Indexed OCR Text

Pages 641-660

ربع المهلكات
كتاب ذم الغرور
تأخذْهُ عليهِ رقَّةٌ، ولا اعتراهُ جزِعٌ، ولهذا قال تعالى: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ
عِبَادِهِ الْعُلَمَوْاْ﴾ .
وفاتحةُ الزبورِ : ( رأسُ الحكمةِ خشيةُ اللهِ)(١) .
وقالَ ابنُ مسعودٍ : ( كفى بخشيةِ اللهِ علماً، وكفى بالاغترارِ باللهِ
جهلاً)(٢).
واستُفتيَ الحسنُ عنْ مسألةٍ ، فأجابَ عنها ، فقيلَ لهُ : إنَّ فقهاءَنا
لا يقولونَ ذلكَ، فقالَ للسائلِ : وهلْ رأيتَ فقيهاً قطُّ ؟ إنَّما الفقيهُ القائمُ
ليلَهُ ، الصائمُ نهارَهُ ، الزاهدُ في الدنيا(٣).
وقالَ مرَّةً : ( الفقيهُ يداري ولا يماري ، ينشرُ حكمةَ اللهِ ، فإِنْ قُبُلَتْ
منهُ .. حمدَ اللهَ، وإنْ رُدَّتْ عليهِ .. حمدَ اللهَ)(٤).
فإذاً ؛ الفقيهُ مَنْ فِقِهَ عنِ اللهِ أمرَهُ ونهيَهُ ، وعلمَ مِنْ صفاتِهِ ما أحبَّهُ
وما كرهَهُ ، وهوَ العالمُ، ومَنْ يردِ اللهُ بهِ خيراً .. يفقهْهُ في الدينِ ، فإذا لمْ
يكنْ بهذهِ الصفةِ .. فهوَ مِنَ المغرورينَ .
(١) رواه ابن أبي شيبة في ((المصنف)) (٣٥٣٩٣) عن خالد الربعي .
(٢) رواه ابن المبارك في ((الزهد)) (٤٦).
(٣) قوت القلوب (١٥٣/١)، وهو بلفظه هنا عند المحاسبي في ((الرعاية)) (ص٤٤٧).
(٤) رواه ابن المبارك في ((الزهد)) (٣٠) ومعه القول قبله.
٦٤١

کتاب ذم الغرور
ربع المهلكات
وفرقةٌ أخرى أحكموا العلمَ والعملَ ، فواظبوا على الطاعاتِ الظاهرةِ ،
وتركوا المعاصيَ ، إلا أنَّهُمْ لمْ يتفقَّدوا قلوبَهُمْ ليمحوا عنها الصفاتِ
المذمومةَ عندَ اللهِ ؛ مِنَ الكبرِ والحسدِ والرياءِ ، وطلبِ الرئاسةِ والعلاءِ ،
وإرادةِ السوءِ للأقرانِ والشركاءِ ، وطلبِ الشهرةِ في البلادِ والعبادِ ، وربَّما لمْ
يعرفْ بعضُهُمْ أنَّ ذلكَ مذمومٌ ، فهوَ مكبٌّ عليها ، غيرُ محترزٍ منها .
ولا يلتفتُ إلى قولِهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: ((أدنى الرياءِ شركٌ))(١)،
وإلى قولِهِ عليهِ الصلاةُ والسلامُ: « لا يدخلُ الجنةَ مَنْ في قلبهِ مثقالُ ذرَّةٍ مِنْ
كبْرٍ)) (٢)، وإلى قولِهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: ((الحسدُ يأكلُ الحسناتِ كما
تأكلُ النارُ الحطبَ))(٣)، وإلى قولِهِ عليهِ الصلاةُ والسلامُ: (( حبُّ المالِ
والشرفِ ينبتانِ النفاقَ في القلبِ كما ينبتُ الماءُ البقلَ )) ، إلى غيرِ ذلكَ مِنَ
الأخبارِ التي أوردناها في جميعِ ربع المهلكاتِ في الأخلاقِ المذمومةِ .
فهؤلاءِ زيَّنوا ظواهرَهُمْ وأهملوا بواطنَهُمْ، ونسوا قولَهُ صلَّى اللهُ عليهِ
وسلَّمَ: ((إنَّ اللهَ لا ينظرُ إلى صورِكُمْ ولا إِلى أَموالِكُمْ، وإِنَّما ينظرُ إلى
قلوبِكُمْ وأَعمالِكُمْ)) (٤)، فتعهَّدوا الأعمالَ وما تعهَّدوا القلوبَ، والقلبُ هوَ
الأصلُ ؛ إذْ لا ينجو إلا مَنْ أتى الله بقلبٍ سليمٍ .
ـدة
(١) رواه الطبراني في ((الكبير)) (٣٦/٢٠)، وبنحوه رواه ابن ماجه (٣٩٨٩).
(٢) رواه مسلم (٩١)، والترمذي (١٩٩٨).
(٣) رواه أبو داوود (٤٩٠٣)، وابن ماجه (٤٢١٠).
02
(٤) رواه مسلم (٢٥٦٤) .
٦٤٢

ربع المهلكات
کتاب ذم الغرور
ومثالُ هؤلاءِ كبئرِ الحُشُ (١) ؛ ظاهرُها جصٌّ وباطنُها نَتْنٌ ، أَوْ كقبورِ
الموتى ؛ ظاهرُها مزيَّنٌ وباطنُها جيفةٌ، أَوْ كبيتٍ مظلمٍ باطنُهُ ؛ وُضِعَ السراجُ
على سطحِهِ فاستنارَ ظاهرُهُ وباطنُهُ مظلمٌ ، أَوْ كرجلٍ قصدَ ضيافةَ الملكِ ،
فدعاهُ إلى دارِهِ ، فخصَّصَ بابَ دارِهِ ، وتركَ المزابلَ في صدرِ دارِهِ !
ولا يخفى أنَّ ذلكَ غرورٌ .
بلْ أقربُ مثالٍ إليهِ رجلٌ زرعَ زرعاً ، فنبتَ ونبتَ معَهُ حشيشٌ يفسدُهُ ،
فأمرَ بتنقيةِ الزرع عنِ الحشيشِ بقلعِهِ مِنْ أصلِهِ ، فأخذَ يجزُّ رؤوسَهُ
وأطرافَهُ ، فلا تزالُ تقوى أصولُهُ وتنبتُ ؛ لأنَّ مغارسَ المعاصي هيَ
الأخلاقُ الذميمةُ في القلبِ ، فمَنْ لا يطهِّرُ القلبَ منها .. لا تتمُّ لهُ الطاعاتُ
الظاهرةُ إلا معَ الآفاتِ الكثيرةِ .
جر
بلْ هوَ كمريضٍ ظهرَ بهِ الجربُ وقدْ أُمِرَ بالطُّلَاءِ وشربِ الدواءِ ، فالطِّلَاءُ
ليزيلَ ما على ظاهرِهِ ، والدواءُ ليقطعَ ماذَّتَهُ مِنْ باطِهِ ، فقنعَ بالطِّلاءِ وتركَ
الدواءَ ، وبقيَ يتناولُ ما يزيدُ في المادةِ ، فلا يزالُ يطلي الظاهرَ والجربُ
دائمٌ بهِ ، يتفجَّرُ مِنَ المادةِ التي في الباطنِ .
وفرقةٌ أخرى علموا هذهِ الأخلاقَ الباطنةَ ، وعلموا أنَّها مذمومةٌ مِنْ جهةٍ
(١) الحشُّ - بضم الحاء المهملة ويفتح -: مكان قضاء الحاجة هنا، وفي الأصل يطلق على
البستان ، وبئره يحفر في الدار ضيق الرأس ، يتعهَّد بالتفريغ كلما امتلأ .
٦٤٣

