ والقدرةُ والقادرُ والمقدورُ والكلُّ (١) مِنْ خلقِ اللهِ وفعلِهِ، ﴿وَاللَّهُ
خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ﴾
هُذا هوَ الحقُّ عندَ ذوي البصائرِ ، وما سوى هذا ضلالٌ .
فإنْ قلتَ : أفليسَ للعبدِ اختيارٌ في الفعلِ والتركِ ؟
قلنا : نعمْ ، وذلكَ لا يناقضُ قولَنَا : ( إنَّ الكلَّ مِنْ خلقِ اللهِ تعالى ) ،
بلِ الاختيارُ أيضاً مِنْ خلقِ اللهِ ، والعبدُ مضطرٌّ في الاختيارِ الذي لهُ ؛ فإنَّ اللهَ
إذا خلقَ اليدَ الصحيحةَ ، وخلقَ الطعامَ اللذيذَ ، وخلقَ الشهوةَ للطعام في
المعدةِ ، وخلقَ العلمَ في القلبِ بأنَّ هذا الطعامَ مسكِّنٌ للشهوةِ ، وخلقَ
الخواطرَ المتعارضةَ في أنَّ هذا الطعامَ هلْ فيهِ مضرَّةٌ معَ أنَّهُ يسكِّنُ الشهوةَ ،
وهلْ دونَ تناولِهِ مانعٌ يتعذَّرُ معَهُ تناولُهُ أمْ لا ، ثمَّ خلقَ العلمَ بأنَّهُ لا مانعَ ..
فعندَ اجتماع هذهِ الأسبابِ تنجزمُ الإرادةُ الباعثةُ على التناولِ ، فانجزامُ
الإرادةِ بعدَ تردّدِ الخواطرِ المتعارضةِ وبعدَ قوَّةِ الشهوةِ للطعامِ يسمَّى
اختياراً، ولا بدَّ مِنْ حصولِهِ عندَ تمام أسبابِهِ ، فإذا حصلَ انجزامُ الإرادةِ
بخلْقِ اللهِ تعالى إيَّاها .. تحرَّكتِ اليدُ الصحيحةُ إلى جهةِ الطعام لا محالةً ؛
إذْ بعدَ تمامِ الإرادةِ والقدرةِ يكونُ حصولُ الفعلِ ضرورياً ، فتحصلُ
(١) كذا في جميع النسخ: ( والكل ) بإثبات الواو ، وفي نسخة الحافظ الزبيدي
(٥٠٨/٨) بإسقاطها .
٢٢

ربع المنجيات
مــ
كتاب التوبة
حن
الحركةُ ، فتكونُ الحركةُ بخلْقِ اللهِ تعالى بعدَ حصولِ القدرةِ وانجزامِ
الإرادةِ ، وهما أيضاً مِنْ خلقِ اللهِ ، وانجزامُ الإرادةِ يحصلُ بعدَ صدقٍ
الشهوةِ والعلمِ بعدمِ الموانع ، وهما أيضاً مِنْ خلقِ اللهِ تعالى ، ولكنْ بعضُ
هذهِ المخلوقاتِ يترتّبُ على البعضِ ترتباً جرَتْ بهِ سنَّةُ اللهِ تعالى في خلقِهِ ،
ولنْ تجدَ لسنَّةِ اللهِ تبديلاً ، فلا يخلقُ اللهُ حركةَ اليدِ بكتابةٍ منظومةٍ ما لمْ
يخلقْ فيها صفةً تسمَّى قدرةً ، وما لمْ يخلقْ فيها حياةً ، وما لمْ يخلقْ إرادةً
مجزومةً ، ولا يخلقُ الإرادةَ المجزومةَ ما لمْ يخلقْ شهوةً وميلاً في النفسِ ،
ولا ينبعثُ هذا الميلُ انبعاثاً تاماً ما لمْ يخلقْ علماً بأنَّهُ موافقٌ للنفسِ ؛ إمَّا
في الحالِ أوْ في المآلِ ، ولا يخلقُ العلمَ أيضاً إلا بأسبابٍ أخرَ ترجعُ إلى
حركةٍ وإرادةٍ وعلمٍ .
فالعلمُ والميلُ الطبيعيُّ أبداً يستتبعُ الإرادةَ الجازمةَ ، والإرادةُ والقدرةُ
أبداً تستردفُ الحركةَ ، وهكذا الترتيبُ في كلِّ فعلٍ ، والكلُّ مِنِ اختراعِ اللهِ
تعالى ، ولكنْ بعضُ مخلوقاتِهِ شرطٌ لبعضٍ ، فلذلكَ يجبُ تقدُّمُ البعضِ
وتأخّرُ البعض ؛ كما لا تُخلقُ الإرادةُ إلا بعدَ العلمِ ، ولا يُخلقُ العلمُ إلا بعدَ
الحياةِ ، ولا تُخلقُ الحياةُ إلا بعدَ الجسم ، فيكونُ خلقُ الجسمِ شرطاً
لحدوثِ الحياةِ ، لا أنَّ الحياةَ تتولَّدُ مِنَ الجسمِ ، ويكونُ خلقُ الحياةِ شرطاً
لخلقِ العلمِ ، لا أنَّ العلمَ يتولَّدُ مِنَ الحياةِ ، ولكنْ لا يستعدُّ المحلُّ لقبولٍ
العلم إلا إذا كانَ حيّاً ، ويكونُ خلقُ العلمِ شرطاً لجزمِ الإرادةِ ، لا أنَّ العلمَ
يولّدُ الإرادةَ ، ولكنْ لا يقبلُ الإرادةَ إلا جسمٌ حيٌّ عالمٌ .
٢٣

