Indexed OCR Text
Pages 501-520
ربع المهلكات کتاب ذم الکبر فإذاً ؛ تكبرُهُ على الخلقِ عظيمٌ؛ لأنَّهُ سيدعوهُ إلى التكبُّرِ على أمرِ اللهِ تعالى، وإنَّما ضُرِبَ إبليسُ مثلاً لهذا، وما حُكيَ مِنْ أحوالِهِ .. إلا ليُعتبَرَ بهِ؛ فإنَّهُ قالَ: ﴿أَنَاْ خَيْرٌ مِّنْهُ﴾ وهذا الكبرُ بالنسبِ؛ لأنَّهُ قالَ: ﴿ خَلَقْطَنِ مِن ثَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن ◌ِينٍ﴾، فحملَهُ ذلكَ على أنْ يمتنعَ مِنَ السجودِ الذي أمرَهُ اللهُ تعالى بهِ ، فكانَ مبدؤُهُ التكبُّرَ على آدَمَ والحسدَ لهُ، فجرَّهُ ذلكَ إلى التكتُّرِ على أمرِ اللهِ تعالىُ ، فكانَ ذلكَ سببَ هلاكِهِ أبد الآبادِ . فهذهِ آفةٌ مِنْ آفاتِ الكبرِ على العبادِ عظيمةٌ ، ولذلكَ شرحَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ الكبرَ بهاتينِ الآفتينِ ؛ إذْ سألَهُ ثابتُ بنُ قيسٍ بنِ شماسٍ فقالَ: يا رسولَ اللهِ ؛ إنِّي امرؤٌ قَدْ حُبِّبَ إليَّ مِنَ الجمالِ ما ترى ؛ أفمِنَ الكبرِ هوَ؟ قالَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: ((لا، ولكنَّ الكبرَ مَنْ بَطَرَ الحقَّ ، وغمصَ الناسَ)) (١)، وفي حديثٍ آخرَ: «مَنْ سَفِهَ الحقَّ))(٢)، وقولُهُ : ( غمَصَ الناسَ ) أيْ : ازدراهُمْ واستحقرَهُمْ، وهمْ عبادُ اللهِ أمثالُهُ، أوْ خيرٌ منهُ، وهذهِ الآفةُ الأولى، و( سَفَهُ الحقِّ ) : هوَ ردُّهُ ، وهيَ الآفةُ الثانيةُ . ے (١) رواه مسلم (٩١)، والترمذي (١٩٩٩) ولفظ المرفوع له ، وليس فيه ذكر ثابت رضي الله عنه، وإنما تبع فيه المصنف صاحب ((الرعاية)) (ص ٢٨٣). ـيو (٢) رواه أحمد في (( المسند)) (١٣٣/٤)، والبخاري في ((الأدب المفرد)) ( ٥٤٨)، وابن حبان في « صحيحه)) (٥٤٦٧)، وهو عند مسلم (٩١) بلفظ: (( الكبر بطر الحق وغمط الناس » . جن ٥٠ ١ کتاب ذم الکبر ربع المهلكات فكلُّ مَنْ رأى أنَّهُ خيرٌ مِنْ أخيهِ، واحتقرَ أخاهُ وازدراهُ ، ونظرَ إليهِ بعينٍ الاستصغارِ، أَوْ ردَّ الحقَّ وهوَ يعرفُهُ .. فقدْ تكبِّرَ فيما بينَهُ وبينَ الخلقِ ، ومَنْ أنِفَ أنْ يخضعَ اللهِ تعالى ويتواضعَ لهُ بطاعتِهِ واتباع رُسلِهِ .. فقدْ تكبِّرَ فيما بينَهُ وبينَ اللهِ تعالى ورسلِهِ . ٥٠٢ ربع المهلكات کتاب ذم الکبر بيان مابد الشكر اعلمْ : أَنَّهُ لا يتكبِّرُ إلا مَنِ استعظمَ نفسَهُ ، ولا يستعظمُها إلا وهوَ يعتقدُ لها صفةً مِنْ صفاتِ الكمالِ . ومجامعُ ذلكَ يرجعُ إلى كمالٍ دينيٍّ أوْ دنيويٍّ ، فالدينيُّ : هوَ العلمُ ، والعملُ، والدنيويُّ: هوَ النسبُ، والجمالُ، والقوةُ، والمالُ، وكثرةُ الأنصارِ ، فهذهِ سبعةُ أسبابٍ . الأولُ : العلمُ : وما أسرعَ الكبرَ إلى العلماءِ؛ ولذلكَ قالَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: ((آفةُ العلمِ الخيلاءُ )) (١) ، فلا يلبثُ العالمُ أنْ يتعزَّزَ بعزِّ العلمِ ، ويستشعرَ في نفسِهِ جمالَ العلمِ وكمالَهُ ، فيستعظمَ نفسَهُ ويستحقرَ الناسَ ، وينظرَ إليهِمْ نظرَهُ إلى البهائِمِ، ويستجهلَهُمْ ، ويتوقَّعَ أَنْ يبدؤوهُ بالسلامِ ؛ فإِنْ بدأَ أحداً منهُمْ بالسلام ، أوْ ردَّ عليهِ ببشْرٍ ، أَوْ قامَ لهُ، أو أجابَ لهُ دعوةٌ .. رأىُ ذلكَ صنيعةٌ عندَهُ ويداً عليهِ يلزمُهُ شكرُها ، واعتقدَ أنَّهُ أكرمَهُمْ، وفعلَ بهِمْ ما لا يستحقُّونَ مِنْ مثلِهِ ، وأنَّهُ ينبغي أنْ يرقُّوا لهُ ويخدموهُ؛ شكراً لهُ على صنيعِهِ . (١) المعروف - كما قال الحافظ العراقي - هو حديث: (( آفة العلم النسيان وآفة الجمال الخيلاء))، وهو قطعة من حديث رواه البيهقي في ((الشعب)) (٤٣٢٦)، وانظر ((الإتحاف)) (٣٦٤/٦) . ٥٠٣ کتاب ذم الکبر ربع المهلكات بلِ الغالبُ أنَّهُمْ بِيُّونَهُ فلا يبزُّهُمْ ، ويزورونَهُ فلا يزورُهُمْ ، ويعودونَهُ فلا يعودُهُمْ، ويستخدمُ مَنْ خالطَهُ منهُمْ ويستسخرُهُ في حوائجِهِ ، فإنْ قصَّرَ فيهِ .. استنكرَهُ؛ كأنَّهُمْ عبيدُهُ أوْ أجراؤُهُ ، وكأنَّ تعليمَهُ العلمَ صنيعةٌ منهُ لديهِمْ ، ومعروفٌ إليهِمْ ، واستحقاقُ حقِّ عليهِمْ ، هذا فيما يتعلقُ بالدنيا . أمَّا في أمرِ الآخرةِ .. فتكثُرُهُ عليهِمْ بأنْ يرىُ نفسَهُ عندَ اللهِ تعالى أعلى وأفضلَ منهُمْ ، فيخافُ عليهِمْ أكثرَ ممَّا يخافُ على نفسِهِ ، ويرجو لنفسِهِ أكثرَ ممَّا يرجو لهُمْ . وهذا بأنْ يُسمَّى جاهلاً أولىُ مِنْ أنْ يُسمَّى عالماً ، بلِ العلمُ الحقيقيُّ هوَ الذي يعرفُ الإِنسانُ بهِ نفسَهُ ورَّهُ ، وخطرَ الخاتمةِ ، وحجةَ اللهِ على العلماءِ ، وعظمَ خطرِ العلمِ فيهِ ؛ كما سيأتي في طريقِ معالجةِ الكبرِ بالعلمِ . وهذهِ العلومُ تزيدُ العبدَ خوفاً وتواضعاً وتختُّعاً ، وتقتضي أنْ يرى أنَّ كلَّ الناسِ خيرٌ منهُ ؛ لعظمٍ حجةِ اللهِ عليهِ بالعلمِ ، وتقصيرِهِ في القيامِ بشكرِ نعمةِ العلمِ . ولهذا قالَ أبو الدرداءِ : ( مَنِ ازدادَ علماً .. ازدادَ وجعاً)(١)، وهوَ كما قالَ . (١) رواه أبو نعيم فى ((الحلية )) (٣٦٣/٦) عن سفيان الثوري . ٥٠٤ ربع المهلكات کتاب ذم الکبر فإنْ قلتَ : فما بالُ بعضِ الناسِ يزدادُ بالعلمِ كبْراً وأمناً ؟ فاعلمْ : أنَّ لذلكَ سببينِ : أحدُهما : أنْ يكونَ اشتغالُهُ بما يُسمَّى علماً وليسَ بعلمٍ حقيقيٍّ ، وإنَّما العلمُ الحقيقيُّ ما يعرفُ العبدُ بهِ نفسَهُ ورَّهُ، وخطرَ أمرِهِ في لقاءِ اللهِ والحجابِ منهُ ، وهذا يورثُ الخشيةَ والتواضعَ دونَ الكبرِ والأمنِ ، قالَ اللهُ تعالى: ﴿ إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَوُاْ﴾، فأمَّا ما وراءَ ذلكَ ؛ كعلمٍ الطبِّ ، والحسابِ ، واللغةِ ، والشعرِ ، والنحوِ ، وفصلِ الخصوماتِ ، وطرقِ المجادلاتِ ؛ فإذا تجرَّدَ الإِنسانُ لها حتَّى امتلأَ منها .. امتلأَ بها كبراً ونفاقاً ، وهذهِ بأنْ تُسمَّى صناعاتٍ أولىْ مِنْ أنْ تُسمَّى علوماً ، بلِ العلمُ هوَ معرفةُ العبوديَّةِ والربوبيّةِ وطريقِ العبادةِ ، وهذا يورثُ التواضعَ غالباً . السببُ الثاني : أنْ يخوضَ العبدُ في العلمِ وهوَ خبيثُ الدُّخْلَةِ ، رديءُ النفسِ ، سيِّئُ الأخلاقِ ، فإنَّهُ لمْ يشتغلْ أولاً بتهذيبِ نفسِهِ وتزكيةِ قلبِهِ بأنواعٍ المجاهداتِ ، ولمْ يرضْ نفسَهُ في عبادةِ ربِّهِ ؛ فبقيَ خبيثَ الجوهرِ ، فإذا خاضَ في العلمِ أيَّ علمٍ كانَ .. صادفَ العلمُ مِنْ قلبِهِ منزلاً خبيثاً ، فلمْ يطبْ ثمرُهُ ، ولمْ يظهرْ في الخيرِ أثرُهُ . وقدْ ضربَ وهبٌّ لهذا مثلاً فقالَ : ( العلمُ كالغيثِ ينزلُ مِنَ السماءِ حلواً صافياً ، فتشربُهُ الأشجارُ بعروقِها ، فتحولُهُ على قدْرِ طعومِها ، فيزدادُ المؤّ قاته ٥٠٥ ،- کتاب ذم الکبر ربع المهلكات مرارةً ، والحلوُ حلاوةً ، وكذلكَ العلمُ يحفظُهُ الرجالُ ، فتحولُهُ على قدْر هممِها وأهوائِها ، فيزيدُ المتكبِّرَ كبراً، والمتواضعَ تواضعاً)(١)، وهذا لأنَّ مَنْ كانَتْ هِمَّتُهُ الكبرَ وهوَ جاهلٌ ، فإذا حفظَ العلمَ .. وجدَ ما يتكبِّرُ بهِ ، فازدادَ كبراً ، وإذا كانَ الرجلُ خائفاً معَ جهلِهِ ، فإذا ازدادَ علماً .. علمَ أنَّ الحجةَ قدْ تأكدَتْ عليهِ ، فيزدادُ خوفاً وإشفاقاً وذلاً وتواضعاً . فالعلمُ مِنْ أعظمٍ ما يُتكبِّرُ بهِ ؛ ولأجلِ ذلكَ قالَ اللهُ تعالى لنبيِّهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ : ﴿ وَأُخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنْ أَنَّعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾. وقالَ عزَّ وجلَّ: ﴿ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَأَنْفَضُّواْ مِنْ حَوْلِكَ﴾. ووصفَ أولياءَهُ فقالَ تعالى: ﴿أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَفِرِينَ﴾. ولذلكَ قالَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ فيما رواهُ العباسُ رضيَ اللهُ عنهُ: (« يكونُ قومٌ يقرؤونَ القرآنَ لا يجاوزُ حناجرَهُمْ، يقولونَ : قَدْ قرأنا القرآنَ ، فمَنْ أقرأُ منَّا؟! ومَنْ أعلمُ منَّا؟!))