کتاب ذم الغرور
ربع المهلكات
الشرع ، إلا أنَّهُمْ لعجْبِهِمْ بأنفسِهِمْ يظنُّونَ أنَّهُمْ منفُونَ عنها ، وأنَّهُمْ أرفعُ
عندَ اللهِ مِنْ أنْ يبتليَهُمْ بذلكَ ، وإنَّما يُبتلى بهِ العوامُ دونَ مَنْ بلغَ مبلغَهُمْ في
العلمِ، فأمَّا هوَ .. فأعظمُ عندَ اللهِ مِنْ أنْ يبتليَهُ، ثمَّ إذا ظهرَ عليهِ مخايلُ الكِبْرِ(١)
والرئاسةِ وطلبِ العلوِّ والشرفِ .. قالَ: ما هذا كبْرٌ، وإنما هوَ طلبُ عزِّالدينِ،
وإظهارُ شرفِ العلمِ ، ونصرةُ دينِ اللهِ ، وإِرغامُ أنفِ المخالفينَ مِنَ المبتدعينَ،
فإنِّي لوْ لبستُ الدونَ مِنَ الثيابِ، وجلستُ في الدونِ مِنَ المجالسِ .. لِشَمِتَ بي
أعداءُ الدينِ وفرحوا بذلكَ، وكانَ ذلِّي ذلاً على الإِسلام !
ونسيَ المغرورُ أنَّ عدوَّهُ الذي حذَّرَهُ منهُ مولاءُ هوَ الشيطانُ، وأنَّهُ يفرحُ بما
يفعلُهُ ويسخرُ منهُ، وينسى أنَّ النبيَّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ بماذا نصرَ الدينَ ،
وبماذا أرغمَ الكافرينَ ، وينسىُ ما رُوِيَ عَنِ الصحابةِ مِنَ التواضع والتبذُّلِ ،
والقناعةِ بالفقرِ والمسكنةِ ، حتَّى عُوتبَ عمرُ رضيَ اللهُ عنهُ في بذاذةِ زِيِّهِ عندَ
قدومِهِ إلى الشام ، فقالَ: ( إنَّا قومٌ أعزَّنا اللهُ بالإسلام ؛ فلا نطلبُ العزَّ في
غيرِهِ)(٢) .
جة
ثمَّ هذا المغرورُ يطلبُ عزَّ الدينِ بالثيابِ الرقيقةِ مِنَ القصبِ والدَّيْبَقيِّ
والإبريسمِ المحرَّم والخيولِ والمراكبِ ، ويزعمُ أنَّهُ يطلبُ بهِ عزَّ العلمِ
وشرفَ الدينِ .
ـحة:
(١) في (ب): ( فأما هم .. فأعظم عند الله من أن يبتليهم بمثل ذلك ثم إذا ظهر على
أحدهم مخايل الكبر ... ) .
(٢) رواه الحاكم في ((المستدرك)) (١/ ٦١).
٦٤٤
O

ربع المهلكات
كتاب ذم الغرور
وكذلكَ مهما أطلقَ اللسانَ بالحسدِ في أقرانِهِ ، أَوْ فيمَنْ ردَّ عليهِ شيئاً مِنْ
كلامِهِ .. لمْ يظنَّ بنفسِهِ أنَّ ذلكَ حسدٌ، ولكنْ قالَ: إنَّما هذا غضبٌ
للحقِّ ، وردٌّ على المبطلِ في عدوانِهِ وظلمِهِ ، ولمْ يظنَّ بنفسِهِ الحسدَ ،
حتَّى يعتقدُ أنَّهُ لَوْ طُعِنَ في غيرِهِ مِنْ أهلِ العلمِ أوْ مُنِعَ غيرُهُ مِنْ رئاسةٍ وزُوحمَ
فيها .. هلْ كانَ غضبُهُ وعداوتُهُ مثلَ غضبه الآنَ فيكونَ غضبُهُ اللهِ؟ أمْ
لا يغضبُ مهما طُعِنَ في عالمٍ آخرَ ومُنِعَ، بلْ ربَّما يفرحُ بهِ فيكونَ غضبُهُ
لنفسِهِ ، وحسدُهُ لأقرانِهِ مِنْ خبثٍ باطنِهِ ؟
وهكذا يرائي بأعمالِهِ وعلومِهِ، وإذا خطرَ لهُ خاطرُ الرياءِ .. قالَ : هيهاتَ !
إنَّما غرضي مِنْ إظهارِ العلمِ والعملِ اقتداءُ الخلقِ بي ؛ ليهتدوا إلى دينِ اللهِ
تعالى، ويتخلَّصوا مِنْ عقابِ اللهِ تعالى ، ولا يتأملُ المغرورُ أنَّهُ ليسَ يفرحُ
باقتداءِ الناسِ بغيرِهِ كما يفرحُ باقتدائِهِمْ بهِ ، فلوْ كانَ غرضُهُ صلاحَ الخلقِ ..
الفرحَ بصلاحِهِمْ على يدِ مَنْ كانَ؛ كمَنْ لهُ عبيدٌ مرضى يريدُ معالجتَهُمْ؛ فإِنَّهُ
لا يفرِّقُ بينَ أنْ يحصلَ شفاؤُهُمْ على يدِهِ أوْ علی یدِ طبیبٍ آخرَ .
وربّما يُذكرُ لهُ هذا، فلا يخلِّيهِ الشيطانُ أيضاً ، ويقولُ : إنَّما ذلكَ
لأنَّهُمْ إذا اهتدَوا بي .. كانَ الأجرُ لي والثوابُ لي ، وإنَّما فرحي بثوابِ اللهِ ،
لا بقبولِ الخلقِ قولي، هذا ما يظنُّه بنفسِهِ، واللهُ مطّلعٌ مِنْ ضميرِهِ على أنَّهُ
لوْ أخبرَهُ نبيٌّ بأنَّ ثوابَهُ في الخمولِ وإخفاءِ العلمِ أكثرُ مِنْ ثوابِهِ في الإظهارِ ،
وحُبِسَ معَ ذلكَ في سجنٍ ، وقُيِّدَ بالسلاسلِ .. لاحتالَ في هدمِ السجنِ وحلِّ
٦٤٥