كتاب التوبة
ربع المنجيات
ولا يدخلُ في الوجودِ إلا ممكنٌ ، وللإمكانِ ترتيبٌ لا يقبلُ التغييرَ ؛ لأنَّ
تغييرَهُ محالٌ، فمهما وُجدَ شرطُ الوصفِ .. استعدَّ المحلُّ بهِ لقبولٍ
الوصفِ ، فحصلَ ذلكَ الوصفُ مِنَ الجودِ الإلهيِّ والقدرةِ الأزليَّةِ عندَ
حصولِ الاستعدادِ ، ولمَّا كانَ للاستعدادِ بسببِ الشروطِ ترتيبٌ .. كانَ
الحصولِ الحوادثِ بفعلِ اللهِ تعالى ترتيبٌ ، والعبدُ مجرى هذهِ الحوادثِ
المرتَّةِ ، وهيَ مرتَبَةٌ في قضاءِ اللهِ تعالى الذي هوَ واحدٌ كلمح البصرِ ، ترتيباً
كلِّيّاً لا يتغيّرُ ، وظهورُها بالتفصيلِ مقدرٌ بقدَرِ لا يتعداهُ ، وعنهُ العبارةُ بقولِهِ
تعالى: ﴿ إِنَّا كُلَّ شَىْءٍ خَلَقْتَهُ بِقَدَرٍ﴾.
وعنِ القضاءِ الكلّيِّ الأزليِّ العبارةُ بقولِهِ تعالى: ﴿وَمَآ أَمْرُنَا إِلَّا وَحِدَةُ
كَلَمْيجِ بِالْبَصَرِ﴾ .
حز
حن
وأمَّا العبادُ .. فإنَّهُمْ مسخَّرونَ تحتَ مجاري القضاءِ والقدرِ ، ومِنْ جملةِ
القدر خلقُ حركةٍ في يدِ الكاتبِ بعدَ خلقِ صفةٍ مخصوصةٍ في يدِهِ تُسمَّى
القدرةَ، وبعدَ خلقِ ميلٍ قويٍّ جازمٍ في نفسِهِ يُسمَّى القَصْدَ ، وبعدَ علمٍ بما
إليهِ ميلُهُ يُسمَّى الإدراكَ والمعرفةَ .
فإذا ظهرَتْ مِنْ باطنِ الملكوتِ هذهِ الأمورُ الأربعةُ على جسم عبد
مسخَّرِ تحتَ قهْرِ التقديرِ .. سبقَ أهلُ عالمِ الملكِ والشهادةِ المحجوبونَ عنْ
عالمٍ الغيبِ والملكوتِ وقالوا : أيُّها الرجلُ ؛ قدْ تحرَّكتَ وكتبتَ ورميتَ ،
ونُوديَ مِنْ وراءِ حُجُبِ الغيبِ ، وسرادقاتِ الملكوتِ: ﴿وَمَا رَمَيْتَ إِذْ
٢٤
ـحن

ربع المنجيات
كتاب التوبة
رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَى﴾، وما قتلتَ إذْ قتلتَ ولكنَّ اللهَ قتلهُمُ، ﴿قَتِلُوهُمْ
يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ﴾.
حر
وعندَ هذا تتحيَّرُ عقولُ القاعدينَ في بحبوحةِ عالمِ الشهادةِ :
فمِنْ قائلٍ : إنَّهُ جبْرٌ محضٌ .
بان
ومِنْ قائلٍ: إنَّهُ اختراعٌ صرْفٌ(١).
ومِنْ متوسّطٍ مائلٍ إلى أنَّهُ كسبٌ(٢).
ولوْ فُتَحَتْ لهمْ أبوابُ السماءِ ، فنظروا إلى عالم الغيبِ والملكوتِ ..
لظهرَ لهُمْ أَنَّ كلَّ واحدٍ صادقٌ مِنْ وجهٍ ، وأنَّ القصورَ شاملٌ لجميعِهِمْ(٣)،
فلمْ يدركْ واحدٌ منهُمْ كنْهَ هذا الأمرِ ، ولمْ يحطّ علمُهُ بجوانبِهِ ، وتمامُ علمِهِ
يُنالُ بإشراقِ النورِ مِنْ كَوَّةٍ نافذةٍ إلى عالمِ الغيبِ ، وأَنَّهُ تعالى عالمُ الغيبِ
والشهادةِ لا يظهرُ على غيبِهِ أحداً إلا مَنِ ارتضىُ منْ رسولٍ ، وقدْ يُطلعُ على
الشهادةِ مَنْ لمْ يدخلْ في حيِّزِ الارتضاءِ .
(١) أي: من فعل العبد، وهؤلاء هم القدرية. ((إتحاف)) (٥١٠/٨).
(٢) فيسندون الفعل إلى الله ويثبتون للعبد كسباً في الفعل ، وهؤلاء هم الأشاعرة من أهل
السنة والجماعة ومن وافقهم في هذه المسألة من الماتريدية ، إلا أنهم سمَّوه جزءاً
اختيارياً، وهؤلاء هم المتوسطة. ((إتحاف)) (٥١٠/٨ ).
(٣) على تفاوت بينهم ، فقصور المتوسط في إدراك كنه هذا الأمر وتمام علمه ، والطرفان
قصورهم في مناقضتهم للتلفيق بين ظواهر النصوص ومقتضيات العقول فضلاً عن
ذلك ، وسيبين المصنف هذا بمثال في التحريجة الآتية .
بحر
٢٥

كتاب التوبة
ربع المنجيات
ومَنْ حرَّكَ سلسلةَ الأسبابِ والمسبَّبَاتِ ، وعلمَ كيفيَّةَ تسلسلِها ، ووجهَ
ارتباطِ مناطِ سلسلتِها بمسبِّبِ الأسبابِ .. انكشفَ لهُ سُّ القدَرِ ، وعلمَ علماً
يقيناً أنْ لا خالقَ إلا اللهُ، ولا مبدعَ سواءُ .
عـ
نء
فإنْ قلتَ : فقدْ قضيتَ على كلِّ واحدٍ مِنَ القائلينَ بالجبْرِ والاختراعِ
والكسب بأنَّهُ صادقٌ مِنْ وجهٍ ، وهوَ معَ صدقِهِ قاصرٌ ، وهذا متناقضٌ ،
فكيفَ يمكنُ فهْمُ ذلكَ ؟ وهلْ يمكنُ إيصالُ ذلكَ إلى الأفهامِ بمثالٍ ؟
فاعلمْ : أنَّ جماعةٌ مِن العميانِ سمعوا أنَّهُ قَدْ حُمِلَ إلى البلدةِ حيوانٌ
عجيبٌ يُسمَّى الفيلَ ، وما كانوا قطُّ شاهدوا صورتَهُ ، ولا سمعوا اسمَهُ ،
فقالوا : لا بدَّ لنا مِنْ مشاهدتِهِ ومعرفتِهِ باللمسِ الذي نقدرُ عليهِ ، فطلبوهُ ،
فلما وصلوا إليهِ .. لمسوهُ ، فوقعَتْ يدُ بعضِ العميانِ على رجلِهِ ، ووقعَتْ
يدُ بعضِهِمْ على نابِهِ ، ووقعَتْ يدُ بعضِهِمْ على أذنِهِ ، فقالوا : قدْ عرفناهُ ،
فلما انصرفوا .. سألَهُمْ بقيَّةُ العميانِ ، فاختلفَ أجوبتُهُمْ :
محن
ـكن
فقالَ الذي لمسَ الرجْلَ : إنَّ الفيلَ ما هوَ إلا مثلُ أَسطوانةٍ خشنةٍ
الظاهرِ ، إلا أنَّهُ ألينُ منها .
وقالَ الذي لمسَ النابَ : ليسَ كما يقولُ ، بلْ هوَ صْبٌ لا لينَ فيهِ ،
وأملسُ لا خشونةَ فيهِ ، وليسَ في غلظِ الأسطوانةِ أصلاً ، بلْ هوَ مثلُ
عمود .
٢٦
بحر

