Indexed OCR Text
Pages 321-340
ربع المهلكات كتاب ذم الجاه والرياء إظهارُ الغضبِ ، وآخرُها إظهارُ الفرح ، ولا يكونُ الفرحُ وإظهارُهُ إلا ممَّنْ في قلبهِ حَنَقٌ وحقدٌ على نفسِهِ ؛ لتمرُّدِها عليهِ ولكثرةِ عيوبِها ومواعيدِها الكاذبةِ وتلبيساتِها الخبيثةِ، فيبغضُها بغضَ العدوِّ، والإنسانُ يفرحُ بمَنْ يذمُ عدوَّهُ، وهذا شخصٌ عدوُّهُ نفسُهُ، فيفرحُ إذا سمعَ ذمَّها ، ويشكرُ الذَّامَ على ذلكَ ، ويعتقدُ فطنتَهُ وذكاءَهُ؛ لما وقفَ عليهِ مِنْ عيوبٍ نفسِهِ ، فيكونُ ذلكَ كالتَّشْفِّي لهُ مِنْ نفسِهِ ، ويكونُ غنيمةً عندَهُ ؛ إذْ صارَ بالمذمَّةِ أوضعَ في أعينِ الناسِ ، حتَّى لا يُبتلى بفتنةِ الجاهِ ، وإذا سيقَتْ إليهِ حسناتٌ لمْ ينصبُ فيها ، فعساهُ يكونُ جبراً لعيوبِهِ التي هوَ عاجزٌ عنْ إماطتِها ، ولوْ جاهدَ المريدُ نفسَهُ طولَ عمرِهِ في هذه الخصلةِ الواحدةِ ، وهيَ أنْ يستويَ عندَهُ ذاتُّهُ ومادحُهُ .. لكانَ لهُ شغلٌ شاغلٌ فيهِ لا يتفرَّغُ معَهُ لغيرِهِ ، وبينَهُ وبينَ السعادةِ عقباتٌ كثيرةٌ ، هذهِ إحداها ، ولا يقطعُ شيئاً منها إلا بالمجاهدةِ الشديدةِ في العمرِ الطويلِ . ٣٢١ كتاب ذم الجاه والرياء ربع المهلكات الشَّطْرُ الثَّانِي مِنَ الكِتَاب في طلب الجاه والمنزلة بالعبادات وهو الزّياء وفيهِ بیانُ ذمِّ الرياءِ ، وبيانُ حقيقةِ الرياءِ وما يُراءىُ بهِ ، وبيانُ درجاتٍ الرياءِ ، وبيانُ الرياءِ الخفيِّ، وبيانُ ما يحبطُ العملَ مِنَ الرياءِ وما لا يحبطُ ، وبيانُ دواءِ الرياءِ وعلاجِهِ ، وبيانُ الرخصةِ في إظهارِ الطاعاتِ ، وبيانُ الرخصةِ في كتمانِ الذنوبِ ، وبيانُ تركِ الطاعاتِ خوفاً مِنَ الرياءِ والآفاتِ ، وبيانُ ما يصحُّ مِنْ نشاطِ العبدِ للعبادةِ بسببٍ رؤيةِ الخلقِ وما لا يصحُّ ، وبيانُ ما يجبُ على المريدِ أنْ يُلزمَهُ قلبَهُ قبلَ الطاعةِ وبعدَها ، وهيَ أحدَ عشرَ فصلاً . بيان وم الزياء اعلمْ : أنَّ الرياءَ حرامٌ ، والمرائيَ عندَ اللهِ ممقوتٌ، وقدْ شهدَتْ لذلكَ الآياتُ والأخبارُ والآثارُ . أمَّا الآياتُ : فقولُهُ تعالى: ﴿فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِينَِ ﴿هَ الَّذِينَ هُمْ عَن صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ اُلَّذِينَ هُمْ يُرَآءُونَ﴾. ٣٢٢ ربع المهلكات كتاب ذم الجاه والرياء وقولُهُ تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَمْكُرُونَ السَِّئَاتِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَكْرُ أُوْلَئِكَ هُوَ سَبُورُ﴾، قالَ مجاهدٌ: ( همْ أهلُ الرياءِ)(١). وقال تعالى: ﴿إِنََّا نُطِعِمُكُمْ لِوَجْهِ اَللَّهِ لَا نُرِبِدُ مِنَكُمْ جَزَآءَ وَلَا شَكُورًا﴾، فمدحَ المخلصينَ بنفي كلِّ إرادةٍ سوى وجهِ اللهِ تعالىُ ، والرياءُ هوَ ضدُّهُ . وقال تعالى: ﴿ فَمَن كَانَ يَرْجُوْ لِقَآءَ رَبِّهِ، فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَِهًا وَلَا يُشْرِكِ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدَا﴾، نزلَتْ فيمَنْ يطلبُ الأجرَ والحمدَ بعباداتِهِ وأعمالِهِ(٢). وأمَّا الأخبارُ : فقدْ قالَ النبيُّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ حينَ سألَهُ رجلٌ فقالَ : يا رسولَ اللهِ ؛ فيمَ النجاةُ؟ فقالَ: « ألا يعملَ العبدُ بطاعةِ اللهِ یریدُ بها الناسَ)) (٣). وروى أبو هريرةَ في حديثِ الثلاثةِ ، المقتولِ في سبيلِ اللهِ ، والمتصدِّقِ (١) كذا في ((الرعاية)) (ص١٦١)، ورواه ابن المبارك في ((الزهد)) (٦١) من زيادات نعيم بن حماد، ورواه الطبري في ((تفسيره)) (١٢/ ٢٢/ ١٤٧) عن شهر بن حوشب . (٢) كما روى ذلك الحاكم في (( المستدرك)) (١١١/٢). ـب (٣) كذا في ((الرعاية)) (ص١٦١)، وعند السيوطي في ((الدر المنثور)) (٧٤/١): ( أخرج أحمد بن منيع في (( مسنده )) بسند ضعيف عن رجل من الصحابة : أن قائلاً من المسلمين قال: يا رسول الله؛ ما النجاة غداً؟ قال: ((لا تخادع الله))، قال : وكيف نخادع الله؟ قال: (( أن تعمل بما أمرك به تريد به غيره ، فاتقوا الله فإنه الشرك بالله ... ))) ، وسيأتي بتمامه . ٣٢٣ كتاب ذم الجاه والرياء ربع المهلكات بمالِهِ ، والقارىءِ لكتابِ اللهِ ؛ كما أوردناهُ في كتابِ الإخلاصِ ، وأنَّ اللهَ عزَّ وجلَّ يقولُ لكلِّ واحدٍ مِنْهُمْ : (( كذبتَ ، بلْ أردتَ أنْ يُقالَ : فلانٌ جوادٌ ، كذبتَ ، بلْ أردتَ أنْ يُقالَ : فلانٌ شجاعٌ، كذبتَ ، بلْ أردتَ أنْ يُقالَ : فلانٌ قارىءٌ))، فأخبرَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ أنَّهُمْ لمْ يُثابوا، وأنَّ رياءَهُمْ هوَ الذي أحبطَ أعمالَهُمْ(١). وقالَ ابنُ عمرَ رضيَ اللهُ عنهُما: قالَ النبيُّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ : (( مَنْ راءى .. راءى اللهُ بِهِ، ومَنْ سمَّعَ .. سمَّعَ اللهُ بهِ))(٢) . وفي حديثٍ آخرَ طويلٍ: (( أنَّ اللهَ تعالى يقولُ لملائكتِهِ : إنَّ هذا لمْ يردْني بعملِهِ، فاجعلوهُ في سجِّينِ)) (٣). وقالَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: ((إنَّ أخوفَ ما أخافُ عليكُمُ الشركُ الأصغرُ))، قالوا: وما الشركُ الأصغرُ يا رسولَ اللهِ؟ قالَ: (( الرياءُ، يقولُ اللهُ عزَّ وجلَّ يومَ القيامةِ إذا جازى العبادَ بأعمالِهِمْ : اذهبوا إلى الذينَ 6 (١) رواه مسلم ( ١٩٠٥)، وسيأتي بتمامه. (٢) رواه البخاري (٦٤٩٩)، ومسلم ( ٢٩٨٧) من حديث جندب بن عبد الله رضي الله عنه ، ورواه من حديث ابن عمر رضي الله عنهما كما أورده المصنف ابن المبارك في ((الزهد)) (١٤١) بلفظ: (( من سمع الناس .. سمع الله به سامع خلقه، وحقره وصغره)) ، قال : فذرفت عينا ابن عمر رضي الله عنهما ، وبلفظ المصنف عن عبد الله بن عمرو بن العاص هو عند المحاسبي في (( الرعاية)) ( ص١٦١). (٣) رواه ابن المبارك في ((الزهد)) (٤٥٢)، وأبو الشيخ في ((العظمة)) (٥٢٠) من حدیث ضمرة بن حبيب مرسلاً . ٣٢٤ ربع المهلكات كتاب ذم الجاه والرياء كنتُمْ تراؤُونَ في الدنيا فانظروا هلْ تجدونَ عندَهُمُ الجزاءَ؟))(١). وقالَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: (( استعيذوا باللهِ عزَّ وجلَّ مِنْ جُبِّ الحَزَنِ)) ، قيلَ: وما هوَ يا رسولَ اللهِ؟ قالَ: (( وادٍ في جهنَّمَ أُعدَّ للقُرَّاءِ المرائينَ))(٢). وقالَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ : (( يقولُ اللهُ عزَّ وجلَّ: مَنْ عَمِلَ لي عملاً أشركَ فيهِ غيري .. فهوَ لهُ كلُّهُ، وأنا منهُ بريءٌ، وأنا أغنى الأغنياءِ عنِ الشركِ)) (٣). وقالَ عيسى المسيحُ عليهِ السلامُ : ( إذا كانَ يومُ صومِ أحدِكُمْ .. فليدهنْ رأسَهُ ولحيتَهُ ويمسح شفتيهِ ؛ لئلا يرى الناسُ أنَّهُ صائمٌ، وإذا أعطى بيمينهِ .. فليُخفِ عنْ شمالِهِ، وإذا صلَّى .. فليرخ سترَ بابِهِ ؛ فإنَّ اللهَ يقسمُ الثناءَ كما يقسمُ الرزقَ )(٤) . وقالَ نبيَّنا صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: ((لا يقبلُ اللهُ عزَّ وجلَّ عملاً فيهِ مثقالُ ذرَّةٍ مِنْ رياءٍ))(٥). (١) رواه أحمد في ((مسنده)) (٤٢٨/٥)، والطبراني في ((الكبير)) (٢٥٣/٤)، والبيهقي في ((الشعب)) ( ٦٤١٢). (٢) رواه الترمذي ( ٢٣٨٣)، وابن ماجه (٢٥٦). (٣) رواه مسلم ( ٢٩٨٥) ، وابن ماجه ( ٤٢٠٢ ) بتقديم وتأخير . (٤) رواه ابن المبارك في ((الزهد)) (١٥٠). (٥) رواه أبو نعيم في (( الحلية)) (٨/ ٢٤٠) من كلام يوسف بن أسباط ، أما مرفوعاً .. فقد قال الحافظ العراقي: ( لم أجده هكذا). ((إتحاف)) (٢٦٣/٨). ٣٢٥ كتاب ذم الجاه والرياء ربع المهلكات وقالَ عمرُ لمعاذٍ بنِ جبلٍ حين رآهُ يبكي : ما يُبكيكَ ؟ قالَ حديثٌ سمعتُهُ مِنْ صاحبِ هذا القبرِ - يعني: النبيَّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ - يقولُ: ((إنَّ أدنى الرياءِ شركٌ)) (١). وقالَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: ((أخوفُ ما أخافُ عليكُمُ الرياءُ والشهوَةُ الخفيَّةُ))(٢)، وهيَ : أيضاً ترجعُ إلى خفايا الرياءِ ودقائقِهِ . وقالَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ : ((إنَّ في ظلِّ العرشِ يومَ لاظلَّ إلا ظلُّهُ رجلاً تصدَّقَ بيمينِهِ فكادَ أنْ يخفيَها عنْ شمالِهِ)) (٣) . ولذلكَ وردَ أنَّ فضلَ عملِ السِّرِّ على عملِ الجهرِ سبعونَ ضعفاً(٤). وقالَ النبيُّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ : (( إنَّ المرائيَ يُنادى يومَ القيامةِ: يا فاجرُ، يا غادرُ، يا مرائي؛ ضلَّ عملُكَ، وحبطَ أجرُكَ ، اذهبْ فخُذْ أجركَ ممَّنْ كنتَ تعملُ لهُ))(٥) . (١) كذا رواه الطبراني في ((الكبير)) (٣٦/٢٠)، وبنحوه رواه ابن ماجه (٣٩٨٩). (٢) رواه ابن المبارك في ((الزهد)) (١١١٤)، وأبو نعيم في ((الحلية)) (١٢٢/٧)، والبيهقي في ((الزهد الكبير)) (٣١٦)، وروى ابن ماجه (٤٢٠٥ ) من حديث شداد بن أوس رضي الله عنه مرفوعاً: (( إن أخوف ما أتخوف على أمتي الإشراك بالله ؛ أما إني لست أقول: يعبدون شمساً ولا قمراً ولا وثناً، ولكن أعمالاً لغير الله وشهوة خفية )). (٣) هو جزء من حديث رواه البخاري (٦٦٠)، ومسلم ( ١٠٣١) بنحوه . (٤) رواه البيهقي في ((الشعب)) (٥٥١)، وبنحوه كذلك عن أبي الدرداء (٦٣٩٤). (٥) رواه أبو الليث السمرقندي في (( تنبيه الغافلين)) (ص٣٣)، وليس فيه لفظ: ( يا مرائي ) . ٣٢٦ ربع المهلكات كتاب ذم الجاه والرياء وقالَ شدادُ بنُ أوسٍ : رأيتُ النبيَّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ يبكي ، فقلتُ : ما يُبكيكَ يا رسولَ اللهِ؟ فقالَ: ((إنِّي تخوَّفتُ على أمَّتي الشركَ ، أما إنَّهُمْ لا يعبدونَ صنماً ولا شمساً ولا قمراً ولا حجراً، ولكنَّهُمْ يراؤونَ بأعمالِهِمْ))(١). وقالَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: ((لمَّا خلقَ اللهُ الأرضَ .. مادَتْ بأهلِها، فخلَقَ الجبالَ فصيّرها أوتاداً للأرضِ ، فقالَتِ الملائكةُ : ما خلقَ ريّنا خلقاً هوَ أشدُّ مِنَ الجبالِ ، فخلقَ اللهُ الحديدَ فقطعَ الجبالَ ، ثمَّ خلقَ النارَ فأذابتٍ الحديدَ ، ثمَّ أمرَ اللهُ تعالى الماءَ فأطفأَ النارَ ، وأمرَ الريحَ فكذَّرتِ الماءَ ، فاختلفَتِ الملائكةُ ، فقالَتْ: نسألُ اللهَ تعالى ، فقالَتْ: يا ربُ؛ ما أشدُّ ما خلقتَ مِنْ خلقِكَ ؟ فقالَ اللهُ تعالى : لمْ أخلقْ خلقاً هوَ أشدُّ مِنِ ابنِ آدمَ حينَ يتصدَّقُ بصدقةٍ بيمينِهِ فيخفيها عنْ شمالِهِ ، فهوَ أشدُّ خلقٍ خلقتُهُ))(٢). وروى عبدُ اللهِ بنُ المباركِ بإسنادِهِ عنْ رجلٍ أَنَّهُ قالَ لمعاذِ بنِ جبلٍ : حدِّثْني حديثاً سمعتَهُ مِنْ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ : قالَ : فبكى معاذٌ حتَّى ظننتُ أنَّهُ لا يسكتُ ، ثمَّ سكتَ ، ثمَّ قالَ : سمعتُ رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ قالَ لي: (( يا معاذُ)) ؛ قلتُ : لَيكَ بأبي أنتَ وأمِّي يا رسولَ اللهِ، قالَ: ((إنِّي محدِّثُكَ حديثاً إِنْ أنتَ حفظتَهُ .. نفعَكَ ، وإنْ أنتَ (١) كذا في ((الرعاية)) (١٦٤)، وقد تقدم قريباً . (٢) رواه الترمذي ( ٣٣٦٩) بألفاظ مقاربة . ٣٢٧ كتاب ذم الجاه والرياء ربع المهلكات ضيَّعتَهُ ولمْ تحفظُهُ .. انقطعَتْ حجَّتُكَ عندَ اللهِ يومَ القيامةِ، يا معاذٌ ؛ إنَّ اللهَ تعالى خَلَقَ سبعةَ أملاكٍ قبلَ أنْ يخلقَ السماواتِ والأرضَ ، ثمَّ خلقَ السماواتِ ، فجعلَ لكلِّ سماءٍ مِنَ السَّبعةِ ملكاً بؤَاباً عليها قدْ جلَّلَها عظماً ، فتصعدُ الحفظةُ بعملِ العبدِ مِنْ حينَ أصبحَ إلى أنْ يمسيَ ، لهُ نورٌ كنورِ الشمسِ ، حتَّى إذا صعدَتْ بهِ إلى السماءِ الدنيا .. زكَّتْهُ فكثَّرتْهُ، فيقولُ الملَكُ للحفظَةِ : اضربوا بهذا العملِ وجهَ صاحبِهِ ، أنا صاحبُ الغيبةِ ، أمرَني ربِّي ألا أدعَ عملَ مَنِ اغتابَ الناسَ يجاوزُني إلى غيري . قالَ : ثمَّ تأتي الحفظةُ بعملٍ صالحٍ مِنْ أعمالِ العبدِ فتمرُّ فتزكِّيهِ وتكثِرُهُ ، حتَّى تبلغَ بهِ إلى السماءِ الثانيةِ ، فيقولُ لهُمُ الملَكُ المؤكَّلُ بالسماءِ الثانيةِ : قفوا واضربوا بهذا العملِ وجهَ صاحبهٍ ؛ إنَّهُ أرادَ بعملِهِ هذا عرضَ الدنيا ، أمرَني ربِّي ألا أدعَ عملَهُ يجاوزُني إلى غيري ؛ إنَّه كانَ يفتخرُ على الناسِ في مجالسِهِمْ . قالَ : وتصعدُ الحفظةُ بعملِ العبدِ يبتهجُ نوراً ؛ مِنْ صدقةٍ وصيامٍ وصلاةٍ قدْ أعجبَ الحفظةَ ، فيجاوزونَ بهِ إلى السماءِ الثالثةِ ، فيقولُ لهُمُ المَلَكُ المؤكَّلُ بها : قفوا واضربوا بهذا العملِ وجهَ صاحبِهِ ، أنا ملَكُ الكِبْرِ ، أمرَني ربِّي ألا أدعَ عملَهُ يجاوزُني إلى غيري ؛ إنَّهُ كانَ يتكبِّرُ على الناسِ في مجالسِهِمْ . قالَ : وتصعدُ الحفظةُ بعملِ العبدِ يزهِرُ كما يزهرُ الكوكبُ الدرِّيُ، لهُ ٣٢٨ ربع المهلكات کتاب ذم الجاه والرياء دويٌّ مِنْ تسبيح وصلاةٍ وحجٌّ وعمرةٍ حتَّى يجاوزوا بهِ إلى السماءِ الرابعةِ ، فيقولُ لهُمُ الملَكُ المؤكَّلُ بها : قفوا واضربوا بهذا العملِ وجهَ صاحبِهِ ، اضربوا بهِ ظهرَهُ وبطنَهُ ، أنا صاحبُ العُجْبِ ، أمرَني ربِّي ألا أدعَ عملَهُ يجاوزُني إلى غيري ؛ إنَّهُ كانَ إذا عملَ عملاً .. أدخلَ العُجْبَ في عملِهِ . قالَ : وتصعدُ الحفظةُ بعملِ العبدِ حتَّى يجاوزوا بهِ إلى السماءِ الخامسةِ ؛ كأنَّهُ العروسُ المزفوفةُ إلى أهلِها، فيقولُ لهُمُ الملَكُ المؤكَّلُ بها : قفوا واضربوا بهذا العملِ وجهَ صاحبِهِ ، واحملوهُ على عاتقِهِ ، أنا ملَكُ الحسدِ ؛ إنَّهُ كانَ يحسدُ الناسَ مَنْ يتعلَّمُ ويعملُ بمثلٍ عملِهِ ، وكلَّ مَنْ كانَ يأخذُ فضلاً مِنَ العبادةِ يحسدُهُمْ ويقعُ فيهِمْ ، أمرَني ربِّي ألا أدعَ عملَهُ يجاوزُني إلى غيرِي . قالَ : وتصعدُ الحفظةُ بعملِ العبدِ ؛ مِنْ صلاةٍ وزكاةٍ وحجٍّ وعمرةٍ وصيامٍ ، فيجاوزونَ بها إلى السماءِ السادسةِ ، فيقولُ لهمُ الملَكُ المؤكَّلُ بها : قفوا واضربوا بهذا العملِ وجهَ صاحبهِ ؛ إنَّهُ كانَ لا يرحمُ إنساناً قطُّ مِنْ عبادِ اللهِ أصابَهُ بلاءٌ أوْ ضُرٍّ أضرّ بهِ ، بلْ كانَ يشمتُ بهِ ، أنا ملَكُ الرحمةِ ، أمرَني ربِّي ألا أدعَ عملَهُ يجاوزُني إلى غيري . قالَ : وتصعدُ الحفظةُ بعملِ العبدِ إلى السماءِ السابعةِ ؛ مِنْ صوم وصلاةٍ ونفقةٍ وزكاةٍ واجتهادٍ وورع ، لهُ دوٌّ كدويِّ الرعدِ ، وضوءٌ كضوءِ الشمسِ ، معَهُ ثلاثةُ آلافِ ملَكِ ، فيجاوزونَ بهِ إلى السماءِ السابعةِ ، فيقولُ لهُمُ الملَكُ المؤكَّلُ بها : قفوا واضربوا بهذا العملِ وجهَ صاحبهِ ، واضربوا ٣٢٩ كتاب ذم الجاه والرياء ربع المهلكات بهِ جوارحَهُ ، اقفلوا على قلبهِ ؛ إنِّي أحجُبُ عنْ ربِّي كلَّ عملٍ لَمْ يُرَدْ بهِ وجهُ ربِّي ؛ إنَّهُ أرادَ بعملِهِ غيرَ اللهِ تعالى، إنَّهُ أرادَ رفعةً عندَ الفقهاءِ ، وذكراً عندَ العلماءِ ، وصيتاً(١) في المدائنِ ، أمرَني ربِّي ألا أدعَ عملَهُ يجاوزُني إلى غيري ، وكلُّ عملٍ لمْ يكنْ لهِ تعالى خالصاً فهوَ رياءٌ ، ولا يقبلُ اللهُ تعالىُ عملَ المرائي . قالَ : وتصعدُ الحفظةُ بعملِ العبدِ ؛ مِنْ صلاةٍ وزكاةٍ وصيامٍ وحجِّ ، وعمرةٍ وخُلُقٍ حسنٍ وصمتٍ وذكرٍ للهِ تعالى ، وتشيِّعُهُ ملائكةُ السماواتِ حتَّى يقطعوا بهِ الحجُبَ كلَّها إلى اللهِ عزَّ وجلَّ، فيقفونَ بينَ يديهِ ويشهدونُ لهُ بالعملِ الصَّالِحِ المخلصِ اللهِ تعالىُ ، قالَ : فيقولُ اللهُ لهُمْ : أنتُمُ الحفظةُ على عملِ عبدي وأنا الرقيبُ على نفسِهِ ؛ إنَّهُ لمْ يردْني بهذا العملِ ، وأرادَ بهِ غيري ، فعليهِ لعنتي ، فتقولُ الملائكةُ كلُّها : عليهِ لعنتُكَ ولعنتُنا ، وتقولُ السماواتُ كلُّها : عليهِ لعنةُ اللهِ ولعتنا، وتَلَعنُهُ السماواتُ السبعُ ومَنْ فيهنَّ)) ، قالَ معاذٌ: قلتُ : يا رسولَ اللهِ ؛ أنتَ رسولُ اللهِ وأنا معاذٌ ، قالَ: ((اقتدِ بي وإنْ كانَ في عمرِكَ نقصٌ(٢)، يا معاذُ؛ حافظْ على لسانِكَ مِنَ الوقيعةِ في إخوانِكَ مِنْ حملةِ القرآنِ ، واحملْ ذنوبَكَ عليكَ ، ولا تحملْها عليهِمْ، ولا تزدُ نفسَكَ بذمِّهِمْ، ولا ترفعْ نفسَكَ عليهِمْ ، ولا تُدخِلْ عملَ الدنيا في عملِ الآخرةِ ، ولا تتكبَّرْ في مجلسِكَ لكي يحذرَ (١) في (ب) : (وصوتاً) . (٢) في غير (ك): ( تقصير) بدل ( نقص )، وفي نسخة الحافظ الزبيدي (٢٦٦/٨): ( عملك ) بدل ( عمرك ) . ٣٣٠ ربع المهلكات كتاب ذم الجاه والرياء الناسُ مِنْ سوءِ خُلُقِكَ، ولا تناج رجلاً وعندكَ آخرُ ، ولا تتعظّمْ على الناسِ فينقطعَ عنكَ خيرُ الدنيا ، ولا تمزِّقِ الناسَ فتمزِّفَكَ كلابُ النارِ يومَ القيامةِ في النارِ، قالَ تعالى: ﴿وَالنَّشِطَتِ نَشْطًا﴾، أتدري ما هيَ يا معاذُ؟ )) قلتُ: ما هيَ بأبي أنتَ وأمِّي يا رسولَ اللهِ؟ قالَ: «كلابٌ في النارِ تنشُطُ اللحمَ والعظمَ))، قلتُ: بأبي أنتَ وأمي يا رسولَ اللهِ ، فمَنْ يطيقُ هذهِ الخصالَ ؟ ومَنْ ينجو مِنْها؟ قالَ : (( يا معاذُ؛ إنَّهُ ليسيرٌ على مَنْ يسَّرَهُ اللهُ عليهِ )) ، قالَ : فما رأيتُ أكثرَ تلاوةً للقرآنِ مِنْ معاذٍ ؛ للحذرِ ممَّا في هذا الحديثِ(١). وأمَّا الآثارُ : فيُروىَ أنَّ عمرَ بنَ الخطابِ رضيَ اللهُ عنهُ رأى رجلاً يطأطىءُ رقبتَهُ ، فقالَ : ( يا صاحبَ الرقبةِ ؛ ارفعْ رقبتكَ ، ليسَ الخشوعُ في الرِّقابِ ، وإنَّما الخشوعُ في القلوبِ )(٢) . ورأىُ أبو أمامةَ الباهليُّ رجلاً في المسجدِ يبكي في سجودِهِ ، فقالَ : ( أنتَ أنتَ؛ لوْ كانَ هذا في بيتِكَ)(٣). (١) قال الحافظ العراقي: ( هو كما قال المصنف ، رواه ابن المبارك بطوله في الزهد له ، وفي إسناده ــ كما ذكر - رجل، ورواه ابن الجوزي في ((الموضوعات)) [٣٣٩/٢]). (إتحاف)) (٢٦٦/٨) وزاد: ( وبخط الكمال الدميري : قال الشيخ تقي الدين القشيري : الرجل المذكور هو خالد بن معدان ) . (٢) أورده الإسماعيلي في ((مناقبه)). ((إتحاف)) (٢٦٧/٨). (٣) رواه ابن المبارك في ((الزهد)) ( ١٥٦). ٣٣١ كتاب ذم الجاه والرياء ربع المهلكات وقالَ عليٍّ رضيَ اللهُ عنهُ : ( للمُرائي أربعُ علاماتٍ : يكسلُ إذا كانَ وحدَهُ ، وينشطُ إذا كانَ في الناسِ ، ويزيدُ في العملِ إذا أَثْنيَ عليهِ ، وينقصُ إذا ذُغَ )(١) . وقالَ رجلٌ لعبادةَ بنِ الصامتِ : أقاتلُ بسيفي في سبيلِ اللهِ أريدُ بهِ وجهَ اللهِ تعالى ومحمدةَ الناسِ ؟ قالَ : لا شيءَ لكَ ، فسألُهُ ثلاثَ مراتٍ ، كلَّ ذلكَ يقولُ : لا شيءَ لكَ، ثمَّ قالَ في الثالثةِ: ((إنَّ اللهَ تعالى يقولُ: أنا أغنى الأغنياءِ عنِ الشركِ ... )) الحديثَ(٢). وسألَ رجلٌ سعيدَ بنَ المسيَّبِ فقالَ : أحدُنا يصطنعُ المعروفَ يحبُّ أنْ يُحمدَ ويُؤجرَ ، فقالَ لهُ : أتحبُّ أنْ تُمقتَ ؟ قالَ : لا ، قالَ : فإذا عملتَ اللهِ عملاً .. فأخلصْهُ(٣) . وقالَ الضحاكُ : ( لا يقولَنَّ أحدُكُمْ : هذا لوجهِ اللهِ ولوجهِكَ ، ولا يقلْ : هذا للهِ وللرحم ؛ فإنَّ اللهَ تعالى لا شريكَ لهُ)(٤) . (١) كذا أورده الليث السمرقندي في ((تنبيه الغافلين)) (ص٣٠)، ورواه بنحوه عن أبي سليمان الداراني الثعلبيُّ في ((تفسيره)) (٧/٢) وفيه لفظ ( ثلاث علامات ) ولم يذكر الأخيرة . (٢) كذا في (( الرعاية)) ( ص١٦٦)، وروى الحديث مرفوعاً مسلم (٢٩٨٥) ، وابن ماجه ( ٤٢٠٢ ) بنحوه . (٣) كذا في ((الرعاية)) (ص ١٦٥) ، والسائل هو ابن أبي مغيث. كن (٤) رواه ابن أبي شيبة في (( المصنف)) (٣٥٩٣٧)، ورواه عنه الدارقطني في (( سنته)) (٥١/١) مرفوعاً . ٣٣٢ ربع المهلكات كتاب ذم الجاه والرياء وضربَ عمرُ رضيَ اللهُ عنهُ رجلاً بالدِّرَّةِ ، ثمّ قالَ لهُ : اقتصَّها مِنِّي ، فقالَ : لا ، بلْ أدَعُها للهِ ولكَ، فقالَ لهُ عمرُ رضيَ اللهُ عنهُ: ما صنعتَ شيئاً، إمّا أنْ تدَعَها لي فأعرفَ ذلكَ لكَ، أَوْ تَدَعَها للهِ وحدَهُ، فقالَ : ودعتُها للهِ وحدَهُ، فقالَ: فنعمْ إذاً(١) . وقالَ الحسنُ : ( لقدْ صحبتُ أقواماً إنْ كانَ أحدُهُمْ لتعرضُ لهُ الحكمةُ، لَوْ نطقَ بها .. لنفعَتْهُ ونفعَتْ أصحابَهُ، وما يمنعُهُ منها إلا مخافةٌ الشهرةِ ، وإنْ كانَ أحدُهُمْ ليمرُّ فيرى الأذى على الطريقِ ، فما يمنعُهُ أنْ ينحيَّهِ إلا مخافةُ الشهرةِ)(٢) . ويُقالُ : ( إنَّ المرائيَ يُنادى يومَ القيامةِ بأربعةِ أسماءٍ : يا مرائي ، يا غادرُ، يا فاجرُ، يا خاسرُ؛ اذهبْ فخذْ أجركَ ممَّنْ عملتَ لهُ ، فلا أجرَ لكَ عندَنا)(٣). وقالَ الفضيلُ بنُ عياضٍ : ( كانوا يراؤونَ بما يعملونَ ، وصاروا اليومَ يراؤونَ بما لا يعملونَ )(٤). (١) كذا في ((الرعاية)) (ص ١٦٦)، وقد رواه ضمن خبر طويل ابنُ عساكر في (( تاريخ دمشق)) (٤٤ /٢٩١) . ـوق (٢) رواه ابن المبارك في ((الزهد)) (١٣٨). (٣) كذا في ((الرعاية)) (ص١٦٣)، ورواه الليث السمرقندي في (( تنبيه الغافلين)) ( ص٣٣ ) . (٤) أخرجه أبو نعيم في «الحلية)). ((إتحاف)) (٢٦٨/٨). ٣٣٣ كتاب ذم الجاه والرياء ربع المهلكات وقالَ عكرمةُ: ( إنَّ اللهَ يعطي العبدَ على نيَّتِهِ ما لا يعطيهِ على عملِهِ ؛ لأنَّ النيةَ لا رياءَ فيها)(١) . وقالَ الحسنُ رضيَ اللهُ عنهُ: ( المُرائي يريدُ أنْ يغلبَ قدرَ اللهِ تعالى ، هوَ رجلُ سوءٍ يريدُ أنْ يقولَ الناسُ : هوَ رجلٌ صالحٌ ، وكيفَ يقولونَ وقدْ حلَّ مِنْ ربِّهِ محلَّ الأردياءِ ، فلا بدَّ لقلوبِ المؤمنينَ أنْ تعرفَهُ؟! )(٢). وقال قتادةُ: ( إذا راءى العبدُ .. يقولُ اللهُ تعالى : انظروا إلى عبدي يستهزىءُ بي)(٣). وقالَ مالكُ بنُ دينارِ : ( القراءُ ثلاثةٌ : قراءُ الرحمنِ ، وقراءُ الدنيا ، وقراءُ الملوكِ، وإنَّ محمدَ بنَ واسعٍ مِنْ قراءِ الرحمنِ ) (٤). وقالَ الفضيلُ: ( مَنْ أرادَ أنْ ينظرَ إلى مُراءٍ .. فلينظرْ إليَّ ). وقالَ محمدُ بنُ المباركِ الصوريُّ : ( أظهرِ السمتَ بالليلِ ؛ فإنَّهُ أشرفُ مِنْ سمتِكَ بالنهارِ ؛ لأنَّ السمتَ بالنهارِ للمخلوقينَ ، وسمتُ الليلِ لربِّ العالمينَ ) . (١) هو عند الديلمي في ((مسند الفردوس)) (٦٨٤٣) من حديث أبي موسى الأشعري رضي الله عنه . (٢) أخرجه أبو نعيم في ((الحلية)). ((إتحاف)) (٢٦٨/٨). (٣) رواه الدينوري في ((المجالسة وجواهر العلم)) ( ص٢٩٣). (٤) رواه أبو نعيم في ((الحلية)) (٣٤٥/٢). ٣٣٤ ربع المهلكات كتاب ذم الجاه والرياء وقال أبو سليمانَ : ( التوقِّي عنِ العملِ أشدُّ مِنَ العملِ)(١). وقالَ ابنُ المباركِ : إنْ كانَ الرجلُ ليطوفُ بالبيتِ وهوَ بخراسانَ ، قيلَ : وكيفَ ذاكَ ؟ قالَ : يحبُّ أنْ يُذكرَ أنَّهُ مجاورٌ بمكةَ . وقالَ إبراهيمُ بنُ أدهمَ : ( ما صدقَ اللهَ مَنْ أرادَ أنْ يشتهرَ )(٢). (١) روي مرفوعاً بنحوه، فقد روى البيهقي في ((الشعب)) (٦٣٩٤) من حديث أبي الدرداء : ((إن الاتقاء على العمل أشد من العمل ... )). (٢) رواه أبو نعيم في ((الحلية)) (٣١/٨)، والبيهقي في ((الشعب)) (٦٥٧٦). ٣٣٥ كتاب ذم الجاه والرياء ربع المهلكات بيان حقيقة الزّياء ومايراء ى به اعلمْ : أَنَّ الرياءَ مشتقٌّ مِنَ الرؤيةِ ، والسمعةَ مشتقَّةٌ مِنَ السماع ، وإنَّما الرياءُ أصلُهُ طلبُ المنزلةِ في قلوبِ الناسِ بإيرائِهِمْ خصالَ الخيرِ ، إلا أنَّ الجاهَ والمنزلةَ تُطْلبُ في القلبِ بأعمالِ سوى العباداتِ ، وتُطْلبُ بالعباداتِ . واسمُ الرياءِ مخصوصٌ بحكمِ العادةِ بطلبِ المنزلةِ في القلوبِ بالعباداتِ وإظهارِها . فحُّ الرياءِ : هوَ إرادةُ العبادِ بطاعةِ اللهِ عزَّ وجلَّ ، فالمُرائِي هوّ العابدُ ، والمُراءَى لهُ هُمُ الناسُ المطلوبُ رؤيتُهُمْ بطلبِ المنزلةِ في قلوبِهِمْ ، والمُراءى بهِ هيَ الخصالُ التي قصدَ المُرائي إظهارَها، والرياءُ هوَ قصدُهُ إظهارَ ذلكَ . والمُراءىُ بهِ كثيرٌ ، تجمعُهُ خمسةُ أقسام ، هيَ مجامعُ ما يتزيَّنُ العبدُ بهِ للناسِ ، وهوَ البدنُ، والزيُّ ، والقولُ، والعملُ، والأتباعُ والأشياءُ الخارجةُ ، وكذلكَ أهلُ الدنيا يراؤونَ بهذهِ الأسبابِ الخمسةِ ، إلا أنَّ طلبَ الجاهِ وقصدَ الرياءِ بأعمالٍ ليسَتْ مِنْ جملةِ الطاعاتِ أهونُ مِنَ الرياءِ بالطاعاتِ . ٣٣٦ ربع المهلكات كتاب ذم الجاه والرياء الأولُ : الرياءُ في الدينِ مِنْ جهةِ البدنِ : وذلكَ بإظهارِ النحولِ والاصفرارِ ؛ ليوهمَ بذلكَ شدَّةَ الاجتهادِ ، وعظمَ الحزنِ على أمرِ الدينِ ، وغلبةَ خوفِ الآخرةِ ، وليدلَّ بالنحولِ على قلَّةِ الأكلِ ، وبالاصفرارِ على سهرِ الليلِ ، وكثرةِ الاجتهادِ ، وعظمِ الحزنِ في الدین . وكذلكَ يرائي بتشعيثِ الشعرِ ؛ ليدلَ بهِ على استغراقِ الهمِّ بالدينِ ، وعدمِ التفرّغِ لتسريحِ الشعرِ . وهذِه أسبابٌ مهما ظهرَتْ .. استدلَّ الناسُ بها على هذهِ الأمورِ، فارتاحَتِ النَّفْسُ لمعرفتِهِمْ ؛ فلذلكَ تدعو النفسُ إلى إظهارِها ؛ لنيلِ تلكَ الراحةِ . ويقربُ مِنْ هذا خفضُ الصوتِ ، وغورُ العينينِ ، وذبولُ الشفتينِ ؛ ليُستدلَّ بذلكَ على أنَّهُ مواظبٌ على الصومِ ، وأنَّ وقارَ الشرعِ هوَ الذي خفضَ مِنْ صوتِهِ ، أَوْ ضعْفَ الجوع هوَ الذي أضعفَ قرَّتَهُ . وعنْ هذا قالَ عيسى عليهِ السلامُ : ( إذا صامَ أحدُكُمْ .. فليدهنْ رأسَهُ، ويرجِّلْ شعرَهُ، ويكحلْ عينيهِ)(١). وكذلكَ رُويَ عنْ أبي هريرةَ رضيَ اللهُ عنهُ(٢) ، وذلكَ كلُّه لما يُخافُ (١) رواه ابن المبارك في ((الزهد)) (١٥٠) بنحوه . (٢) كما أشار إلى ذلك في ((الرعاية)) (ص١٧٩ ). ٣٣٧ كتاب ذم الجاه والرياء ربع المهلكات عليهِ مِنْ نزغ الشيطانِ بالرياءِ ، ولذلكَ قالَ ابنُ مسعودٍ : ( أصبحوا صياماً مدَّهنينَ)(١) . فهذهِ مراءاةُ أهلِ الدينِ بالبدنِ ، فأمَّا أهلُ الدنيا .. فيراؤونَ بإظهار السمنِ ، وصفاءِ اللونِ ، واعتدالِ القامةِ ، وحسنِ الوجهِ ، ونظافةِ البدنِ ، وقوةِ الأعضاءِ وتناسبها(٢) . الثاني : الرياءُ بالزِّيِّ والهيئةِ : أمّا الهيئةُ .. فتشعيثُ شعرِ الرأسِ ، وحلقُ الشاربِ ، وإطراقُ الرأسِ في المشي ، والهدوءُ في الحركةِ ، وإبقاءُ أثرِ السجودِ على الوجهِ ، وغلظَ الثيابِ ، ولبسُ الصوفِ ، وتشميرُها إلى قريبٍ مِنْ نصفِ السَّاقِ ، وتقصيرُ الأكمام ، وتركُ تنظيفِ الثوبِ ، وتركُهُ مخرقاً ، كلُّ ذلكَ يُرائي بهِ ؛ ليظهرَ مِنْ نفسِهِ أنَّهُ متَّبِعُ للسنَّةِ فيهِ ، ومقتدٍ فيهِ بعبادِ اللهِ الصالحينِ . ومنهُ : لبسُ المرقَّع ، والصلاةُ على السجادةِ ، ولبسُ الثيابِ الزرْقِ تشبُّهاً بالصوفيّةِ معَ الإفلاسِ مِنْ حقائقِ التصوُّفِ في الباطنِ . ومنهُ : التقنُّعُ بالإزارِ فوقَ العمامةِ ، وإسبالُ الرداءِ على العينينِ ؛ لِيُرى (١) كذا في ((الرعاية)) (ص ١٧٩)، وبنحوه رواه أبو نعيم في ((الحلية)) (١٣٦/١). (٢) الرعاية (ص ١٨٠). ٣٣٨ ربع المهلكات كتاب ذم الجاه والرياء بهِ أنَّهُ انتهى تقشُّقُّهُ إلى الحذرِ مِنْ غبارِ الطريقِ ، ولتنصرفَ إليهِ الأعينُ بسببٍ تميّزِهِ بتلكَ العلامةِ . ومنهُ الدُّرَّاعةُ والطَّيلسانُ يلبسُهُ مَنْ هوَ خالٍ عنِ العلمِ ؛ ليوهمَ أنَّهُ مِنْ أهلِ لعلمِ . والمراؤونَ بالزِّيِّ على طبقاتٍ ؛ فمِنْهُمْ مَنْ يطلبُ المنزلةَ عندَ أهلِ الصلاحِ بإظهارِ الزهدِ ، فيلبسُ الثيابَ المخرَّقةَ الوسخةَ القصيرةَ الغليظةَ ؛ ليرائيَ بغلظِها ووسخِها وقصرِها وتخرُّقِها أنَّهُ غيرُ مكترثٍ بالدنيا ، ولوْ كُلِّفَ أنْ يلبسَ ثوباً وسطاً نظيفاً ممَّا كانَ السلفُ يلبسُهُ .. لكانَ ذلكَ عندَهُ بمنزلةٍ الذبحِ ؛ وذلكَ لخوفِهِ أنْ يقولَ الناسُ : قَدْ بدا لهُ مِنَ الزهدِ ، ورجعَ عنْ تلكَ الطريقةِ ، ورغبَ في الدنيا . وطبقةٌ أخرى يطلبونَ القبولَ عندَ أهلِ الصلاحِ ، وعندَ أهلِ الدنيا مِنَ الملوكِ والوزراءِ والتجارِ ، ولوْ لبسوا الثيابَ الفاخرةَ .. ردَّهُمُ القرَّاءُ ، ولوْ لبسوا الثيابَ المخرَّقةَ الخلَقَةَ .. ازدرتْهُمْ أعينُ الملوكِ والأغنياءِ، فَهُمْ يريدونَ الجمعَ بينَ قبولِ أهلِ الدينِ والدنيا ، فلذلكَ يطلبونَ الأصوافَ الرقيقةَ ، والأكسيةَ الرفيعةَ، والمرقعاتِ المصبوغةَ، والفوطَ الرفيعةَ فيلبسونَها ، ولعلَّ قيمةَ ثوبِ أحدِهِمْ قيمةُ ثوبِ الأغنياءِ ، ولونُهُ وهيئتُهُ لونُ ثيابِ الصلحاءِ ، فيلتمسونَ القبولَ عندَ الفريقينِ ، وهؤلاءٍ لوْ كُلِّفوا ليسَ ثوبٍ خشنٍ أوْ وسخٍ .. لكانَ عندَهُمْ كالذبحِ ؛ خوفاً مِنَ السقوطِ مِنْ أعينٍ ٣٣٩ كتاب ذم الجاه والرياء ربع المهلكات الملوكِ والأغنياءِ، ولوْ كُلُّفوا لبسَ الذَّيْبَقيِّ والكثَّانِ الرقيقِ الأبيضِ(١)، والقصبِ المعلّمِ ، وإنْ كانَتْ قيمتُهُ دونَ قيمةِ ثيابِهِمْ .. لعَظُمَ ذلكَ عليهِمْ ؛ خوفاً مِنْ أنْ يقولَ أهلُ الصلاحِ : قدْ رغبوا في زيٍّ أهلِ الدنيا ، وكلُّ طبقةٍ منهُمْ رأى منزلتَهُ في زيٍّ مخصوصٍ ، فيثقلُ عليهِ الانتقالُ إلى ما دونَهُ ، أوْ إلى ما فوقَهُ وإنْ كانَ مباحاً ؛ خوفاً مِنَ المذمَّةِ . وأمَّا أهلُ الدنيا .. فمراءاتُهُمْ بالثيابِ النفيسةِ ، والمراكبِ الرفيعةِ ، وأنواعِ التوسع والتجمُّلِ في الملبسِ والمسكنِ وأثاثِ البيتِ وفرهِ الخيولِ ، وبالثيابِ المصبغةِ والطيالسةِ النفيسةِ ، وذلكَ ظاهرٌ بينَ الناسِ ، فإنَّهُمْ يلبسونَ في بيوتِهِمُ الثيابَ الخشنةَ، ويشتدُّ عليهِمْ لوْ برزوا للناسِ على تلكَ الهيئةِ ما لمْ يبالغوا في الزينةِ . الثالثُ : الرياءُ بالقولِ : ورياءُ أهلِ الدينِ بالوعظِ ، والتذكيرِ ، والنطقِ بالحكمةِ ، وحفظِ الأخبارِ والآثارِ لأجلِ الاستعمالِ في المحاورةِ ؛ إظهاراً لغزارةِ العلمِ ، ودلالةً على شدَّةِ العنايةِ بأحوالِ السلفِ الصالحِينَ ، وتحريكِ الشفتينِ بالذكرِ في محضرٍ الناسِ ، والأمرِ بالمعروفِ والنهيِ عنِ المنكرِ بمشهدِ الخلقِ ، وإظهارٍ (١) الديبقي : منسوب إلى ديبق ، وهي من قرى دمياط ، قد خربت منذ زمان ، كان يعمل فيها هذه الثياب المنسوجة بالحرير. ((إتحاف)) ( ٨/ ٢٧٠) . ٣٤٠