کتاب ذم الغرور
السلاسلِ ؛ حتَّى يرجعَ إلى موضعِهِ الذي به تظهرُ رئاستُهُ ، مِنْ تدريسٍ أَوْ
وعظٍ أوْ غيرِهِ .
ث
وكذلكَ يدخلُ على السلطانِ ويتودَّدُ إليهِ ، ويثني عليهِ ويتواضعُ لهُ، وإذا
خطرَ لهُ أنَّ التواضعَ للسلاطينِ الظلمةِ حرامٌ .. قالَ لهُ الشيطانُ: هيهاتَ !
إنَّما ذلكَ عندَ الطمع في مالِهِمْ، فأمَّا أنتَ .. فغرضُكَ أنْ تشفعَ للمسلمينَ ،
وتدفعَ الضررَ عنْهُمْ ، وتدفعَ شرَّ أعدائِكَ عنْ نفسِكَ، واللهُ يعلمُ مِنْ بَاطِنِهِ أنَّهُ
لوْ ظهرَ لبعضٍ أقرانِهِ قبولٌ عندَ ذلكَ السلطانِ، فصارَ يشفْعُهُ في كلِّ مسلمٍ ،
حتَّى دفعَ الضررَ عنْ جميع المسلمينَ .. ثقلَ ذلكَ عليهِ، ولَوْ قدرَ على أنْ
يقبّحَ حالَهُ عندَ السلطانِ بالطعنِ فيهِ والكذبِ عليهِ .. لفعلَ .
وكذلكَ قدْ ينتهي غرورُ بعضِهِمْ إلى أنْ يأخذَ مِنْ مالِهِمْ، فإذا خطرَ لهُ أنَّهُ
حرامٌ . . قالَ لهُ الشيطانُ : هذا مالٌ لا مالِكَ لهُ، وهوَ لمصالح المسلمينَ ،
وأنتَ إمامُ المسلمينَ وعائمُهُمْ، وبكَ قوامُ الدينِ ، أفلا يحلُّ لكَ أنْ تأخذَ
منهُ بقدر حاجتِكَ ، فيغتُّ بهذا التلبيسِ في ثلاثةِ أمورٍ :
من
طن
-ش .. جن جن كن حن
ن
أحدُها : في أنَّهُ مالٌ لا مالكَ لَهُ؛ فإنَّهُ يعرفُ أنَّهُ يأخذُ الخراجَ مِنَ
المسلمينَ وأهلِ السوادٍ ، والذينَ أخذَ منهُمْ أحياءٌ قيامٌ، وأولادُهُمْ وورثتُهُمْ
أحياءٌ، وغايةُ الأمرِ وقوعُ الخلطِ في أموالِهِمْ، ومَنْ غصبَ مئةَ دينارٍ مِنْ
عشرةٍ أنفسٍ وخلطَها بمالٍ نفسِهِ .. فلا خلافَ في أنَّهُ مالٌ حرامٌ ، ولا يُقالُ :
هوَ مالٌ لا مالكَ لهُ، ويجبُ أنْ يقسمّهُ بينَ العشرةِ ويردّ إلى كلِّ واحدٍ عُشرَهُ
٦٤٦
ربع المهلكات
حن
حر
جــ
من

ربع المهلكات
کتاب ذم الغرور
وإنْ كانَ مالُ كلِّ واحدٍ قِدِ اختلطَ بالآخرِ .
الثاني : في قولِهِ: إنَّهُ مِن مصالح المسلمينَ، وبكَ قوامُ الدينِ ، ولعلَّ
الذينَ فسدَ دِينُهُمْ واستحلُّوا أموالَ السلاطينِ ، ورغبوا في طلبِ الدنيا ،
والإِقبالِ على الرئاسةِ، والإِعراضِ عنِ الآخرةِ بسببهِ .. أكثرُ مِنَ الذينَ زهدوا
في الدنيا ورفضوها وأقبلوا على اللهِ، فهوَ على التحقيقِ دَجَّالُ الدينِ ، وقوامُ
مذهبِ الشياطينِ ، لا إمامُ الدينِ ؛ إذِ الإمامُ هوَ الذي يُقتدى بهِ في الإعراضٍ
عنِ الدنيا والإقبالِ على اللهِ تعالى؛ كالأنبياءِ عليهِمُ السلامُ والصحابةِ وعلماءِ
السلفِ، والدجَّالُ هوَ الذي يُقتدى بهِ في الإعراضِ عنِ اللهِ والإقبالِ على
الدنيا ، فلعلَّ موتَ هذا أنفعُ للمسلمينَ مِنْ حياتِهِ، وهوَ يزعمُ أَنَّهُ قوامُ الدينِ ،
ومثلُهُ كما قالَ عيسى عليه السلامُ: ( العالمُ السوءُ كصخرةٍ وقعَتْ في فمِ
الوادي ، فلا هيَ تشربُ الماءَ، ولا هيَ تتركُ الماءَ يخلصُ إلى الزرع) (١).
وأصنافُ غرورِ أهلِ العلمِ في هذهِ الأعصارِ المتأخرةِ خارجةٌ عنِ
الحصرِ ، وفيما ذكرناهُ تنبية بالقليلِ على الكثيرِ .
#
وفرقةٌ أخرى أحكموا العلومَ ، وطهَّروا الجوارحَ ، وزيَّنوها بالطاعاتِ ،
واجتنبوا ظاهرَ المعاصي ، وتفقّدوا أخلاقَ النفسِ وصفاتِ القلبِ ؛ مِنَ
الرياءِ والحسدِ والحقدِ والكبرِ وطلبِ العلوِّ، وجاهدوا أنفسَهُمْ في التبرِّي
(١) قوت القلوب (١٤١/١ ).
بشرة
ت.
٦٤٧

كتاب ذم الغرور
ربع المهلكات
منها ، وقلعوا مِنَ القلوبِ منابتَها الجليَّةَ القويَّةَ، ولكنَّهُمْ بعدُ مغرورونَ ؛ إذْ
بقيَتْ في زوايا القلبِ مِنْ خفايا مكايدِ الشيطانِ وخبايا خداع النفسِ ما دَقَّ
وغمُض مدركُهُ ، فلمْ يفطنوا لها وأهملوها .
وإنَّما مثالُهُ مثالُ مَنْ يريدُ تنقيةَ الزرعِ مِنَ الحشيشِ ، فدارَ عليهِ ، وفَّشَ
عنْ كلِّ حشيشٍ رآهُ فقلعَهُ ، إلا أنَّهُ لمْ يفتِّشْ عمَّا لمْ يخرجْ رأسُهُ بعدُ مِنْ تحتِ
الأرضِ ، وظنَّ أنَّ الكلَّ قدْ ظهرَ وبرزَ ، وكانَ قدْ نبتَ مِنْ أصولِ الحشيشِ
شُعَبٌ لِطافٌ، فانبسطَتْ تحتَ الترابِ ، فأهملَها وهوَ يظنُّ أنَّهُ قدْ قلعَها
وطهَّرَها ، فإذا هوَ بها في غفلتِهِ وقدْ نبتَتْ وقويَتْ ، وأفسدَتْ أصولَ الزرع
مِنْ حيثُ لا يدري ، فكذلكَ العالمُ قَدْ يفعلُ جميعَ ذلكَ ، ويذهلُ عنِ
المراقبةِ للخفايا ، والتفقُّدِ للدقائقِ ، فتراهُ يسهرُ ليلَهُ ويتعبُ نهارَهُ في جمع
العلومِ وترتيبِها ، وتحسينِ ألفاظِها وجمعِ التصانيفِ فيها ، وهوَ يرى أنَّ
باعثَهُ الحرصُ على إظهارِ دينِ اللهِ ونشرِ شريعتِهِ ، ولعلَّ باعثَهُ الخفيَّ هوَ
طلبُ الذكرِ ، وانتشارُ الصيتِ في الأطرافِ ، وكثرةُ الرحلةِ إليهِ مِنَ الآفاقِ ،
وانطلاقُ الألسنةِ عليهِ بالثناءِ والمدحِ بالزهدِ والورعِ والعلمِ ، والتقديمُ لهُ في
المهمَّاتِ ، وإيثارُهُ في الأغراضِ ، والاجتماعُ حولَهُ للاستفادةِ ، والتلذُّذُ
بحسنِ الإصغاءِ عندَ حسنِ اللفظِ والإيرادِ ، والتمتعُ بتحريكِ الرؤوسِ إلى
كلامِهِ ، والبكاءُ عليهِ ، والتعجبُ منهُ ، والفرحُ بكثرةِ الأصحابِ والأتباعِ
والمستفيدينَ ، والسرورُ بالتخصُّصِ بهذهِ الخاصيّةِ مِنْ بينِ سائرِ الأقرانِ
والأشكالِ ، للجمع بينَ العلمِ والورعِ وظاهرِ الزهدِ ، والتمكنِ بهِ مِنْ إطلاقٍ
ـدة
٦٤٨

