Indexed OCR Text

Pages 201-220

ربع المهلكات
كتاب ذم المال والبخل
وقالَتْ عائشةُ رضيَ اللهُ عنها : ( ما شبعَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ
ثلاثةَ أيام متواليةٍ حتَّى فارقَ الدنيا ، ولوْ شئنا .. لشبعنا ، ولكنَّا كُنَّا نؤثرُ على
أنفسِنا)(١).
ونزلَ برسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ ضيفٌ ، فلمْ يجدْ عندَ أهلِهِ شيئاً ،
فدخلَ عليهِ رجلٌ مِنَ الأنصارِ ، فذهبَ بهِ إلى أهلِهِ فوضعَ بينَ يديهِ طعاماً ،
وأمرَ امرأتَهُ بإطفاءِ السراج ، وجعلَ يمدُّ يدَهُ إلى الطعامِ كأنَّهُ يأكلُ ولا يأكلُ ،
حتَّى أكلَ الضيفُ الطعامَ ، فلمَّا أصبحَ .. قالَ لهُ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ
وسلَّمَ: ((لقدْ عجبَ اللهُ عزَّ وجلَّ مِنْ صنيعِكُمُ الليلةَ إلى ضيفِكُمْ))،
ونزلَتْ: ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ﴾(٢) .
فالسخاءُ خُلقٌ مِنْ أخلاقِ اللهِ تعالى (٣)، والإيثارُ أعلى درجاتِ السخاءِ،
عنهما المتقدمة في اشتهائه السمكة الخركوشيُّ في ((تهذيب الأسرار)) ( ص٤٤٧)،
وابن عساكر في ((تاريخ دمشق)) (١٤٢/٣١)، وسياق المصنف عنده .
(١) كذا أورده الخركوشي في ((تهذيب الأسرار)) ( ص٤٤٩)، وعند البخاري (٥٣٧٤)،
ومسلم ( ٥٤١٦ ) من حديثها رضي الله عنها : ( ما شبع آل محمد صلى الله عليه وسلم
منذ قدم المدينة من طعام البرِّ ثلاث ليال تباعاً حتى قبض)، والبيهقي في ((الشعب))
(١٣٩٦) بسنده عن بشر عنها: ( لو شئنا أن نشبع .. شبعنا، ولكن محمداً صلى الله
علیه وسلم كان يؤثر على نفسه ) ، وتقدم بعضه .
(٢) كذا عند الخركوشي في ((تهذيب الأسرار)) (ص٤٤٩)، ورواه البخاري ( ٣٧٩٨) ،
ومسلم ( ٢٠٥٤ ) .
(٣) روى أبو نعيم في «تاريخ أصبهان)) (١٧٨/١) من حديث عمار بن ياسر رضي الله عنه
مرفوعاً: (( السخاء خلق الله الأعظم».
٢٠١

