Indexed OCR Text
Pages 261-280
ربع المهلكات كتاب ذم الجاه والرياء امرىءٍ مِنَ الشَّرِّ أنْ يشيرَ الناسُ إليهِ بالأصابع في دينِهِ ودنياهُ إلا مَنْ عصمَهُ اللهُ))(١). وقالَ جابرُ بنُ عبدِ اللهِ: قالَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: (( بحسبٍ المرءِ مِنَ الشرِّ - إلا مَنْ عصمَهُ اللهُ مِنَ السوءِ - أنْ يشيرَ الناسُ إليهِ بالأصابعِ في دينِهِ ودنياهُ ، إنَّ اللهَ لا ينظرُ إلى صورِكُمْ، ولكنْ ينظرُ إلى قلوبِكُمْ وإلى أعمالِكُمْ))(٢) . ولقدْ ذكرَ الحسنُ رحمهُ اللهُ للحديثِ تأويلاً لا بأسَ بهِ؛ إذْ روى هذا الحديثَ، فقيلَ لهُ: يا أبا سعيدٍ؛ إنَّ الناسَ إذا رأَوكَ .. أشاروا إليكَ بالأصابع ، قالَ: إِنَّهُ لمْ يعنِ هذا، إنَّما عنى بهِ المبتدعَ في دينِهِ ، والفاسقَ في دنياهُ(٣). وقالَ عليٍّ رضيَ اللهُ عنهُ: ( تبذَّلْ، لا تشتهرْ، ولا ترفعْ شخصَكَ لتُذكرَ وتُعلَمَ، واكتُمْ واصمُتْ .. تسلمْ، تسؤُّ الأبرارَ وتغيظُ الفجارَ )(٤). (١) رواه ابن أبي الدنيا في ((التواضع والخمول)) (٣٠)، والبيهقي في (( الشعب)) ( ٦٥٨٠ ) . (٢) رواه ابن أبي الدنيا في ((التواضع والخمول)) (٣١)، وقوله صلى الله عليه وسلم : ((إن الله لا ينظر إلى صوركم ... )) رواه مسلم (٢٥٦٤) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه . (٣) روى ابن أبي الدنيا في ((التواضع والخمول)) (٣٢) عن الحسن مرسلاً: ((حسب المرء من الشر أن يشار إليه بالأصابع في دينه ودنياه))، وروى قوله هنا عقبه ( ٣٣)، قال الحكيم الترمذي في ((نوادر الأصول)) ( ص ١٢٠) بعد رواية حديث الحسن : ( إنما يشار إليه في دين لأنه أحدث بدعة ومنكراً ، وفي دنيا أحدث منكراً من الكبائر ) . (٤) رواه ابن أبي الدنيا في (( التواضع والخمول)) (٣٤). ٢٦١ كتاب ذم الجاه والرياء ربع المهلكات وقالَ إبراهيمُ بنُ أدهمَ : ( ما صدقَ اللهَ مَنْ أحبَّ الشهرةَ)(١). وقالَ أيوبُ السختيانيُّ : ( واللهِ ؛ ما صدقَ اللهَ عبدٌ إلا سرَّهُ ألا يُشعرَ بمكانِهِ) (٢). وعنْ خالدِ بنِ معدانَ أنَّهُ كانَ إذا كثُرَتْ حلقتُهُ .. قامَ مخافةً الشهرةِ (٣). وعنْ أبي العاليةِ أنَّهُ كانَ إذا جلسَ إليهِ أكثرُ مِنْ ثلاثةٍ .. قامَ(٤) . ورأى طلحةُ قوماً يمشونَ معَهُ أكثرَ مِنْ عشرةٍ ، فقالَ : ذبابُ طمعٍ ، وفَراشُ نارٍ (٥) . وقالَ سُليمُ بنُ حنظلةَ : بينا نحنُ حولَ أُبيِّ بنِ كعبٍ نمشي خلفَهُ ؛ إذْ رآهُ عمرُ رضيَ اللهُ عنهُ ، فعلاهُ بالدِّرَّةِ ، فقالَ : انظرْ يا أميرَ المؤمنينَ ما تصنعُ ، فقالَ : إنَّ هذهِ ذلةٌ للتابع ، وفتنةٌ للمتبوع(٦). (١) رواه أبو نعيم في ((الحلية)) (٣١/٨)، والبيهقي في ((الشعب)) (٦٥٧٦) . (٢) رواه ابن أبي الدنيا في ((التواضع والخمول)) (٣٥). e: (٣) رواه ابن أبي الدنيا في ((التواضع والخمول)) (٤٦). (٤) رواه ابن أبي الدنيا في ((التواضع والخمول)) ( ٤٧). (٥) رواه ابن أبي الدنيا في (( التواضع والخمول)) (٥٠). (٦) رواه ابن أبي الدنيا في ((التواضع والخمول)) (٥١)، وقد أورد نصر بن مزاحم في (( وقعة صفين)) (٥٣٢)، وروى الطبري في ((تاريخه)) (٦٢/٥) أن حرب بن شرحبيل - وكان ذا شأن في قومه - أقبل يمشي مع سيدنا علي رضي الله عنه وهو راكب ، فقال له علي : ارجع ، فإن مشي مثلك مع مثلي فتنة للوالي ومذلة للمؤمن . ٢٦٢ ربع المهلكات كتاب ذم الجاه والرياء وعنِ الحسنِ قالَ : خرجَ ابنُ مسعودٍ يوماً مِنْ منزِلِهِ ، فاتَّبِعَهُ أناسٌ ، فالتفَتَ إليهِمْ فقالَ : علامَ تتبعوني؟ فواللهِ ؛ لوْ تعلمونَ ما أُغلقَ عليهِ بابي .. ما اتَّبِعَني منكُمْ رجلانٍ(١) . وقالَ الحسنُ : ( إنَّ خفقَ النعالِ حولَ الرجالِ قلَّما تثبتُ معَهُ قلوبُ الحمقى )(٢) . وخرجَ الحسنُ ذاتَ يومٍ فاتبعَهُ قومٌ ، فقالَ : هلْ لَكُمْ مِنْ حاجةٍ ؟ وإلا .. فما عسىُ أنْ يبقيَ هذا مِنْ قلبِ المؤمنِ؟(٣). ورُويَ أنَّ رجلاً صحبَ ابنَ محيريزٍ في سفرٍ ، فلمَّا فارقَهُ .. قالَ : أوصني ، قالَ : إن استطعتَ أنْ تَعْرفَ ولا تُعْرفَ ، وتمشيَ ولا يُمشى إليكَ، وتسألَ ولا تُسألَ .. فافعلْ (٤). وخرجَ أيوبُ في سفرٍ ، فتبعَهُ ناسٌ كثيرٌ ، فقالَ : لولا أنِّي أعلمُ أنَّ اللهَ يعلمُ مِنْ قلبي أنِّي لهذا كارهٌ .. لخشيتُ المقتَ مِنَ اللهِ تعالى(٥) . وقالَ معمرٌ : عاتبتُ أيوبَ على طولِ قميصِهِ ، فقالَ : إنَّ الشهرةَ فيما مضىْ كانَتْ في طولِهِ ، وهيَ اليومَ في تشميرِهِ(٦) . (١) رواه ابن أبي الدنيا في ((التواضع والخمول)) ( ٥٢). (٢) رواه ابن أبي الدنيا في ((التواضع والخمول)) ( ٥٣). (٣) رواه ابن أبي الدنيا في ((التواضع والخمول)) (٥٤). (٤) رواه ابن أبي الدنيا في ((التواضع والخمول)) (٥٥)، وفيه وفي (ب): (ألا تعرف ). (٥) رواه ابن أبي الدنيا في (( التواضع والخمول)) (٥٩)، وأيوب هو السختياني. (٦) رواه ابن أبي الدنيا في ((التواضع والخمول)) (٦١). ـة ٢٦٣ كتاب ذم الجاه والرياء ربع المهلكات وقالَ بعضُهُمْ : كنَّا معَ أبي قلابةَ ؛ إذْ دخلَ عليهِ رجلٌ عليهِ أكسيةٌ ، فقالَ : إِيَّاكمْ وهذا الحمارَ النَّاقَ .. يشيرُ بهِ إلى طلبِ الشهرةِ(١). وقالَ الثوريُّ : ( كانوا يكرهونَ الشهرتينِ ؛ الثيابَ الجِيِّدةَ ، والثيابَ الرديئةَ؛ إذِ الأبصارُ تمتدُّ إليهما جميعاً)(٢). وقالَ رجلٌ لبشرِ بنِ الحارثِ : أوصني ، فقالَ : أَخِمِلْ ذكرَكَ ، وطيِّبْ مطعمَكَ(٣). وكانَ حوشبٌ يبكي ويقولُ: بلغَ اسمي مسجدَ الجامعِ(٤). وقالَ بشرٌ: ( ما أعرفُ رجلاً أحبّ أنْ يُعرفَ إلا ذهبَ دينُهُ وافتَضَحَ )(٥) . وقال أيضاً : ( لا يجدُ حلاوةَ الآخرةِ رجلٌ يحبُّ أنْ يعرفَهُ الناسُ)(٦) . (١) رواه ابن أبي الدنيا في ((التواضع والخمول)) (٦٥). (٢) رواه ابن أبي الدنيا في ((التواضع والخمول)) (٦٤)، وجاء النهي عن الشهرتين مرفوعاً كما رواه البيهقي في ((الشعب)) (٥٨٢١) وقد سئل صلى الله عليه وسلم : ما الشهرتان ؟ فقال: (( رقة الثياب وغلظها ، ولينها وخشونتها ، وطولها وقصرها ، ولكن سداد فيما ذلك واقتصاد )) . (٣) رواه ابن أبي الدنيا في ((التواضع والخمول)) (٦٩). (٤) رواه ابن أبي الدنيا في (( التواضع والخمول)) ( ٧٠). (٥) رواه ابن أبي الدنيا في (( التواضع والخمول)) ( ٧٢). (٦) رواه ابن أبي الدنيا في ((التواضع والخمول)) ( ٧٢). ٢٦٤ ربع المهلكات کتاب ذم الجاه والرياء بيان فضيلة الخمول قالَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ : ((رُبَّ أشعثَ أغبرَ ذي طمرينٍ ، لا يُؤْبَهُ لهُ، لَوْ أقسم على اللهِ .. لأبرَّهُ، مِنهُمُ البراءُ بنُ مالكٍ))(١) . وقالَ ابنُ مسعودٍ رضيَ اللهُ عنهُ: قالَ النبيُّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ : ((رُبَّ ذي طمرينٍ، لا يُؤبَهُ لهُ، لوْ أقسَمَ على اللهِ .. لأبرَّهُ، لوْ قالَ: اللَّهمَّ ؛ أسألُكَ الجنَّةَ .. لأعطاهُ الجنَّةَ، ولمْ يعطِهِ مِنَ الدنيا شيئاً )) (٢). وقالَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ : ((ألاَ أدلُكُمْ على أهلِ الْجِنَّةِ ؟ كلُّ ضعيفٍ متضعِّفٍ، لو أقسم على اللهِ .. لأبرَهُ، وأهلُ النَّارِ كلُّ مستكبرٍ جوَّاظٍ))(٣). وقالَ أبو هريرةً : قالَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: ((إنَّ أهلَ الجنَّةِ كلُّ أشعثَ أغبرَ ذي طمرينٍ لا يُؤبَّهُ لهُ ، الذينَ إذا استأذنوا على الأمراءِ .. لمْ يُؤْذَنْ لهُمْ، وإذا خطبوا النساءَ .. لمْ يُنكحوا، وإذا قالوا .. لمْ يُنصَتْ لقولِهِمْ، (١) رواه الترمذي (٣٨٥٤)، وأصله عند مسلم ( ٢٦٢٢) . (٢) رواه تمام في ((فوائده)) ( ١٦٦٣)، وقال الحافظ العراقي: (رواه ابن أبي الدنيا ، ومن طريقه أبو منصور الديلمي في ((مسند الفردوس)) بسند ضعيف). ((إتحاف)) (٢٣٥/٨). (٣) رواه البخاري (٤٩١٨)، ومسلم ( ٢٨٥٣) . ٢٦٥ كتاب ذم الجاه والرياء ربع المهلكات حوائجُ أحدِهِمْ تتجلجلُ في صدرِهِ ، لوْ قُسِّمَ نورُهُ يومَ القيامةِ على الناسِ .. لوسعَهُمْ))(١) . وقالَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ : ((إنَّ مِنْ أمَّتِي مَنْ لوْ أتى أحدَكُمْ فسألَهُ ديناراً .. لمْ يعطهِ إِيَّاهُ، ولو سألَهُ درهماً .. لمْ يعطِهِ إِيَّهُ، ولوْ سألَهُ فَلساً .. لمْ يعطِهِ إِيَّهُ ، ولوْ سألَ اللهَ تعالى الجنَّةَ .. أعطاهُ إِيَّاها، ولوْ سألَهُ الدنيا .. لمْ يعطِهِ إِيَّاها ، وما منعَها إِيَّاهُ لهوانِهِ عليهِ، ذو طمرينٍ لا يُؤْبَهُ لهُ، لوْ أقسمَ على اللهِ .. لأبرّهُ))(٢). 13 ورُوِيَ أنَّ عمرَ رضيَ اللهُ عنهُ دخلَ المسجدَ ، فإذا هوَ بمعاذِ بنِ جبلٍ يبكي عندَ قبرِ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ ، فقالَ : ما يبكيكَ ؟ فقالَ : سمعتُ رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ يقولُ: ((إنَّ اليسيرَ مِنَ الرياءِ شركٌ، وإنَّ اللهَ تعالى يحبُّ الأتقياءَ الأخفياءَ ، الذينَ إنْ غابوا .. لمْ يُفقدوا ، وإنْ حضروا .. لمْ يُعرفوا ، قلوبُهُمْ مصابيحُ الهدى، ينجونَ مِنْ كلِّ غبراءَ مظلمةٍ))(٣). وقالَ محمدُ بنُ سويدٍ : قُحِطَ أهلُ المدينةِ ، وكانَ بها رجلٌ صالحٌ لا يُؤْبَهُ لهُ، لازمٌ لمسجدِ النبيِّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ، فبينَما هُمْ في دعائِهِمْ؛ إذْ جاءَهُمْ رجلٌ عليهِ طِمِرانِ خَلَقَانِ ، فصلَّى ركعتينٍ ، وأوجزَ (١) رواه البيهقي في ((الشعب)) (١٠٠٠٤، ١٠٠٠٥)، وصدره: ((إن ملوك أهل الجنة . .. ) . (٢) رواه ابن أبي الدنيا في ((التواضع والخمول)) (١) عن سالم بن أبي الجعد مرسلاً. (٣) رواه ابن ماجه (٣٩٨٩)، وابن أبي الدنيا في ((التواضع والخمول)) (٨) واللفظ له . ٢٦٦ ربع المهلكات کتاب ذم الجاه والرياء فيهِما ، ثمَّ بسطَ يديهِ ، فقالَ: يا ربٍّ؛ أقسمتُ عليكَ إلا أمطرتَ علينا الساعةَ ، فلمْ يردَّ يديهِ ، ولمْ يقطَعْ دعاءَهُ حتَّى تغشَّتِ السماءُ بالغيمِ وأُمطروا ، حتَّى صاحَ أهلُ المدينةِ مِنْ مخافةِ الغرقِ ، فقالَ : يا ربِّ ؛ إنْ كنتَ تعلمُ أنَّهُمْ قَدْ اكتفَوا .. فارفعْ عنْهُمْ، فسكنَ ، وتبعَ الرجلُ صاحبَ المطرِ حتَّى عرفَ منزِلَهُ، ثمَّ بَكَّرَ إليهِ ، فخرجَ إليهِ ، فقالَ : إنِّي أتيتُكَ في حاجةٍ ، قالَ : وما هيَ ؟ قالَ : تخصُّني بدعوةٍ ، قالَ : سبحانَ اللهِ ؛ أنتَ أنتَ وتسألُني أنْ أخصَّكَ بدعوةٍ ! قالَ : ما الذي بلَّغَكَ ما رأيتُ ؟ قالَ : أطعتُ اللهَ فيما أمرَني ونهاني ، فسألتُهُ فأعطاني(١). وقالَ ابنُ مسعودٍ : ( كونوا ينابيعَ العلمِ ، مصابيحَ الهدى ، أحلاسَ البيوتِ، سُرُجَ الليلِ ، جُدُدَ القلوبِ ، خُلْقَانَ الثيابِ ، تُعرفونَ في أهلِ السماءِ وتُخفَونَ في أهلِ الأرضِ )(٢) . وقالَ أبو أمامةً: قالَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: ((يقولُ اللهُ تعالى : إنَّ أغبطَ أوليائي عندي مؤمنٌ خفيفُ الحاذِ ، ذو حظّ مِنْ صلاةٍ ، أحسنَ عبادةَ ربِّهِ وأطاعَهُ في السِّرِّ ، وكانَ غامضاً في الناسِ لا يُشارُ إليهِ بالأصابع ، فمَنْ صبرَ على ذلكَ)) قالَ: ثُمَّ نقرَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ بِيدِهِ وقالَ: (( .. عُجِّلَتْ منيُّهُ، وقلَّ تراثُهُ، وقلَّتْ بواكيهِ))(٣) (١) رواه ابن أبي الدنيا في ((التواضع والخمول)) (٦). (٢) رواه ابن أبي الدنيا في ((التواضع والخمول)) (١١). (٣) رواه الترمذي (٢٣٤٧)، وابن ماجه ( ٤١١٧ ). ٢٦٧ كتاب ذم الجاه والرياء ربع المهلكات وقالَ عبدُ اللهِ بنُ عمرَ رضيَ اللهُ عنهُما : أحبُّ عبادِ اللهِ إلى اللهِ الغرباءُ ، قيلَ : ومَنِ الغرباءُ ؟ قالَ : الفارُونَ بدينِهِمْ ، يجتمعونَ يومَ القيامةِ إلىُ عيسى بنِ مريمَ عليهِ السلامُ(١). وقالَ الفضيلُ بنُ عياضٍ : بلغَني أنَّ اللهَ تعالى يقولُ في بعضٍ ما یمُنُّ بهِ علىُ عبدِهِ : ( ألمْ أَنعمْ عليكَ؟ ألمْ أسترْكَ ؟ ألمْ أخمِلْ ذكرَكَ؟ )(٢). وكانَ الخليلُ بنُ أحمدَ يقولُ : ( اللهمَّ ؛ اجعلْني عندَكَ مِنْ أرفعِ خلقِكَ ، واجعلْني عندَ نفسِي مِنْ أوضع خلقِكَ، واجعلْنِي عندَ الناسِ مِنْ أوسطِ خلقِكَ)(٣). وقالَ الثوريُّ : ( وجدتُ قلبي يصلحُ بمكةَ والمدينةِ مع قومٍ غرباءَ ، أصحابِ بُوتٍ وعَباءٍ ) (٤) . وقالَ إبراهيمُ بنُ أدهمَ : ما قرَّتْ عيني في الدنيا قطُّ إلا مرَّةً ، بثُّ ليلةٌ في بعضٍ مساجدِ قرى الشامِ ، وكانَ بي البطنُ ، فجرَّني المؤذنُ برجلِي حتَّى أخرجَني مِنَ المسجدِ(٥) . (١) رواه ابن أبي الدنيا في ((التواضع والخمول)) (١٦). (٢) رواه ابن أبي الدنيا في ((التواضع والخمول)) (١٧). (٣) رواه ابن أبي الدنيا في ((التواضع والخمول)) (٢١). (٤) رواه ابن أبي الدنيا في ((التواضع والخمول)) (٢٢)، وبتوت: جمع بتٌّ، الطيلسان من خزِّ ونحوه ، وهو كساء غليظ مهلهل مربع أخضر ، وقيل : هو من وبر وصوف ، وعباء - بفتح العين - : جمع عباءة . (٥) رواه ابن أبي الدنيا في ((التواضع والخمول)) (٢٨)، وهو ضمن خبر طويل ساقه اليافعي في (( الإرشاد والتطريز)) (ص ٣٠٣). ٢٦٨ ربع المهلكات كتاب ذم الجاه والرياء وقالَ الفضيلُ : ( إنْ قدرتَ ألا تُعرفَ .. فافعلْ، وما عليكَ ألا تُعرفَ ؟ وما عليكَ ألا يُنىُ عليكَ؟ وما عليكَ أنْ تكونَ مذموماً عندَ الناسِ إذا كنتَ محموداً عندَ اللهِ تعالى؟)(١) . فهذهِ الأخبارُ والآثارُ تعرِّفُكَ مذمَّةَ الشهرةِ وفضيلةَ الخمولِ ، وإنَّما المطلوبُ بالشهرةِ وانتشارِ الصِّيتِ هوَ الجاهُ والمنزلةُ في القلوبِ ، وحبُّ الجاهِ هوَ منشأُ كلِّ فسادٍ . فإنْ قلتَ : فأيُّ شهرةٍ تزيدُ على شهرةِ الأنبياءِ والخلفاءِ الراشدينَ وأئمةِ العلماءِ ؟! فكيفَ فاتَّهُمْ فضيلةُ الخمولِ ؟ فاعلمْ : أَنَّ المذمومَ طلبُ الشهرةِ ، فأمَّا وجودُها مِنْ جهةِ اللهِ تعالىُ مِنْ غيرِ تكلُّفٍ مِنَ العبدِ .. فليسَ بمذمومٍ . نعمْ ، فيهِ فتنةٌ على الضعفاءِ دونَ الأقوياءِ ، وذلكَ كالغريقِ الضعيفِ إذا كانَ معَهُ جماعةٌ مِنَ الغرقى، فالأولىُ بهِ ألا يعرفَهُ أحدٌ منهُمْ ؛ فإنَّهُمْ يتعلَّقونَ بهِ فيضعفُ عنهُمْ ، فيهلكُ معَهُمْ، وأمَّا القويُّ .. فالأولى أنْ يعرفَهُ الغرقى ليتعلَّقوا بهِ ، فينجيَهُمْ ويُثابَ على ذلكَ . (١) رواه ابن أبي الدنيا في ((التواضع والخمول)) ( ١٧). ٢٦٩ كتاب ذم الجاه والرياء ربع المهلكات بيان وم حبّ الجاه قالَ اللهُ تعالى: ﴿تِلْكَ الدَّارُ الْآَخِرَةُ فَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا﴾، جمعَ بينَ إرادةِ الفسادِ والعلوِّ، وبيَّنَ أنَّ الدارَ الآخرةَ للخالي عنِ الإرادتينِ جميعاً . وقال تعالى: ﴿ مَن كَانَ يُرِيدُ الْحَيَوةَ الذُّنْيَا وَزِينَنَهَا نُوَنِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَلَهُمْ فِيَهَا وَهُمْ فِبَهَا لَا يُبْخَسُونَ ﴾﴿ أُوْلَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الْآَخِرَةِ إِلَّ النَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُواْ فِيهَا وَبَطِلٌ مَّا كَانُواْيَعْمَلُونَ﴾ . وهذا أيضاً متناولٌ بعمومِهِ لحبُّ الجاهِ ؛ فإنَّهُ أعظمُ لذةٍ مِنْ لذاتِ الحياةِ الدنيا ، وأكثرُ زينةٍ مِنْ زينتِها . وقالَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: (( حبُّ المالِ والجاهِ ينبتانِ النفاقَ في القلبِ كما يُنْبتُ الماءُ البقلَ)). وقالَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ : (( ما ذئبانٍ ضاريانٍ أُرسلا في زريبةٍ غنمٍ بأكثرَ فساداً مِنْ حبِّ الشرفِ والمالِ في دينِ الرجلِ المسلمِ »(١). (١) رواه الترمذي (٢٣٧٦) من حديث كعب بن مالك رضي الله عنه بلفظ: (( ما ذئبان جائعان أرسلا في غنم بأفسد لها من حرص المرء على المال والشرف لدينه )) ، وبنحو لفظ المصنف مروي عند الطبراني في «الأوسط)) (٦٢٧٥ ) . ٢٧٠ ربع المهلكات كتاب ذم الجاه والرياء وقالَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ لعليٍّ رضيَ اللهُ عنهُ: ((إنَّما هلاكُ الناسِ باتِباع الهوى وحبِّ الثناءِ))(١). نسألُ اللهَ العفو والعافيةَ بمنُّهِ وکرمِهِ . (١) تقدم معناه، وهو حديث: (( ثلاث مهلكات: شخّ مطاع، وهوى متبع ، وإعجاب المرء برأيه)). ٢٧١ كتاب ذم الجاه والرياء ربع المهلكات بيان معنى الجاه وحقيقته اعلمْ : أنَّ الجاه والمالَ هما ركنا الدنيا . ومعنى المالِ : ملكُ الأعيانِ المنتفع بها . ومعنى الجاه : ملكُ القلوبِ المطلوبِ تعظيمُها وطاعتُها . وكما أنَّ الغَنيَّ هوَ الذي يملكُ الدراهمَ والدنانيرَ ؛ أيْ : يقدرُ عليهِما ؛ ليتوصَّلَ بهِما إلى الأغراضِ والمقاصدِ وقضاءِ الشهواتِ وسائرٍ حظوظٍ النفسِ .. فكذلكَ ذو الجاهِ ، هوَ الذي يملكُ قلوبَ الناسِ ؛ أيْ : يقدرُ على أنْ يتصرَّفَ فيها ؛ ليستعملَ بواسطتِها أربابَها في أغراضِهِ ومآربِهِ ، وكما أنَّه يكتسبُ الأموالَ بأنواعٍ مِنَ الحرفِ والصناعاتِ .. فكذلكَ يكتسبُ قلوبَ الخلقِ بأنواع مِنَ المعاملاتِ ، ولا تصيرُ القلوبُ مسخّرةً إلا بالمعارفِ والاعتقاداتِ ، فكلُّ مَنِ اعتقدَ القلبُ فيهِ وصفاً مِنْ أوصافِ الكمالِ .. انقادَ لهُ، وتسخَّرَ لهُ بحسبٍ قوَّةِ اعتقادِهِ ، وبحسبٍ درجةِ ذلكَ الكمالِ عندَهُ ، وليسَ يُشترطُ أنْ يكونَ الوصفُ كمالاً في نفسِهِ ، بلْ يكفي أنْ يكونَ كمالاً عندَهُ وفي اعتقادِهِ . وقدْ يعتقدُ ما ليسَ كمالاً كمالاً، ويذعنُ قلبُهُ للموصوفِ بهِ انقياداً ضرورياً بحسبٍ اعتقادِهِ ؛ فإنَّ انقيادَ القلبِ حالٌ للقلبِ ، وأحوالُ القلوبِ تابعةٌ لاعتقاداتِ القلوب وعلومِها وتخيلاتِها ، وكما أنَّ محبَّ المالِ يطلبُ ٢٧٢ ربع المهلكات كتاب ذم الجاه والرياء ملكَ الأرقاءِ والعبيدِ .. فطالبُ الجاهِ يطلبُ أنْ يسترقَّ الأحرارَ ويستعبدَهُمْ، ويملكَ رقابَهُمْ بملكِ قلوبِهِمْ ، بلِ الرِّقُّ الذي يطلبُهُ صاحبُ الجاهِ أعظمُ ؛ لأنَّ المالكَ يملكُ العبدَ قهراً والعبدُ متأٌّ بطبعِهِ ، ولوْ خُلِّيَ ورأيَهُ .. انسلَّ عنِ الطاعةِ ، وصاحبُ الجاهِ يطلبُ الطاعةَ طوعاً ، ويبغي أنْ يكونَ لهُ الأحرارُ عبيداً بالطبعِ والطوعِ معَ الفرحِ بالعبوديةِ والطاعةِ لهُ ، فما يطلبُهُ فوقَ ما يطلبُهُ مالكُ الرِّقِّ بكثيرٍ . فإذاً ؛ معنى الجاهِ : قيامُ المنزلةِ في قلوبِ الناسِ ؛ أي : اعتقادُ القلوبِ النعتٍ مِنْ نعوتِ الكمالِ فيهِ ، فقدْرِ ما يعتقدونَ مِنْ كمالِهِ تذعنُ لهُ قلوبُهُمْ ، وبقدْرِ إذعانِ القلوبِ تكون قدرتُهُ على القلوبِ ، وبقدْرِ قدرتِهِ على القلوبِ يكونُ فرحُهُ وحبُّهُ للجاهِ . فهذا هوَ معنى الجاهِ وحقيقتُهُ ، ولهُ ثمراتٌ ؛ كالمدح والإطراءِ ، فإنَّ المعتقدَ للكمالِ لا يسكتُ عنْ ذكرٍ ما يعتقدُهُ، فيثني عليهِ ، وكالخدمةِ والإعانةِ ؛ فإنَّهُ لا يبخلُ ببذْلِ نفسِهِ في طاعتِهِ بقدْرِ اعتقادِهِ ، فيكونُ سخرةً لهُ مثلَ العبدِ في أغراضِهِ ، وكالإيثارِ ، وتركِ المنازعةِ ، والتعظيمِ والتوقيرِ ؛ بالمفاتحةِ بالسلام ، وتسليمِ الصدرِ في المحافلِ ، والتقديمِ في جميعٍ المقاصدِ . فهذهِ آثارٌ تصدرُ عنْ قيامِ الجاهِ في القلبِ ، ومعنى قيامِ الجاهِ في القلبِ : اشتمالُ القلوبِ على اعتقادِ صفاتِ الكمالِ في الشخصِ؛ إمَّا ٢٧٣ كتاب ذم الجاه والرياء ربع المهلكات بعلمٍ ، أوْ عبادةٍ ، أوْ حسنٍ خلقٍ ، أو نسبٍ ، أو ولايةٍ ، أو جمالٍ في صورةٍ ، أوْ قوةٍ في بدنٍ ، أَوْ شيءٍ ممَّا يعتقدُهُ الناسُ كمالاً، فإنَّ هـذهِ الأوصافَ كلَّها تعظِّمُ محلَّهُ في القلوبِ ، فتكونُ سبباً لقيام الجاهِ ، واللهُ تعالى أعلمُ . ٢٧٤ : ربع المهلكات كتاب ذم الجاه والرياء بيان سبب كون الجاه مجوبًا بالطبع حتى لايخلو عن قلب إلا بشديد المجاهدة اعلمْ : أنَّ السببَ الذي يقتضي كونَ الذهبِ والفضةِ وسائرِ أنواعٍ الأموالِ محبوباً .. هوَ بعينِهِ يقتضي كونَ الجاهِ محبوباً . بلْ يقتضي أنْ يكونَ أحبَّ مِنَ المالِ ، كما يقتضي أنْ يكونَ الذهبُ أحبَّ مِنَ الفضةِ مهما تساويا في المقدارِ ، وهوَ أنَّكَ تعلمُ أنَّ الدراهمَ والدنانيرَ لا غرضَ في أعيانِها ؛ إذْ لا تصلحُ لمطعمٍ ولا مشربٍ ولا منكحٍ ولا ملبسٍ ، وإنَّما هيَ والحصباءُ بمثابةٍ واحدةٍ ، ولكنَّها محبوبةٌ لأنَّها وسيلةٌ إلى جميع المحابِّ ، وذريعةٌ إلى قضاءِ الشهواتِ ، فكذلكَ الجاهُ ؛ لأنَّ معنى الجاهِ ملكُ القلوبِ ، وكما أنَّ ملكَ الذهبِ والفضةِ يفيدُ قدرةً يتوصَّلُ الإنسانُ بها إلى سائرِ أغراضِهِ . . فكذلكَ ملكُ قلوبٍ الأحرارِ والقدرةُ على استسخارِها يفيدُ قدرةً على التوصُّلِ إلى جميعِ الأغراضِ . فالاشتراكُ في السببِ اقتضى الاشتراكَ في المحبةِ ، وترجيحُ الجاهِ على المالِ اقتضىْ أنْ يكونَ الجاهُ أحبَّ مِنَ المالِ . ولملكِ القلوبِ ترجيحٌ على ملكِ المالِ مِنْ ثلاثةِ أوجهٍ : الأوَّلُ : أنَّ التَّوصُّلَ بالجاهِ إلى المالِ أيسرُ مِنَ التوصُّلِ بالمالِ إلى ٢٧٥ كتاب ذم الجاه والرياء ربع المهلكات الجاهِ ، فالعالمُ أوِ الزاهدُ الذي تقرَّرَ لهُ جاهٌ في القلوبِ لوْ قصدَ اكتسابَ المالِ .. تيسّرَ لهُ؛ فإنَّ أموالَ أربابِ القلوبِ مسخرةٌ للقلوبِ ، ومبذولةٌ لمَنٍ اعتقدَ فيهِ الكمالَ ، وأمَّا الرجلُ الخسيسُ الذي لا يتَّصفُ بصفةِ كمالٍ إذا وجدَ كنزاً، ولمْ يكنْ لهُ جاهٌ يحفظُ مالَهُ، وأرادَ أنْ يتوصَّلَ بالمالِ إلى الجاهِ .. لمْ يتيسَّرْ لهُ . فإِذاً ؛ الجاهُ آلةٌ ووسيلةٌ إلى المالِ ، فمَنْ ملكَ الجاهَ .. فقدْ ملكَ المالَ أيضاً، ومَنْ ملكَ المالَ .. لمْ يملكِ الجاهَ بكلِّ حالٍ ، فلذلكَ صارَ الجاهُ أحبّ . الثاني : هوَ أنَّ المالَ معرَّضٌ للبلوىُ والتلفِ ؛ بأنْ يُسرقَ ويُغصبَ ، ويَطمعَ فيهِ الملوكُ والظلمةُ ، ويحتاجُ فيهِ إلى الحفظةِ والحرَّاسِ والخزائنِ ، وتتطرّقُ إليهِ أخطارٌ كثيرةٌ ، وأمَّا القلوبُ إذا مُلكَتْ .. لمْ تتعرَّضْ لهذهِ الآفاتِ ، فهيَ على التحقيقِ خزائنُ عتيدةٌ لا يقدرُ عليها السرَّاقُ ، ولا تتناولُها أيدي النُّهابِ والغُصَّابِ ، وأثبتُ الأموالِ العقارُ، ولا يُؤْمنُ فيهِ الغصبُ والظلمُ ، ولا يستغني عنِ المراقبةِ والحفظِ ، وأمَّا خزائنُ القلوبِ .. فهيَ محفوظةٌ محروسةٌ بأنفسِها ، وذو الجاهِ في أمنٍ وأمانٍ مِنَ الغصبِ والسرقةِ فيها . نعمْ، إنَّما تُغْصبُ القلوبُ بالتضريبِ(١) ، وتقبيح الحالِ ، وتغييرٍ (١) التضريب بين القوم : الإغراء . ٢٧٦ ربع المهلكات كتاب ذم الجاه والرياء الاعتقادِ فيما صدقَ بهِ مِنْ أوصافِ الكمالِ ، وذلكَ ممَّا يهونُ دفعُهُ ، ولا يتيسَّرُ على محاولِهِ فعلُهُ . الثالثُ : أنَّ ملكَ القلوبِ يسري ويُنمَّىُ ويتزايدُ مِنْ غيرِ حاجةٍ إلى تعبٍ ومقاساةٍ ؛ فإنَّ القلوبَ إذا أذعنَتْ لشخصٍ واعتقدَتْ كمالَهُ بعلمٍ أوْ عملٍ أو غيرِهِ .. أفصحَتِ الألسنةُ - لا محالةَ - بما فيها، فيصفُ ما يعتقدُهُ لغيرِهِ ، ويقتنصُ ذلكَ القلب أيضاً لهُ ، ولههذا المعنى يحبُّ الطبعُ الصيتَ وانتشارَ الذكرِ ؛ لأنَّ ذلكَ إذا استطارَ في الأقطارِ .. اقتنصَ القلوبَ ، ودعاها إلى الإذعانِ والتعظيمٍ ، فلا يزالُ يسري مِنْ واحدٍ إلى واحدٍ ويتزايدُ ، وليسَ لهُ مردٌّ معینٌ . وأمَّا المالُ : فَمَنْ ملكَ منهُ شيئاً .. فهوَ مالكُهُ، ولا يقدرُ على استنمائِهِ إلا بتعبٍ ومقاساةٍ ، والجاهُ أبداً في النماءِ بنفسِهِ ، ولا مردّ لموقعِهِ ، والمالُ واقفٌ؛ ولهذا إذا عظُمَ الجاهُ وانتشرَ الصيتُ وانطلقَتِ الألسنةُ بالثناءِ .. استُحقرَتِ الأموالُ في مقابلةِ ذلكَ . فهذهِ مجامعُ ترجيحاتِ الجاهِ على المالِ، وإذا فُصِّلَتْ .. كَثُرَتْ وجوهُ الترجيحِ . ٢٧٧ كتاب ذم الجاه والرياء ربع المهلكات فإنْ قلتَ : فالإشكالُ قائمٌ في المالِ والجاهِ جميعاً ، فلمَ ينبغي أنْ يحبَّ الإنسانُ المالَ والجاهَ ؟ نعم ، القدرُ الذي يتوصَّلُ بهِ إلى جلبِ الملاذٌ ودفع المضارِّ معلومٌ ؛ كالمحتاجِ إلى الملبس والمسكنِ والمطعمِ ، أوْ كالمبتلى بمرضٍ أوْ بعقوبةٍ إذا كان لا يتوصَّلُ إلى دفع العقوبةِ عنْ نفسِهِ إلا بمالٍ أوْ جاهٍ .. فحبُّهُ للمالِ وَالجاهِ معلومٌ؛ إذْ كلُّ ما لا يُتوصَّلُ إلى المحبوبِ إلا بهِ فهوَ محبوبٌ ، وَفي الطباع أمرٌ عجيبٌ وراءَ هذا ، وهوَ حبُّ جمع الأموالِ ، وكنزِ الكنوزِ ، وادخارِ الذخائرِ ، واستكثارِ الخزائنِ وراءَ جميع الحاجاتِ ، حتَّى لَوْ كانَ للعبدِ واديانٍ مِنْ ذهبٍ .. لابتغى إليهِما ثالثاً ، وكذلكَ يحبُّ الإنسانُ اتساعَ الجاهِ ، وانتشارَ الصِّيتِ إلى أقاصي البلادِ التي يعلمُ قطعاً أنَّهُ لا يطؤُها ولا يشاهدُ أصحابَها ؛ ليعظّموهُ، أَوْ ليبُوهُ بمالٍ، أوْ ليعينوهُ على غرضٍ مِنْ أغراضِهِ ، ومعَ اليأسِ مِنْ ذلكَ فإنَّهُ يلتذُّ بهِ غايةَ الالتذاذِ ، وحبُّ ذلكَ ثابتٌ في الطبع ، ويكادُ يُظْنُّ أنَّ ذلكَ جهلٌ ؛ فإنَّهُ حبٌّ لما لا فائدةَ فيهِ لا في الدنيا ولا في الآخرةِ . فنقولُ : نعمْ ، هذا الحبُّ لا تنفكُ عنهُ القلوبُ، ولهُ سببانِ: أحدُهُما جليٌّ تدركُهُ الكافةُ، والآخرُ خفيٍّ، وهوَ أعظمُ السببينِ ، ولكنَّهُ أدقُّهُما وأخفاهُما وأبعدُهُما عنْ أفهام الأذكياءِ فضلاً عنِ الأغبياءِ ؛ وذلكَ لاستمدادِهِ مِنْ عِرْقٍ خفيٍّ في النفسِ ، وطبيعةٍ مستكنَّةٍ في الطبع ، لا يكادُ يقفُ عليها إلا