ربع المهلكات
كتاب ذم الغرور
لسانِ الطعنِ في الكافَّةِ المقبلينَ على الدنيا ، لا عنْ تفجُّع بمصيبةِ الدينِ ،
ولكنْ عنْ إدلالٍ بالتمييزِ ، واعتدادٍ بالتخصيصِ .
ولعلَّ هذا المسكينَ المغرورَ حياتُهُ في الباطنِ بما انتظمَ لهُ مِنْ أمرٍ
وإمارةٍ ، وعزِّ وانقيادٍ ، وتوقيرٍ وحسنِ ثناءٍ ، فلوْ تغيَّرَتْ عليهِ القلوبُ ،
واعتقدوا فيهِ خلافَ الزهدِ بما يظهرُ مِنْ أعمالِهِ .. فعساهُ يتشوَّشُ عليهِ قلبُهُ ،
وتختلطُ عليهِ أورادُهُ ووظائفُهُ .
وعساهُ يعتذرُ بكلِّ حيلةٍ لنفسِهِ ، وربَّما يحتاجُ إلى أنْ يكذبَ في تغطيةٍ
عيبهِ ، وعساهُ يؤثرُ بالكرامةِ والمراعاةِ مَنِ اعتقدَ فيهِ الزهدَ والورعَ وإنْ كانَ قدِ
اعتقدَ فيهِ فوقَ قدرِهٍ ، وينبو قلبُهُ عمَّنْ عرفَ حدَّ فضلِهِ وورعِهِ وإنْ كانَ ذلكَ
علىْ وَفْقِ حالِهِ .
وعساهُ يؤثرُ بعضَ أصحابِهِ على بعضٍ وهوَ يرى أنَّهُ يؤثرُهُ لتقدُّمِهِ في
الفضلِ والورع ، وإنَّما ذلكَ لأنَّهُ أطوعُ لهُ وأتبعُ لمرادِهِ ، وأكثرُ ثناءً عليهِ
وأشدُّ إصغاءَ إليهِ، وأحرصُ على خدمتِهِ ، ولعلَّهُمْ يستفيدونَ منهُ ،
ويرغبونَ في العملِ ، وهوَ يظنُّ أنَّ قبولَهُمْ لهُ لإخلاصِهِ وصدقِهِ ، وقيامِهِ بحقِّ
علمِهِ ، فيحمدُ اللهَ تعالى على ما يسَّرَ على لسانِهِ مِنْ منافع خلقِهِ ، ويرى أنَّ
ذلكَ مكفِّرٌ لذنوبِهِ ، ولمْ يتفقَّدْ معَ نفسِهِ تصحيحَ النيةِ فيهِ .
وعساهُ لوْ وُعِدَ بمثلِ ذلكَ الثوابِ في إيثارِ الخمولِ والعزلةِ وإخفاءِ
العلمِ .. لمْ يرغبْ فيهِ ؛ لفقدِهِ في العزلةِ ، ولاختفاءِ لذةِ القبولِ وعزِّ
٦٤٩

کتاب ذم الغرور
ربع المهلكات
ـحن
الرئاسةِ، ولعلَّ مثلَ هذا هوَ المرادُ بقولِ الشيطانِ : مَنْ زعمَ مِنْ بني آدمَ أنَّهُ
بعلمِهِ امتنعَ مِنِّي .. فبجهلِهِ وقعَ في حبائلي(١) .
*G
وعساهُ يصنِّفُ ويجتهدُ فيهِ (٢)، ظاناً أنَّهُ يجمعُ علمَ اللهِ ليُنتفعَ بهِ ، وإنَّما
يريدُ بهِ استطارةَ اسمِهِ بحسنِ التصنيفِ ، فلوِ اذَّعى مُدَّع تصنيفَهُ ، ومحا عنهُ
اسمَهُ ، ونسبَهُ إلى نفسِهِ .. ثقُلَ ذلكَ عليهِ ، معَ علمِهِ بأنَّ ثوابَ الاستفادةِ مِنَ
التصنيفِ إنَّما يرجعُ إلى المصنّفِ، واللهُ عالمٌ بأنَّهُ هوَ المصنِّفُ لا مَنِ
ادَّعاهُ .
ولعلَّهُ في تصنيفِهِ لا يخلو مِنَ الثناءِ على نفسِهِ ، إمَّا صريحاً بالدعاوى
الطويلةِ العريضةِ ، وإمَّا ضمناً بالطعنِ في غيرِهِ ؛ ليستبينَ مِنْ طعنِهِ في غيرِهِ
أنَّهُ أفضلُ ممَّنْ طعنَ فيهِ وأعظمُ منهُ علماً ، ولقدْ كانَ في غُنيةِ عنِ الطعنِ
فيهِ ، ولعلَّهُ يحكي مِنَ الكلام المزيفِ ما يزيدُ تزييفَهُ فيعزوهُ إلى قائِلِهِ ،
وما يستحسنُهُ لعلَّهُ لا يعزوهُ إليهِ ؛ ليظنَّ أنَّهُ مِنْ كلامِهِ ، فينقلُهُ بعينِهِ كالسارقِ
لهُ ، أَوْ يغيِّرُهُ أدنى تغييرٍ ؛ كالذي يسرقُ قميصاً مِنْ غيرِهِ فيتخذُهُ قَبَاءَ حتَّى
لا يُعرفَ أنَّهُ مسروقٌ، ولعلَّهُ يجتهدُ في تزيينِ ألفاظِهِ ، وتسجیعِهِ وتحسینِ
نظمِهِ ؛ كيْ لا ينسبَ إلى الركاكةِ ، ويرى أنَّ غرضَهُ ترويجُ الحكمةِ وتحسينُها
وتزيينُها ؛ ليكونَ أقربَ إلى نفعِ الناسِ ، وعساهُ غافلٌ عما رُويَ أنَّ بعضَ
الحكماءِ وضعَ ثلاثَ مئةِ مصحفٍ في الحكمةِ ، فأوحى اللهُ تعالى إلى
ـكن
حن
(١) رواه أبو نعيم في ((الحلية)) (٣١٧/٩) عن أبي عبد الله الساجي.
(٢) أي: في تصنيفه. ((إتحاف)) (٤٥٣/٨).
حن
٦٥٠