كتاب ذم المال والبخل
ربع المهلكات
وكانَ ذلكَ منْ دأْبِ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ ، حتَّى سمَّاه اللهُ تعالى
عظيماً ، فقالَ تعالى: ﴿ وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾(١) .
وقالَ سهلُ بنُ عبدِ اللهِ التستريُّ : قالَ موسىُ عليهِ السلامُ : يا ربِّ ؛
أرني بعضَ درجاتٍ محمدٍ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ وأمتِهِ ، وقالَ : يا موسى ؛
إِنَّكَ لن تطيقَ ذلكَ ، ولكنْ أريكَ منزلةً مِنْ منازلِهِ جليلةً عظيمةً ، فضَّلْتُهُ بها
عليكَ وعلى جميع خلقي ، قالَ : فكشفَ لهُ عنْ ملكوتِ السماءِ ، فنظرَ إلى
منزلةٍ كادَتْ تتلَفُ نفسُهُ مِنْ أنوارِها وقربِها مِنَ اللهِ عزَّ وجلَّ ، فقالَ :
يا ربِّ؛ بماذا بلغتَ بهِ إلى هذه الكرامةِ ؟ قالَ : بخُلُقِ اختصصتُهُ بهِ مِنْ
بينِهِمْ ، وهوَ الإيثارُ ، يا موسى ؛ لا يأتيني أحدٌ مِنْهُمْ قَدْ عملَ بهِ وقتاً مِنْ
عُمُرِهِ إلا استحييتُ مِنْ محاسبتِهِ ، وبوَأَتُهُ مِنْ جِنََّي حيثُ يشاءٌ(٢).
وقيلَ : خرجَ عبدُ اللهِ بنُ جعفرٍ إلى ضيعةٍ لَهُ ، فنزلَ على نخيلٍ قومٍ وفيها
غلامٌ أسودُ يعملُ فيها ؛ إذْ أتى الغلامُ بقوتِهِ ، ودخلَ الحائطَ كلبٌ ودنا مِنَ
الغلام ، فرمى إليهِ الغلامُ بقرصٍ فأكلَّهُ ، ثمَّ رمى إليهِ بالثاني والثالثِ
فأكلَهُ ، وعبدُ اللهِ ينظرُ إليهِ ، فقالَ : يا غلامُ ؛ كمْ قوتكَ كلَّ يومٍ ؟ قالَ :
ما رأيتَ ، قالَ : فلِمَ آثرتَ بهِ هذا الكلبَ ؟ قالَ : ما هيَ بأرضٍ كلابٍ ،
إنَّهُ جاءَ مِنْ مسافةٍ بعيدةٍ جائعاً ، فكرهتُ ردَّهُ ، قالَ : فما أنتَ صانعٌ اليومَ ؟
قالَ : أطوي يومي هذا ، فقالَ عبدُ اللهِ بنُ جعفرٍ : ألامُ على السخاءِ ؟! إنَّ
(١) كذا عند الخركوشي في ((تهذيب الأسرار)) (ص٤٥٢) نقلاً عن الجنيد.
(٢) أورده الخركوشي في ((تهذيب الأسرار)) (ص ٤٥٤).
٢٠٢

ربع المهلكات
كتاب ذم المال والبخل
هذا لأسخى منِّي، فاشترى الحائطَ والغلامَ وما فيهِ مِنَ الآلاتِ ، فأعتقَ
الغلامَ ، ووهبَهُ منهُ(١) .
وقالَ عمرُ رضيَ اللهُ عنهُ : أُهديَ إلى رجلٍ مِنْ أصحابِ رسولِ اللهِ
صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ رأسُ شاةٍ ، فقالَ : إنَّ أخي فلاناً أحوجُ منِّي إليهِ،
فبعثَ بهِ إليهِ ، فلمْ يزلْ يبعثُ بهِ الواحدُ إلى آخرَ حتَّى تداولَهُ سبعةُ أبياتٍ ،
حتَّى رجعَ إلى الأولِ(٢) .
وباتَ عليٍّ رضيَ اللهُ عنهُ على فراشِ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ ،
فأوحى اللهُ تعالى إلى جبريل وميكائيلَ عليهِما السلامُ : إنِّي آخيتُ بينَكُما ،
وجعلتُ عمرَ أحدِكما أطولَ مِنَ عمرِ الآخرِ ، فأيُّكُما يؤثرُ صاحبَهُ بالحياةِ ،
فاختارا كلاهما الحياةً؟ فأوحى اللهُ عزَّ وجلَّ إليهما : أفلا كنتُما مثلَ عليٍّ بنِ
أبي طالبٍ؟! آخيتُ بينَهُ وبينَ نبيِّي محمدٍ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ ، فباتَ على فراشِهِ
يفديهِ بنفسِهِ ، ويؤثرُهُ بالحياةِ ، اهبطا إلى الأرضِ فاحفظاهُ مِنْ عدوِّهِ ، فكانَ
جبريلُ عليهِ السلامُ عندَ رأسِهِ وميكائيلُ عندَ رجليهِ، وجبريلُ عليهِ السلامُ يقولُ:
بخٍ بخٍ ، مَنْ مِثْلَكَ يا بنَ أبي طالبٍ يباهي اللهُ بِكَ الملائكةَ ؟! فأنزلَ اللهُ تعالى:
﴿وَ مِنَ النَّاسِ مَن يَشْرِى نَفْسَهُ أَبْتِغَاءَ مَرْضَاتِ الَّهِ وَاللَّهُ رَهُوفٌ بِالْعِبَادِ﴾(٣).
(١) الرسالة القشيرية (ص ٤٢١ ).
(٢) رواه الحاكم في ((المستدرك)) (١٨٤/٢) عن ابن عمر رضي الله عنهما، والبيهقي في
((الشعب) (٣٢٠٤) .
(٣) كذا هو عند الخركوشي في ((تهذيب الأسرار)) (ص٤٥٠)، والثعلبي في (( تفسيره))
(١٢٥/٢) .
٢٠٣