، ثمَّ التَفَتَ إلى أصحابِهِ فقالَ: («أولئكَ منكُمْ أَيُّها الأمةُ، أولئكَ همْ وقودُ النّارِ))(٢). ولذلكَ قالَ عمرُ رضيَ اللهُ عنهُ : ( لا تكونوا جبابرةَ العلماءِ ، فلا يفي علمُكُمْ بجهلِكُمْ)(٣) . ـدة (١) أورده المحاسبي في ((الرعاية)) (ص ٣٨٥). (٢) كذا في ((الرعاية)) (ص ٣٩٠)، ورواه ابن المبارك في الزهد)) (٤٥٠). (٣) رواه الدينوري في ((المجالسة وجواهر العلم)) (١١٩٧)، وكذا في (( قوت القلوب)) (١/ ١٤٠)، وانظر (( الإتحاف)) (٤٢٠/١). ق: ٥٠٦ حن جن ربع المهلكات کتاب ذم الکبر ولذلكَ استأذنَ تميمٌ الداريُّ عمرَ رضيَ اللهُ عنهُ في القصصِ ، فأبى أنْ يأذنَ لهُ، وقالَ لهُ: (إِنَّهُ الذبحُ)(١) . واستأذنَهُ رجلٌ كانَ إمامَ قومِ أنَّهُ إذا سلَّمَ مِنْ صلاتِهِ .. ذكَّرَهُمْ ، فقالَ : ( إنِّي أخافُ أنْ تنتفخَ حتَّى تبلغَ الثريا)(٢) . وصلَّى حذيفةُ بقوم، فلمَّا سلَّمَ مِنْ صلاتِهِ .. قالَ: ( لتلتمسُنَّ إماماً غيري أوْ لتصلُّنَّ وُحْداناً ؛ إنِّي رأيتُ في نفسي أنهُ ليسَ في القومِ أفضلُ مِنِّي)(٣) . فإذا كانَ مثلُ حذيفةَ لا يسلمُ .. فكيفَ يسلمُ الضعفاءُ مِنْ متأخري هذهِ الأمةِ ؟! حن : فما أعزّ على بسيطِ الأرضِ عالماً يستحقُّ أنْ يُقالَ: إنَّهُ عالمٌ ، ثمَّ لا یحرُهُ عزُّ العلمِ وخیلاؤُهُ ! فإنْ وُجِدَ ذلكَ .. فهو صِدِّيقُ زمانِهِ ؛ فلا ينبغي أنْ يُفارقَ ، بلْ يكونُ النظرُ إليهِ عبادةٌ ، فضلاً عنِ الاستفادةِ مِنْ أنفاسِهِ وأحوالِهِ ، ولوْ عرفنا ذلكَ ولوْ في أقصى الصينِ .. لسعينا إليهِ؛ رجاءَ أنْ تشملَنا بركتُهُ ، وتسريَ إلينا سيرتُهُ وسجِيتُهُ . (١) رواه ابن المبارك في ((الزهد)) (١٤٤٩)، والطبراني في «الكبير)) (٤٩/٢). (٢) رواه الضياء في ((المختارة)) (١٠٦)، وأحمد في ((المسند)) (١٨/١) بنحوه، وهو في ((الرعاية)) (ص ٣٩٢). (٣) رواه ابن أبي شيبة في ((المصنف)) (٤١٣٧)، وبتمامه في ((الرعاية )× (ص ٣٩٢). قائد ٥٠٧ جر کتاب ذم الکبر ربع المهلكات وهيهاتَ ! فأنَّى يسمحُ آخرُ الزمانِ بمثلِهِمْ ؟! فهُمْ أربابُ الإِقبالِ وأصحابُ الدولِ ، قدِ انقرضوا في القرنِ الأولِ ومَنْ يليهِمْ ، بلْ يعزُّ في زمانِنا عالمٌ يختلجُ في نفسِهِ الأسفُ والحزنُ على فواتِ هذهِ الخصلةِ ، فذلكَ أيضاً إِمَّا معدومٌ وإمَّا عزيزٌ ، ولولا بشارةُ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ بقولِهِ: (( سيأتي على الناسِ زمانٌ مَنْ تمسَّكَ فيهِ بِعُشرِ ما أنتُمْ عليهِ .. نجا))(١) .. لكانَ جديراً بنا أنْ نقتحمَ - والعياذُ باللهِ تعالى - ورطةَ اليأسِ والقنوطِ ، معَ ما نحنُ عليهِ مِنْ سوءِ أعمالِنا ، ومَنْ لنا أيضاً بالتمشُكِ بعشرٍ ما كانوا عليهِ ؟! وليتنا تمسّكنَا بعُشرِ عَشِيرِهِ، فنسألُ اللهَ تعالى أنَّ يعاملَنا بما هوَ أهلُهُ، وأنْ يسترَ علينا قبائحَ أعمالِنا كما يقتضيهِ كرمُهُ وفضلُهُ . الثاني : العملُ والعبادةُ : وليس يخلو عنْ رذيلةِ العزِّ والكبرِ ، واستمالةِ قلوبِ الناسِ الزَّّادُ والعبَّادُ، ويترشَّحُ الكبرُ منهُمْ في الدينِ والدنيا . أمَّا في الدنيا .. فهوَ أنَّهُمْ يرونَ غيرَهُمْ بزيارتِهِمْ أولى منهمْ بزيارةٍ غيرِهِمْ ، ويتوقَّعونَ قيامَ الناسِ بقضاءِ حوائجِهِمْ ، وتوقيرِهِمْ ، والتوسيعِ لُهُمْ في المجالسِ ، وذكرهِمْ بالورع والتقوى ، وتقديمِهِمْ على سائرِ الناسِ في (١) رواه الترمذي ( ٢٢٦٧) . ٥٠٨ ربع المهلكات کتاب ذم الکبر الحظوظِ ، إلى جميع ما ذكرناهُ في حقِّ العلماءِ ، وكأنَّهُمْ يرونَ عبادتَهُمْ منَّةً على الخلقِ . وأمَّا في الدينِ .. فهوّ أنْ يرى الناسَ هالكينَ، ويرىُ نفسَهُ ناجياً ، وهوَ الهالكُ تحقيقاً مهما رأى ذلكَ ؛ قالَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ : ((إذا سمعتُمُ و الرجلَ يقولُ: هلكَ الناسُ .. فهوَ أهلكَّهُمْ)) (١)، فإنما قالَ ذلكَ لأنَّ هذا القولَ منهُ يدلُّ على أنَّهُ مزدرٍ بخلقِ اللهِ ، مغترٌّ باللهِ ، آمنٌ مِنْ مكرِهِ ، غيرُ خائفٍ مِنْ سطوتِهِ . وكيفَ لا يخافُ ويكفيهِ شرّاً احتقارُهُ لغيرِهِ ؟! قالَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ : ((كفى بالمرءِ شرّاً أنْ يحقرَ أخاهُ المسلمَ)) (٢)، وكمْ مِنَ الفرقِ بينَهُ وبِينَ مَنْ يحِبُّهُ للهِ، ويعظمُهُ لعبادِهِ ، ويستعظمُهُ ويرجو لهُ ما لا يرجو لنفسِهِ ؟ فالخلقُ يدركونَ النجاةَ بتعظيمِهِمْ إِيَّاهُ اللهِ تعالى ؛ فَهُمْ يتقرَّبونَ إلى الله تعالى بالدنوِّ منهُ، وهوَ يتمقَّتُ إلى اللهِ بالتنزُّهِ والتباعدِ مِنْهُمْ؛ كأنَّهُ مُترفِّعٌ عنْ مجالستِهِمْ ، فما أجدرَهُمْ إذا أحبُّوهُ لصلاحِهِ أنْ ينقلَهُمُ اللهُ إلى درجتِهِ في العملِ ! وما أجدرَهُ إذا ازدراهُمْ بعينِهِ أنْ ينقلَهُ اللهُ إلى حدٍّ الإهمالِ ! كما رُويَ أنَّ رجلاً مِنْ بني إسرائيلَ كانَ يُقالُ لهُ : خليعُ بني إسرائيلَ ؛ لكثرةٍ فسادِهِ ، مرّ برجلٍ آخرَ يُقالُ لهُ : عابدُ بني إسرائيلَ ، وكانَ (١) رواه مسلم ( ٢٦٢٣) . (٢) رواه مسلم (٢٥٦٤)، ولفظه: ((بحسب امرىء من الشر ... ))، ولفظ المصنف في ((الرعاية)) (ص ٣٨٧ ) . ٥٠٩ کتاب ذم الکبر ربع المهلكات على رأسِ العابدِ غمامةٌ تظلُّهُ لمَّا مرَّ الخليعُ بهِ ، فقالَ الخليعُ في نفسِهِ : أنا خليعُ بني إسرائيلَ ، وهذا عابدُ بني إسرائيلَ ؛ فلوْ جلستُ إليهِ لعلَّ اللهَ يرحمُني ، فجلسَ إليهِ ، فقالَ العابدُ : أنا عابدُ بني إسرائيلَ ، وهذا خليعُ بني إسرائيلَ ، فكيفَ يجلسُ إليَّ؟! فأنفَ مِنْهُ، وقالَ لهُ: قمْ عنِّي ، فأوحى اللهُ تعالى إلى نبيِّ ذلكَ الزمانِ : مُرْهما فليستأنفا العملَ ؛ فقدْ غفرتُ الخليع وأحبطتُ عملَ العابدِ ، وفي روايةٍ أخرى : فتحوَّلتِ الغمامةُ إلى رأسِ الخليعِ (١) . وهذا يعرّفُكَ أنَّ اللهَ تعالى إنَّما يريدُ مِنَ العبيدِ قلوبَهُمْ، فالجاهلُ العاصي إذا تواضعَ وذلَّ هيبةً للهِ ، وخوفاً منهُ .. فقدْ أطاعَ اللهَ بقلبِه ، فهوَ أطوعُ للهِ مِنَ العالمِ المتكبِّرِ والعابدِ المعجبِ . وكذلكَ رُويَ أنَّ رجلاً مِنْ بني إسرائيلَ أتىُ عابداً مِنْ بني إسرائيلَ ، فوطىءَ على رقبتِهِ وهوَ ساجدٌ، فقالَ: ارفعْ (٢)، فواللهِ لا يغفرُ اللهُ لكَ، فأوحى اللهُ إليهِ : أيُّها المتألِّ عليَّ؛ بلْ أنتَ لا يغفرُ اللهُ لكَ(٣). وكذلكَ قالَ الحسنُ : (وحتَّى إنَّ صاحبَ الصوفِ أشدُّ كبراً مِنْ صاحبٍ (١) الرعاية (ص٣٨٨)، ومختصراً رواه أبو نعيم في ((الحلية)) (٢٢٦/٢). (٢) أي: فقال العابد: ارفع رجلك عن رقبتي. ((إتحاف)) (٣٧١/٨). ـحر (٣) الرعاية (ص٣٨٨)، ورواه الطبراني في «الكبير)) (١٥٨/٩)، وبنحوه رواه أبو داوود ( ٤٩٠١ ). مجز ٥١٠ : ربع المهلكات 20 كتاب ذم الكبر المِطْرَفِ الخزِّ )(١) أيْ : إنَّ صاحبَ الخزِّ يذلُّ لصاحبِ الصوفِ ويرى الفضلَ لهُ ، وصاحبَ الصوفِ يرى الفضلَ لنفسِهِ . وهذهِ الآفةُ أيضاً قلَّما ينفكُّ عنها كثيرٌ مِنَ العبادِ ، وهوَ أنَّهُ لوِ استخفَّ بهِ مستخفُّ أوْ آذاهُ مؤذٍ .. استبعدَ أنْ يغفرَ اللهُ لهُ، ولا يشكُّ في أنَّهُ صارَ ممقوتاً عندَ اللهِ ، ولوْ آذىُ مسلماً آخرَ .. لمْ يستنكرْ ذلكَ الاستنكارَ ، وذلكَ لعظم قدْرِ نفسهِ عندَهُ، وهوَ جهلٌ ، وجمعٌ بينَ الكبرِ والعُجبِ والاغترارِ باللهِ . وقدْ ينتهي الحمقُ والغباوةُ ببعضِهِمْ إلى أنْ يتحدَّى ويقولَ : سترونَ ما يجري عليهِ، فإذا أُصيبَ بنكبةٍ .. زعمَ أنَّ ذلكَ مِنْ كراماتِهِ، وأنَّ اللهَ ما أرادَ بذلكَ إلا شفاءَ غليلِهِ والانتقامَ لهُ، معَ أنَّهُ يرى طبقاتٍ مِنَ الكفارِ يسبُّونَ اللهَ ورسولَهُ، وعرفَ جماعةً آذَوا