ربع المنجيات
كتاب التوبة
وقالَ الذي لمسَ الأَذُنَ : لعمري هوَ ليِّنٌ وفيهِ خشونةٌ ، فصدَّقَ أحدَهُمَا
فيهِ ، ولكنْ قالَ : ما هوَ مثلَ عمودٍ ، ولا هو مثلَ أُسطوانةٍ ، وإنَّما هوَ مثلُ
جلدٍ عريضٍ غليظٍ .
فكلُّ واحدٍ مِنْ هؤلاءِ صدقَ مِنْ وجهٍ ، إذْ أخبرَ كلُّ واحدٍ عمَّا أصابَهُ مِنْ
معرفةِ الفيلِ ، ولمْ يخرجْ واحدٌ في خبرِهِ عنْ وصفِ الفيلِ ، ولكنَّهُمْ
بجملتِهِمْ قصَّروا عنِ الإحاطةِ بَكُنْهِ صورةِ الفيلِ .
فاستبصرْ بههذا المثالِ واعتبرْ بهِ ، فإنَّهُ مثالُ أكثرِ ما اختلفَ الناسُ فيهِ .
وإذا كانَ هذا كلاماً يناطحُ علومَ المكاشفةِ ويحرِّكُ أمواجَها ، وليسَ
ذلكَ مِنْ غرضِنا .. فلنرجعْ إلى ما كنَّا بصددِهِ، وهوَ بيانُ أنَّ التوبةَ واجبةٌ
بجميع أجزائِها الثلاثةِ : العلمِ ، والندم ، والتركِ ، وأنَّ الندمَ داخلٌ في
الوجوبِ ؛ لكونِهِ واقعاً في جملةِ أفعالِ اللهِ المحصورةِ بينَ علمِ العبدِ وإرادِتِهِ
وقدرتِهِ المتخللةِ بينهُما ، وما هذا وصفُهُ فاسمُ الوجوبِ يشملُهُ .
٢٧

كتاب التوبة
ربع المنجيات
بيان أن وجوب الثّية على الفور
ے
أمَّا وجوبُها على الفور .. فلا يسترابُ فيهِ (١) ؛ إذْ معرفةُ كونِ المعاصي
مهلكاتٍ مِنْ نفسِ الإيمانِ ، وهوَ واجبٌ على الفورِ ، والمتفصِّي عنْ وجوبِهِ
هوَ الذي عرفَهُ معرفةً زجرَهُ ذلكَ عنِ الفعلِ المكروهِ (٢) ، فإنَّ هذهِ المعرفةَ
ليسَتْ مِنْ علومِ المكاشفاتِ التي لا تتعلَّقُ بعملٍ ، بلْ هيَ مِنْ علومِ
المعاملةِ ، وكلُّ علمٍ يرادُ ليكونَ باعثاً على عملٍ .. فلا يقعُ التفصِّي عنْ
عهدتِهِ ما لمْ يصرْ باعثاً عليهِ ، فالعلمُ بضررِ الذنوبِ إنَّما أُريدَ ليكونَ باعثاً
على تركِها ، فمَنْ لمْ يتركْها .. فهوَ فاقدٌ لهذا الجزْءِ مِنَ الإيمانِ .
وهوَ المرادُ بقولِهِ عليهِ الصلاةُ والسلامُ: ((لا يزني الزاني حينَ يزني وهوَ
مؤمنٌ))(٣) ، وما أرادَ بهِ نفيَ الإيمانِ الذي يرجعُ إلى علوم المكاشفةِ ؛
كالعلمِ باللهِ ، ووحدانیتِهِ وصفاتِهِ ، وکتبهِ ، ورسلِهِ ؛ فإنَّ ذلك لا ینافیهِ الزنا
والمعاصي ، وإنَّما أرادَ بهِ نفيَ الإيمانِ بكونِ الزنا مبعداً عنِ اللهِ جلَّ جلالُهُ
(١) وحاصل ما سيذكره في السياق الآتي: هو أن المعاصي للإيمان كالمأكولات المضرة
بالأبدان ، فمن تناول سمّاً بغير علم وأدركه الأسف على بدنه أترى يخرجه من بدنه
بالقيء وغيره على الفور تلافياً لبدنه أو يتراخى في ذلك ؟ فإذا كان خوفه على بدنه
يوجب إخراج ما فيه من المهلك .. فالرجوع على الفور من سمائم الذنوب المفوّتة
السعادة الأبد أولى. ((إتحاف)) (٥١١/٨).
(٢) المتفصي: كذا بالفاء والصاد المهملة؛ أي: المتخلص. ((إتحاف)) (٥١١/٨).
(٣) رواه البخاري (٢٤٧٥)، ومسلم ( ٥٧) .
٢٨

ربع المنجيات
كتاب التوبة
حن
موجباً للمقتِ ؛ كما إذا قالَ الطبيبُ : (هذا سٌّ فلا تتناولْهُ)، فإذا تناولَهُ ..
يُقالُ : ( تناولَ وهوَ غيرُ مؤمنٍ ) ، لا بمعنى أنَّهُ غيرُ مؤمنٍ بوجودِ الطبيبِ وکونِهِ
طبيباً، وغيرُ مصدِّقٍ بهِ، بلِ المرادُ أنَّهُ غيرُ مصدِّقٍ بقولِهِ : ( إنَّهُ سمِّ مهلكٌ )،
فإنَّ العالمَ بالسمِّ لا يتناولُهُ أصلاً، فالعاصي بالضرورةِ ناقصُ الإيمانِ .
وليسَ الإيمانُ باباً واحداً ، بلْ هوَ نِيٌَّ وسبعونَ باباً ، أعلاها شهادةُ أنْ
لا إلهَ إلا اللهُ، وأدناها إماطةُ الأذى عن الطريقِ(١)، ومثالُهُ: قولُ القائل:
ليسَ الإنسانُ موجوداً واحداً ، بلْ هوَ نيٌّ وسبعونَ موجوداً ، أعلاها القلبُ
والروحُ ، وأدناها إماطةُ الأذى عنِ البشرةِ ؛ بأنْ يكونَ مقصوصَ الشاربِ ،
مقلومَ الأظفارِ ، نقيَّ البشرةِ عنِ الخبثِ ، حتَّى يتميَّزَ عنِ البهائمِ المرسلَةِ
الملوثةِ بأروائِها ، المستكرهةِ الصورِ بطولِ مخالبها وأظلافِها .
وهذا مثالٌ مطابقٌ ؛ فالإيمانُ كالإنسانِ ، وفقدُ شهادةِ التوحيدِ يوجبُ
البطلانَ بالكليّةِ كفقدِ الروحِ ، والذي ليسَ لهُ إلا شهادةُ التوحيدِ والرسالةِ هوَ
كإنسانٍ مقطوع الأطرافِ ، مفقوءِ العينِ ، فاقدٍ لجميع أعضائِهِ الظاهرةِ
والباطنةِ إلَّ أصلَ الروحِ .
وكما أنَّ مَنْ هذا حالُهُ قريبٌ مِنْ أنْ يموتَ ، فتزايلُهُ الروحُ الضعيفةُ
المنفردةُ التي تخلَّفَ عنها الأعضاءُ التي تمدُّها وتقوِّيها .. فكذلكَ مَنْ ليسَ لهُ
إلا أصلُ الإيمانِ ، وهوَ مقصِّرٌ في الأعمالِ ، قريبٌ مِنْ أنْ تُقُتلعَ شجرةُ إِيمانِهِ
(١) رواه البخاري (٩)، ومسلم (٣٥).
٢٩
ح

كتاب التوبة
ربع المنجيات
إذا صدمَتْها الرياحُ العاصفةُ المحرِّكةُ للإيمانِ في مقدمةِ قدوم ملكِ الموتِ
وورودِهِ ، فكلُّ إيمانٍ لمْ يثبتْ في اليقينِ أصلُهُ ، ولمْ تنتشر في الأعمالِ
فروعُهُ .. لمْ يثبتْ على عواصفِ الأهوالِ عندَ ظهورِ ناصيةِ ملكِ الموتِ ،
وخيفَ عليهِ سوءُ الخاتمةِ ، إلاَّ ما سُقِي بماءِ الطاعاتِ على توالي الأيامِ
والساعاتِ حتَّى رسخَ وثبتَ .
وقولُ العاصي للمطيع : إنِّي مؤمنٌ كما أنَّكَ مؤمنٌ .. كقولِ شجرةِ القرع
الشجرةِ الصنوبرِ : إنِّي شجرةٌ وأنتِ شجرةٌ ، وما أحسنَ جوابَ شجرةٍ
الصنوبرِ إذْ قالَتْ : ستعرفينَ اغترارَكِ بشمولِ الاسمِ إذا عصفَتْ ریاحٌ
الخريفِ ، فعندَ ذلكَ تنقلعُ أصولُكِ ، وتتناثرُ أوراقُكِ ، وينكشفُ غرورُكِ
بالمشاركةِ في اسمِ الشجرِ معَ الغفلةِ عنْ أسبابِ ثباتِ الأشجارِ .
وَسَوْفَ تَرَى إِذا أَنْجَلَى الْغُبارُ أَفَرَسُ تَحْتَكَ أَمْ حِمَارُ(١)
فهذا أمرٌ يظهرُ عندَ الخاتمةِ ، وإنَّما انقطعَ نياطُ العارفينَ خوفاً مِنْ
دواهي الموتِ ومقدماتِهِ الهائلةِ(٢)، التي لا يثبتُ عليها إلا الأقلُّونَ،
فالعاصي إذا كانَ لا يخافُ الخلودَ في النارِ بسببِ معصيتِهِ كالصحيحِ
المنهمكِ في الشهواتِ المضرَّةِ للأبدانِ إذا كانَ لا يخافُ الموتَ بسببٍ
صحتِهِ ، وإنَّ الموتَ غالباً لا يقعُ فجأةً، فيُقالُ لهُ : الصحيحُ يخافُ
حيرة:
ـدرة
(١) الواو أول البيت عاطفة وليست منه، وهو من الرجز لبديع الزمان الهمذاني. انظر
((التمثيل والمحاضرة)) (ص ٣٤٥)، و((معجم الأدباء)) (١/ ٤٠٠_٤٠٤).
(٢) النياط : الفؤاد، أو هو عرق علِّق به القلب من الوتين، فإذا قطع .. مات صاحبه .
٣٠

ربع المنجيات
كتاب التوبة
المرضَ ، ثمَّ إذا مرضَ .. خافَ الموتَ؛ فكذلكَ العاصي يخافُ سوءَ
الخاتمةِ ، ثمَّ إذا خُتِمَ لهُ بالسوءِ والعياذُ باللهِ . . وجبَ الخلودُ في النارِ ،
فالمعاصي للإيمانِ كالمأكولاتِ المضرَّةِ للأبدانِ ، فلا تزالُ تجتمعُ في
الباطنِ وتغيِّرُ مزاجَ الأخلاطِ وهوَ لا يشعرُ بها إلى أنْ يفسدَ المزاجُ ، فيمرضَ
دفعةٌ ، ثمَّ يموتَ دفعةً ؛ فكذلكَ المعاصي .
عے
فإنْ كانَ الخائفُ مِنَ الهلاكِ في هذهِ الدنيا المنقضيةِ يجبُ عليه تركُ
السموم وما يضرُّهُ مِنَ المأكولاتِ في كلِّ حالٍ وعلى الفورِ .. فالخائفُ مِنْ
هلاكِ الأبدِ أولى بأنْ يجبَ عليهِ ذلكَ، وإنْ كانَ متناولُ السمِّ إذا ندمَ ..
يجبُ عليهِ أنْ يتقيَّأَ ويرجعَ عنْ تناولِهِ بإبطالِهِ وإخراجِهِ عنِ المعدةِ على سبيلٍ
الفورِ والمبادرةِ ؛ تلافياً لبدنِهِ المشرفِ على هلاكٍ لا يفوِّتُ عليهِ إلا هذهِ
الدنيا الفانيةَ .. فمتناولُ سمومِ الدينِ وهيَ الذنوبُ أولى بأنْ يجبَ عليهِ
الرجوعُ عنها بالتداركِ الممكنِ ما دامَ يبقى للتداركِ مهلةٌ وهوَ العمرُ ، فإنَّ
المخوفَ مِنْ هذا السمِّ فواتُ الآخرةِ الباقيةِ ، التي فيها النعيمُ المقيمُ
والملكُ العظيمُ ، وفي فواتِها نارُ الجحيمِ والعذابُ المقيمُ ، الذي تتصرَّمُ
أضعافُ أعمارِ الدنيا دونَ عشْرِ عَشِيرٍ مَّتِهِ ؛ إذْ ليسَ لمدَّتِهِ آخرٌ ألبتةَ .
فالبدار البدارَ إلى التوبةِ قبلَ أنْ تعملَ سمومُ الذنوبِ بروحِ الإيمانِ عملاً
يجاوزُ الأمرُ فيهِ اختيارَ الأطباءِ ، ولا ينفعُ بعدَهُ الاحتماءُ ، فلا ينجعُ بعدَ
ذلكَ نصحُ الناصحينَ ووعظُ الواعظينَ، وتحقُّ الكلمةُ عليهِ بأنَّهُ مِنَ
الهالكينَ ، ويدخلُ تحتَ عموم قولهِ تعالى: ﴿إِنَّا جَعَلْنَا فِىَ أَعْنَقِهِمْ أَغْلَلًا فَهِىَ
٣١
حرج.

كتاب التوبة
حر
ربع المنجبات
Gء
إِلَى الْأَذْقَانِ فَهُمْ مُقْمَحُونَ : وَجَعَلْنَا مِنْ بَيْنِ أَيْدِ يهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَذَّا فَأَغْشَيْنَهُمْ
فَهُمْ لَا يُصِرُونَ ﴿﴿ وَسَوَّةُ عَلَيْهِمْ ءَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ ولا يغرَّنَّكَ لفظُ
الإيمانِ ، فتقولَ : المرادُ بهِ الكافرونَ ؛ إِذْ بُبيِّنَ لكَ أنَّ الإيمانَ بضعٌ وسبعونَ
باباً ، وأنَّ الزانيَ لا يزني حينَ يزني وهوَ مؤمنٌ ، فالمحجوبُ عنِ الإيمانِ الذي
هوَ شُعَبٌ وفروعٌ سيحجبُ في الخاتمةِ عنِ الإيمانِ الذي هوَ أصلٌ ، كما أنَّ
الشخصَ الفاقدَ لجميع الأطرافِ التي هيَ حروفٌ وفروعٌ . . سيُساقُ إلى الموتِ
المعدِمِ للروحِ التي هيَ أصلٌ ، فلا بقاءَ للأصلِ دونَ الفرع ، ولا وجودَ للفرع
دونَ الأصلِ ، ولا فرقَ بينَ الأصلِ والفرع إلا في شيءٍ واحدٍ ، وهوَ أنَّ وجودَ
الفرع وبقاءَهُ جميعاً يستدعي وجودَ الأصلِ ، وأمَّا وجودُ الأصلِ .. فلا يستدعي
وجودَ الفرع، ولكنْ بقاؤُهُ يستدعي وجودَ الفرعِ، فبقاءُ الأصلِ بالفرعِ (١) ،
ووجودُ الفرع بالأصلِ .
فعلومُ المكاشفةِ وعلومُ المعاملةِ متلازمةٌ كتلازم الفرع والأصلِ ، فلا
يستغني أحدُهُما عنِ الآخرِ وإنْ كانَ أحدُهُما في رتبةِ الأصلِ والآخرُ في رتبةٍ
التابع ، وعلومُ المعاملةِ إذا لمْ تكنْ باعثةً على العملِ .. فعدمُها خيرٌ مِنْ
وجودِها ؛ فإنَّها لمْ تعملْ عملها الذي تُرادُ لهُ ، ثمَّ قامَتْ مؤكِّدةً للحجَّةِ على
صاحبها ، ولذلكَ يُزادُ في عذابِ العالمِ الفاجرِ على عذابِ الجاهلِ الفاجرِ
كما أوردنا مِنَ الأخبارِ في كتابِ العلمِ .
(١) أي: قوَّته به. ((إتحاف)) (٥١٤/٨).
٣٢

ربع المنجيات
كتاب التوبة
بيان أن وجوب التّبة عالم في الأشخاص والأحوال فلا ينفت عند أحدٌ أَلبشة
اعلمْ : أنَّ ظاهرَ الكتابِ قدْ دلَّ على هذا؛ إذْ قالَ تعالى: ﴿وَتُوبُواْ إِلَى
اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَ اُلْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ فعمَّمَ الخطابَ .
ونورُ البصيرةِ أيضاً يرشدُ إليهِ ؛ إذْ معنى التوبةِ : الرجوعُ عنِ الطريقِ
المبعِدِ عنِ اللهِ تعالى ، المقرِّبِ إلى الشيطانِ ، ولا يُتصوَّرُ ذلكَ إلا مِنْ
عاقلٍ ، ولا تكملُ غريزةُ العقلِ إلا بعدَ كمالِ غريزةِ الشهوةِ والغضبِ وسائرٍ
الصفاتِ المذمومةِ التي هيَ وسائلُ الشيطانِ إلى إغواءِ الإنسانِ ؛ إذْ كمالُ
العقلِ إنَّما يكونُ عندَ مقاربةِ الأربعينَ ، وأصلُهُ إنَّما يتمُّ عندَ مراهقةِ البلوغِ ،
ومباديهِ تظهرُ بعدَ سبع سنينَ .
والشهواتُ جنودُ الشيطانِ ، والعقولُ جنودُ الملائكةِ ، فإذا اجتمعا ..
قامَ القتالُ بينَ الجندينِ بالضرورةِ ؛ إذْ لا يثبتُ أحدُهُما للآخرِ ؛ فإنَّهما
ضدَّانِ ، فالتطاردُ بينَهُما كالتطاردِ بينَ الليلِ والنهارِ ، والنورِ والظلمةِ ،
فمهما غلبَ أحدُهُما .. أزعجَ الآخرَ بالضرورةِ .
وإذا كانَتِ الشهواتُ تكملُ في الصبا والشبابِ قبلَ كمالِ العقلِ .. فقدْ
سبقَ جندُ الشيطانِ ، واستولى على المكانِ ، ووقعَ للقلبِ بهِ أنسٌ ، وألفَ -
لا محالةَ - مقتضياتِ الشهواتِ بالعادةِ ، وغلبَ ذلكَ عليهِ ، وتعسَّرَ عليهِ
النزوعُ عنهُ .
٣٣

كتاب التوبة
ربع المنجيات
ثمَّ يلوحُ العقلُ الذي هوَ حزبُ اللهِ وجندُهُ ، ومنقذُ أوليائِهِ مِنْ أيدي
أعدائِهِ شيئاً فشيئاً على التدريج ؛ فإنْ لمْ يقوَ ولمْ يكملْ .. سلمَتْ مملكةُ
القلبِ للشيطانِ(١)، وأنجزَ اللعينُ موعودَهُ حيثُ قالَ: ﴿لَأَحْتَنِكَنَّ ذُرِيَّتَهُ:
إِلَّا قَلِيلًا﴾، وإنْ كَمُلَ العقلُ وقويَ .. كانَ أوَّلَ شغلِهِ قمعُ جنودِ الشيطانِ
بكسرِ الشهواتِ ، ومفارقةِ العاداتِ ، وردِّ الطبع على سبيلِ القهرِ إلى
العباداتِ ، ولا معنىُ للتوبةِ إلا هذا، وهوَ الرجوعُ عنْ طريقٍ دليلُهُ الشهوةُ
وخفيرُهُ الشيطانُ إلى طريقِ اللهِ تعالى .
وليسَ في الوجودِ آدميٌّ إلا وشهوتُهُ سابقةٌ على عقلِهِ ، وغريزتُهُ التي
هيَ عُدَّةُ الشيطانِ متقدمةٌ على غريزتِهِ التي هيَ عُدَّةُ الملائكةِ ، فكانَ الرجوعُ
عمَّا سبقَ إليهِ على مساعدةِ الشهواتِ ضرورياً في حقِّ كلِّ إنسانٍ ، نبيّاً كانَ
أوْ غبيّاً ، فلا تظنَّنَّ أنَّ هذهِ الضرورةَ اختصَّتْ بآدمَ عليهِ السلامُ ، وقدْ
قيلَ(٢) :
[من الطويل]
فَلا تَحْسَبَنْ هِنْدَاً لَهَا الْغَذْرُ وَحْدَها سَجِيَّةَ نَفْسٍ كُلُّ غانِيَةٍ مِنْدُ
ـكن
ـدة
بلْ هوَ حَكْمٌ أزليٌّ مكتوبٌ على جنسِ الإِنسِ ، لا يمكنُ فرضُ خلافِهِ
ما لمْ تتبذَّلِ السنةُ الإلهيّةُ التي لا مطمعَ في تبديلِها .
(١) فاستولى عليها بما فيها من العجائب والخزائن ، وصار ما في البدن رعايا له .
(«إتحاف)) (٥١٥/٨) .
(٢) ، البيت لأبي تمام في ((ديوانه بشرح التبريزي)) (٢/ ٨١).
٣٤

ربع المنجيات
كتاب التوبة
فإذاً ؛ كلُّ مَنْ بلغَ كافراً جاهلاً فعليهِ التوبةُ مِنْ كفرِهِ وجهلِهِ ، فإذا بلغَ
مسلماً تبعاً لأبويهِ ، غافلاً عنْ حقيقةِ إسلامِهِ .. فعليهِ التوبةُ عنْ غفلتِهِ بتفهُمٍ
معنى الإسلام ، فإنَّهُ لا يغني عنهُ إسلامُ أبويهِ شيئاً ما لمْ يسلمْ بنفسِهِ .
فإنْ فهمَ ذلكَ .. فعليهِ الرجوعُ عنْ عادتِهِ وإِلْفِهِ للاسترسالِ وراءَ
الشهواتِ مِنْ غيرِ صارفٍ ؛ بالرجوع إلى قالبِ حدودِ اللهِ في المنع
والإطلاقِ ، والانكفافِ والاسترسالِ ، وهوَ مِنْ أشقِّ أبوابِ التوبةِ ، وفيهِ
هلكَ الأكثرونَ ؛ إذْ عجزوا عنهُ ، وكلُّ هذا رجوعٌ وتوبةٌ .
فدلَّ أنَّ التوبةَ فرضُ عينٍ في حقِّ كلٌّ شخصٍ ، لا يُصوَّرُ أنْ يستغنيَ عنها
أحدٌ مِنَ البشرِ ، كما لمْ يستغنِ عنها آدمُ عليهِ السلامُ ، فخلقةُ الولدِ لا تتسعُ
لما لمْ يتسعْ لهُ خلقةُ الوالِدِ أصلاً .
وأمّا بيانُ وجوبِها على الدوام وفي كلِّ حالٍ : فهوَ أنَّ كلَّ بشرٍ لا يخلُو عنْ
معصيةٍ بجوارحِهِ؛ إذْ لمْ يخلُ عنهُ الأنبياءُ عليهمُ السلامُ ، كما وردَ في القرآنِ
والأخبارِ مِنْ خطايا الأنبياءِ وتوبتِهِمْ ، وبكائِهِمْ على خطاياهُم .
فإنْ خلا في بعض الأحوالِ عنْ معصيةِ الجوارحِ .. فلا يخلو عنِ الهمِّ
بالذنوبِ بالقلبِ(١) .
(١) وقد روى ابن أبي شيبة في ((المصنف)) (٣٢٥٧٢) من حديث ابن عباس رضي الله
عنهما مرفوعاً: ((ما من أحد إلا وقد أخطأ أو همَّ بخطيئة إلا يحيى بن زكريا )).
٣٥