كتاب ذم المال والبخل
ربع المهلكات
وعنْ أبي الحسنِ الأنطاكيِّ أنَّهُ اجتمعَ عندَهُ نٌَّ وثلاثونَ نفساً ، وكانوا
في قريةٍ بقربِ الرَّيِّ ، ولَهُمْ أرغفةٌ معدودةٌ لم تشبعْ جميعَهُمْ ، فكسروا
الرُّغفانَ وأطفؤوا السراجَ ، وجلسوا للطعام، فلمَّا رُفِعَ .. فإذا الطعامُ
بحالِهِ ، ولمْ يأكلْ واحدٌ منهُمْ شيئاً ؛ إيثاراً لصاحبهٍ على نفسِهِ(١).
ورُويَ أنَّ شعبةَ جاءَهُ سائلٌ ولمْ يكنْ عندَهُ شيءٌ ، فنزعَ خشبةً منْ سقفٍ
بيتِهِ فأعطاهُ ، ثمَّ اعتذرَ إليهِ (٢) .
وقالَ حذيفةُ العدويُّ : انطلقتُ يومَ اليرموكِ أطلبُ ابنَ عمِّ لي ، ومعي
شيءٌ مِنْ ماءٍ ، وأنا أقولُ : إنْ كانَ بهِ رمقٌ .. سقيتُهُ، ومسحتُ بهِ وجهَهُ ،
فإذا أنا بهِ ، فقلتُ : أسقيكَ ؟ فأشارَ أيْ : نعمْ، فإذا رجلٌ يقولُ : آهٍ ،
فأشارَ ابنُ عمِّي أنِ انطلقْ بهِ إليهِ ، قالَ: فأتيتُهُ؛ فإذا هوَ هشامُ بنُ العاصِ ،
فقلتُ : أسقيكَ ؟ فسمعَ آخرَ يقولُ : آهٍ ، فأشارَ هشامٌ أنِ انطلقْ بهِ إليهِ ،
فجئتُهُ ؛ فإذا هوَ قَدْ ماتَ ، فرجعتُ إلى هشام ؛ فإذا هو قدْ ماتَ ، فرجعتُ
إلى ابنِ عمِّي ؛ فإذا هوَ قدْ ماتَ، رحمهُ اللهِ عليهِمْ أجمعينَ(٣) .
٨٠٠
وقالَ عباسُ بنُ دهقانَ : ما خرجَ أحدٌ مِنَ الدنيا كما دخلَها إلا بشرُ بنُ
(١) أورده الخركوشي في ((تهذيب الأسرار)) (ص٤٤٨).
(٢) أورده الخركوشي في ((تهذيب الأسرار)) (ص٤٤٨).
(٣) كذا هو عند الخركوشي في ((تهذيب الأسرار)) (ص٤٤٨)، وقد رواه ابن المبارك في
((الزهد )) (٥٢٥)، والبيهقي في ((الشعب)) (٣٢٠٨).
٢٠٤