الأنبياءَ صلواتُ اللهِ عليهِمْ، فمنهُمْ مَنْ ضربَهُمْ، ومنهُمْ مَنْ قتلَهُمْ، ثمّ إنَّ اللهَ تعالى أمهلَ أكثرَهُمْ ولمْ يعاقبُهُمْ في الدنيا ، بلْ ربَّما أسلمَ بعضُهُمْ فلمْ يصبْهُ مكروهٌ في الدنيا ولا في الآخرةِ . ثُمَّ الجاهلُ المغرورُ يظنُّ أنَّهُ أكرم على اللهِ تعالىُ مِنْ أنبيائِهِ ، وأنَّهُ قِدِ انتقمَ لهُ بما لمْ ينتقمْ لأنبيائِهِ بهِ ، ولعلَّهُ في مقتِ اللهِ بإعجابِهِ وكبرِهِ وهوَ غافلٌ عنْ هلاكِ نفسِهِ ، فهذِهِ عقيدةُ المغترِّينَ . وأمَّا الأكياسُ مِنَ العبَّادِ .. فيقولونَ ما كانَ يقولُهُ عطاءٌ السَّلميُّ حينَ كانَ (١) أورده المحاسبي في ((الرعاية)) (ص٣٩٢). ٥١١ حن حن کتاب ذم الکبر ربع المهلكات تهبُّ ربحٌ أَوْ تقعُ صاعقةٌ: ( ما يصيبُ الناسَ ما يصيبُهُمْ إلا بسببي ، ولوْ ماتَ عطاءٌ .. لتخلَّصوا)(١)، وما قالَهُ الآخرُ بعدَ انصرافِهِ مِنْ عرفاتٍ : ( كنتُ أرجو الرحمةَ لجميعِهِمْ لولا كوني فيهِمْ)(٢) . فانظرْ إلى الفرقِ بينَ الرجلينِ ؛ هذا يتَّهُي اللهَ ظاهراً وباطناً وهوَ وَجِلٌ على نفسِهِ ، مزدرٍ لعملِهِ وسعيِهِ ، وذاكَ ربَّما يضمرُ مِنَ الرياءِ والكبرِ والحسدِ والغلِّ ما هوَ ضُحْكةٌ للشيطانِ بهِ ، ثمَّ إِنَّهُ يمنُّ على اللهِ بعملِهِ . ٧". ومَنِ اعتقدَ جزماً أنَّهُ فوقَ أحدٍ مِنْ عبادِ اللهِ . . فقدْ أحبطَ بجهلِهِ جميعَ عملِهِ ؛ فإنَّ الجهلَ أفحشُ المعاصي ، وأعظمُ شيءٍ يبعدُ العبدَ عنِ اللهِ ، وحكمُهُ لنفسِهِ بأنَّهُ خيرٌ مِنْ غيرِهِ جهلٌ محضٌ ، وأمنٌ مِنْ مكرِ اللهِ ، ولا يأمنُ مكرَ اللهِ إلا القومُ الخاسرونَ ؛ ولذلكَ رُوِيَ أنَّ رجلاً ذُكِرَ بخيرٍ للنبيِّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ ، فأقبلَ ذاتَ يومٍ ، فقالوا : يا رسولَ اللهِ ؛ هذا الذي ذكرناهُ لكَ، فقالَ: ((إنَّي أرى في وجهِهِ سُفْعَةً مِنَ الشيطانِ)) ، فسلَّمَ ووقفَ على النبيِّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ وأصحابِهِ ، فقالَ لهُ النبيُّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ : (( أسألُكَ باللهِ؛ حدثَتْكَ نفسُكَ أنْ ليسَ في القوم أفضلُ منكَ؟)) قالَ: اللهمَّ نعمْ(٣). فرأىُ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ بنورِ ٥ ـحن ـعر (١) رواه أبو نعيم في «الحلية)) (٦/ ٢٢١، ٢٢٥) مفرقاً . (٢) روى البيهقي في ((الشعب)) ( ٧٩٠٣) نحوه . (٣) رواه أبو يعلى في ((مسنده)) (٩٠)، وأبو نعيم في «الحلية)) (٥٢/٣)، وهو ذو الثدية الذي قتله سيدنا علي رضي الله عنه . ٥١٢ ربع المهلكات کتاب ذم الکبر النبوّةِ ما استكنَّ في قلبهِ سفعةً في وجهِهِ ، وهذهِ آفةٌ لا ينفكُّ عنها أحدٌ مِنَ العبَّادِ إلا مَنْ عصمَهُ اللهُ . ـة لكنَّ العلماءَ والعبَّدَ في آفةِ الکبرِ على ثلاثِ درجاتٍ : الأولى : أنْ يكونَ الكبرُ مستقراً في قلبهِ ، يرىُ نفسَهُ خيراً مِنْ غيرِهِ ، إلا أنَّهُ يجتهدُ ويتواضعُ، ويفعلُ فعلَ مَنْ يرىُ غيرَهُ خيراً مِنْ نفسِهِ ، وهذا قدْ رسخَ في قلبِهِ شجرةُ الكبرِ ، ولكنَّهُ قطعَ أغصانَها بالكليَّةِ . الثانيةُ : أنْ يظهرَ ذلكَ على أفعالِهِ ؛ بالترفّع في المجالسِ ، والتقدُّم على الأقرانِ ، وإظهارِ الإنكارِ على مَنْ يقصِّرُ في حقُّهِ ، وأدنى ذلكَ في العالِمِ أنْ يصعِّرَ خدَّهَ للناسِ ؛ كأنَّهُ معرضٌ عنهُمْ ، وفي العابدِ أنْ يُعبِّسَ وجهَهُ ، ويقطِّبَ جبينَهُ ؛ كأنَّهُ متنزّهُ عنِ الناسِ ، مستقذرٌ لهُمْ ، أَوْ غضبانُ عليهِمْ ، وليسَ يعلمُ المسكينُ أنَّ الورعَ ليسَ في الجبهةِ حتى تُقُطَّبَ ، ولا في الوجهِ حتَّى يُعبَّسَ ، ولا في الخدِّ حتَّى يُصغَّرَ ، ولا في الرقبةِ حتَّى تُطأطأً ، ولا في الذيلِ حتَّى يُضمَّ، إنَّما الورعُ في القلوبِ؛ قالَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: ((التقوى ههنا)) وأشارَ إلى صدرِهِ(١) ، فقدْ كانَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ أكرمَ الخلقِ وأتقاهُمْ ، وكانَ أوسعَهُمْ خُلُقاً، وأكثرَهُمْ بشراً وتبُّماً وانبساطاً . جر ولذلكَ قالَ الحارثُ بنُ جَزْءٍ الزبيديُّ صاحبُ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ علیهِ (١) رواه مسلم (٢٥٦٤)، وفيه : ( ويشير إلى صدره ثلاث مرات). ٥١٣ کتاب ذم الکبر ربع المهلكات وسلَّمَ : ( يعجبني مِنَ القُرّاءِ كلُّ طلْقٍ مِضْحاكِ، فأمَّ الذي تلقاهُ ببشرٍ ويلقاكَ بعبوسٍ، يمنُّ عليكَ بعملِهِ .. فلا أكثرَ اللهُ في المسلمينَ مثلَهُ! )(١). ولوْ كانَ اللهُ تعالى يرضى ذلكَ .. لما قالَ لنبيِّهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ : وَأَخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ أَنَّعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾. وهؤلاءِ الذينَ يظهرُ أثرُ الكبرِ على شمائِلِهِمْ أحوالُهُمْ أخفتُّ مِنْ أحوالِ مَنْ هوَ في الرتبةِ الثالثةِ ، وهوَ الذي يظهِرُ الكبرَ على لسانِهِ ، حتَّى يدعوهُ إلى الدعوى والمفاخرةِ ، والمباهاةِ وتزكية النفسِ ، وحكايةِ الأحوالِ والمقاماتِ ، والتشمُّرِ لغلبةِ الغيرِ في العلمِ والعملِ . أما العابدُ .. فإنَّهُ يقولُ في معرضِ التفاخرِ لغيرِهِ مِنَ العُبَّادِ : مَنْ هوَ ؟ وما عملُهُ ؟ ومِنْ أينَ زهدُه؟ فيطوِّلُ اللسانَ فيهِمْ بالتنقُّصِ ، ثمَّ يثني على نفسِهِ ويقولُ : إني لمْ أفطرْ منذُ كذا وكذا ، ولا أنامُ بالليلِ ، وأختمُ القرآنَ في كلِّ يومٍ ، وفلانٌ ينامُ سحراً ، ولا يكثرُ القراءةَ ، وما يجري مجراهُ ، وقدْ يزكِّي نفسَهُ ضمناً فيقولُ : قصدَني فلانٌ بسوءٍ فهلكَ ولدُهُ ، أَوْ أُخِذَ مالُهُ ، أَوْ مرضَ ، أوْ ما يجري مجراهُ ، ويدَّعي الكرامةَ لنفسِهِ . (١) رواه ابن أبي الدنيا في ((الإخوان)) (١٤١)، وهو عن سعيد بن عبد الرحمن بن عبد الله الزبيدي، وبيَّن الحافظ الزبيدي هذا الخطأ في ((إتحافه)) (٨/ ٣٧٣) حيث قال : ( هكذا في سائر نسخ الكتاب ، وهو خطأ ، والصواب عبد الله بن الحارث بن جزء ، وهو الذي له صحبة ) ، ولكن الرواية لحفيده لا له . ٥١٤ ربع المهلكات کتاب ذم الکبر وأمَّا مباهاتُهُ .. فهوَ أنَّهُ لوْ وقعَ معَ قومٍ يصلونَ بالليلِ .. قامَ وصلَّى أكثرَ ممَّا كانَ يصلِّ، وإنْ كانوا يصبرونَ على الجوع .. فيكلِّفُ نفسَهُ الصبرَ ليغلبَهُمْ ، ويظهرَ لُهُمْ قوَّتَهُ وعجزَهُمْ، وكذلكَ يشتدُّ في العبادةِ ؛ خوفاً مِنْ أنْ يُقالَ : غيرُهُ أعبدُ منهُ ، أوْ أقوى منهُ في دينِ اللهِ . وأمَّا العالمُ .. فإنَّهُ يتفاخرُ ويقولُ: أنا متفنِّنٌ في العلوم ، ومطّلعٌ على الحقائقِ ، ورأيتُ مِنَ الشيوخ فلاناً وفلاناً ، ومَنْ أنتَ ؟ وما فضلُكَ ؟ ومَنْ لقيتَ ؟ وما الذي سمعتَ مِنَ الحديثِ؟ كلُّ ذلكَ ليصغِّرَهُ ويعظّمَ نفسَهُ . وأمَّا مباهاتُهُ .. فهوَ أنَّهُ يجتهدُ في المناظرةِ أنْ يَغْلبَ ولا يُغلبَ ، ويسهرُ طولَ الليلِ والنهارِ في تحصيلِ علومٍ يتجمَّلُ بها في المحافلِ ؛ كالمناظرةِ ، والجدلِ ، وتحسينِ العبارةِ ، وتسجيعِ الألفاظِ ، وحفظِ العلوم الغريبةِ ؛ لِيُغْربَ بِها على الأقرانِ ويتعظَّمَ عَلَيهِمْ، ويحفظُ الأحاديثَ ألفاظَها وأسانيدَها ؛ حتَّى يردّ على مَنْ أخطأَ فيها ، فيظهرَ فضلُهُ ونقصانُ أقرانِهِ ، ويفرحُ مهما أخطأ واحدٌ منهُمْ؛ ليردَّ عليهِ ، ويسوءُهُ إذا أصابَ وأحسنَ ؛ خيفةً مِنْ أنْ يُرىُ أنَّهُ أعظمُ منهُ . فهذهِ كلُّها أخلاقُ الكبرِ وآثارُهُ التي يثمرُها التعزُّزُ بالعلم والعملِ ، وأينَ مَنْ يخلو عنْ جميعِ ذلكَ أوْ عنْ بعضِهِ ؟ فليتَ شِعري منِ الذي عرفَ هذهِ الأخلاقَ مِنْ نفسِهِ ، وسمعَ قولَ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: ((لا يدخلُ الجنةَ مَنْ في قلبهِ مثقالُ حبةٍ مِنْ ٥١٥ كتاب ذم الكبر ربع المهلكات خردلٍ مِنْ كبرٍ))(١) .. كيفَ يستعظمُ نفسَهُ ويتكبِّرُ على غيرِهِ وهوَ بقولِ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ مِنْ أهلِ النارِ ؟! وإنَّما العظيمُ مَنْ خلا عنْ هذا، ومَنْ خلا عنهُ لمْ يكنْ فيهِ تعظّمٌ وتكٌُّ ، والعالمُ هوَ الذي فهمَ أنَّ اللهَ تعالى قالَ لهُ : إنَّ لكَ عندَنا قدْراً ما لمْ ترَ لنفسِكَ قدْراً ، فإنْ رأيتَ لها قدراً .. فلا قدْرَ لكَ عندَنا، ومَنْ لمْ يعلمْ هذا مِنَ الدينِ .. فاسمُ العالمِ عليهِ كذبٌ، ومَنْ علمَهُ .. لزمَهُ ألَّ يتكبرَ ولا يرى لنفسِهِ قدراً ، فهذا هوَ الكِبْرُ بالعلمِ والعملِ . الثالثُ : التكتُّرُ بالحسَبِ والنسبِ : فالذي لهُ نسبٌ شريفٌ يستحقرُ مَنْ ليسَ لهُ ذلكَ النسبُ وإنْ كانَ أرفعَ مِنْهُ عملاً وعلماً ، وقدْ يتكبِّرُ بعضُهُمْ فيرى أنَّ الناسَ لهُ موالٍ وعبيدٌ، ويأنفُ مِنْ مخالطتِهِمْ ومجالستِهِمْ . وثمرتُهُ على اللسانِ التفاخرُ بهِ ؛ فيقولُ لغيرِهِ : يا نَبَطَيُّ ، ويا هنديُّ ، ويا أرمنيُّ ؛ مَنْ أنتَ ؟ ومَنْ أبوكَ فأنا فلانُ بنُ فلانٍ ؟ وأنَّى لمثلِكَ أنْ يكلِّمَني أوْ ينظرَ إليَّ ؟ ومعَ مثلي تتكلَّمُ ؟ وما يجري مجراهُ . وذلكَ عِرْقٌ دفينٌ في النفسِ لا ينفكُ عنهُ نسيبٌ وإنْ كانَ صالحاً وعاقلاً ، إلا أنَّهُ قَدْ لا يترشَّحُ منهُ ذلكَ عندَ اعتدالِ الأحوالِ ، فإنْ غلبَهُ غضبٌ .. أطفأَ (١) رواه مسلم (٩١)، والترمذي ( ١٩٩٨). ٥١٦ G ربع المهلكات کتاب ذم الكبر ذلكَ نورَ بصيرتِهِ ، وترشَّحَ منهُ؛ كما رُويَ عنْ أبي ذرٍّ أنَّهُ قالَ : قاولتُ رجلاً عندَ النبيِّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ ، فقلتُ لهُ: يا بنَ السوداءِ ، فقالَ النبيُّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: (( يا أبا ذرِّ ؛ طفُّ الصاع طفتُّ الصاع، ليسَ لابنِ البيضاءِ على ابنِ السوداءِ فضلٌ))، فقالَ أبو ذرٍّ: فاضطجَعتُ وقلتُ للرجلِ : قُمْ فطأُ على خدِّي(١) . فانظر كيفَ نبَّهَهُ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ أنَّهُ رأى لنفسِهِ فضلاً بكونِهِ ابنَ بيضاءَ ، وأنَّ ذلكَ خطأُ وجهلٌ ، وانظرْ كيفَ تابَ وقلعَ مِنْ نفسِهِ شجرة الكبرِ بأخمصٍ قدمٍ مَنْ تكيَّرَ عليهِ ؛ إذْ عرفَ أنَّ العَزَّ لا يقمَعُهُ إلا الذُّلُّ . ومِنْ ذلكَ ما رُويَ أنَّ رجلينٍ تفاخرا عندَ النبيِّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ ، فقالَ أحدُهُما للآخرِ : أنا فلانُ بنُ فلانٍ ، فمَنْ أنتَ لا أَمَّ لكَ ؟ فقالَ النبيُّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ : ((افتخرَ رجلانِ عندَ موسىُ عليهِ السلامُ، فقالَ أحدُهُما : أنا فلانُ بنُ فلانٍ حتَّى عدَّ تسعةً، فأوحى اللهُ تعالى إلى موسى عليهِ السلامُ: قَلْ للذي افتخرَ: بلِ التسعةُ مِنْ أهلِ النارِ وأنتَ عاشرُهُمْ))(٢) . (١) كذا في ((الرعاية)) (ص٣٩٣)، ورواه بنحوه الطحاوي في (( شرح مشكل الآثار)) (٣٤٥٧) وفيه نعته بابن الأمة، وقوله صلى الله عليه وسلم: ((طفتُّ الصاعِ)) - كذا بالإضافة - كناية عن قرب البعض من البعض ؛ إذ طفُّ المكيال مقاربة امتلائه ، وانظر ((مرقاة المفاتيح )) (١٣١/٩) في بيان تمام معناه . (٢) كذا في ((الرعاية)) (ص٣٩٤)، وقد رواه الطبراني في (( الكبير)) (١٤٠/٢٠)، والبيهقي في (( الشعب)) ( ٤٧٧١)، ورواه موقوفاً على معاذ بن جبل رضي الله عنه أحمد في ((المسند)) ( ٢٤١/٥). ٥١٧ کتاب ذم الکبر ربع المهلكات وقالَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: ((ليدَعَنَّ قومٌ الفخرَ بآبائِهِمْ وقدْ صاروا فحماً في جهنَّمَ أوْ ليكونُنَّ أهونَ على اللهِ مِنَ الجِعْلانِ التي تدوفُ بآنافِها القذَرَ))(١). الرابعُ : التفاخرُ بالجمالِ : وذلكَ أكثرُ ما يجري بينَ النساءِ ، ويدعو ذلكَ إلى