ربع المهلكات
كتاب ذم الغرور
نبيِّ زمانِهِ : قلْ لهُ: قدْ ملأتَ الأرضَ نفاقاً ، وإنِّي لا أقبلُ مِنْ نفاقِكَ
شيئاً(١).
ولعلَّ جماعةً مِنْ هذا الصنفِ مِنَ المغترينَ إذا اجتمعوا .. ظنَّ كلُّ واحدٍ
بنفسِهِ السلامةَ عنْ عيوبِ القلبِ وخفاياهُ ، فلوِ افترقوا واتَّبَعَ كلُّ واحدٍ مِنْهُمْ
فرقةً مِنْ أصحابِهِ .. نظرَ كلُّ واحدٍ منهُمْ إلى كثرةٍ مَنْ يتبعُهُ ، وأنَّهُ أكثرُ تبعاً أمْ
غيرُهُ ، فيفرحُ إنْ كانَ أتباعُهُ أكثرَ وإنْ علمَ أنَّ غيرَهُ أحقُّ بكثرةِ الأتباعِ منهُ ،
ثمَّ إذا تفرَّقوا واشتغلوا بالإفادةِ .. تغايروا وتحاسدوا .
3
ولعلَّ مَنْ يختلفُ إلى واحدٍ منهُمْ إذا انقطعَ عنهُ إلى غيرِهِ . . ثقُلَ على قلبِهِ
ووجدَ في نفسِهِ نفرةً منهُ، فبعدَ ذلكَ لا يهتزُّ باطنُهُ لإكرامِهِ ، ولا يتشمَّرُ
لقضاءِ حوائجِهِ كما كانَ يتشمَّرُ مِنْ قبلُ ، ولا يحرصُ على الثناءِ عليهِ كما كانَ
يثني ، معَ علمِهِ بأنَّهُ مشغولٌ بالاستفادةِ ، ولعلَّ التحيّزَ منهُ إلى فئةٍ أخرى كانَ
أنفعَ لهُ في دينِهِ ؛ لآفةٍ مِنَ الآفاتِ كانَتْ تلحقُهُ في هذهِ الفئةِ ، وسلامتِهِ منها
في تلكَ الفئةِ ، ومعَ ذلكَ لا تزولُ النفرةُ عنْ قلِهِ .
ولعلَّ واحداً منهُمْ إذا تحرَّكَتْ فيهِ مبادي الحسدِ .. لمْ يقدرْ على
إظهارِهِ ، فيتعلَّلُ بالطعنِ في دينِهِ وفي ورعِهِ ؛ ليحملَ غضبَهُ على ذلكَ ،
ويقولُ : إنَّما غضبتُ لدينِ اللهِ لا لنفسي ، ومهما ذُكرَتْ عيوبُهُ بينَ يديهِ ..
ربَّما فرحَ بهِ ، وإنْ أَثْنيَ عليهِ .. ربَّما ساءَهُ وكرهَهُ، وربَّما قطَّبَ وجهَهُ إذا
(١) قوت القلوب (٢٣٣/٢).
٦٥١
ـة

كتاب ذم الغرور
ربع المهلكات
ذُكرَتْ عيوبُهُ(١) ، يظهرُ أنَّهُ كارهٌ لغيبةِ المسلمينَ وسرُّ قلبهِ راضٍ بهِ ومريدٌ
لهُ، والله مُطَّلِعٌ عليهِ في كلِّ ذلكَ .
فهذا وأمثالُهُ مِنْ خفايا العيوبِ لا يفطنُ لهُ إلا الأكياسُ، ولا يتنزَّهُ منهُ
إلا الأقوياءُ ، ولا مطمعَ فيهِ لأمثالِنا مِنَ الضعفاءِ ، إلا أنَّ أقلَّ الدرجاتِ أنْ
يعرفَ الإنسانُ عيوبَ نفسِهِ ، ويسوءَهُ ذلكَ ويكرهَهُ ، ويحرصَ على
إصلاحِهِ ، فإذا أرادَ اللهُ بعبدٍ خيراً .. بصَّرَهُ بعيوبِ نفسِهِ ، ومَنْ سرَّتُهُ حسنتُهُ
وساءَتْهُ سيئتُهُ .. فهوَ مرجوُ الحالِ ، وأمرُهُ أقربُ مِنَ المغرورِ المزكِّي
لنفسِهِ ، الممتنُّ على اللهِ بعملِهِ وعلمِهِ، الظانِّ أنَّهُ مِنْ خيارِ خلقِهِ ، فنعوذُ
باللهِ مِنَ الغفلةِ والاغترارِ ، ومِنَ المعرفةِ بخفايا العيوبِ معَ الإهمالِ .
٧
هذا غرورُ الذينَ حصَّلوا العلومَ المهمَّةَ ، ولكنْ قصَّروا في العملِ
بالعلمِ .
ولنذكرِ الآنَ غرورَ الذينَ قنعوا مِنَ العلومِ بما لمْ يهمَّهُمْ، وتركوا المهمَّ
وهمْ بهِ مغتُّونَ ؛ إما لاستغنائِهِمْ عنْ أصلِ ذلكَ العلمِ، وإمَّا لاقتصارِهِمْ
عليهِ .
فمنهُمْ فرقةٌ اقتصروا على علمِ الفتاوى في الحكوماتِ والخصوماتِ ،
وتفاصيلِ المعاملاتِ الدنيويةِ الجاريةِ بينَ الخلقِ لمصالحِ المعاشِ ،
(١) أي : عيوب المحسود .
٦٥٢

کتاب ذم الغرور
ربع المهلكات
وخصَّصوا اسمَ الفقهِ بها ، وسمَّوهُ الفقهَ وعلمَ المذهبِ ، وربَّما ضيعوا معَ
ذلكَ الأعمالَ الظاهرةَ والباطنةَ ؛ فلمْ يتفقَّدوا الجوارحَ ، ولمْ يحرسوا اللسانَ
عنِ الغيبةِ ، ولا البطنَ عنِ الحرامِ ، ولا الرجلَ عن المشي إلى السلاطينِ ،
وكذا سائرُ الجوارحِ ، ولمْ يحرسوا قلوبَهُمْ عنِ الكبرِ والحسدِ والرياءِ وسائرٍ
المهلكاتِ ، فهؤلاءِ مغرورونَ مِنْ وجهينِ : أحدُهُما مِنْ حيثُ العملُ ،
والآخرُ مِنْ حيثُ العلمُ .
أمَّا العملُ .. فقدْ ذكرنا وجهَ الغرورِ فيهِ ، وأنَّ مثالَهُمْ مثالُ المريض إذا
تعلَّمَ نسخةَ الدواءِ ، واشتغلَ بتكرارِهِ وحفظِهِ وتعليمِهِ ، لا بلْ مثالُهُمْ مثالُ
مَنْ بهِ علَّةُ البواسيرِ والبرسام وهوَ مشرفٌ على الهلاكِ، ومحتاجٌ إلى تعلُّم
الدواءِ واستعمالِهِ ، فاشتغلَ بتعلُّمِ دواءِ الاستحاضةِ ، وتكرارِ ذلكَ ليلاً
ونهاراً ، معَ علمِهِ بأنَّهُ رجلٌ لا يحيضُ ولا يُستحاضُ ، ولكنْ يقولُ : ربَّما
تقعُ علَّةُ الاستحاضةِ لامرأةٍ وتسألُني عنهُ ، وذلكَ غايةُ الغرورِ ، فكذلكَ
المتفقِّهُ المسكينُ قدْ تسلَّطَ عليهِ حتُّ الدنيا ، واتباعُ الهوى والشهواتِ
والحسدِ والكبرِ والرياءِ وسائرِ المهلكاتِ الباطنةِ ، وربَّما يختطفُهُ الموتُ قبلَ
التوبةِ والتلافي ، فيلقى اللهَ وهوَ عليهِ غضبانُ ، فتركَ ذلكَ كلَّهُ واشتغلَ بعلمٍ
السلَمِ والإجارةِ ، والظهارِ واللعانِ ، والجراحاتِ والدياتِ ، والدعاوى
والبيناتِ ، وبكتاب الحيضِ ، ولا يحتاجُ إلى شيءٍ مِنْ ذلكَ قطُّ في عمرِهِ
لنفسِهِ، وإذا احتاجَ غيرُهُ .. كانَ في المفتينَ كثرةٌ ، فيشتغلُ بذلكَ ويحرصُ
عليهِ ؛ لما فيهِ مِنَ الجاهِ والمالِ والرئاسةِ ، وقدْ دهاهُ الشيطانُ وما يشعرُ ؛ إذْ
٦٥٣