ربع المهلكات
كتاب ذم المال والبخل
الحارثِ ، فإنَّهُ أتاهُ رجلٌ في مرضِهِ فشكا إليهِ الحاجةَ ، فنزعَ قميصَهُ فأعطاهُ
إِيَّاهُ، واستعارَ ثوباً فماتَ فيهِ(١) .
وعنْ بعضِ الصوفيةِ قالَ : كنَّا بطرسوسَ ، فاجتمعنا جماعةً ، وخرجنا
إلى بابِ الجهادِ ، فتبعَنا كلبٌ مِنَ البلدِ ، فلمَّا بلغنا بابَ الجهادِ .. إذا نحنُ
بدايةٍ ميتةٍ فصعدنا إلى موضع خالٍ وقعدنا ، فلمَّا نظرَ الكلبُ إلى الميتةِ ..
رجعَ إلى البلدِ ، ثمّ عاد بعدَ ساعةٍ ومعَهُ مقدارُ عشرينَ كلباً ، فجاءَ إلى تلكَ
الميتةِ وقعدَ ناحيةً ووقعَتِ الكلابُ في الميتةِ ، فما زالَتْ تأكلُها ، وذلكَ
الكلبُ قاعدٌ ينظرُ إليها حتَّى أَكلَتِ الميتةَ وبقيَتِ العظامُ ، ورجعَتِ الكلابُ
إلى البلدِ ، فقامَ ذلكَ الكلبُ وجاءَ إلى تلكَ العظام فأكل ما بقيَ عليها
قليلاً ، ثمَّ انصرفَ(٢) .
وقد ذكرنا جملةً مِنْ أخبارِ الإيثارِ وأحوالِ الأولياءِ في كتابِ الفقرِ
والزهدِ ، فلا حاجةً إلى الإعادةِ ههنا، وبالله التوفيقُ، وعليهِ التوكُّلُ فيما
يرضيهِ عزَّ وجلَّ .
(١) أورده الخركوشي في (( تهذيب الأسرار)) ( ص٤٥١) وفيه : ( عياش ) بدل ( عباس )
وهو موافق لما في ( ب ) .
(٢) أورده الخركوشي في (( تهذيب الأسرار)) (ص٤٥٤).
٢٠٥

کتاب ذم المال والبخل
ربع المهلكات
بيان خذ التنخاء والنخل وحقيقتهما
لعلكَ تقولُ : قدْ عُرفَ بشواهدِ الشرعِ أنَّ البخلَ مِنَ المهلكاتِ ، ولكنْ
ما حدُّ البخلِ ؟ وبماذا يصيرُ الإنسانُ بخيلاً ؟
وما مِنْ إنسانٍ إلا وهوَ يرىُ نفسَهُ سخياً، وربَّما يراهُ غيرُهُ بخيلاً ، وقدْ
يصدرُ فعلٌ مِنْ إنسانٍ ، فيختلفُ فيهِ الناسُ ؛ فيقولُ قومٌ : هذا بخلٌ ،
ويقولُ آخرونَ : ليسَ هذا مِنَ البخلِ ، وما مِنْ إنسانٍ إلا ويجدُ في نفسِهِ حبّاً
للمالِ، ولأجلِهِ يحفظُ المالَ ويمسكُهُ ، فإنْ كانَ يصيرُ بإمساكِ المالِ
بخيلاً .. فإذاً لا ينفكُ أحدٌ عنِ البخلِ، وإذا كانَ الإمساكُ مطلقاً لا يوجبُ
البخلَ ولا معنى للبخلِ إلا الإمساكُ .. فما البخلُ الذي يوجبُ الهلاكَ ؟
وما حدُّ السخاءِ الذي يستحقُّ بهِ العبدُ صفةَ السخاوةِ وثوابَها ؟
فنقولُ : قدْ قالَ قائلونَ : حدُّ البخلِ : منعُ الواجبِ ؛ فكلُّ مَنْ أدَّى
ما يجبُ عليهِ .. فليسَ ببخيلٍ ، وهذا غيرُ كافٍ ، فإنَّ مَنْ يردُّ اللحمَ مثلاً
إلى القصابِ والخبزَ إلى الخبازِ بنقصانِ حبةٍ أوْ نصفٍ حبةٍ . . فإنَّهُ يُعدُّ بخيلاً
بالاتفاقِ ، وكذلكَ مَنْ يسلِّمُ إلى عيالِهِ القدْرَ الذي يفرضُهُ القاضي ، ثمَّ
يضايقُهُمْ في لقمةٍ زادوا عليهِ أوْ تمرةٍ أكلوها مِنْ مالِهِ .. يُعدُّ بخيلاً ، ومَنْ
كانَ بينَ يديهِ رغيفٌ، فحضرَ مَنْ يظنُّ أنَّهُ يأكلُ معَهُ، فأخفاهُ .. عُدَّ
بخيلاً .
٢٠٦