كتاب التوبة
ربع المنجيات
فإنْ خلا في بعض الأحوالِ عنِ الهمِّ .. فلا يخلو عنْ وساوسِ الشيطانِ
بإيرادِ الخواطرِ المتفرقةِ المذهلةِ عنْ ذكرِ اللهِ .
فإِنْ خلا عنهُ .. فلا يخلو عنْ غفلةٍ وقصورٍ في العلمِ باللهِ وصفاتِهِ
وأفعالِهِ .
وكُّ ذلكَ نقصٌ ، ولهُ أسبابٌ ، وتركُ أسبابِهِ بالتشاغلِ بأضدادِهِ رجوعٌ
عنْ طريقٍ إلى ضدِّهِ ، والمرادُ بالتوبةِ الرجوعُ ، ولا يُتصوَّرُ الخلوُّ في حقٌ
الآدميِّ عنْ هذا النقصِ، وإنَّما يتفاوتونَ في المقاديرِ ، فأمَّا الأصلُ .. فلا
بدَّ منهُ .
ولهذا قالَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: ((إنَّهُ ليُغانُ على قلبي، فأستغفرُ اللهَ
في اليوم والليلةِ سبعينَ مرَّةً)) (١)، ولذلكَ أكرمَهُ اللهُ تعالى بأنْ قالَ: ﴿لِيَغْفِرَ
لَكَ اللَّهُ مَا نَقَدَّمَ مِنْ ذَنْكَ وَمَا تَأَخَّرَ﴾، وإذا كانَ هذا حالَهُ .. فكيفَ حالُ غيرِهِ ؟!
ـحة
حن
فإنْ قلتَ : لا يخفى أنَّ ما يطرأُ على القلبِ مِنَ الهموم والخواطرِ
نقصٌّ ، وأنَّ الكمالَ في الخلوِّ عنهُ ، وأنَّ القصورَ عنْ معرفةِ کنْهِ جلالِ اللهِ
نقصٌ، وأنَّهُ كلَّما زادَتِ المعرفةُ .. زادَ الكمالُ، وأنَّ الانتقالَ إلى الكمالِ
(١) رواه مسلم (٢٧٠٢)، وأبو داوود (١٥١٥) بلفظ: ((مئة مرة )) بدل ((سبعين مرة))،
وعند البخاري ( ٦٣٠٧): (( والله إني لأستغفر الله وأتوب في اليوم أكثر من سبعين
مرة )) .
٣٦

ربع المنجيات
كتاب التوبة
مِنْ أسبابِ النقصانِ رجوعٌ، والرجوعُ توبةٌ؛ ولكنْ هذهِ فضائلُ
لا فرائضُ، وقدْ أطلقتَ القولَ بوجوبِ التوبةِ في كلِّ حالٍ ، والتوبةُ عنْ
هذهِ الأمورِ ليسَتْ بواجبةٍ ؛ إذْ دَرْكُ الكمالِ غيرُ واجبٍ في الشرعِ ، فما
المرادُ بقولِكَ : ( التوبةُ واجبةٌ في كلِّ حالٍ ) ؟
فاعلمْ : أنَّهُ قدْ سبقَ أنَّ الإنسانَ لا يخلو في مبدأ خلقتِهِ عنِ اتباعٍ
الشهواتِ أصلاً ، وليسَ معنى التوبةِ تركَها فقطْ ، بلْ تمامُ التوبةِ بتداركِ
ما مضى ، وكلُّ شهوةٍ اتبعَها الإنسانُ ارتفعَ منها ظلمةٌ إلى قلبِهِ كما يرتفعُ مِنْ
نَفَسِ الإنسانِ ظلمةٌ إلى وجهِ المرآةِ الصقيلةِ ، فإنْ تراكمَتْ ظلمةُ
الشهواتِ .. صارَتْ رَيْناً؛ كما يصيرُ بخارُ النَّفَسِ في وجهِ المرآةِ عندَ تراكمِهِ
خبثاً، كما قالَ تعالى: ﴿كَلَّا بَلِّ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِم مَّا كَانُوْ يَكْسِبُونَ﴾، فإذا تراكمَ
الرينُ .. صارَ طَبْعاً ، فيُطبعُ على قلبِهِ ؛ كالخبثِ على وجهِ المرآةِ إذا تراكمَ
وطالَ زمانُهُ .. غاصَ في جرم الحديدِ وأفسدَهُ، وصارَ لا يقبلُ الصقلَ
بعدَهُ ، وصارَ كالمطبوعِ مِنَ الخبثِ .
ولا يكفي في تداركِ اتباع الشهواتِ تركُها في المستقبلِ ، بلْ لا بدَّ مِنْ
محوِ تلكَ الآثارِ التي انطبعَتْ في القلبِ ، كما لا يكفي في ظهورِ الصورِ في
المرآةِ قطعُ الأنفاسِ والبخاراتِ المسؤِّدةِ لوجهِها في المستقبلِ ما لمْ يشتغلْ
بمحوِ ما انطبعَ فيها مِنَ الآثارِ .
وكما يرتفعُ إلى القلبِ ظلمةٌ مِنَ المعاصي والشهواتِ .. فیرتفعُ إليهِ نورٌ
مِنَ الطاعاتِ وتركِ الشهواتِ ، فتنمحي ظلمةُ المعصيةِ بنورِ الطاعةِ ، وإليهِ
٣٧

كتاب التوبة
ربع المنجيات
الإشارةُ بقولِهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: ((أتبع السيئةَ الحسنةَ تمحُها)) (١).
فإذاً ؛ لا يستغني العبدُ في حالٍ مِنْ أحوالِهِ عنْ محوِ آثارِ السيئاتِ عنْ قلبِهِ
بمباشرةِ حسناتٍ تضادُّ آثارُها آثارَ تلكَ السيئاتِ .
هذا في قلبٍ حصلَ أوَّلاً صفاؤُهُ وجلاؤُهُ ، ثمّ أظلمَ بأسبابٍ عارضةٍ ،
فأمَّا التصقيلُ الأوَّلُ .. ففيهِ يطولُ الشغلُ؛ إذْ ليسَ شغْلُ الصَّيْقَلِ في إزالةِ
الصدأِ عنِ المرآةِ كشغْلِهِ في عملِ أصْلِ المرآةِ (٢)، فهذهِ أشغالٌ طويلةٌ
لا تنقطعُ أصلاً ، وكلُّ ذلكَ يرجعُ إلى التوبةِ .
فأمَّا قولُكَ: (إنَّ هذا لا يُسمَّى واجباً، بلْ هوَ فضْلٌ وطلبُ كمالٍ) ..
فاعلمْ أنَّ الواجبَ لهُ معنیانِ :
أحدُهُما : ما يدخلُ في فتوى الشرع ، ويشتركُ فيهِ كافَّةُ الخلقِ ، وهوَ
القذْرُ الذي لوِ اشتغلَ كافَّةُ الخلقِ بِهِ .. لمْ يخربِ العالمُ ، ولوْ كلُّفَ الناسُ
كلُّهُمْ أنْ يتقوا اللهَ حقَّ تقاتِهِ .. لتركوا المعايشَ ، ورفضوا الدنيا بالكليّةِ ، ثمَّ
يؤدِّي ذلكَ إلى بطلانِ التقوىُ بالكليّةِ ؛ فإنَّهُ مهما فسدتِ المعايشُ .. لمْ
يتفرَّغْ أحدٌ للتقوى ، بلْ شغْلُ الحياكةِ والحراثةِ والخَبْزِ يستغرقُ جميعَ عُمُرٍ
كلِّ واحدٍ فيما يحتاجُ إليهِ ، فجميعُ هذهِ الدرجاتِ ليسَتْ واجبةً بهذا
الاعتبارِ .
(١) رواه أحمد في ((المسند)) (٢٣٦/٥)، والطبراني في «الكبير)) (١٤٥/٢٠).
(٢) الصيقل : الذي يشحذ السيوف ويجلوها، وهو ما يعمله صانع المرايا.
٣٨

