Indexed OCR Text
Pages 701-720
ربع المهلكات کتاب ذم الغرور الصلاةِ الخشوعُ وحضورُ القلبِ ، وذلكَ يفسدُ قلوبَ المصلينَ ، ويحبطَ ٩ ثوابَهُمْ بذلكَ . ووبالُ ذلكَ كلِّهِ يرجعُ إليهِ ، وهوَ معَ ذلكَ يغتُ بهِ ، ويرى أنَّهُ مِنَ الخيراتِ ويعدُّ ذلكَ وسيلةً إلى اللهِ تعالى ، وهوَ بذلكَ قَدْ تعرَّضَ لسخطِ اللهِ تعالى وهوَ يظنُّ أنَّهُ مطيعٌ للهِ تعالى وممتثلٌ لأمرِهِ ، وقدْ شوشَ قلوبَ عبادِ اللهِ بما زخرفَهَ مِنَ المسجدِ . وربَّما شوَّقَهُمْ بهِ إلى زخارفِ الدنيا ، فيشتهونَ مثلَ ذلكَ في بيوتِهِمْ ، ويشتغلونَ بطلبهِ ، ووبالُ ذلكَ كلِّهِ في رقبتِهِ ؛ إذِ المسجدُ للتواضعِ ولحضورِ القلبِ معَ الله تعالى . حر قالَ مالكُ بنُ دينارٍ : أتى رجلانِ مسجداً ، فدخلَ أحدُهُما، ووقفَ الآخرُ على البابِ . فقالَ لهُ صاحبُهُ : ألا تدخلُ ؟ قالَ : مثلي يدخلُ بيتَ اللهِ وقدْ عصيتُهُ !! فَكُتِبَ على المكانِ عندَ اللهِ صديقاً(١) . عمر ببناء المسجد وقال : أَكِنَّ الناسَ ، وإياكَ أن تحمِّر أو تصفِّر فتفتن الناس ) ، قال ۔ الحافظ ابن حجر في ((فتح الباري)» (٥٣٩/١): (هو طرف من قصة في ذكر تجديد المسجد النبوي)، وروى ابن ماجه (٧٤١) من حديث الفاروق رضي الله عنه مرفوعاً: (( ما ساء عمل قوم قط إلا زخرفوا مساجدهم)). (١) رواه ابن المبارك في ((الزهد)) (٤٧٨). ٧٠١ كتاب ذم الغرور ربع المهلكات فهكذا ينبغي أنْ تعظّمَ المساجدُ ، وهوّ أنْ يرىُ تلويثَ المسجدِ بنفسهِ جنايةً على المسجدِ ، لا أنْ يرى تلويثَ المسجدِ بالحرام أو بزخرفِ الدنيا منَّةً على الله تعالى . وقال الحواريونَ للمسيحِ عليهِ السلامُ : انظرْ إلى هذا المسجدِ ما أحسنَهُ ! فقالَ : أمَّتي أمَّتي ؛ بحقِّ أقولُ لكُمْ : لا يتركُ اللهُ مِنْ هذا المسجدِ حجراً قائماً على حجرٍ إلا أهلكَهُ بذنوبِ أهلِهِ . إِنَّ اللهَ لا يعبأُ بالذهب والفضةِ ، ولا بهذهِ الحجارةِ التي تعجبُكُمْ شيئاً ، وإنَّ أحبَّ الأشياءِ إلى اللهِ تعالى القلوبُ الصالحةُ، بها يعمرُ اللهُ الأرضَ ، وبها يخربُ إذا كانَتْ على غيرِ ذلكَ(١). وقالَ أبو الدرداءِ : قالَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: ((إذا زخرفتُمْ مساجدَكُمْ وحلَّيْثُمْ مصاحفَكُمْ .. فالدَّمارُ عليكُمْ)) (٢). وقالَ الحسنُ : إنَّ رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ لمَّا أرادَ أن يبنيَ مسجدَ المدينةِ .. أتاهُ جبريلُ عليهِ السلامُ فقالَ لهُ : ابنِهِ سبعةَ أذرع طولاً في جن (١) رواه أحمد في ((الزهد)) ( ٤٨٨). (٢) رواه ابن المبارك في ((الزهد)) (٧٩٧)، وابن أبي داوود في ((المصاحف)) ( ٤٧٥)، عن أبي الدرداء رضي الله عنه موقوفاً عليه ، ورفعه من حديثه الحكيمُ الترمذي في ((نوادر الأصول)) (ص٣٣٤) . ٧٠٢ ربع المهلكات كتاب ذم الغرور السماءِ ولا تزخرفْهُ ولا تنقشْهُ(١) . فغرورُ هذا مِنْ حيثُ إِنَّهُ رأى المنكرَ معروفاً واتَّكلَ عليهِ . وفرقةٌ أخرى ينفقونَ الأموالَ في الصدقاتِ على الفقراءِ والمساكينِ ، ويطلبونَ بهِ المحافلَ الجامعةَ ، ومِنَ الفقراءِ مَنْ عادتُهُ الشكرُ والإفشاءُ للمعروفِ ، ويكرهونَ التصدُّقَ في السِّرِّ، ويرونَ إخفاءَ الفقيرِ لما يأخذُهُ منهُمْ جنايةً عليهِمْ وكفراناً . وربَّما يحرصونَ على إنفاقِ المالِ في الحجِّ ، فيحُّونَ مرّةً بعدَ أخرى ، وربَّما تركوا جيرانَهُمْ جياعاً . ولذلكَ قالَ ابنُ مسعودٍ : ( في آخرِ الزمانِ يكثرُ الحاجُ بلا سببٍ ؛ يهونُ عليهِمُ السفرُ ، ويُبسطُ لهُمْ في الرزقِ ، ويرجعونَ محرومينَ مسلوبينَ ، يهوي بأحدِهِمْ بعيرُهُ بينَ القفارِ والرمالِ وجارُهُ مأسورٌ إلى جنبهِ لا یواسیهِ ) . وروى أبو نصرِ التمَّارُ : أنَّ رجلاً جاءَ يودّعُ بشرَ بنَ الحارثِ وقالَ : قدْ عزمتُ على الحجِّ ، فتأمرُني بشيءٍ ؟ فقالَ لهُ : كمْ أعددتَ للنفقةِ ؟ (١) قال الحافظ العراقي: ( لم أجده هكذا، وفي ((قصر الأمل)) [٢٨٦] لابن أبي الدنيا: (( ابنوه كعريش موسى))، وليس فيه مجيء جبريل). ٧٠٣ كتاب ذم الغرور ربع المهلكات فقالَ ألفي درهمٍ ، فقالَ بشرٌ : فأيُّ شيءٍ تبتغي بحجِّكَ تزهُّداً أوِ اشتياقاً إلى البيتِ ، أوِ ابتغاء مرضاةِ اللهِ ؟ قالَ : ابتغاءَ مرضاةِ اللهِ ، قالَ : فإنْ أصبتَ مرضاةَ اللهِ تعالىُ وأنتَ في منزلِكَ ، وتنفقُ ألفي درهمٍ ، وتكونُ على يقينٍ مِنْ مرضاةِ اللهِ تعالىُ ، أتفعلُ ذلكَ ؟ قالَ : نعمْ ، قالَ : اذهبْ فأعطها عشرةَ أنفسٍ ؛ مديونٌ يقضي دينَهُ ، وفقيرٌ يَرُمُ شعثَهُ ، ومعيلٌ يحيي عيالَهُ، ومربِّي يتيمٍ يفرحُهُ ، وإنْ قويَ قلبُكَ أنْ تعطيَها واحداً .. فافعلْ ؛ فإنَّ إدخالَكَ السرورَ على قلبِ المسلمِ وإغاثةَ اللهفانِ وكشفَ الضُّرُّ، وإعانةَ الضعيفِ .. أفضلُ مِنْ مئةِ حجةٍ بعدَ حجةِ الإسلامِ ، قمْ فأخرجْها كما أمرناكَ ، وإلا .. فقلْ لنا ما في قلبكَ ، فقالَ: يا أبا نصرِ(١) ؛ سفري أقوى في قلبي، فتبسَّمَ بشرٌ رحمَهُ اللهُ تعالى وأقبلَ عليهِ فقالَ لهُ : المالُ إذا جُمعَ مِنْ وسخ التجاراتِ والشبهاتِ .. اقتضتِ النفسُ أنْ تقضيَ بهِ وطراً ، فأظهرَتِ الأعمالَ الصالحاتِ ، وقدْ آَلَى اللهُ تعالى على نفسِهِ ألاَّ يقبلَ إلا عملَ المتقينَ(٢). ٥ (١) هي كنية بشر. («إتحاف)) (٤٨٧/٨) ، وليس الخطاب لأبي نصر التمار. (٢) قوت القلوب (١/ ٩٢). ٧٠٤ ربع المهلكات کتاب ذم الغرور وفرقةٌ أخرىُ مِنْ أربابِ الأموالِ يحفظونَ الأموالَ ويمسكونَها بحكمٍ البخلِ ، ثمَّ يشتغلونَ بالعباداتِ البدنيّةِ التي لا يُحتاجُ فيها إلى نفقةٍ ؛ كصيامٍ النهارِ ، وقيامِ الليلِ ، وختمِ القرآنِ . وهمْ مغرورونَ ؛ لأنَّ البخلَ المهلكَ قدِ استولى على بواطنِهِمْ، فهوَ يحتاجُ إلى قمعِهِ بإخراج المالِ ، فقدِ اشتغلَ بطلبٍ فضائلَ هوَ مستغٍ عنها . ومثالُهُ مثالُ مَنْ دخلَ في ثوبِهِ حيَّةٌ وقدْ أشرفَ على الهلاكِ ، وهوَ مشغولٌ بطبخِ السَّكنجبينِ ليسكِّنَ بهِ الصفراءَ ، ومَنْ قتلَتْهُ الحيةُ متى يحتاجُ إلى السكنجبين ؟! ولذلكَ قيلَ لبشرٍ : إنَّ فلاناً الغنيَّ كثيرُ الصوم والصلاةِ . فقالَ : المسكينُ تركَ حالَهُ ودخلَ في حالٍ غيرِهِ . إنَّما حالُ ههذا إطعامُ الطعام للجياع ، والإنفاقُ على المساكينِ ، فههذا أفضلُ لهُ مِنْ تجويعِهِ نفسَهُ ، ومِنْ صلاتِهِ لنفسِهِ معَ جمعِهِ للدنيا ومنعِهِ للفقراءِ(١) . وفرقةٌ أخرى غلبَهُمُ البخلُ ، فلا تسمحُ نفوسُهُمْ إلا بأداءِ الزكاةِ فقطْ . ثمَّ إنَّهُمْ يُخرجونَ مِنَ المالِ الخبيثَ الرديءَ الذي يرغبونَ عنهُ ، ويطلبونَ (١) قوت القلوب (٩٣/١). ٧٠٥ ن. كتاب ذم الغرور ربع المهلكات مِنَ الفقراءِ مَنْ يخدمُهُمْ ويتردّدُ في حاجاتِهِمْ، أَوْ مَنْ يحتاجونَ إليهِ في المستقبلِ للاستسخارِ في خدمةٍ ، أوْ مَنْ لهُمْ فيهِ على الجملةِ غرضٌ ، أوْ يسلِّمونَ ذلكَ إلى مَنْ يعينُهُ واحدٌ مِنَ الأكابرِ ممَّنْ يستظهرُ بحشمِهِ ؛ لينالَ بذلكَ عندَهُ منزلةً ، فيقومَ بحاجاتِهِ . وكلُّ ذلكَ مفسداتٌ للنيَّةِ ، ومحبطاتٌ للعملِ ، وصاحبُهُ مغرورٌ ، ويظنُّ أنَّهُ مطيعٌ لله تعالى وهوَ فاجرٌ ؛ إذْ طلبَ بعبادةِ اللهِ عوضاً مِنْ غيرِهِ . فهذا وأمثالُهُ مِنْ غرورِ أربابِ الأموالِ أيضاً لا يُحصى ، وإنَّما ذكرنا هذا القدْرَ ؛ للتنبيهِ على أجناسِ الغرورِ . وفرقةٌ أخرى مِنْ عوامٌّ الخلقِ وأربابِ الأموالِ أوِ الفقراءِ اغترُوا بحضورِ مجالس الذكرِ ، واعتقدوا أنَّ ذلكَ يغنيهِمْ ويكفيهِمْ ، واتخذوا ذلكَ عادةً ، ويظنُّونَ أنَّ لهُمْ على مجردِ سماع الوعظِ دونَ العملِ ودونَ الاتعاظِ أجراً ، وهمْ مغرورونَ ؛ لأنَّ فضلَ مجلسِ الذكرِ لكونِهِ مرغِّباً في الخيرِ ، فإنْ لمْ يهيِّجِ الرغبةَ .. فلا خيرَ فيهِ . حن والرغبةُ محمودةٌ ؛ لأنَّها تبعثُ على العملِ ، فإنْ ضعُفَتْ عنِ الحملِ على العملِ ، فلا خيرَ فيها . وما يُرادُ لغيرِهِ فإذا قصَّرَ عنِ الأداءِ إلى ذلكَ الغيرِ .. فلا قيمةَ لهُ . وربَّما يغترُّ بما يسمعُهُ مِنَ الواعظِ مِنْ فضلِ حضورِ المجلسِ ، وفضلٍ G قء ق: ٧٠٦ حر حر ربع المهلكات حر کتاب ذم الغرور البكاءِ ، وربَّما تدخلُهُ رقَّةٌ كرقَّةِ النساءِ فيبكي ، وربَّما يسمعُ كلاماً مخوِّفاً فلا يزيدُ على أنْ يصفقَ بيديهِ ويقول: يا سلامُ ؛ سلِّمْ (١) ، أوْ نعوذُ باللهِ ، أَوْ سبحانَ اللهِ ، ويظنُّ أنَّهُ قدْ أتى بالخيرِ كلُّهِ ، وهوَ مغرورٌ . وإنَّما مثالُهُ مثالُ المريضِ الذي يحضرُ مجالسَ الأطباءِ فيسمعُ ما يجري ، أوِ الجائع الذي يحضرُ عندَ مَنْ يصفُّ لهُ الأطعمةَ اللذيذةَ الشهيَّةَ ثمَّ ينصرفُ ، وذلكَ لا يُغني عنهُ مِنْ مرضِهِ وجوعِهِ شيئاً . 3 بين فكذلكَ سماعُ وصفِ الطاعاتِ دونَ العملِ بها لا يغني مِنَ الله شيئاً . فكلُّ وعظٍ لمْ يغيِّرْ منكَ صفةً تغييراً يغيِّرُ أفعالَكَ حتَّى تقبلَ على اللهِ تعالى إقبالاً قوياً أوْ ضعيفاً وتعرضَ عنِ الدنيا .. فذلكَ الوعظُ زيادةُ حَجَّةٍ عليكَ ، فإذا رأيتَهُ وسيلةً لكَ .. كنتَ مغروراً . فإنْ قلتَ : فما ذكرتَهُ مِنْ مداخلِ الغرورِ أمرٌ لا يتخلَّصُ منهُ أحدٌ ، ولا يمكنُ الاحترازُ عنهُ، وهذا يوجبُ اليأسَ ؛ إذْ لا يقوى أحدٌ مِنَ البشرِ على الحذرِ مِنْ خفايا هذهِ الآفاتِ . فأقولُ : الإنسانُ إذا فترَتْ همَّتُهُ في شيءٍ .. أظهرَ اليأسَ منهُ، واستعظمَ الأمرَ ، واستوعَرَ الطريقَ ، وإذا صحَّ منهُ الهوى .. اهتدى إلى الحيلِ، (١) في (أ): ( يا سلام؛ سلِّم سلِّم)، وفي (ج): ( يا ربِّ؛ سلِّمْ سلِّمْ). ٧٠٧ كتاب ذم الغرور ربع المهلكات واستنبطَ بدقيقِ النظرِ خفايا الطرقِ في الوصولِ إلى الغرضِ . حتَّى إِنَّ الإنسانَ إذا أرادَ أنْ يستنزلَ الطيرَ المحلُّقَ في جوِّ السماءِ معَ بُعدِهِ منهُ .. استنزلَهُ . وإذا أرادَ أنْ يُخرِجَ الحوتَ مِنْ أعماقِ البحارِ .. استخرجَهُ . وإذا أرادَ أنْ يستخرِجَ الذهبَ أوِ الفضةَ من تحتِ الجبالِ .. استخرجَهُ . وإذا أرادَ أنْ يقتنصّ الوحوشَ المطلقةَ في البراري والصحاري .. اقتنصَها . وإذا أرادَ أنْ يستسخرَ السباعَ والفيلةَ وعظيمَ الحيواناتِ .. استسخرَها ، وإذا أرادَ أنْ يأخذَ الأفاعيَ والحِيَّاتِ ويعبثَ بها .. أخذها ، واستخرجّ الترياقَ مِنْ أجوافِها . وإذا أرادَ أنْ يَتَّخِذَ الديباجَ الملوَّنَ المنقَّشَ مِنْ ورقِ التوتِ .. اتخذَهُ . وإذا أرادَ أنْ يعرفَ مقاديرَ الكواكبِ وطولها وعرضها .. استخرجَ بدقيقٍ الهندسةِ ذلكَ وهوَ مستقرٍّ على الأرضِ . وكلُّ ذلكَ باستنباطِ الحيلِ ، وإعدادِ الآلاتِ ، فسخَّرَ الفرسَ للركوبِ ، والكلبَ للصيدِ ، وسخّرَ البازيَ لاقتناصِ الطيورِ ، وهيَّأْ الشبكةَ لاصطيادٍ السمكِ ، إلى غيرِ ذلكَ مِنْ دقائقِ حيلِ الآدميِّ . وكلُّ ذلكَ لأَنَّ همَّهُ أمرُ دنياهُ ، وذلكَ معينٌ لهُ على دنياهُ . ٧٠٨ - ربع المهلكات كتاب ذم الغرور فلوْ أهمَّهُ أمرٌ آخرتِهِ .. فليسَ عليهِ إلا شغلٌ واحدٌ ؛ وهوَ تقويمُ قلبِهِ (١) ، فعجزَ عنْ تقويم قلبهِ وتخاذلَ وقالَ : هذا محالٌ ، ومَنِ الذي يقدرُ علیهِ ؟ وليسَ ذلكَ بمحالٍ لوْ أصبحَ وهُّهُ هذا الهمُّ الواحدُ ، بلْ هوَ كما يُقالُ: ( لوْ صَحَّ مِنْكَ أَلْهَوَىُ أُرْشِدَتَ لِلْحِيَلِ ). فهذا شيءٌ لمْ يعجزْ عنهُ السلفُ الصالحونَ ومَنِ اتبعَهُمْ بإحسانٍ ، فلا يعجزُ عنهُ أيضاً مَنْ صدقَتْ إرادتُهُ ، وقويَتْ همَّتُهُ ، بلْ لا يحتاجُ إلى عُشرِ تعبِ الخلقِ في استنباطِ حيلِ الدنيا ونظمٍ أسبابِها . فإنْ قلتَ : فقدْ قرَّبتَ الأمرَ فيهِ بعدَ أنْ أكثرتَ في ذكرِ مداخلِ الغرورِ ، فبمَ ينجو العبدُ مِنَ الغرورِ ؟ فاعلمْ : أنَّهُ ينجو منهُ بثلاثة أمورٍ : بالعقلِ ، والعلمِ ، والمعرفةِ ، فهذهِ ثلاثةُ أمورٍ لا بدَّ منها . أمَّا العقلُ: فأعني بهِ الفطرةَ الغريزيَّةَ، والنورَ الأصليَّ الذي بهِ يدركُ الإنسانُ حقائقَ الأشياءِ ، فالفطنةُ والكيْسُ فطرةٌ ، والحمقُ والبلادةُ فطرةٌ ، والبليدُ لا يقدرُ على التحفّظِ مِنَ الغرورِ . (١) فقط ، وهو تسويته وتعديله وتنظيفه عن الخواطر الرديئة؛ حتى يكون مهبطاً لأنوار الله تعالى. («إتحاف)) (٤٨٩/٨). ٧٠٩ كتاب ذم الغرور ربع المهلكات فصفاءُ العقلِ وذكاءُ الفهمِ لا بدَّ منهُ في أصلِ الفطرةِ ، وهذا إنْ لمْ يُفْطَرْ عليهِ الإنسانُ .. فاكتسابُهُ غيرُ ممكنٍ . نعمْ ، إذا حصلَ أصلُهُ .. أمكنَ تقويتُهُ بالممارسة ، فأساسُ السعاداتِ كلِّها العقلُ والكياسةُ . قالَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: (( تباركَ اللهُ الذي قسَّمَ العقلَ بينَ عبادِهِ أشتاتاً ، إنَّ الرجلينِ ليستوي عملُهُما وبرُهُما وصومُهُما وصلاتُهُما ، ولكنَّهُما يتفاوتانِ في العقلِ كالذَّرَّةِ في جنبٍ أُحُدٍ ، وما قسمَ اللهُ لخلقِهِ حظّاً هوَ أفضلَ مِنَ العقلِ واليقينِ)) (١) . وعنْ أبي الدرداءِ أنَّهُ قيلَ : يا رسولَ اللهِ ؛ أرأيتَ الرجلَ يصومُ النهارَ ، ويقومُ الليلَ ، ويحجُّ ، ويعتمرُ ، ويتصدَّقُ ، ويغزو في سبيلِ اللهِ ، ويعودُ المريضَ ، ويشيِّعُ الجنائزَ ، ويعينُ الضعيفَ ، ولا يعلمُ منزلتهُ عندَ اللهِ يومَ القيامةِ . C فقالَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ : ((إنَّما يُجزىُ على قدْرِ عقلِهِ)) (٢). c (١) الحديث عند الحكيم الترمذي في ((نوادر الأصول)) (ص٢٤١) بروايتين ، وبنحوه رواه أبو نعيم في ((الحلية)) (٣٦١/١). ـئة (٢) رواه الحارث في (( مسنده)) ( ٨٢٧) ، وهو من أحاديث داوود بن المحبر ، ورواه عن ابن عمر رضي الله عنهما البيهقي في ((الشعب)) ( ٤٣١٥). ـة ـدن ٧١٠ ربع المهلكات کتاب ذم الغرور وقالَ أنسٌ رضيَ اللهُ عنهُ: أُثنيَ على رجلٍ عندَ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ فقالوا خيراً . فقالَ رسولُ الله صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: ((كيفَ عقلُهُ؟ )) قالوا : يا رسولَ اللهِ ؛ نقولُ مِنْ عبادتِهِ وفضلِهِ وخلقِهِ . فقالَ: (( كيفَ عقلُهُ؟ فإنَّ الأحمقَ يصيبُ بحمقِهِ أعظمَ مِنْ فجورِ الفاجرِ، وإنَّما يُقرَّبُ الناسُ يومَ القيامةِ على قدْرِ عقولِهِمْ))(١). وقالَ أبو الدرداءِ: كانَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ إذا بلغَهُ عنْ رجلٍ شدَّةُ عبادةٍ .. سألَ عنْ عقلِهِ، فإذا قالوا: حسنٌ .. قالَ : ((أرجوهُ))، وإنْ قالوا غيرَ ذلكَ .. قالَ: ((لنْ يبلغَ)). قالَ : وذُكرَ لهُ شدَّةُ عبادةِ رجلٍ ، فقالَ: ((كيفَ عقلُهُ ؟ » قالوا : ليسَ بشيءٍ ، قَالَ : (( لنْ يبلغَ صاحبُكُمْ حيثُ تظنُّونَ))(٢) فالذكاءُ وصحةُ غريزةِ العقلِ نعمةٌ مِنَ اللهِ تعالى في أصلِ الفطرةِ ، فإنْ فاتَتْ ببلادةٍ وحماقةٍ .. فلا تَداركَ لها . الثاني المعرفةُ : وأعني بالمعرفةِ : أنْ يعرفَ أربعةَ أمورِ : يعرفَ نفسَهُ ، ويعرفَ ربَّهُ ، ويعرفَ الدنيا ، ويعرفَ الآخرةَ . ٥ ـن (١) هو عند الحكيم الترمذي في ((نوادر الأصول)) (ص ٢٤٢). (٢) رواه الطبراني في ((مسند الشاميين)) (٩٦٥)، وابن عدي في ((الكامل)) (٣٨٤/٦)، والبيهقي في ((الشعب)) (٤٣٢٤). ٧١١ كتاب ذم الغرور ربع المهلكات فيعرفُ نفسَهُ بالعبوديةِ والذُّلِّ ، وبكونِهِ غريباً في هذا العالمٍ ، وأجنبياً مِنْ هذهِ الشهواتِ البهيميَّةِ ، وإنَّما الموافقُ لهُ طبعاً هوَ معرفةُ اللهِ تعالى ، والنظرُ إلى وجهِهِ الكريمِ فقطْ . فلا يُتصوَّرُ أنْ يعرفَ هذا ما لمْ يعرفْ نفسَهُ ولمْ يعرفْ ربَّهُ . فليستعنْ على هذا بما ذكرناهُ في كتابِ المحبَّةِ ، وفي كتابِ شرحٍ عجائبِ القلبِ ، وكتابِ التفكّرٍ ، وكتابِ الشكرِ ؛ إذْ فيها إشاراتٌ إلى وصفِ النفسِ ، وإلى وصفِ جلالِ اللهِ . ويحصلُ بهِ التنبيهُ على الجملةِ ، وكمالُ المعرفةِ وراءَهُ ؛ فإنّ هذا مِنْ علومِ المكاشفةِ ، ولم نطنبْ في هذا الكتابِ إلا في علومِ المعاملةِ . وأمَّا معرفةُ الدنيا والآخرةِ .. فيستعينُ عليها بما ذكرناهُ في كتابِ ذمِّ الدنيا وكتابٍ ذكرِ الموتِ ؛ ليتبيَّنَ لهُ أنْ لا نسبةَ للدنيا إلى الآخرةِ . فإذا عرفَ نفسَهُ وربَّهُ، وعرفَ الدنيا والآخرةَ .. ثارَ مِنْ قلبهِ بمعرفةِ اللهِ حبُّ اللهِ . وبمعرفةِ الآخرةِ شدَّةُ الرغبةِ فيها . وبمعرفةِ الدنيا الرغبةُ عنها . فيصيرُ أهمُّ أمورِهِ ما يوصلُهُ إلى اللهِ تعالى وينفعُهُ في الآخرةِ . وإِذا غلبَتْ هذه الإرادةُ على قلبهِ .. صحَّتْ نيتهُ في الأمورِ كلّها . ٧١٢ : ربع المهلكات كتاب ذم الغرور فإنْ أكلَ مثلاً أوِ اشتغلَ بقضاءِ الحاجةِ .. كانَ قصدُهُ منهُ الاستعانةَ على سلوك طريقِ الآخرةِ، وصحَّتْ نِيَتُهُ ، واندفعَ عنهُ كلُّ غرورٍ منشؤُهُ تجاذبُ الأغراضِ ، والنزوعُ إلى الدنيا والجاهِ والمالِ ؛ فإنَّ ذلكَ هوَ المفسدُ للنيّةِ . وما دامتِ الدنيا أحبَّ إليهِ مِنَ الآخرةِ ، وهوى نفسِهِ أحبَّ إليهِ مِنْ رضا اللهِ تعالى .. فلا يمكنُهُ الخلاصُ مِنَ الغرورِ . فإذا غلبَ حبُّ اللهِ على قلبهِ بمعرفتِهِ باللهِ وبنفسِهِ الصادرةِ عنْ كمالٍ عقلِهِ .. فيحتاجُ إلى المعنى الثالثِ، وهوَ العلمُ : أعني : العلمَ بكيفيةِ سلوكِ الطريقِ إلى اللهِ، والعلمَ بما يقرِّبُهُ مِنَ اللهِ وما يبعدُهُ عنهُ ، والعلمَ بآفاتِ الطريقِ وعقباتِهِ وغوائِلِهِ ، وجميعُ ذلكَ قدْ أودعناهُ كتبَ ((إحياء علوم الدينِ )) . فيعرفُ مِنْ ربعِ العباداتِ شروطَها فيراعيها ، وآفاتِها فيتقيها . ومِنْ ربعِ العاداتِ أسرارَ المعايشِ وما هوَ مضطرٍّ إليهِ فيأخذَهُ بأدبِ الشرعٍ ، وما هوَ مستغنٍ عنهُ فيعرضُ عنهُ . ومِنْ ربعِ المهلكاتِ يعلمُ جميعَ العقباتِ المانعةِ في طريقِ اللهِ ؛ فإنَّ المانعَ مِنَ اللهِ الصفاتُ المذمومةُ في الخلقِ ، فيعلمُ المذمومَ ويعلمُ طريقَ علاجه . ويعرفُ مِنْ ربع المنجياتِ الصفاتِ المحمودةَ التي لا بدَّ وأنْ تُوضعَ خَلَفاً عنِ المذمومةِ بعدَ محوِها . ٧١٣ کتاب ذم الغرور ربع المهلكات فإذا أحاطَ بجميع ذلكَ .. أمكنَهُ الحذرُ مِنَ الأنواع التي أشرنا إليها مِنَ الغرورِ . وأصلُ ذلكَ كلِّهِ : أنْ يغلبَ حبُّ اللهِ على القلبِ ، ويسقطَ حبُّ الدنيا منهُ؛ حتَّى تقوى بهِ الإرادةُ، وتصحَّ بهِ النّيَّةُ ، ولا يحصلُ ذلكَ إلا بالمعرفةِ التي ذكرناها . فإن قلتَ : فإذا فعلَ جميعَ ذلكَ .. فما الذي يُخافُ عليهِ ؟ فأقولُ : يُخافُ عليهِ أنْ يخدعَهُ الشيطانُ ، ويدعوَهُ إلى نصحِ الخلقِ ونشرٍ العلمِ ، ودعوةِ الناسِ إلى ما عرفَهُ مِنْ دينِ اللهِ . فإنَّ المريدَ المخلصَ إذا فرِغَ مِنْ تهذيبِ نفسِهِ وأخلاقِهِ ، وراقبَ القلبَ حتَّى صفَّاهُ منْ جميع الكدوراتِ ، واستوى على الصراط المستقيمِ ، وصغُرَتِ الدنيا في عِنِهِ فتركَها ، وانقطعَ طمعُهُ عنِ الخلقِ فلمْ يلتفِتْ إليهِمْ ، ولمْ يبقَ لهُ إلا همّ واحدٌ؛ وهوَ اللهُ تعالى، والتلذّذَ بذكرِهِ ومناجاتِهِ ، والشوقُ إلى لقائِهِ ، وقدْ عجزَ الشيطانُ عنْ إغوائِهِ . ـحن دن حن إذْ يأتيهِ مِنْ جهةِ الدنيا وشهواتِ النفسِ فلا يطيعُهُ ، فيأتيهِ مِنْ جهةِ الدينِ ، ويدعوهُ إلى الرحمةِ على خلقِ اللهِ ، والشفقةِ على دينِهِمْ بالنصحِ لهُمْ ، والدعاءِ إلى اللهِ . ٧١٤ ربع المهلكات كتاب ذم الغرور فينظرُ العبدُ برحمتِهِ إلى العبيدِ ، فيراهُمْ حيارى في أمرِهِمْ ، سكارى في دينِهِمْ، صمّاً عمياً ، قدِ استولى عليهِمُ المرضُ وهمْ لا يشعرونَ ، وفقدوا الطبيبَ ، وأشرفوا على العطبِ ، فغلبَ على قلبهِ الرحمةُ لهُمْ، وقدْ كانَ عندَهُ حقيقةُ المعرفةِ بما يهديهِمْ ويبيِّنُ لهمْ ضلالَهُمْ، ويرشدُهُمْ إلى سعادتِهِمْ، وهوَ يقدرُ على ذكرِها مِنْ غيرِ تعبٍ ومؤنةٍ ولزومٍ غرامةٍ . فكانَ مثلُهُ كمثل رجلٍ كانَ بهِ داءٌ عظيمٌ لا يُطاقُ ألمُهُ ، وقدْ كانَ لذلكَ يسهرُ ليلَهُ ويقلقُ نهارَهُ ، لا يأكلُ ولا يشربُ ، ولا يتحرَّكُ ولا يتصرَّفُ ؛ لشدَّةِ ضَرَبانِ الألم ، فوجدَ لهُ دواءً عفواً صفواً مِنْ غيرِ ثمنٍ ولا تعبٍ ولا مرارةٍ في تناولِهِ ، فاستعملَهُ ، فبرىءَ وصحَّ ، وطابَ نومُهُ بالليلِ بعدَ طولِ سهرِهِ ، وهدأ بالنهارِ بعدَ شدَّةِ القلقِ ، وطابَ عيشُهُ بعدَ نهايةِ الكربِ ، وأصابَ لذَّةَ العافيةِ بعدَ طولِ السقامِ . ثمَّ نظرَ إلى عددٍ كثيرٍ مِنَ المسلمينَ وإذا بِهِمْ تلكَ العلَّةُ بعينِها ، وقدْ طالَ سهرُهُمْ ، واشتدَّ قلقُهُمْ، وارتفعَ إلى السماءِ أنينُهُمْ، فتذكَّرَ أنَّ دواءَهُمْ هوَ الذي يعرفُهُ ، وأنَّهُ يقدرُ على شفائِهِمْ بأسهلِ ما يكونُ ، وفي أوحى زمانٍ(١) يقدرُ، فأخذَتْهُ الرحمةُ والرِّقَّةُ ، ولمْ يجدْ فسحةً مِنْ نفسِهِ في التراخي عنِ الاشتغالِ بعلاجِهِمْ . ـو فكذلكَ العبدُ المخلصُ بعدَ أنِ اهتدى إلى الطريقِ ، وشُفِيَ مِنْ أمراضٍ (١) أوحى - هنا - : أسرع. ٧١٥ كتاب ذم الغرور ربع المهلكات القلوبِ .. شاهدَ الخلقَ وقدْ مرضَتْ قلوبُهُمْ، وأعضلَ داؤُهُمْ، وقرُبَ هلاكُهُمْ وشقاؤُهُمْ ، وسَهُلَ عليهِ دواؤُهُمْ . فانبعثَ مِنْ ذاتِ نفسِهِ عزمٌ جازمٌ في الاشتغالِ بنصحِهِمْ، وحرَّضَهُ الشيطانُ على ذلكَ ؛ رجاءَ أنْ يجدَ مجالاً للفتنةِ . فلمَّا اشتغلَ بذلكَ .. وجدَ الشيطانُ مجالاً للفتنةِ ، فدعاهُ إلى الرئاسةِ دعاءً خفيّاً أخفى مِنْ دبيبِ النملِ لا يشعرُ بهِ المريدُ ، فلمْ يزلْ ذلكَ الدبيبُ في قلبهِ حتَّى دعاهُ إلى التصنّع والتزيّنِ للخلقِ ، بتحسينِ الألفاظِ والنغماتِ والحركاتِ ، والتصنُّع في الزِّيِّ والهيئةِ . فأقبلَ الناسُ إليهِ يعظمونَهُ ويبجلونَهُ ويوقرونَهُ توقيراً يزيدُ على توقيرٍ الملوكِ ؛ إذْ رأوهُ شافياً لأدوائِهِمْ بمحضِ الشفقةِ والرحمةِ مِنْ غيرِ طمعٍ ، فصارَ أحبَّ إليهِمْ مِنْ آبَائِهِمْ وأمهاتِهِمْ وأقارِبِهِمْ ، فآثروهُ بأبدانِهِمْ وأموالِهِمْ ، وصاروا لهُ خَوَلاً كالخدم والعبيدِ ، فخدموهُ وقدَّموهُ في المحافلِ ، وحكَّموهُ على الملوكِ والسلاطينِ . فعندَ ذلكَ انتشرَ الطبعُ ، وارتاحتِ النفسُ ، وذاقَتْ لذَّةً يا لها مِنْ لذَّةٍ ! وأصابَتْ مِنَ الدنيا شهوةً يُستحقرُ معَها كلُّ شهوةٍ ، فكانَ قَدْ تركَ الدنيا فوقعَ في أعظِمِ لذاتِها ، فعندَ ذلكَ وجدَ الشيطانُ فرصةً ، وامتدَّتْ إلى قلبهِ يدُهُ ، فهوَ يَستعملُهُ في كلِّ ما يحفظُ عليهِ تلكَ اللذةَ . وأمارةُ انتشارِ الطبع وركونِ النفسِ إلى الشيطانِ أنَّهُ لوْ أخطأَ فرُدَّ عليهِ بينَ ٧١٦ ربع المهلكات کتاب ذم الغرور يديِ الخلقِ .. غضبَ، فإذا أنكرَ على نفسِهِ ما وجدَهُ مِنَ الغضبِ .. بادرَ الشيطانُ فخيَّلَ إليهِ أنَّ ذلكَ غضبٌ للهِ ؛ لأنَّهُ إذا لمْ يحسُنِ اعتقادُ المريدينَ فيهِ .. انقطعوا عنْ طريقِ اللهِ ، فوقعَ في الغرورِ . فربّما أخرجَهُ ذلكَ إلى الوقيعةِ فيمَنْ ردَّ عليهِ ، فوقعَ في الغيبةِ المحظورةِ بعدَ تركِهِ الحلالَ المتسعَ ، ووقعَ في الكبرِ الذي هوَ تمرُّدُ عنْ قبولِ الحقِّ والشكرِ عليهِ بعدْ أنْ كانَ يحذرُ مِنْ طوارقِ الخطراتِ . وكذلكَ إذا سبقَهُ الضحكُ، أَوْ فَتَرَ عنْ بعضِ الأورادِ .. جزعَتْ نفسُهُ أن يطلعوا عليهِ فيسقطَ قبولُهُ فأتبعَ ذلكَ بالاستغفارِ وتنفُسِ الصعداءِ . وربَّما زادَ في الأعمالِ والأورادِ لأجلِهِمْ ، والشيطانُ يخيّلُ إليهِ : إنَّكَ إنَّما تفعلُ ذلكَ كي لا يفترَ رأيُهُمْ عنْ طريقِ اللهِ ، فيتركونَ الطريقَ بتركِهِ . وإنَّما ذلكَ خدعةٌ وغرورٌ ، بلْ هوَ جزعٌ مِنَ النفسِ خيفةَ فوتِ الرئاسةِ ، ولذلكَ لا تجزعُ نفسُهُ مِنَ اطلاعِ الناسِ على مثلِ ذلكَ مِنْ أقرانِهِ . بلْ ربَّما يحبُّ ذلكَ ويستبشرُ بهِ ، ولوْ ظهرَ مِنْ أقرانِهِ مَنْ مالتِ القلوبُ إلى قبولِهِ وزادَ أثرُ كلامِهِ في القبولِ على كلامِهِ .. شقَّ ذلكَ عليهِ ، ولولا أنَّ النفسَ قدِ استبشرَتْ واستلذّتِ الرئاسةَ .. لكانَ يغتنمُ ذلكَ . إذْ مثالُهُ أنْ يرى الرجلُ جماعةً مِنْ إخوانِهِ قدْ وقعوا في بئرٍ وتغطّى رأسُ البئر بحجرٍ كبيرٍ ، فعجزوا عن الرُّقيِّ مِنَ البئرِ بسببهِ ، فرقَّ قلبُهُ لإخوانِهِ ، فجاءَ ليرفعَ الحجرَ عنْ رأسِ البئرِ ، فشقَّ عليهِ ، فجاءَ مَنْ أعانَهُ على ذلكَ ـجو ٧١٧ کتاب ذم الغرور ربع المهلكات حتَّى تيسَّرَ عليهِ ، أوْ كفاهُ ذلكَ ونخَاهُ بنفسِهِ ، فيعظُمُ بذلكَ فرحُهُ لا محالةَ ؛ إذْ غرضُهُ خلاصُ إخوانِهِ مِنَ البئرِ . فإِنْ كانَ غرَضُ الناصحِ خلاصَ إخوانِهِ المسلمينَ مِنَ النّارِ ، فإذا ظهرَ مَنْ أعانَهُ أَوْ كفاهُ ذلكَ .. لمْ يثقلْ عليهِ، أرأيتَ لوِ اهتدَوا جميعُهُم بأنفسِهِمْ أكانَ ينبغي أنْ يثقلَ ذلكَ عليهِ إنْ كانَ غرضُهُ هدايتَهُمْ؟ فإذا اهتدَوا بغيرِهِ .. فِلِمَ يثقلُ عليهِ ؟ ومهما وجدَ ذلكَ في نفسِهِ .. دعاهُ الشيطانُ إلى جميع كبائرِ القلوبِ ، وفواحشِ الجوارحِ ، وأهلكَهُ ، فنعوذُ باللهِ مِنْ زيغ القلوبِ بعدَ الهدى ، ومِنِ اعوجاجِ النفسِ بعدَ الاستواءِ . فإنْ قلتَ : فمتى يصحُّ لهُ أنْ يشتغلَ بنصحِ الناسِ ؟ فأقولُ : إذا لمْ يكنْ لهُ قصدٌ سوى هدايتِهِمْ للهِ تعالى ، وكانَ یوذُّ لُوْ وجدَ مَنْ يعينُهُ أوْ لوِ اهتدَوا بأنفسِهِمْ، وانقطعَ بالكليّةِ طمعُهُ عنْ ثنائِهِمْ وعنْ أموالِهِمْ، فاستوى عندَهُ حمدُهُمْ وذمُّهُمْ، فلمْ يبالِ بذمِّهِمْ إذا كانَ اللهُ يحمدُهُ ، ولمْ يفرحْ بحمدِهِمْ إذا لمْ يقترنْ بهِ حمدُ اللهِ تعالى ، ونظرَ إلیهِمْ كما ينظرُ إلى الساداتِ وإلى البهائمِ . جن c أَمَّا إلى الساداتِ .. فمِنْ حيثُ إنَّهُ لا يتكبَّرُ عليهِمْ، ويرى كلَّهُمْ خيراً منهُ ؛ لجهلِهِ بالخاتمةِ . ٧١٨ ربع المهلكات كتاب ذم الغرور وأمَّا إلى البهائم .. فمِنْ حيثُ انقطاعُ طمعِهِ عنْ طلبِ المنزلةِ في قلوبِهِمْ ؛ فإنّهُ لا يبالي كيفَ تراهُ البهائمُ ؛ فلا يتزيَّنُ لها ولا يتصنَّعُ ، بلْ راعي الماشيةِ إنَّما غرضُهُ رعايةُ الماشيةِ ودفعُ الذئبِ عنها دونَ نظرٍ الماشيةِ إليهِ ، فما لمْ يرَ سائرَ الناسِ كالماشيةِ التي لا يُلتَفَتُ إلى نظرِها ولا يُبالى بها .. لا يسلمُ مِنَ الاشتغالِ بإصلاحِهِمْ؟ نعمْ، ربَّما يصلحُهُمْ ولكنْ يفسدُ نفسَهُ بإصلاحِهِمْ، فيكونُ كالشمع الذي يضيءُ لغيرِهِ ويحترقُ في نفسِهِ . فإنْ قلتَ : فلوْ تركَ الوغَّاظُ الوعظَ إلا عندَ نيلِ هذهِ الدرجةِ .. لخلتِ الدنيا عنِ الوعظِ وخربَتِ القلوبُ ! فأقولُ : قدْ قالَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ : (( حبُّ الدنيا رأسُ كلِّ خطيئةٍ »(١) . ولوْ لمْ يحبَّ الناسُ الدنيا .. لهلكَ العالَمُ، وبطلَتِ المعايشُ ، وهلكَتِ القلوبُ والأبدانُ جميعاً ، إلا أنَّهُ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ علمَ أنَّ حبَّ الدنيا مهلكٌ، وأنَّ ذكرَ كونِهِ مهلكاً لا ينزعُ الحبَّ مِنْ قلوبِ الأكثرينَ ، لا الأقلينَ الذينَ لا تخربُ الدنيا بتركِهِمْ ، فلم يتركِ النصحَ ، وذكرَ ما في حبِّ الدنيا (١) رواه ابن أبي الدنيا في ((ذم الدنيا)) (٩) عن الحسن مرسلاً . ٧١٩ كتاب ذم الغرور ربع المهلكات مِنَ الخطرِ ، ولمْ يَتركْ ذكرَهُ خوفاً مِنْ أن تُتَركَ ؛ ثقةٌ بالشهواتِ المهلكةِ التي سلَّطَها اللهُ على عبادِهِ ليسوقَهُمْ بها إلىُ جهتَّمَ ؛ تصديقاً لقولِهِ تعالى : ﴿ وَلَكِنْ حَقَ الْقَوْلُ مِنِى لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّهِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾. فكذلكَ لا تزالُ ألسنةُ الوغَّاظِ مطلقةً لحبِّ الرئاسةِ ، ولا يدَّعونَها بقولٍ مَنْ يقولُ: إِنَّ الوعظَ لحبِّ الرئاسةِ حرامٌ ؛ كما لمْ يدع الخلقُ الشربَ والزنا والسرقةَ والربا والظلمَ وسائرَ المعاصي بقولِ اللهِ تعالى ورسولِهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ : إنَّ ذلكَ حرامٌ . فانظرْ لنفسِكَ، وكنْ فارغَ القلبِ مِنْ حديثِ الناسِ ، فإنَّ اللهَ تعالى يصلحُ خلقاً كثيراً بإفسادٍ شخصٍ واحدٍ وأشخاصٍ . ولولا دفعُ اللهِ الناسَ بعضَهُمْ ببعضٍ .. لفسدتِ الأرضُ . وإِنَّ اللهَ يؤيَّدُ هذا الدينَ بأقوامٍ لا خلاقَ لَهُمْ . فإنَّما يُخشى أنْ ينسدّ طريقُ الاتِّعاظِ، فأمَا أنْ تخرسَ ألسنةُ الْوغَّاظِ ووراءَهُمْ باعثُ الرئاسةِ وحبُّ الدنيا .. فلا يكونُ ذلكَ أبداً . جـ جرج حن جن فإنْ قلتَ : فإنْ علمَ المريدُ هذهِ المكيدةَ مِنَ الشيطانِ ، فاشتغلَ بنفسِهِ وتركَ النصحَ، أوْ نصحَ وراعىْ شرطَ الصدقِ والإخلاصِ فيهِ . . فما الذي يُخافُ عليهِ ؟ وما الذي بقيَ بينَ يديهِ مِنَ الأخطارِ وحبائلٍ الاغترار ؟ .< ٥ ٧٢٠ حن . حن ته زت