الغوَّاصونَ . ٢٧٨ ربع المهلكات كتاب ذم الجاه والرياء فأمَّا السببُ الأوَّلُ : فهوَ دفعُ ألم الخوفِ ؛ لأنَّ الشفيقَ(١) بسوءِ الظنّ مولعٌ ، والإنسانُ وإنْ كانَ مكفيّاً في الحالِ فإنَّهُ طويلُ الأملِ ، ويخطرُ ببالِهِ أنَّ المالَ الذي فيهِ کفایتُهُ ربَّما يتلفُ، فیحتاجُ إلى غيرِهِ ، فإذا خطرَ ذلكَ ببالِهِ .. هاجَ الخوفُ مِنْ قلبِهِ ، ولا يدفعُ ألمَ الخوفِ إلا الأمنُ الحاصلُ بوجودِ مالٍ آخرَ يفزعُ إليهِ إنْ أصابَتْ هذا المالَ جائحةٌ ، فهوَ أبداً لشفقتِهِ على نفسِهِ وحبِّهِ للجاهِ يقدِّرُ طولَ الحياةِ ، ويقدِّرُ هجومَ الحاجاتِ ، ويقدِّرُ إمكانَ تطرُّقِ الآفاتِ إلى الأموالِ ، ويستشعرُ الخوفَ مِنْ ذلكَ ، فيطلبُ ما يدفعُ خوفَهُ ، وهوَ كثرةُ المالِ ، حتَّى إِنْ أُصيبَ بطائفةٍ مِنْ مالِهِ .. استغنى بالآخرِ . وهذا خوفٌ لا موقفَ لهُ عندَ مقدارٍ مخصوصٍ مِنَ المالِ ، فلذلكَ لمْ يكنْ لمثلِهِ مُوقِفٌ إلى أنْ يملكَ جميعَ ما في الدنيا؛ ولذلكَ قالَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: ((منهومانِ لا يشبعانِ؛ منهوُ العلمِ، ومنهومُ المالِ))(٢). ومثلُ هذهِ العلةِ تطردُ في حبِّهِ قيامَ المنزلةِ والجاهِ في قلوبِ الأباعدِ عنْ وطنِهِ وبلدِهِ ؛ فإنَّهُ لا يخلو عنْ تقديرِ سببٍ يزعجُهُ عنِ الوطنِ ، أَوْ يُزعجُ أولئكَ عنْ أوطانِهِمْ إلى وطنِهِ ويحتاجُ إلى الاستعانةِ بِهِمْ، ومهما كانَ ذلكَ ممكناً ، ولمْ يكنِ احتياجُهُ إليهِمْ مستحيلاً إحالةً ظاهرةً .. كانَ للنفسِ فرحٌ (١) أي: الخائف على نفسه. ((إتحاف)) (٢٤١/٨). (٢) رواه الحاكم في ((المستدرك)) (٩٢/١) من حديث أنس مرفوعاً، ولفظه: «منهومان لا يشبعان : منهوم في علم لا يشبع ، ومنهوم في دنيا لا يشبع» . ٢٧٩ كتاب ذم الجاه والرياء ربع المهلكات ولذةٌ بقيام الجاهِ في قلوبِهِمْ ؛ لما فيهِ مِنَ الأمنِ مِنْ هذا الخوفِ . وأما السببُ الثاني - وهوَ الأقوىُ -: أنَّ الروحَ أمرٌ ربانيٌّ، بهِ وصفَهُ اللهُ تعالى ؛ إذ قالَ سبحانَهُ: ﴿ وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِّ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّ﴾، ومعنى كونِهِ ربانيّاً : أنَّهُ مِنْ أسرارِ علومِ المكاشفةِ ، ولا رخصةَ في إظهارِهِ ؛ إذْ لمْ يظهرْهُ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ(١) ، ولكنَّكَ قبلَ معرفةِ ذلكَ تعلمُ أنَّ للقلبِ ميلاً إلى صفاتٍ بهيميَّةٍ ؛ كالأكلِ والوقاع ، وإلى صفاتٍ سبعيّةٍ ؛ كالقتل والضربِ والإيذاءِ ، وإلى صفاتٍ شيطانيَّةٍ ؛ كالمكرِ والخديعةِ والإغواءِ ، وإلى صفاتٍ ربوبيَّةٍ ؛ كالكبرِ والعزُّ والتجبُّرِ وطلبٍ الاستعلاءِ ؛ وذلكَ لأنَّهُ مركَّبٌ مِنْ أصولٍ مختلفةٍ يطولُ شرحُ تفصيلِها ، فهوَ لما فيهِ مِنَ الأمرِ الربانيِّ يحبُّ الرُّبوبيَّةَ بالطَّع، ومعنى الربوبيَّةِ : التوخُّدُ بالكمالِ ، والتفرُّدُ بالوجودِ على سبيلِ الاستقلالِ ، فصارَ الكمالُ مِنْ نعوتِ الإلهيِّ ، فصارَ محبوباً بالطَّع للإنسانِ ، والكمالُ بالتفرُّدِ بالوجودِ ؛ فإنَّ المشاركةَ في الوجودِ نقصٌ لا محالةَ ، فكمالُ الشمسِ في أنَّها موجودةٌ وحدَها ، فلوْ كانَ معها شمسٌ أخرى .. لكانَ ذلكَ نقصاناً في حقِّها ؛ إذْ لمْ تكنْ منفردةٌ بكمالٍ معنى الشمسيّةِ . والمنفردُ بالوجودِ هوَ اللهُ تعالى ؛ إذْ ليسَ معَهُ موجودٌ سواهُ، فإنَّ ما سواهُ أثرٌ مِنْ آثارِ قدرتِهِ ، لا قوامَ لهُ بذاتِهِ ، بلْ هوّ قائمٌ بهِ ، فلمْ يكنْ (١) كما في (( البخاري)) (١٢٥)، و((مسلم)) (٢٧٩٤). ٢٨٠