التنقُّصِ والثلبِ ، والغيبةِ ، وذكرِ عيوبِ الناسِ . ومِنْ ذلكَ : ما رُويَ عنْ عائشةَ رضيَ اللهُ عنها أنَّها قالَتْ : دخلَتِ امرأةٌ على النبيِّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ ، فقلتُ بيدي هكذا ؛ أيْ : إنَّها قصيرةٌ ، فقالَ النبيُّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: ((قدِ اغتبتِها))(٢). وهذا منشؤُهُ خفيُّ الكبرِ ؛ لأنَّها لوْ كانَتْ أيضاً قصيرةً .. لما ذكرَتْها بالقصرِ ؛ فكأنَّها أُعجبَتْ بقامتِها ، واستقصرَتِ المرأةَ في جنبِ نفسِها ، فقالَتْ ما قالَتْ . (١) كذا في (( الرعاية)) (ص٣٩٤)، وبنحوه رواه أبو داوود (٥١١٦)، والترمذي ( ٣٩٥٥) ، وتدوف : تخلط ، حتى تجعله كراتٍ تدخرها . (٢) رواه أبو داوود (٤٨٧٥)، والترمذي (٢٥٠٢)، وابن أبي الدنيا في ((الصمت وآداب اللسان)) ( ٢٠٨) واللفظ له . ٥١٨ ربع المهلكات کتاب ذم الکبر الخامسُ : الكبرُ بالمالِ : وذلكَ يجري بينَ الملوكِ في خزائنِهم ، وبينَ التجَّارِ في بضائعِهِمْ ، وبينَ الدَّهَّاقينَ في أراضيهِمْ ، وبينَ المتجمِّلينَ في لباسِهِمْ ، وخيولِهِمْ ومراكبِهِمْ ، فيستحقرُ الغنيُّ الفقيرَ، ويتكبَّرُ عليهِ ويقولُ لهُ: أنتَ مُكْدٍ ومسكينٌ ، وأنا لوْ أردتُ .. لاشتريتُ مثلَكَ، واستخدمتُ مَنْ هوَ فوقَكَ، ومَنْ أنتَ ؟ وما معَكَ ؟ وأساسُ بيتي يساوي أكثرَ مِنْ جميعِ مالِكَ ، وأنا أنفقُ في اليومِ ما لا تأكلُهُ في السنةِ ، وكلُّ ذلكَ لاستعظامِهِ للغنى واستحقارِهِ للفقرِ ، وكلُّ ذلكَ جهلٌ منهُ بآفةِ الغنى وفضيلةِ الفقرِ . وإليهِ الإشارةُ بقولِهِ تعالى: ﴿فَقَالَ لِصَحِهِ، وَهُوَ يُحَاوِرُهُ، أَنَاْ أَكْثَرُ مِنْكَ مَالًا وَأَعَزُّ نَفَرًا﴾، حتَّى أجابَهُ فقالَ: ﴿إِن تَرَنِ أَنَأْ أَقَلَّ مِنْكَ مَالَّا وَوَلَدًا : ◌َ: فَعَسَى رَبِّ أَنْ يُؤْتِيَنِ خَيْرًا مِّنْ جَنَئِكَ وَيُرْسِلَ عَلَيْهَا حُسْبَانًا مِّنَ السَّمَاءِ فَتُصْيَحَ صَعِيدًا زَلَقًّا قَ: أَوْ يُصْبِحَ مَآؤُهَا غَوْرًا فَلَن تَسْتَطِيعَ لَهُ طَلَبًا﴾ وكانَ ذلكَ تكبراً منهُ بالمالِ والولدِ ، ثُمَّ بيَّنَ اللهُ تعالى عاقبةَ أمرِهِ بقولِهِ: ﴿يَلَيْنَِى لَمْ أُشْرٍِ بِرَبِ أَحَدًا﴾. ومِنْ ذلكَ: تكبِّرُ قارونَ؛ إذْ قالَ تعالى إخباراً عن تكبِّرِهِ : ﴿فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ،فِی زِينَتِهِ﴾ حتَّى قَالَ قومٌ: ﴿يَلَيْتَ لَنَا مِثْلَ مَآ أُوِْى قَدرُونُ إِنَّهُ لَذُو حَظٍ عَظِيمٍ﴾. السادسُ : الكبرُ بالقوةِ وشدةِ البطشِ ، والتكتُّرُ بهِ على أهلِ الضعفِ . ٥١٩ کتاب ذم الکبر ربع المهلكات السابعُ : التكبُُّ بالأتباع والأنصارِ ، والتلامذةِ والغلمانِ ، وبالعشيرةِ والأقارب والبنينَ : ويجري ذلكَ بينَ الملوكِ في المكاثرةِ بالجنودِ ، وبينَ العلماءِ في المكاثرةِ بالمستفيدينَ . وبالجملةِ : فكلُّ ما هوَ نعمةٌ ، وأمكنَ أنْ يُعتقدَ كمالاً وإنْ لمْ يكنْ في نفسِهِ كمالاً .. أمكنَ أنْ يُتكبِّرَ بهِ، حتَّى إنَّ المخِنَّثَ ليتكبّرُ على أقرانِهِ بزيادةِ معرفتِهِ وقدرتِهِ في صنعةِ المختَِّينَ ؛ لأنَّهُ يرىُ ذلكَ كمالاً ، فيفتخرُ بهِ وإنْ لمْ يكنْ فعلُهُ إلا نكالاً ، وكذلكَ الفاسقُ قدْ يفتخرُ بكثرةِ الشربِ وكثرةِ الفجورِ بالنسوانِ والغلمانِ ويتكبّرُ بهِ ؛ لظنِّهِ أنْ ذلكَ كمالٌ وإنْ كانَ مخطئاً فیهِ . ٠٧. فهذهِ مجامعُ ما يتكبّرُ بهِ العبادُ بعضُهُمْ على بعضٍ ، فيتكبِّرُ مَنْ يُدلي بشيءٍ منهُ على مَنْ لا يُدلي بهِ ، أوْ على مَنْ يُدلي بما هوَ دونَهُ في اعتقادِهِ ، وربّما كانَ مثلَهُ أوْ فوقَهُ عندَ اللهِ تعالى ؛ كالعالمِ الذي يتكبَّرُ بعلمِهِ على مَنْ هوَ أعلمُ منهُ ؛ لظنِّهِ أنَّهُ هوَ الأعلمُ ، ولحسنِ اعتقادِهِ في نفسِهِ ، نسألُ اللهُ العونَ بلطفِهِ ورحمتهِ ، إنَّهُ على كلِّ شيءٍ قديرٌ . جز ٥٢٠ فا