كتاب ذم الغرور
ربع المهلكات
يظنُّ المسكينُ المغرورُ بنفسِهِ أنَّهُ مشغولٌ بفرضٍ دينِهِ ، وليسَ يدري أنَّ
الاشتغالَ بفرضِ الكفايةِ قبلَ الفراغِ مِنْ فرضِ العينِ معصيةٌ ، هذا لوْ كانَتْ
نيَتُهُ صحيحةً كما قالَ ، وكانَ قدْ قصدَ بالفقهِ وجهَ اللهِ تعالى ، فإنَّهُ وإنْ قصدَ
وجهَ اللهِ . . فهوَ باشتغالِهِ بهِ معرضٌ عنْ فروضٍ عينِهِ في جوارحِهِ وقلبِهِ ،
فهذا غرورُهُ مِنْ حيثُ العملُ .
وأمَّا غرورُهُ مِنْ حيثُ العلمُ . . فحيثُ اقتصرَ على علم الفتاوى ، وظنَّ أنَّهُ
علمُ الدينِ ، وتركَ علمَ كتابِ اللهِ وسنةِ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ ،
وربَّما طعنَ على المحدِّثينَ، وقالَ : إِنَّهُمْ نَقَلةُ أخبارِ ، وحَمَلةُ أسفارٍ
لا يفقهونَ ما فيها، وتركَ أيضاً علمَ تهذيبِ الأخلاقِ ، وتركَ الفقهَ عنِ اللهِ
تعالى بإدراكِ جلالِهِ وعظمتِهِ ، وهوَ العلمُ الذي يورثُ الخوفَ والهيبةَ
والخشوعَ ، ويحملُ على التقوى ، فتراهُ آمناً مِنَ اللهِ ، مغترّاً بهِ ، مثَّكلاً على
أنَّهُ لا بدَّ وأنْ يرحمَهُ ، فإِنَّهُ قوامُ دِينِهِ ، وإنَّهُ لوْ لمْ يشتغلْ بالفتاوى .. لتعطَّلَ
الحلال والحرامُ ، فقدْ تركَ العلومَ التي هيَ أهمُّ وهوَ غافلٌ مغرورٌ ، وسببُ
غرورِهِ ما سمعَ في الشرعِ مِنْ تعظيمِ الفقهِ ، ولمْ يدرِ أنَّ ذلكَ الفقهَ هوَ الفقهُ
عنِ اللهِ ، ومعرفةُ صفاتِهِ المَخُوفَةِ والمرجوةِ ؛ ليستشعرَ القلبُ الخوفَ
ويلازمَ التقوى؛ إذْ قالَ تعالى: ﴿فَلَوْلَا نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَآئِفَةٌ لِّيَنَفَقَّهُواْ
فِي الدِّينِ وَلِيُنذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوْ إِلَتِهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ﴾، والذي يحصلُ بهِ
الإنذارُ غيرُ هذا العلم ؛ فإنَّ مقصودَ هذا العلم حفظُ الأموالِ بشروطٍ
المعاملاتِ ، وحفظَ الأبدانِ بالأموالِ ويدفع القتلِ والجراحاتِ ، والمالُ في
٦٥٤

ربع المهلكات
كتاب ذم الغرور
طريقِ اللهِ آلةٌ ، والبدنُ مركبٌ، وإنَّما العلمُ المهمُّ هوَ معرفةُ سلوكِ الطريقِ ،
وقطعُ عقباتِ القلبِ التي هيَ الصفاتُ المذمومةُ ، فهيَ الحجابُ بينَ العبدِ
وبينَ اللهِ تعالى ، وإذا ماتَ ملوَّثاً بتلكَ الصفاتِ .. كانَ محجوباً عنِ اللهِ ،
فمثالُهُ في الاقتصارِ على علمِ الفقهِ مثالُ مَنِ اقتصرَ مِنْ سلوكِ طريقِ الحِجِّ
على علمٍ خرزِ الراويةِ والخفِّ، ولا شكَّ في أنَّهُ لوْ لمْ يكنْ ... لتعطَّلَ
الحجُّ ، ولكنَّ المقتصرَ عليهِ ليسَ مِنَ الحجِّ في شيءٍ ، وقدْ ذكرنا شرحَ ذلكَ
في كتابِ العلمِ .
ومِنْ هؤلاءِ مَنِ اقتصرَ مِنْ علمِ الفقهِ على الخلافياتِ ، ولمْ يهُّهُ إلا تعلُّمُ
طريقِ المجادلةِ والإلزامِ وإفحامِ الخصومِ ودفع الحقِّ ؛ لأجلِ الغلبةِ
والمباهاةِ ؛ فهوَ طولَ الليلِ والنهارِ في التفتيشِ عنْ مناقضاتِ أربابٍ
المذاهبِ ، والتفقّدِ لعيوبِ الأقرانِ ، والتلقفِ لأنواع التسبيباتِ المؤذيةِ ،
وهؤلاءِ همْ سباعُ الإِنسِ ، طبعُهُمُ الإيذاءُ ، وهمُهُمُ السفَهُ ، ولا يقصدونَ
العلمَ إلا لضرورةٍ ما يلزمُهُمْ لمباهاةِ الأقرانِ ، فكلُّ علمٍ لا يحتاجونَ إليهِ في
المباهاةِ ؛ كعلمِ القلبِ ، وعلمٍ سلوكِ الطريقِ إلى اللهِ تعالى ، بمحوٍ
الصفاتِ المذمومةِ ، وتبدِيلِها بالمحمودةِ .. فإنَّهُمْ يستحقرونَهُ، ويسُّونَهُ
التزويقَ وكلامَ الوَّاظِ ، وإنَّما التحقيقُ عندَهُمْ معرفةُ تفاصيلِ العربدةِ التي
تجري بينَ المتصارعينَ في الجدلِ ، وهؤلاءٍ قدْ جمعوا ما جمعَهُ الذينَ مِنْ
قبلِهِمْ في علمِ الفتاوى ، لكنْ زادوا إِذِ اشتغلوا بما ليسَ مِنْ فروضِ الكفاياتِ
أيضاً ، بلْ جميعُ دقائقِ الجدلِ في الفقهِ بدعةٌ لمْ يعرفُها السلفُ .
ـص!
٦٥٥