ربع المنجيات
ـوم.
جيم
كتاب التوبة
ـحر
والواجبُ الثاني : هوَ الذي لا بدَّ منهُ للوصولِ بهِ إلى القرْبِ المطلوبِ
مِنْ ربِّ العالمينَ ، والمقام المحمودِ بينَ الصديقينَ ، والتوبةُ عنْ جميع
ما ذكرناهُ واجبٌ في الوصولِ إليهِ ، كما يُقالُ : الطهارةُ واجبةٌ في صلاةٍ
التطوُّع ؛ أيْ : لمَنْ يريدُها ، فإنَّهُ لا يُوصلُ إليها إلا بها .
دن
فأمَّا مَنْ رضيَ بالنقصانِ والحرمانِ عنْ فضْلِ صلاةِ التطوُّع .. فالطهارةُ
ليسَتْ واجبةً عليهِ لأجلِها ؛ كما يُقالُ : العينُ والأذنُ واليدُ والرجْلُ شرطٌ في
وجودِ الإنسانِ ؛ يعني أنَّهُ شرطٌ لمَنْ يريدُ أنْ يكونَ إنساناً كاملاً ينتفعُ
بإنسانيتِهِ ، ويتوصَّلُ بها إلى درجاتِ العلا في الدنيا ، فأمَّا مَنْ قنعَ بأصلٍ
الحياةِ، ورضيَ بأنْ يكونَ كلحْمٍ علىْ وَضَمٍ (١) ، وكخرقةٍ مطروحةٍ .. فليسَ
يشترطُ لمثلِ هذهِ الحياةِ عِينٌ ويدٌ ورجْلٌ .
فأصلُ الواجباتِ الداخلةِ في فتوى العامَّةِ لا يُوصلُ إلا إلى أصلِ النجاةِ ،
وأصلُ النجاةِ كأصلِ الحياةِ ، وما وراءَ أصلِ النجاةِ مِنَ السعاداتِ التي بها
تتهيّأُ الحياةُ يجري مَجرى الأعضاءِ والآلاتِ التي بها تتهيّأُ الحياةُ ، وفيهِ سَعْيُ
الأنبياءِ والأولياءِ والعلماءِ والأمثلِ فالأمثلِ ، وعليهِ كانَ حرصُهُمْ ، وحوالَيْهِ
كانَ تطوافُهُمْ، ولأجلِهِ كانَ رفضُهُمْ لملاذِّ الدنيا بالكليّةِ ، حتَّى انتهىُ عيسىُ
عليهِ السلامُ إلى أنْ توسَّدَ حجراً في منامِهِ ، فجاءَ إليهِ الشيطانُ وقالَ : أما
(١) الوضم : الخشبة التي يفرى عليها اللحم ، أو ما يوضع عليه من خشبة أو خصفة
ليوقى ، وقوله : ( لحم على وضم ) هو مثل يضرب للضعيف والذليل .
٣٩

كتاب التوبة
ربع المنجيات
.95
4جو
كنتَ تركتَ الدنيا للآخرةِ ؟ فقالَ : نعمْ ، وما الذي حدثَ؟ فقالَ : توسُّدُكَ
لههذا الحجرِ تنعُّمٌ بالدنيا ، فلمَ لا تضعُ رأسَكَ على الأرضِ ؟ فرمى عيسىُ
عليهِ السلامُ بالحجرِ ، ووضعَ رأسَهُ على الأرضِ(١)، وكانَ رميُهُ الحجرَ توبةً
عنْ ذلكَ التنقُّمِ ، أفترى أنَّ عيسى عليهِ السلامُ لمْ يعلمْ أنَّ وضعَ الرأسِ على
الأرضِ لا يسمَّى واجباً في فتاوى العامَّةِ ؟!
to
زيت
أفترى أنَّ نبيّنا محمداً صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ لمَّا شغلَهُ الثوبُ الذي كانَ
عليهِ عَلَمٌ في صلاتِهِ حتَّى نزعَهَ(٢) ، وشغلَهُ شِراكُ نعلِهِ الذي جدَّدَهُ حتَّى أعادَ
الشِّراكَ الخليع (٣) .. ما علمَ أنَّ ذلكَ ليسَ واجباً في شرعِهِ الذي شرعَهُ لكافَّةِ
العبادِ ؟! فإذا علمَ ذلكَ .. فلمَ تابَ عنهُ بتركِهِ ؟ وهلْ كانَ ذلكَ إلاّ لأنَّهُ رآهُ
مؤثِّراً في قلبِهِ أثراً يمنعُهُ عنْ بلوغِ المقامِ المحمودِ الذي قدْ وُعِدَ بهِ ؟
أوَترى أنَّ الصدِّيقَ رضيَ اللهُ عنهُ بعدَ أنْ شربَ اللبنَ ، وعرفَ أنَّهُ مِنْ غيرِ
وجهِهِ ، أدخلَ إصبعَهُ في حلقِهِ ليخرجَهُ ، حتَّى كادَ أنْ يخرجَ معَهُ روحُهُ . .
ما علمَ مِنَ الفقهِ هذا القذْرَ وهوَ أنَّ ما أكلَهُ عنْ جهلٍ فهوَ غيرُ آثمٍ بهِ ،
ولا يجبُ في فتوى الفقهِ إخراجُهُ ؟! فلِمَ تابَ عنْ شرِبِهِ بالتداركِ على
حسَبِ إمكانِهِ بتخليةِ المعدةِ عنهُ؟(٤) وهلْ كانَ ذلكَ إلا لسرٍّ وقرَ في
حن
كن
؟
ـحر
(١) رواه ابن أبي الدنيا في ((الزهد)) (ص٤٩٣) عن إسماعيل بن أبي خالد .
(٢) رواه البخاري ( ٣٧٣)، ومسلم (٦٢/٥٥٦) .
(٣) رواه ابن المبارك في ((الزهد)) (٤٠٢).
(٤) رواه البخاري (٣٨٤٢) .
٤٠