Indexed OCR Text
Pages 281-300
ربع المهلكات كتاب ذم الجاه والرياء موجوداً معَهُ ؛ لأنَّ المعيّةَ توجبُ المساواةَ في الرتبةِ ، والمساواةُ في الرتبةِ نقصانٌ في الكمالِ ، بلِ الكاملُ مَنْ لا نظيرَ لهُ في رتبتِهِ ، فكما أنَّ إشراقَ نور الشمسِ في أقطارِ الآفاقِ ليسَ نقصاناً في الشمسِ ، بلْ هوَ مِنْ جملةِ كمالِها ، وإنَّما نقصانُ الشمسِ بوجودِ شمسٍ أخرى تساويها في الرُّتبةِ معَ الاستغناءِ عنها .. فكذلكَ وجودُ كلِّ ما في العالمِ يرجعُ إلى إشراقِ أنوارِ القدرةِ ، فيكونُ تابعاً ولا يكونُ معاً . فإذاً ؛ معنى الزُّبوبيّةِ : التفردُ بالوجودِ ، وهوَ الكمالُ، وكلُّ إنسانٍ فإنَّهُ بطبعِهِ محبٌّ لأنْ يكونَ هوَ المنفردَ بالكمالِ ؛ ولذلكَ قالَ بعضُ مشايخ الصوفيةِ : ( ما مِنْ إنسانٍ إلا وفي باطنِهِ ما صرَّحَ بهِ فرعونُ مِنْ قولِهِ: ﴿ أَنَا رَتُّكُمُ الْأَعْلَى﴾، ولكنَّهُ ليسَ يجدُ لهُ مجالاً)، وهوَ كما قالَ ؛ فإنَّ العبوديّةَ قهرٌ على النفسِ ، والربوبيةُ محبوبةٌ بالطَّبع ، وذلكَ للنسبةِ الرَّبانيَّةِ التي أوماً إليها قولُهُ تعالى: ﴿ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِ﴾ . ولكنْ لما عجزَتِ النفسُ عنْ دركِ منتهى الكمالِ .. لمْ تسقطْ شهوتُها للكمالِ ، فهيَ محبَّةٌ للكمالِ ، ومشتهيةٌ لهُ، وملتذَّةٌ بهِ لذاتِهِ ، لا لمعنىّ آخرَ وراءَ الكمالِ ، فكلُّ موجودٍ فهوَ محبٌّ لذاتِهِ ، ولكمالٍ ذاتِهِ ، ومبغضٌ الهلاكَ الذي هوَ عدمُ ذاتِهِ ، أو عدمُ صفاتِ الكمالِ مِنْ ذاتِهِ ، وإنَّما الكمالُ بعدَ أنْ يَسْلَمَ لهُ التفرُّدُ بالوجودِ في الاستيلاء على كلِّ الموجوداتِ ، فإنّ أكملَ الكمالِ أنْ يكونَ وجودُ غيرِكَ منكَ، فإنْ لم يكنْ منكَ .. فأنْ تكونَ مستولياً عليهِ ، فصارَ الاستيلاءُ على الكلِّ محبوباً بالطبع ؛ لأنَّهُ نوعُ كمالٍ ، ٢٨١ كتاب ذم الجاه والرياء ربع المهلكات وكلُّ موجودٍ يعرفُ ذاتَهُ فإنَّهُ يحبُّ ذاتَهُ ، ويحبُّ كمالَ ذاتِهِ ويلتذُّ بهِ ، إلا أنَّ الاستيلاءَ على الشيءِ .. بالقدرة على التأثيرِ فيهِ، وعلى تغييرِهِ بحسبٍ الإرادةِ ، وكونِهِ مسخراً لكَ ترددُهُ كيفَ تشاءُ، فأحبَّ الإنسانُ أنْ يكونَ لهُ الاستيلاءُ على كلِّ الأشياءِ الموجودةِ معَهُ ، إلا أنَّ الموجوداتِ منقسمةٌ : إلى ما لا يقبلُ التغييرَ في نفسِهِ ؛ كذاتِ اللهِ تعالى وصفاتِهِ . وإلى ما يقبلُ التغييرَ ولكنْ لا تستولي عليهِ قدرةُ الخلقِ ؛ كالأفلاكِ، والكواكبِ ، وملكوتِ السماواتِ ، ونفوسِ الملائكةِ والجنِّ والشياطينِ ، وكالجبالِ ، والبحارِ ، وما تحتَ الجبالِ والبحارِ . وإلى ما يقبلُ التغييرَ بقدرةِ العبدِ ؛ كالأرضِ وأجزائِها ، وما عليها مِنَ المعادنِ والنباتِ والحيوانِ ، ومِنْ جملتِها قلوبُ الناسِ ؛ فإنَّها قابلةٌ للتأثيرِ والتغييرِ مثلُ أجسادِهِمْ وأجسادِ الحيواناتِ . فإذاً ؛ انقسمَتِ الموجوداتُ إلى ما يقدرُ الإنسانُ على التصرفِ فيهِ ؛ كالأرضياتِ ، وإلى ما لا يقدرُ على التصرفِ فيهِ ؛ كذاتِ اللهِ تعالى ، والملائكةِ ، والسماواتِ ، فأحبَّ الإنسانُ أنْ يستوليَ على السماواتِ بالعلمِ والإحاطةِ والاطلاع على أسرارِها ، فإنَّ ذلكَ نوعُ استيلاءٍ ؛ إذِ المعلومُ المحاطُ بهِ كالداخلِ تحتَ العلمِ ، والعالِمُ كالمستولي عليهِ ؛ فلذلكَ أحبّ أن يعرفَ اللهَ تعالى ، والملائكةَ ، والأفلاكَ والكواكبَ ، وجميعَ عجائبٍ السماواتِ ، وعجائبِ البحارِ والجبالِ وغيرِها ؛ لأنَّ ذلكَ نوعُ استيلاءٍ ٢٨٢ بون ربع المهلكات كتاب ذم الجاه والرياء دن ـدة جن عليها ، والاستيلاءُ نوعُ كمالٍ ، وهذا يضاهي اشتياقَ مَنْ عجزَ عنْ صنعةٍ عجيبةٍ إلى معرفةٍ طريقِ الصنعةِ فيها ؛ كمَنْ يعجزُ عنْ وضع الشطرنج ، فإنَّهُ قدْ يشتهي أنْ يعرفَ اللعبَ بهِ ، وأنَّهُ كيفَ وُضعَ ، وكمَنْ يرىُ صنعةٌ عجيبةً في الهندسةِ ، أوِ الشعبذةِ ، أوْ جرِّ الثقيلِ أَوْ غيرِهِ ، وهوَ مستشعرٌ في نفسِهِ نقصَ العجزِ والقصورَ عنهُ، ولكنَّهُ يشتاقُ إلى معرفةٍ كيفيتِهِ ، فهوَ متألِّمٌ بنقصِ العجزِ ، متلذِّذٌ بكمالِ العلمِ إِنْ علمَهُ . وأمَّا القسمُ الثاني : وهوَ الأرضياتُ التي يقدرُ الإنسانُ عليها .. فإنَّهُ يحبُّ بالطَّبع أنْ يستوليَ عليها بالقدرةِ على التصرفِ فيها كيفَ يريدُ ، وهيَ قسمانِ : أجسادٌ ، وأرواحٌ . أمَّا الأجسادُ : فهيَ الدراهمُ ، والدنانيرُ ، والأمتعةُ ، فيحبُّ أنْ يكونَ قادراً عليها ، يفعلُ فيها ما شاءَ مِنَ الرفعِ والوضعِ ، والتسليمِ والمنع ، فإنَّ ذلكَ قدرةٌ، والقدرةُ كمالٌ، والكمالُ من صفاتِ الربوبيةِ ، والربوبيةُ محبوبةٌ بالطَّبع ، فلذلكَ أحبَّ الأموالَ وإنْ كانَ لا يحتاجُ إليها في ملبسِهِ ومطعمِهِ وفي شهواتِ نفسِهِ ، وكذلكَ طلبُ استرقاقِ العبيدِ واستعبادٍ أشخاص الأحرارِ ولو بالقهرِ والغلبةِ ، حتَّى يتصرَّفَ في أجسادِهِمْ وأشخاصِهِمْ بالاستسخارِ وإنْ لمْ يملكْ قلوبَهُمْ؛ فإنَّها ربَّما لمْ تعتقدْ كمالَهُ حتَّى يصيرَ محبوباً لها وتقومَ منزلتُهُ فيها ، فإنَّ الحشمةَ القهريَّةَ أيضاً لذيذةٌ ؛ لما فيها مِنَ القدرةِ . القسمُ الثاني : نفوسُ الآدميينَ وقلوبُهُمْ، وهيَ أنفسُ ما على وجهِ ٢٨٣ كتاب ذم الجاه والرياء ربع المهلكات الأرضِ ، فهوَ يحبُّ أنْ يكونَ لهُ استيلاءٌ وقدرةٌ عليها؛ لتكونَ مسخّرةً لهُ ، متصرِّفةً تحتَ إشارتِهِ وإرادتِهِ ؛ لما في ذلكَ مِنْ كمالِ الاستيلاءِ والتشُّهِ بالصفاتِ الربّانيةِ، والقلوبُ إنَّما تتسخَّرُ بالحبِّ ، ولا تحبُّ إلا باعتقادِ الكمالِ، فإنَّ كلَّ كمالٍ محبوبٌ؛ لأنَّ الكمالَ مِنَ الصفاتِ الإلهيةِ ، والصفاتُ الإلهيةُ كلُّها محبوبةٌ بالطَّبع ؛ للمعنى الربانيِّ مِنْ جملةِ معاني الإنسانِ ، وهوَ الذي لا يبليهِ الموتُ فيعدمَهُ، ولا يتسلطُ عليهِ الترابُ فيأكلَهُ ، فإنَّهُ محلٌّ الإيمانِ والمعرفةِ ، وهوَ الواصلُ إلى لقاءِ اللهِ تعالى والساعي إليهِ . فإذاً ؛ معنى الجاهِ : تسخيرُ القلوبِ، ومَنْ تسخَّرَتْ لهُ القلوبُ .. كانَتْ لهُ قدرةٌ واستيلاءٌ عليها، والقدرةُ والاستيلاءُ كمالٌ، وهوَ مِنْ أوصافِ الربوبية . ٧٠٠ فإذاً ؛ محبوبُ القلبِ بطبعِهِ الكمالُ بالعلمِ والقدرةِ ، والمالُ والجاهُ مِنْ أسبابِ القدرةِ ، ولا نهايةً للمعلوماتِ ، ولا نهايةَ للمقدوراتِ ، وما دامَ يبقى معلومٌ أوْ مقدورٌ فالشوقُ لا يسكنُ، والنقصانُ لا يزولُ ؛ ولذلكَ قالَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ : ((منهومانِ لا يشبعانِ))(١) . فإذاً ؛ مطلوبُ القلوبِ الكمالُ ، والكمالُ بالعلم والقدرةِ ، وتفاوتُ الدرجاتِ فيهِ غيرُ محصورٍ ، فسرورُ كلِّ إنسانٍ ولذَّتُهُ بقدْرٍ ما يدركُهُ مِنَ الكمالِ . D (١) رواه الحاكم في ((المستدرك)) (١/ ٩٢ ). ٢٨٤ حن : محر حن ربع المهلكات حـ كتاب ذم الجاه والرياء فهذا هوَ السببُ في كونِ العلمِ والمالِ والجاهِ محبوباً ، وهوَ أمرٌ - وراءَ كونِهِ محبوباً - لأجلِ التوصلِ إلى قضاءِ الشهواتِ ، فإنَّ هذهِ العلَّةَ قدْ تبقى معَ سقوطِ الشهواتِ ، بلْ يحبُّ الإنسانُ مِنَ العلومِ ما لا يصلحُ للتوصُّلِ بهِ إلى الأغراضِ، بلْ ربَّما يفوِّتُ عليهِ جملةً مِنَ الأغراضِ والشهواتِ ، ولكنَّ الطبعَ يتقاضىُ طلبَ العلمِ في جميع العجائبِ والمشكلاتِ ؛ لأنَّ في العلم استيلاءَ على المعلومِ ، وهوَ نوعٌ مِنَ الكمالِ الذي هوَ مِنْ صفاتِ الربوبيةِ ؛ فكانَ محبوباً بالطبع ، إلا أنَّ في حبِّ كمالِ العلمِ والقدرةِ أغاليطَ لا بدَّ مِنْ بيانِها ، إنْ شاءَ اللهُ تعالى . ٢٨٥ كتاب ذم الجاه والرياء ربع المهلكات بيان الكمال الحقيقي والكمال الوحيّ الّذي لا حقيقة له قدْ عرفتَ أنَّهُ لا كمالَ بعدَ فواتِ التفُّدِ بالوجودِ إلا في العلمِ والقدرةِ ، ولكنَّ الكمالَ الحقيقيَّ فيهِ ملتبسٌ بالكمالِ الوهميِّ . وبيانُهُ : أنَّ كمالَ العلمِ اللهِ تعالى ، وذلكَ مِنْ ثلاثةِ أوجهٍ : أحدُها : مِنْ حيثُ كثرةُ المعلوماتِ وسعتُها ؛ فإنَّهُ محيطٌ بجميع المعلوماتِ ؛ فكذلكَ كلَّما كانَتْ علومُ العبدِ أكثرَ .. كانَ أقربَ إلى اللهِ تعالى . والثاني : مِنْ حيثُ تعلُّقُ العلمِ بالمعلوم على ما هوَ بهِ ، وكونُ المعلوم مكشوفاً بهِ كشفاً تاماً ، فإنَّ المعلوماتِ مكشوفةٌ للهِ تعالى بأتمِّ أنواع الكشفِ على ما هيَ عليهِ ؛ فكذلكَ مهما كانَ علمُ العبدِ أوضحَ ، وأيقنَ وأصدقَ ، وأوفقَ للمعلومِ في تفاصيلِ صفاتِ المعلومِ .. كانَ أقربَ إلى اللهِ تعالى . جنة والثالثُ : مِنْ حيثُ بقاءُ العلم أبد الآبادِ ، بحيثُ لا يتغيرُ ولا يزولُ ، فإنَّ علمَ اللهِ تعالى باقٍ لا يُتصوَّرُ أنْ يتغيّرَ . 19 فكذلكَ مهما كانَ علمُ العبدِ بمعلوماتٍ لا يقبلُ التغيُّرَ والانقلابَ .. كانَ أقربَ إلى اللهِ تعالى . ٢٨٦ ربع المهلكات كتاب ذم الجاه والرياء والمعلوماتُ قسمانِ : متغيراتٌ وأزلياتٌ : أمَّا المتغيراتُ: فمثالُها : العلمُ بكونِ زيدٍ في الدارِ ، فإنَّهُ علمٌ لهُ معلومٌ ، ولكنْ يُتصوَّرُ أنْ يخرجَ زيدٌ مِنَ الدارِ ، ویبقی اعتقادُ کونِهِ في الدارِ كما كانَ ، فينقلبُ جهلاً ، فيكونُ نقصاناً لا كمالاً ، فكلُّ ما اعتقدتَةُ اعتقاداً موافقاً لهُ وتُصوِّرَ أنْ ينقلبَ المعتقدُ فيهِ عمَّا اعتقدتَهُ .. كنتَ بصددِ أنْ ينقلبَ كمالُكَ نقصاً ، ويعودَ علمُكَ جهلاً . - -.. ويلتحقُ بههذا المثالِ جميعُ متغيراتِ العالمٍ ؛ كعلمِكَ مثلاً بارتفاع جبلٍ ، ومساحةِ أرضٍ ، وبعددِ البلادِ ، وتباعدٍ ما بينَها مِنَ الأميالِ والفراسخِ ، وسائرِ ما يُذكرُ في المسالِكِ والممالِكِ ، وكذلِكَ العلمُ باللغاتِ التي هيَ اصطلاحاتٌ تتغيَّرُ بتغيُّرِ الأعصارِ والأممِ والعاداتِ ، فَهذِهِ علومٌ معلوماتُها مثلُ الزئبقِ ، تتغيَّرُ مِنْ حالٍ إلى حالٍ ، فليسَ فيها كمالٌ إلا في الحالِ ، ولا يبقى كمالاً في القلبِ . والقسمُ الثاني : هيَ المعلوماتُ الأزليَّةُ : وهيَ جوازُ الجائزاتِ ، ووجوبُ الواجباتِ ، واستحالةُ المستحيلاتِ ، فإنَّ هذهِ معلوماتٌ أزليةٌ أبديةٌ؛ إذْ لا يستحيلُ الواجبُ قطُ جائزاً ، ولا الجائزُ محالاً ، ولا المحالُ واجباً ، وكلُّ هذهِ الأقسام داخلةٌ في معرفةِ اللهِ ، وما يجبُ لهُ، وما يستحيلُ في صفاتِهِ ، ويجوزُ في أفعالِهِ ، فالعلمُ باللهِ تعالى وبصفاتِهِ وأفعالِهِ، وحكمتِهِ في ملكوتِ السماواتِ والأرضِ ، وترتيبِ الدنيا ٢٨٧ كتاب ذم الجاه والرياء ربع المهلكات والآخرةِ ، وما يتعلَّقُ بهِ .. هوَ الكمالُ الحقيقيُّ الذي يقرِّبُ مَنْ يتَّصفُ بهِ مِنَ اللهِ تعالىُ ، ويبقى كمالاً للنفسِ بعدَ الموتِ ، فتكونُ هذِهِ المعرفةُ نوراً للعارفينَ بعدَ الموتِ يسعى بينَ أيديهِمْ وبأيمانِهِمْ ، يقولونَ : ربَّنا أتممْ لنا نورَنا ؛ أَيْ : تكونُ هذهِ المعرفةُ رأسَ مالٍ يوصلُ إلى كشفِ ما لمْ ينكشفْ في الدنيا ، كما أنَّ مَنْ معَهُ سراجٌ خفيٌّ .. فإنَّهُ يجوزُ أنْ يصيرَ ذلكَ سبباً لزيادةِ النورِ بسراجٍ آخرَ يقتبسُ منهُ ، فيكملُ النورُ بذلكَ النورِ الخفيِّ على سبيلِ الاستتمامِ، ومَنْ ليسَ معَهُ أصلُ السراجِ .. فلا مطمعَ لهُ في ذلكَ ، فمَنْ ليسَ معَهُ أصلُ معرفةِ اللهِ تعالى .. لمْ يكنْ لهُ مطمعٌ في هذا النورِ ، فيبقى كمَنْ مثلُهُ في الظُّلماتِ ليسَ بخارج مِنْها ، بلْ كظلماتٍ في بحرٍ لجِّيٍّ ، يغشاهُ موجٌ مِنْ فوقِهِ موجٌ مِنْ فوقِهِ سحابٌ ، ظلماتٌ بعضُها فوقَ بعضٍ . فإذاً ؛ لا سعادةَ إلا في معرفةِ اللهِ تعالى، وأمَّا ما عدا ذلكَ مِنَ المعارفِ .. فمنها ما لا فائدةَ لها أصلاً ؛ كمعرفةِ الشِّعرِ وأنسابِ العربِ وغيرِ ذلكَ ، ومِنْها ما لها فائدةٌ في الإعانةِ على معرفةِ اللهِ تعالى ؛ كمعرفةِ لغةِ العربِ ، والتفسيرِ ، والفقهِ ، والأخبارِ ، فإنَّ معرفةَ لغةِ العربِ تعينُ على معرفةِ تفسيرِ القرآنِ ، ومعرفةَ التفسيرِ تعينُ على معرفةِ ما في القرآنِ مِنْ كيفيةِ العباداتِ والأعمالِ التي تفيدُ تزكيةَ النفسِ ، ومعرفةَ طريقِ تزكية النفسِ تفيدُ استعدادَ النفسِ لقبولِ الهدايةِ إلى معرفةِ اللهِ سبحانَهُ وتعالى؛ كما قال تعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَّكَّنِهَا﴾، وقالَ عزَّ وجلَّ: ﴿وَأَلَّذِينَ جَهَدُواْ فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا﴾، ٢٨٨ ربع المهلكات كتاب ذم الجاه والرياء فتكونُ جملةُ هذهِ المعارفِ كالوسائلِ إلى تحقيقِ معرفةِ اللهِ تعالى . وإنَّما الكمالُ في معرفةِ اللهِ تعالى ، ومعرفةِ صفاتِهِ وأفعالِهِ ، وينطوي فیهِ جميعُ المعارفِ المحيطةِ بالموجوداتِ ؛ إذِ الموجوداتُ كلُّها مِنْ أفعالِهِ ، فمَنْ عرفَها مِنْ حيثُ هيَ فعلُ اللهِ تعالى ، ومِنْ حيثُ ارتباطُها بالقدرةِ والإرادةِ والحكمةِ .. فهيَ مِنْ تكملةِ معرفةِ اللهِ تعالى. هذا حكمُ كمالِ العلمِ ذكرناهُ وإنْ لمْ يكنْ لائقاً بأحكام الجاهِ والرياءِ ، ولكنْ أوردناهُ لاستيفاءِ أقسامِ الكمالِ . وأمَّا القدرةُ : فليسَ فيها كمالٌ حقيقيٌّ للعبدِ ، بلْ للعبدِ علمٌّ حقيقيٌّ، وليسَ لهُ قدرةٌ حقيقيةٌ، وإنَّما القدرةُ الحقيقيةُ اللهِ تعالى(١) ، وما يحدثُ مِنَ الأشياءِ عقيبَ إرادةِ العبدِ وقدرتِهِ وحركتِهِ .. فهيَ حادثةٌ بإحداثِ اللهِ ؛ كما قررناهُ في كتابٍ الصيرِ والشكرِ ، وكتابِ التوكلِ ، وفي مواضعَ شتَّى مِنْ ربع المنجياتِ ، (١) ولقائل أن يقول: والعلم كالقدرة أيضاً؛ إذ العلم الحقيقي لله وحده، وعلم العبد حادث بخلق الله سبحانه ، قال عز من قائل: ﴿ وَإِنَّهُ لَذُو عِلْمٍ لِّمَا عَلَّمْتَنَهُ﴾، وللعبد علم يناسب حاله كما أن له قدرة تناسب حاله وتصحح تكليفه ، فالمرادُ بقول المصنف : ( للعبد علم حقيقي ) المعرفةُ التي هي أسُّ كمالات العبد ، وعلة تكليفه الأصيلة ، فحقيقته بصلاحه لطلب غايات الكمال ، وتصوُّر ديمومته للعبد أبد الآباد ، بخلاف القدرة التي هي وسيلة من جهة ، ومن أخرى غير متصوّرة الاستصحاب . ٢٨٩ كتاب ذم الجاه والرياء ربع المهلكات فكمالُ العلمِ يبقى معَهُ بعدَ الموتِ ، ويوصلُهُ إِلى اللهِ تعالى، فأمَّا كمالُ القدرةِ .. فلا . نعمْ ؛ لهُ كمالٌ مِنْ جهةِ القدرةِ بالإضافةِ إلى الحالِ ، وهيَ وسيلةٌ لهُ إلى كمالِ العلمِ ؛ كسلامةِ أطرافِهِ ، وقوَّةٍ يديهِ للبطشِ ، ورجليهِ للمشي ، وحواسِّهِ للإدراكِ ؛ فإنَّ هذهِ القوى آلاتٌّ للوصولِ بها إلى حقيقةِ كمالِ العلمِ ، وقدْ يحتاجُ في استيفاءِ هذِهِ القوىُ إلى القدرةِ بالمالِ والجاهِ للتوصُّل بهِ إلى المطعمِ والمشربِ والملبس والمسكنِ ، وذلكَ إلى قدْرٍ معلوم، فإنْ لمْ يستعملْهُ للوصولِ بهِ إلى معرفةِ جلالِ اللهِ تعالىُ .. فلا خيرَ فيهِ ألبتةَ إلا مِنْ حيثُ اللَّذةُ الحاليةُ التي تنقضي على القربِ ، ومَنْ ظنَّ ذلكَ كمالاً .. فقدْ جهلَ . فالخلقُ أكثرهُمْ هالكونَ في غمرةِ هذا الجهلِ ، فإنَّهُمْ يظنُّونَ أنَّ القدرةَ على الأجْسادِ بقهرِ الحشمةِ ، وعلى أعيانِ الأموالِ بسعةِ الغنى ، وعلى تعظيمِ القلوبِ بسعةِ الجاهِ .. كمالٌ، فلمَّا اعتقدوا ذلكَ .. أحبُّوهُ ، ولمَّا أحبُّوهُ .. طلبوهُ، ولمَّا طلبوهُ .. شُغلوا بهِ ، وتهالكوا عليهِ ، فنسوا الكمالَ الحقيقيَّ الذي يوجبُ القربَ مِنَ اللهِ تعالى ومِنْ ملائكتِهِ ، وهوَ العلمُ والحريَّةُ ، أمَّا العلمُ .. فما ذكرناهُ مِنْ معرفةِ اللهِ تعالى، وأمَّا الحريةُ .. فالخلاصُ مِنْ أسرِ الشهواتِ وغموم الدنيا ، والاستيلاءُ عليها بالقهرِ ؛ تشبهاً بالملائكةِ الذينَ لا تستفزُّهُمُ الشهوةُ ، ولا يستهويهِمُ الغضبُ ، فإنَّ دفعَ آثارِ الغضبِ والشهواتِ عنِ النفسِ مِنَ الكمالِ الذي هوَ منْ صفاتِ الملائكةِ . ومِنْ صفاتِ الكمالِ اللهِ تعالى استحالةُ التغيُّرِ والتأثّرِ عليهِ ، فمَنْ كانَ عنِ ٢٩٠ ن ربع المهلكات كتاب ذم الجاه والرياء التغيُّرِ والتأثّرِ بالعوارضِ أبعدَ .. كانَ إلى اللهِ تعالى أقربَ ، وبالملائكةِ أشبهَ ، ومنزلتُهُ عندَ اللهِ أعظمَ ، وهذا كمالٌ ثالثٌ سوى كمالِ العلمِ والقدرةِ ، وإنَّما لمْ نوردْهُ في أقسام الكمالِ ؛ لأنَّ حقيقتَهُ ترجعُ إلى عدمِ ونقصانٍ ، فإنَّ التغيُّرَ نقصانٌ؛ إذْ هوَ عبارةٌ عنْ عدم صفةٍ كائنةٍ وهلاكِها ، والهلاكُ نقصٌ في الذاتِ وفي صفاتِ الكمالِ للذاتِ . فإذاً ؛ الكمالاتُ ثلاثةٌ - إنْ عددنا عدمَ التغيُّرِ بالشهواتِ وعدمَ الانقيادِ لها كمالاً - : كمالُ العلم ، وكمالُ القدرةِ ، وكمالُ الحريةِ ؛ وأعني بهِ : عدمَ العبودية للشهواتِ وإراداتِ الأسبابِ الدُّنيويةِ ، وكمالُ القدرةِ للعبدِ طريقٌ إلى اكتسابِ كمالِ العلمِ وكمالِ الحريةِ ، ولا طريقَ لهُ إلى اكتسابِ كمالٍ القدرةِ الباقيةِ بعدَ موتِهِ ؛ إذْ قدرتُهُ على أعيانِ الأموالِ وعلى استسخارِ القلوبِ والأبدانِ تنقطعُ بالموتِ ، ومعرفتُهُ وحرِّيَّتُهُ لا ينعدمانِ بالموتِ ، بلْ يبقيانِ كمالاً فيهِ ، ووسيلةً إلى القربِ مِنَ الله تعالى . فانظر كيفَ انقلبَ الجاهلونَ وانكبُّوا على وجوهِهِمُ انكبابَ العميانِ ، فأقبلوا على طلبٍ كمالِ القدرةِ بالجاهِ والمالِ ، وهوَ الكمالُ الذي لا يسلمُ ، وإن سلمَ .. فلا بقاءَ لهُ، وأعرضوا عنْ كمالِ الحريَّةِ والعلمِ الذي إذا حصلَ .. كانَ أبديّاً لا انقطاعَ لهُ، وهؤلاءِ همُ الذينَ اشترَوُا الحياةَ الدنيا بالآخرةِ ، فلا جرَم لا يُخفَّفُ عنهُمُ العذابُ ولا هُمْ يُنظرونَ ، وهمُ الذينَ لم يفهموا قولَهُ تعالى: ﴿ الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَوَةِ الدُّنْيَأُ وَالْبَقِيَتُ الصَّلِحَتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِكَ ثَوَابًا وَخَيْرُّ أَمَلًا ﴾، فالعلمُ والحريةُ هيَ الباقياتُ الصالحاتُ التي تبقىُ ٢٩١ كتاب ذم الجاه والرياء ربع المهلكات كمالاً في النفسِ ، والمالُ والجاهُ هوَ الذي ينقضي على القربِ ، وهوَ كما مثَّلَهُ اللهُ تعالى حيثُ قالَ: ﴿ إِنَّمَا مَثَلُ الْحَيَوَةِ الدُّنْيَا كُمَآءٍ أَنْزَلْنَهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ، نَبَاتُ الْأَرْضِ ... ﴾ الآيةَ، وقال تعالى: ﴿ وَأَضْرِبْ لَهُمْ مَّثَلَ الْحَيَوَةِ الدُّنْيَا كَمَآءَ أَنزَلْنَهُ مِنَ السَّمَآءِ﴾ إلى قولِهِ: ﴿فَأَصْبَحَ هَشِيمًا نَذْرُوهُ اُلْرِّيَحُ﴾، وكلُّ ما تذروهُ رياحُ الموتِ فهوَ زهرةُ الحياةِ الدنيا ، وكلُّ ما لا يقطعُهُ الموتُ فهوَ الباقياتُ الصالحاتُ . فقدْ عرفتَ بهذا أنَّ كمالَ القدرةِ بالمالِ والجاهِ كمالٌ ظنيٌّ لا أصلَ لهُ ، وأنَّ مَنْ قَصَرَ الوقتَ على طلبهِ وظنَّهُ مقصوداً فهوَ جاهلٌ . M وإليهِ أشارَ أبو الطيِّبِ بقولِهِ (١) : مَخافَةَ فَقْرِ فَاَلَّذِي فَعَلَ اٌلْفَقْرُ وَمَنْ يُنْفِقِ السَّاعاتِ فِي جَمْعِ مالِهِ إلا قدْرَ البُلْغةِ منهما إلى الكمالِ الحقيقيِّ، اللهمَّ؛ اجعلْنا ممَّنْ وفقتَهُ للخيرِ وهديتهُ بلطفِكَ . (١) البيت في ((ديوانه بشرح العكبري)) (١٥٠/٢). ٢٩٢ جن حة كن ربع المهلكات كتاب ذم الجاه والرياء بيان ،المحمد من حبّ الجاه وما يُدم مهما عرفتَ أنَّ معنى الجاهِ ملكُ القلوبِ والقدرةُ عليها .. فحكمُهُ حكمُ ملكِ الأموالِ ، فإنَّهُ عرَضٌ مِنْ أعراضِ الحياةِ الدنيا ، وينقطعُ بالموتِ كالمالِ ، والدنيا مزرعةُ الآخرةِ ، فكلُّ ما خُلقَ في الدنيا فيمكنُ أنْ يُتزوَّدَ مِنْهُ للآخرةِ ، وكما أنَّهُ لا بدَّ مِنْ أدنى مالٍ لضرورةِ المطعمِ والمشربِ والملبسِ .. فلا بدَّ مِنْ أدنى جاهٍ لضرورةِ المعيشةِ معَ الخلقِ ، والإنسانُ كما لا يستغني عنْ طعام يتناولُهُ فيجوزُ أن يحبّ الطعامَ أوِ المالَ الذي يبتاعُ بهِ الطعامَ .. فكذلكَ لا يخلو عنِ الحاجةِ إلى خادمٍ يخدمُهُ ، ورفيقٍ يعينُهُ ، وأستاذٍ يرشدُهُ، وسلطانٍ يحرسُهُ ويدفعُ عنهُ ظلمَ الأشرارِ، فحبُّهُ لأنْ يكونَ لهُ في قلبٍ خادمِهِ مِنَ المحلِّ ما يدعوهُ إلى الخدمةِ ليسَ بمذموم ، وحبُّهُ لأنْ سے يكونَ لهُ في قلبٍ رفيقِهِ مِنَ المحلِّ ما يحسِنُ بهِ مرافقتَهُ ومعاونتَهُ ليسَ بمذموم ، وحُّهُ لأَنْ يكونَ لهُ في قلبٍ أستاذِهِ مِنَ المحلِّ ما يحسِنُ بهِ إرشادَهُ وتعليمَهُ والعنايةَ بهِ ليسَ بمذمومٍ ، وحبُّهُ لأنْ يكونَ لَهُ مِنَ المحلِّ في قلبٍ سلطانِهِ ما يحثُّهُ ذلكَ على دفع الشرِّ عنْهُ ليسَ بمذمومٍ ؛ فإنَّ الجاهَ وسيلةٌ إلى الأغراضِ كالمالِ ، فلا فرقَ بينَهُما . إلا أنَّ التحقيقَ في هذا يفضي إلى ألا يكونَ المالُ والجاهُ في أعيانِهِما محبوبينٍ ، بلْ ينزلُ ذلكَ منزلةَ حبِّ الإنسانِ أنْ يكونَ في دارِهِ بيتُ ماءٍ ؛ لأنَّهُ مضطرّ إليهِ لقضاءِ حاجتِهِ ، وكانَ يودُّ لوِ استغنىُ عنْ قضاء الحاجةِ حتَّى ٢٩٣ كتاب ذم الجاه والرياء ربع المهلكات يستغنيَ عنْ بيتِ الماءِ ، وهذا على التحقيقِ ليسَ بحبٌّ لبيتِ الماءِ ، فكلُّ ما يُرادُ للتوصُّلِ بهِ إلى محبوبٍ .. فالمحبوبُ هوَ المقصودُ المتوصَّلُ إليهِ . وتُدركُ التفرقةُ بمثالٍ آخرَ ؛ وهوَ أنَّ الرجلَ قدْ يحبُّ زوجتَهُ مِنْ حيثُ إنَّهُ يدفعُ بها فضلةَ الشهوةِ كما يدفعُ ببيتِ الماءِ فضلةَ الطعام ، ولوْ كُفَيَ مؤنةً الشهوةِ .. لكانَ يهجرُ زوجتهُ، كما أنَّهُ لوْ كُفِيَ قضاءَ الحاجةِ .. لكانَ لا يدخلُ بيتَ الماءِ ولا يدورُ بهِ ، وقدْ يحبُّ زوجتهُ لذاتِها حبَّ العشّاقِ ، ولوْ كُفِي الشهوةَ .. لبقيَ مستصحباً لنكاحِها ، فهذا هوَ الحبُّ دونَ الأولِ، وكذلكَ الجاهُ والمالُ قدْ يحبُّ كلَّ واحدٍ منهُما على هذينِ الوجهينِ ، فحبُّهُما لأجلِ التوصُّلِ بهِما إلى مهمَّاتِ البدنِ غيرُ مذموم ، وحبُّهُما الأعيانِهِما فيما يجاوزُ ضرورةَ البدنِ وحاجتهُ مذمومٌ، ولكنَّهُ لا يُوصفُ صاحبُهُ بالفسقِ والعصيانِ ما لمْ يحملْهُ الحبُّ على مباشرةِ معصيةٍ ، وما لمْ يتوصَّلْ إلى اكتسابِهِ بكذبٍ وخداعٍ وارتكابٍ محظورٍ ، وما لمْ يتوصَّلْ إلى اكتسابِهِ بعبادةٍ ؛ فإنَّ التوصُّلَ إلى الجاهِ والمالِ بالعبادةِ جنايةٌ على الدينِ ، وهوَ حرامٌ ، وإليه يرجعُ معنى الرِّياءِ المحظورِ كما سيأتي . حن فإنْ قلتَ : طلبُهُ المنزلةَ والجاهَ في قلبِ أستاذِهِ وخادمِهِ ورفیقِهِ وسلطانِهِ ومَنْ يرتبطُ بهِ أمرُهُ .. مباحٌ على الإطلاقِ كيفما كانَ، أَوْ يُباحُ إلى حدٍّ مخصوص وعلى وجهٍ مخصوصٍ ؟ ٢٩٤ ربع المهلكات كتاب ذم الجاه والرياء فأقولُ : يُطلبُ ذلكَ على ثلاثةِ أوجهِ : وجهانِ منها مباحانِ ، ووجهٌ محظورٌ . أمَّا الوجهُ المحظورُ : فهوَ أنْ يطلبَ قيامَ المنزلةِ في قلوبِهِمْ باعتقادِهِمْ فيهِ صفةً هوَ منفكٌّ عنها ؛ مثلَ العلمِ والورع والنسبِ ، فيظهرُ لهُمْ أنَّهُ علويٌّ أوْ عالمٌ أوْ ورِعٌ ولا يكونُ كذلكَ ، فهذا حرامٌ ؛ لأنَّهُ كذبٌ وتلبيسٌ ؛ إمَّا بالقولِ وإمَّا بالمعاملةِ . وأمَّا أحدُ المباحينِ : فهوَ أنْ يطلبَ المنزلةَ بصفةٍ هوَ متصفٌ بها ؛ كقولٍ يوسفَ عليهِ السلامُ فيما أخبرَ عنهُ الربّ تعالى: ﴿أَجْعَلْنِى عَلَى خَآبِنِ الْأَرْضِ إِلَّى حَفِيظُ عَلِيمٌ﴾ فإنَّهُ طلبَ المنزلةَ في قلبهِ بكونِهِ حفيظاً عليماً ، وكانَ محتاجاً إليهِ ، وكانَ صادقاً فيهِ . والثاني : أنْ يطلبَ إخفاءَ عيبٍ مِنْ عيوبِهِ ومعصيةٍ مِنْ معاصيهِ حتَّى لا يُعلَمَ، فلا تزولَ منزلتُهُ بهِ ، فهذا أيضاً مباحٌ ؛ لأنَّ حفظَ السترِ على القبائح جائزٌ ، ولا يجوزُ هتكُ السترِ وإظهارُ القبيحِ ، وهذا ليسَ فيهِ تلبيسٌ ، بلْ هوَ سدٌّ لطريقِ العلمِ بما لا فائدةَ في العلمِ بهِ ؛ كالذي يُخفي عنٍ السلطانِ أنَّهُ يشربُ الخمرَ ، ولا يلقي إليهِ أنَّهُ ورعٌ ؛ فإنَّ قولَهُ : إنِّي ورعٌ تلبيسٌ ، وعدمُ إقرارِهِ بالشربِ لا يوجبُ اعتقادَ الورع ، بلْ يمنعُ العلمَ بالشرب . ومِنْ جملةِ المحظوراتِ : تحسينُ الصلاةِ بينَ يديهِ ؛ ليحسُنَ فيهِ ٢٩٥ ـكن كتاب ذم الجاه والرياء ربع المهلكات اعتقادُهُ، فإِنَّ ذلكَ رياءٌ، وهوَ ملبٌِّ؛ إذْ يخيِّلُ إليهِ أنَّهُ مِنَ المخلصينَ الخاشعينَ اللهِ تعالى ، وهوَ مراءٍ بما يفعلُهُ ، فكيفَ يكونُ مخلصاً ؟! فطلبُ الجاهِ بهذا الطريقِ حرامٌ ، وكذا بكلِّ معصيةٍ ، وذلكَ يجري مجری اکتسابِ المالِ مِنْ غيرِ فرقٍ ، وكما لا يجوزُ أنْ يتملَّكَ مالَ غيرِهِ بتلبيسٍ في عوضٍ أوْ في غيرِهِ .. فلا يجوزُ لهُ أن يتملَّكَ قلبَهُ بتزويرٍ وخداع ؛ فإنَّ ملكَ القلوبِ أعظمُ مِنْ ملكِ الأموالِ . ٢٩٦ ربع المهلكات كتاب ذم الجاه والرياء بيان السبب في حبّ المدح والثناء وارتياح النفسيله، وكيل الطّباع إليه، وبعضها للّ ونفرضًا منه اعلمْ : أنَّ لحبِّ المدحِ والتذاذِ القلبِ بهِ أربعةَ أسبابٍ : السببُ الأولُ - وهوَ الأقوىُ - : شعورُ النفسِ بالكمالِ، فإنَّا بِيَّنَا أنَّ الكمالَ محبوبٌ، وكلُّ محبوبٍ فإدراكُهُ لذيذٌ ، فمهما شعرَتِ النفسُ بكمالِها .. ارتاحَتْ، واهتزَّتْ وتلذَّذَتْ، والمدحُ يشعرُ نفسَ الممدوحِ بكمالِها ، فإنَّ الوصفَ الذي بهِ مدحٌ لا يخلو: إمَّا أنْ يكونَ جليّاً ظاهراً ، أوْ يكونَ مشكوكاً فیهِ . فإنْ كانَ جليّاً ظاهراً محسوساً .. كانَتِ اللَّذَّةُ فيهِ أقلَّ، ولكنَّهُ لا يخلو عنْ لذَّةِ ؛ كثنائِهِ عليهِ بأنَّهُ طويلُ القامةِ ، أبيضُ اللونِ ، فإنَّ هذا نوعُ كمالٍ ، ولكنَّ النفسَ تغفُلُ عنهُ، فتخلو عنْ للَّتِهِ، فإذا أُشعرَ بهِ .. لمْ يخلُ حدوثُ الشعورِ عنْ حدوثِ لذَّةٍ . وإنْ كانَ ذلكَ الوصفُ ممَّا يتطرّقُ إليهِ الشَّكُّ .. فاللذَّهُ فِيهِ أعظمُ ؛ كالثناءِ عليهِ بكمالِ العلمِ ، وكمالِ الورعِ ، وبالحسنِ المطلقِ ، فإنَّ الإنسانَ ربَّما يكونُ شاكّاً في كمالِ حسنِهِ ، وكمالِ علمِهِ ، وكمالٍ ورِهِ ، ويكونُ مشتاقاً إلى زوالِ هذا الشكِّ ؛ بأنْ يصيرَ مستيقناً لكونِهِ عديمَ النظيرِ في هذهِ الأمورِ ؛ إذْ تطمئنُ نفسُهُ إليهِ ، فإذا ذكرَهُ غيرُهُ .. أورثَ ذلكَ طمأنينةً وثقةً ٢٩٧ كتاب ذم الجاه والرياء ربع المهلكات باستشعارِ ذلكَ الكمالِ، فتعظمُ لذَّتُهُ، وإنَّما تعظمُ اللذَّةُ بهذهِ العلَّةِ مهما صدرَ الثناءُ مِنْ بصيرِ بهذهِ الصفاتِ ، خبيرٍ بها ، لا يجازفُ في القولِ إلا عنْ تحقيقٍ ، وذلكَ كفرحِ التلميذِ بثناءِ أستاذِهِ عليهِ بالكياسةِ والذكاءِ وغزارةٍ الفضلِ ، فإنَّهُ في غايةِ اللذَّةِ ، وإنْ صدرَ ممَّنْ يجازفُ في الكلام أوْ لا يكونُ بصيراً بذلكَ الوصفِ .. ضعُفَتِ اللذَّةُ . وبهذهِ العلَّةِ يبغضُ الذَّمَّ أيضاً ويكرهُهُ ؛ لأنَّهُ يشعرُهُ بنقصانِ نفسِهِ ، والنقصانُ ضدُّ الكمالِ المحبوبِ ، فهوَ ممقوتٌ، والشعورُ بهِ مؤلمٌ، ولذلكَ يعظمُ الألمُ إذا صدرَ الذَُّ مِنْ بصيرٍ موثوقٍ بهِ ، كما ذكرناهُ في المدحِ . السببُ الثاني : أنَّ المدحَ يدلُّ على أنَّ قلبَ المادحِ مملوكٌ للممدوحِ ، وأنَّهُ مريدٌ لهُ، ومعتقدٌ فيهِ ، ومسخّرٌ تحتَ مشيئتِهِ ، وملكُ القلوبِ محبوبٌ ، والشعورُ بحصولِهِ لذيذٌ، وبهذهِ العلَّةِ تعظمُ اللَّذةُ مهما صدرَ الثناءُ ممَّنْ تَشَّسعُ قدرتُهُ، وينتفعُ باقتناصِ قلبِهِ ؛ كالملوكِ والأكابرِ ، ويضعفُ مهما كانَ المُثني ممَّنْ لا يُؤْبَهُ لهُ ، ولا يقدرُ على شيءٍ ، فإنَّ القدرةَ عليهِ بملكِ قلبهِ قدرةٌ على أمرٍ حقيرٍ ، فلا يدلُّ المدحُ إلا على قدرةٍ قاصرةٍ ، وبهذهِ العلَّةِ أيضاً يُكرِهُ الذَّمُ، ويتألَّمُ بهِ القلبُ، وإذا كانَ مِنَ الأكابرِ .. كانَتْ نكايتُهُ أعظمَ ؛ لأنَّ الفائتَ بهِ أعظمُ . ٢٩٨ ربع المهلكات كتاب ذم الجاه والرياء السببُ الثالثُ : أَنَّ ثناءَ المُثني ومدحَ المادحِ سببٌ لاصطيادِ قلبٍ كلِّ مَنْ يسمعُهُ ، لا سيَّما إذا كانَ ممَّنْ يُلتفتُ إلى قولِهِ ، ويُعتدُّ بثنائِهِ ، وهذا يختصُّ بثناءٍ يقعُ على الملأِ، فلا جرمَ كلَّما كانَ الجمعُ أكثرَ والمُثني أجدرَ بأنْ يُلتفتَ إلى قولِهِ .. كانَ المدحُ ألذَّ، والذمُ أشدَّ على النفسِ . السببُ الرابعُ : أنَّ المدحَ يدلُّ على حشمةِ الممدوحِ ، واضطرارِ المادحِ إلى إطلاقِ اللسانِ بالثناءِ عليهِ؛ إمَّا عنْ طوع ، وإمَّا عنْ قهرٍ ، فإنَّ الحشمةَ أيضاً لذيذةٌ؛ لما فيها مِنَ القهرِ والقدرةِ ، وهذهِ اللذَّهُ تحصلُ وإنْ كانَ المادحُ لا يعتقدُ في الباطنِ ما مدحَ بهِ ، ولكنْ كونُهُ مضطراً إلی ذکرِهِ نوعُ قھرِ واستيلاءِ عليهِ ، فلا جرمَ تكونُ لذَّتُهُ بقدْرِ تمنُّعِ المادحِ وقوَّتِهِ ، فتكونُ للَّهُ ثناءِ القويِّ الممتنعِ عنِ التواضعِ بالثناءِ أشدَّ . فهذهِ الأسبابُ الأربعةُ قدْ تجتمعُ في مدحِ مادحٍ واحدٍ فيعظُمُ بها الالتذاذُ ، وقد تفترقُ فتنقصُ اللَّذَّةُ بها . أمَّا العلةُ الأولى وهيَ استشعارُ الكمالِ .. فتندفعُ بأنْ يعلمَ الممدوحُ أنَّهُ غيرُ صادقٍ في مدحِهِ؛ كما إذا مُدِحَ بأنَّهُ نسيبٌ، أو سخيٍّ، أو عالمٌ بعلمٍ ، أو متورِّعٌ عنِ المحظوراتِ ، وهوَ يعلمُ مِنْ نفسِهِ ضَّ ذلكَ ، فتزولُ اللَّذَّةُ التي سببُها استشعارُ الكمالِ، وتبقى لذَّهُ الاستيلاءِ على قلبهِ وعلى لسانِهِ وبقيةُ اللَّذَّاتِ. ٢٩٩ كتاب ذم الجاه والرياء ربع المهلكات فإنْ كانَ يعلمُ أنَّ المادحَ ليسَ يعتقدُ ما يقولُهُ ويعلمُ خلوَّهُ عنْ هذهِ الصفةِ .. بطلَتِ اللذَّةُ الثانيةُ، وهوَ استيلاؤُهُ على قلبهِ، وتبقى لذَّهُ الاستيلاءِ بالحشمةِ على اضطرارِ لسانِهِ إلى النطقِ بالثناءِ . فإنْ لمْ يكنْ ذلكَ عنْ خوفٍ ، بلْ كانَ بطريقِ اللَّعِبِ .. بطلَتِ اللَّذاتُ كلّها ، فلمْ يكنْ في المدح أصلاً لذةٌ ؛ لفواتِ الأسبابِ الثلاثةِ . فهذا ما يكشفُ الغطاءَ عنْ علَّةِ التذاذِ النفسِ بالمدحِ ، وتألُّمِها بسببٍ الذَّمِّ ، وإنَّما ذكرناهُ ليُعرفَ طريقُ العلاج لحبِّ الجاهِ ، وحبِّ المحمدةِ ، وخوفِ المذمَّةِ ، فإنَّ ما لا يُعرفُ سببُهُ لا يمكنُ معالجتُهُ؛ إذِ العلاجُ عبارةٌ عنْ حلِّ أسبابِ المرضِ ، واللهُ الموفقُ بكرمِهِ ولطفِهِ ، وصلَّى اللهُ على كلِّ عبدٍ مصطفىّ . ٣٠٠