كتاب ذم الغرور
ربع المهلكات
وأمَّا أدلةُ الأحكام .. فيشتملُ عليها علمُ المذهبِ، وهوَ كتابُ اللهِ وسنةٌ
رسولِهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ وفهمُ معانيهِما، وأمَّا حِيَلُ الجدلِ؛ مِنَ الكسرِ والقلبِ
وفسادِ الوضع والتركيبِ والتعديةِ .. فإنَّما أُبدِعَتْ لإظهارِ الغلبةِ والإفحام،
وإقامةِ سوقِ الجدلِ بها ، فغرورُ هؤلاءِ أشدُّ كثيراً وأقبحُ مِنْ غرورِ مَنْ قبلَهُمْ .
وفرقةٌ أخرى اشتغلوا بعلمِ الكلام والمجادلةِ في الأهواءِ ، والردِّ على
المخالفينَ ، وتنبُّع مناقضاتِهِمْ ، واستكثروا مِنْ معرفةِ المقالاتِ المختلفةِ ،
واشتغلوا بتعلُّمِ الطُرقِ في مناظرةِ أولئكَ وإفحامِهِمْ ، وافترقوا في ذلكَ فرقاً
كثيرةً، واعتقدوا أنَّهُ لا يكونُ لعبدٍ عملٌ إلا بإيمانٍ ، ولا يصحُّ إيمانٌ إلا
بتعلُّمِ جدلِهِمْ وما قدْ سمَّوهُ أدلةَ عقائدِهِمْ، وظنُّوا أنَّهُ لا أحدَ أعرفُ باللهِ
وبصفاتِهِ منهُمْ، وأنَّهُ لا إِيمانَ لمَنْ لمْ يعتقدْ مذهبَهُمْ ولمْ يتعلَّمْ علمَهُمْ ،
ودعتْ كلُّ فرقةٍ منْهُمْ إلى نفسِهِا .
ثمَّ همْ فرقتانٍ : ضالَّةٌ ومحقَّةٌ ، فالضالَّةُ هي التي تدعو إلى غيرِ السنةِ ،
والمحقَّةُ هيَ التي تدعو إلى السنةِ ، والغرورُ شاملٌ لجميعِهِمْ :
أمّا الضالةُ .. فلغفلتِها عنْ ضلالتِها، وظنُّها بنفسِها النجاةَ، وهمْ فرقٌ
كثيرةٌ يكفِّرُ بعضُهُمْ بعضاً ، وإنَّما أُتِيَتْ مِنْ حيثُ إنَّها لمْ تتهمْ رأيَها ، ولمْ
تُحْكِمْ أَوَّلاً شروطَ الأدلّةِ ومنهاجَها ، فرأَتِ الشبهةَ دليلاً ، والدليلَ شبهةً .
وأمَّا الفرقةُ المحقّةُ .. فإنَّما اغترارُها مِنْ حيثُ إنَّها ظنَّتْ بالجدلِ أنَّهُ أهمٌ
٦٥٦

ربع المهلكات
کتاب ذم الغرور
الأمورِ ، وأفضلُ القرباتِ في دينِ اللهِ، وزعمَتْ أنَّهُ لا يتمُّ لأحدٍ دينُهُ ما لمْ
يفحصْ ولمْ يبحثْ، وأنَّ مَنْ صدَّقَ اللهَ ورسولَهُ مِنْ غيرِ بحثٍ وتحريرِ دليلٍ ..
فليسَ بمؤمنٍ ، أَوْ ليسَ بكاملِ الإيمانِ ولا مقربٍ عندَ اللهِ ، فلهذا الظنِّ الفاسدِ
قطعَتْ أعمارَها في تعلَّمِ الجدلِ ، والبحثِ عنِ المقالاتِ وهذياناتِ المبتدعةِ
ومناقضاتِهِمْ، وأهملَتْ أنفسَها وقلوبَها ، حتَّى عميَتْ عليها ذنوبُها وخطاياها
الظاهرةُ والباطنةُ ، وهيَ تظنُّ أن اشتغالَها بالجدلِ أولىُ وأقربُ عندَ اللهِ تعالى
وأفضلُ ، ولكنَّها لالتذاذِها بالغلبةِ والإِفحام ولذَّةِ الرئاسةِ وعزِّ الانتماءِ إلى
الذَّبِّ عنْ دِينِ اللهِ . . عميَتْ بصيرتُها ، فلمْ تلتفتْ إلى القرنِ الأولِ ، وأنَّ النبيَّ
صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ شهدَ لهُمْ بأنَّهُمْ خيرُ الخلقِ، وأنَّهُمْ قدْ أدركوا كثيراً مِنْ
أهلِ البدع والأهواءِ ، فما جعلوا أعمارَهُمْ ودينَهُمْ غرضاً للخصوماتِ
والمجادلاتِ ، وما اشتغلوا بذلكَ عنْ تفقَّدٍ قلوبِهِمْ وجوارحِهِمْ وأحوالِهِمْ ، بلْ
لمْ يتكلَّموا فيهِ إلا مِنْ حيثُ رأَوا حاجةً، وتوسّموا مخايلَ قبولٍ ، فذكروا بقدْرِ
الحاجةِ ما يدلُّ الضالَّ على ضلالتِهِ ، وإذا رأَوا مصرّاً على ضلالةٍ .. هجروهُ
وأعرضوا عنهُ، وأبغضوهُ في اللهِ ، ولمْ يلزموا الملاحَّةَ معَهُ طولَ العمرِ ، بلْ
قالوا : إنَّ الحقَّ هوَ الدعوةُ إلى السنةِ، ومِنَ السنةِ تركُ الجدلِ في الدعوةِ إلى
السنةِ؛ إذْ روى أبو أمامةَ عنِ النبيِّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ أنَّهُ قالَ: ((ما ضلَّ قومٌ
قطُّ بعدَ هدىّ كانوا عليهِ إلا أُوتوا الجدلَ))(١).
(١) رواه الترمذي ( ٣٢٥٣)، وابن ماجه (٤٨).
٦٥٧
ـحن

کتاب ذم الغرور
ربع المهلكات
وخرجَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ يوماً على أصحابِهِ وهمْ يتجادلونَ
ويختصمونَ ، فغضبَ عليهِمْ حتَّى كأنَّهُ فُقىءَ في وجهِهِ حبُّ الرمانِ حمرةً مِنَ
الغضبِ، فقالَ: ((ألهذا بُعثتُمْ أمْ بهذا أُمرتُمْ أنْ تضربوا كتابَ اللهِ بعضَهُ
ببعضٍ ؟! انظروا إلى ما أُمرتُمْ بهِ فاعملوا، وما نُهيْتُمْ عنهُ فانتهوا))(١).
فقدْ زجرَهُمْ عنْ ذلكَ ، وكانوا أولى خلقِ اللهِ بالحجاج والجدالِ .
ثُمَّ إِنَّهُمْ رَأَوا رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ وقدْ بُعثَ إلى كافَّةِ أهلِ
المللِ ، فلمْ يقعدْ معَهُمْ في مجلسٍ مجادلةٍ لإلزامِ وإفحامٍ وتحقيقِ حجَّةٍ
ودفعٍ سؤالٍ وإيرادٍ إلزامٍ فما جادلَهُمْ إلا بتلاوةِ القرآنِ المنزلِ عليهِمْ ، ولمْ
يزدْ في المجادلةِ عليهِ ؛ لأنَّ ذلكَ يشوشُ القلوبَ ، ويستخرجُ منها
الإشكالاتِ والشبهَ ، ثمَّ لا يَقدرُ على محوِها مِنْ قلوبِهِمْ، وما كانَ يعجزُ عنْ
مجادلتِهِمْ بالتقسيماتِ ودقائقِ الأقيسةِ ، وأنْ يعلُّمَ أصحابَهُ كيفيةَ الجدلِ
والإلزام ، ولكنَّ الأكياسَ وأهلَ الحزمِ لمْ يغترُّوا بههذا ، وقالوا : لوْ نجا
أهلُ الأرضِ وهلكنا .. لمْ تنفعْنا نجاتُهُمْ، ولوْ نجونا وهلكوا .. لمْ يضَّنا
هلاكُهُمْ، وليسَ علينا في المجادلةِ أكثرُ ممَّا كانَ على الصحابةِ معَ اليهودِ
والنصارى وأهلِ المللِ ، وما ضيَّعوا العمرَ بتحريرِ مجادلاتِهِمْ، فما لنا نضيّعُ
العمرَ ولا نصرفُهُ إلى ما ينفعُنا في يومٍ فقرِنا وفاقتِنا ؟ ولِمَ نخوضُ فيما
لا نأمنُ على أنفسِنا الخطأَ في تفاصيلِهِ ؟ ثمَّ نرى أنَّ المبتدعَ ليسَ يتركُ بدعتَهُ
(١) رواه ابن ماجه (٨٥).
ـدن
٦٥٨
حر
ـن:

ربع المهلكات
كتاب ذم الغرور
بجدالِهِ ، بلْ يزيدُهُ التعصبُ والخصومةُ تشدُّداً في بدعتِهِ ، فاشتغالي
بمخاصمةِ نفسي ومجادلتِها ، ومجاهدتِها لتتركَ الدنيا للآخرة أولى ، هذا
لو كنتُ لمْ أَنْهَ عنِ الجدلِ والخصومةِ ، فكيفَ وقدْ نُهيتُ عنهُ ؟! فكيفَ أدعو
إلى السنةِ بتركِ السنةِ ؟ فالأولىُ أنْ أتفقَّدَ نفسي ، وأنظرَ مِنْ صفاتِها
ما يبغضُهُ اللهُ تعالى وما يحبُّهُ ؛ لأننزَّهَ عمَّا يبغضُهُ وأتمسَّكَ بما يحبُّهُ .
2
وفرقةٌ أخرىُ اشتغلوا بالوعظِ والتذكيرِ ، وأعلاهُمْ رتبةً مَنْ يتكلَّمُ في
أخلاقِ النفسِ وصفاتِ القلبِ ؛ مِنَ الخوفِ ، والرجاءِ ، والصبرِ ،
والشكرِ ، والتوكلِ، والزهدِ ، واليقينِ ، والإخلاصِ ، والصدقِ ،
ونظائرِها ، وهمُ مغرورونَ يظنُّونَ بأنفسِهِمْ أَنَّهُمْ إذا تكلَّموا بهذهِ الصفاتِ
ودعَوُا الخلقَ إليها .. فقدْ صاروا موصوفينَ بهذهِ الصفاتِ ، وهمْ منفكونَ
عنها عندَ اللهِ تعالى ، إلا عنْ قدْرٍ يسيرٍ لا ينفكُّ عنهُ عوامُ المسلمينَ .
3
وغرورُ هؤلاءِ أشدُّ الغرورِ ؛ لأنَّهُمْ يُعجبونَ بأنفسِهِمْ غايةَ الإعجابِ ،
ويظُّونَ أنَّهُمْ ما تبخَروا في علمِ المحبةِ إلا وهمْ محبُّونَ للهِ ، وما قدروا على
تحقيقِ دقائقِ الإخلاصِ إلا وهمْ مخلصونَ ، وما وقفوا على خفايا عيوبِ
النفسِ إلا وهمْ عنها منزَّهونَ، ولولا أنَّهُ مقرَّبٌ عندَ اللهِ .. لما عرفَ معنى
القربِ والبعدِ ، وعلمَ السلوكِ إلى اللهِ ، وكيفيةَ قطع المنازلِ في طريقِ اللهِ ،
فالمسكينُ بهذهِ الظنونِ يرى أنَّهُ مِنَ الخائفينَ وهوَ آمَنٌ مِنَ اللهِ تعالى ، ويرى
٦٥٩

کتاب ذم الغرور
ربع المهلكات
أنَّهُ مِنَ الراجينَ وهوَ مِنَ المغترِّينَ المضيِّعينَ ، ويرى أنَّهُ من الراضينَ
بقضاءِ اللهِ وهوَ مِنَ الساخطينَ ، ويرى أنَّهُ مِنَ المتوكلينَ على اللهِ وهوَ مِنَ
المتَّكلينَ على العزِّ والجاهِ والمالِ والأسبابِ ، ويرى أنَّهُ مِنَ المخلصينَ وهوّ
مِنَ المرائينَ ، بلْ يصفُ الإخلاصَ فيتركُ الإخلاصَ في الوصفِ ، ويصفُ
الرياءَ ويذكرُهُ وهوَ يرائي بذكرِهِ ؛ ليعتقدَ فيهِ أنَّهُ لولا أنَّهُ مخلصٌ .. لما اهتدى
إلى دقائقِ الرياءِ ، ويصفُ الزهدَ في الدنيا لشدَّةِ حرصِهِ على الدنيا وقوةٍ
رغبتِهِ فيها ، فهوَ يظهرُ الدعاءَ إلى اللهِ وهوَ منهُ فارٌ ، ويخوِّفُ بالله تعالى وهوّ
منهُ آمنٌ، ويذكِّرُ باللهِ تعالى وهوَ لهُ ناسٍ ، ويقرِّبُ إلى اللهِ وهوَ منهُ متباعدٌ ،
ويحثُّ على الإخلاصِ وهوَ غيرُ مخلصٍ ، ويذمُّ الصفاتِ المذمومةَ وهوَ بها
متصفٌ، ويصرفُ الناسَ عنِ الخلقِ وهوَ على الخلقِ أشدُّهُمْ حرصاً ، لوْ
مُنِعَ أحدُهُمْ عنْ مجلسِهِ الذي يدعو فيهِ الناسَ إلى الله .. لضاقَتْ عليهِ الأرضُ
بما رحُبَتْ، ويزعُمُ أنَّ غرضَهُ إصلاحُ الخلقِ ، ولوْ ظهرَ مِنْ أقرانِهِ مَنْ أقبلَ
الخلقُ عليهِ ، وصلحوا على يديهِ .. لمات غَمّاً وحسداً ، ولوْ أثنى أحدٌ مِنَ
المتردِّدينَ إليهِ على بعضٍ أقرانِهِ .. لكانَ أبغضَ خلقِ اللهِ إليهِ !
حن
فهؤلاءِ أعظمُ الناسِ غِرَّةً ، وأبعدُهُمْ عنِ التنبُّهِ والرجوع إلى السدادِ ؛ لأنَّ
المرغبَ في الأخلاقِ المحمودةِ والمنفرَ عنِ المذمومةِ هوَ العلمُ بغوائِلِها
وفوائدِها ، وهذا قدْ علمَ ذلكَ ولمْ ينفعْهُ، وشغلَهُ حبُّ دعوةِ الخلقِ عنِ
العملِ بهِ ، فبعدَ ذلكَ بماذا يُعالَجُ ؟! وكيفَ سبيلُ تخويفِهِ وإنما المخوفُ
ما يتلوهُ على عبادِ اللهِ فيخافونَ وهوَ ليسَ بخائِفٍ ؟!
جن
٦٦٠