ربع المهلكات
كتاب ذم المال والبخل
وقالَ قائلونَ : البخيلُ هوَ الذي يستصعبُ العطيةَ ، وهوَ أيضاً قاصرٌ ،
فإنَّهُ إِنْ أُرِيدَ بِهِ أنَّهُ يستصعبُ كلَّ عطيةٍ .. فكمْ مِنْ بخيلٍ لا يستصعبُ العطيةَ
القليلةَ ؛ كالحبةِ وما يقربُ منها ، ويستصعبُ ما فوقَ ذلكَ ، وإِنْ أُرِيدَ بهِ أنَّهُ
يستصعبُ بعضَ العطايا .. فما مِنْ جوادٍ إلا وقدْ يستصعبُ بعضَ العطايا ،
وهوَ ما يستغرقُ جميعَ مالِهِ ، أوِ المالَ العظيمَ ، وهذا لا يوجبُ الحكمَ
بالبخلِ .
وكذلكَ تكلَّموا في الجودِ ، فقيلَ: الجودُ عطاءٌ بلا مَنِّ ، وإسعافٌ مِنْ
غيرِ رويَّةٍ .
وقيلَ : الجودُ عطاءٌ مِنْ غيرِ مسألةٍ على رؤيةِ التقليلِ .
وقيلَ : الجودُ السرورُ بالسائلِ ، والفرحُ بالعطاءِ لما أمكنَ .
وقيلَ : الجودُ عطاءٌ على رؤيةِ أنَّ المالَ اللهِ تعالى والعبدَ اللهِ تعالى ،
فيعطي عبدَ اللهِ مالَ اللهِ على غيرِ رؤيةِ الفقرِ .
٨٠٠٠
وقيلَ : مَنْ أعطى البعضَ وأبقى البعضَ .. فهوَ صاحبُ سخاءٍ ، ومَنْ
بذلَ الأكثرَ وأبقى لنفسِهِ شيئاً .. فهوَ صاحبُ جودٍ ، ومن قاسى الضرَّ وآثرَ
غيرَهُ بالبلغةِ .. فهو صاحبُ إيثارِ ، ومَنْ لمْ يبذلْ شيئاً .. فهوَ صاحبُ
بخلٍ .
وجملةُ هذهِ الكلماتِ غيرُ محيطةٍ بحقيقةِ البخلِ والجودِ ، بلْ نقولُ :
G
٢٠٧

كتاب ذم المال والبخل
ربع المهلكات
المالُ خُلِقَ لحكمةٍ ومقصودٍ ، وهوَ صلاحُهُ لحاجاتِ الخلقِ ، ويمكنُ
إمساكُهُ عنِ الصرفِ إلى ما خُلِقَ للصرفِ إليهِ ، ويمكنُ بذلُهُ بالصرفِ إلى
ما لا يحسنُ الصرفُ إليهِ ، ويمكنُ التصرفُ فيهِ بالعدلِ ، وهوَ أنْ يُحفظَ
حيثُ يجبُ الحفظُ ، ويُبذلَ حيثُ يجبُ البذلُ ، فالإمساكُ حيثُ يجبُ البذلُ
بخلٌ ، والبذلُ حيثُ يجبُ الإمساكُ تبذيرٌ ، وبينَهُما وسطٌ هوَ المحمودُ ،
وينبغي أنْ يكونَ السخاءُ والجودُ عبارةً عنهُ؛ إذْ لمْ يُؤمَرْ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ
عليهِ وسلَّمَ إلا بالسخاءِ، وقدْ قيلَ لهُ: ﴿ وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُفِكَ وَلَا
نَبْسُطُهَا كُلَّ اَلْبَسْطِ ﴾، وقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُواْ لَمْ يُسْرِفُواْ وَلَمْ يَقْتُرُواْ
وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا﴾.
فالجودُ وسطُ بينَ الإسرافِ والإقتارِ ، وبين البسطِ والقبضٍ ، وهوَ أنْ يُقَدِّرَ
بذلَهُ وإمساكَهُ بقدْرِ الواجبِ ، ولا يكفي أنْ يفعلَ ذلكَ بجوارحِهِ ما لمْ يكنْ قلبُهُ
طيباً بهِ غيرَ منازع لهُ فيهِ ، فإنْ بذلَ في محلٌّ وجوبِ البذلِ ونفسُهُ تنازعُهُ وهوّ
يصابرُها .. فهوَ متسخِّ وليس بسخيٍّ ، بلْ ينبغي ألا يكونَ لقلبهِ علاقةٌ معَ المالِ
إلا مِنْ حيثُ يُرادُ المالُ لهُ، وهوَ صرفُهُ إلى ما يجبُ صرفُهُ إليهِ .
فإنْ قلتَ : فقدْ صارَ هذا موقوفاً على معرفةِ الواجبِ ، فما الذي يجبُ
بذلُهُ ؟
فأقولُ : إِنَّ الواجبَ قسمانِ؛ واجبٌ بالشرع، وواجبٌ بالمروءةِ والعادةِ،
والسخيُّ هوَ الذي لا يمنعُ واجبَ الشرعِ ولا واجبَ المروءةِ ، فإن منعَ
٢٠٨

ربع المهلكات
كتاب ذم المال والبخل
واحداً منهما .. فهوَ بخيلٌ ، ولكنَّ الذي يمنعُ واجبَ الشرع أبخلُ ؛ كالذي
يمنعُ أداءَ الزكاةِ ، ويمنعُ عيالَهُ وأهلَهُ النفقةَ ، أوْ يؤدِّيها ولكنْ يشقُّ عليهِ ،
فإنَّهُ بخيلٌ بالطبع ، وإنَّما يتسخَّى بالتكلُّفِ ، أوْ كالذي يتيمَّمُ الخبيثَ مِنْ مالِهِ
ولا يطيبُ لهُ أنْ يعطيَ مِنْ أطيبٍ مالِهِ ، أَوْ مِنْ وسطِهِ ؛ فهذا كلُّهُ بخلٌ .
وأمَّا واجبُ المروءةِ .. فهوَ تركُ المضايقةِ والاستقصاءِ في المحقَّراتِ ،
فإنَّ ذلكَ مستقبحٌ، واستقباحُ ذلكَ يختلفُ بالأحوالِ والأشخاصِ ، فمَنْ كَثُرَ
مالُهُ .. يُستقبحُ منهُ ما لا يُستقبحُ مِنَ الفقيرِ مِنَ المضايقةِ ، ويُستقبحُ مِنَ الرجلِ
المضايقةُ معَ أهلِهِ وأقاربِهِ ومماليكِهِ ما لا يُستقبحُ معَ الأجانبِ ، ويُستقبحُ معَ
الجارِ ما لا يُستقبحُ معَ البعيدِ ، ويُستقبحُ في الضيافةِ مِنَ المضايقةِ ما لا يُستقبحُ
أكثرُ منهُ(١) في المبايعةِ والمعاملةِ، فيختلفُ ذلكَ بما فيهِ مِنَ المضايقةِ في
ضيافةٍ أوْ معاملةٍ ، وبما بهِ المضايقةُ مِنْ طعامٍ أوْ ثوبٍ ؛ إذْ يُستقبحُ في الأطعمةِ
ما لا يُستقبحُ في غيرِها ، ويُستقبحُ في شراءِ الكفنِ مثلاً أوْ شراءِ الأضحيةِ أوْ
شراءِ خبزِ الصدقةِ ما لا يُستقبحُ في غيرِهِ مِنَ المضايقةِ ، وكذلكَ يختلفُ بمَنْ
معَهُ المضايقةُ؛ مِنْ صديقٍ ، أوْ أخٍ ، أَوْ قريبٍ ، أَوْ زوجةٍ ، أو ولدٍ ، أَوْ
أجنبيٍّ ، وكذلكَ يختلفُ بمَنْ منهُ المضايقةُ؛ مِنْ صبيٍّ وامرأةٍ ، وشيخٍ
وشابٌ ، وعالمٍ وجاهلٍ ، وموسٍ وفقيرٍ .
فالبخيلُ : هوَ الذي يمنعُ حيثُ ينبغي ألاَّ يمنعَ ؛ إمَّا بحكمِ الشرعِ ، وإمَّا
(١) في (أ، ب، د): (أقل منه) بدل (أكثر منه ) .
٢٠٩

كتاب ذم المال والبخل
ربع المهلكات
بحكمِ المروءةِ ، وذلكَ لا يمكنُ التنصيصُ على مقدارِهِ .
ولعلَّ حذَّ البخلِ : هوَ إمساكُ المالِ عنْ غرضٍ ، ذلكَ الغرضُ هوَ أهمّ
مِنْ حفظِ المالِ ؛ فإنَّ صيانةَ الدينِ أهمُّ مِنْ حفظِ المالِ ، فمانعُ الزكاةِ والنفقةِ
بخيلٌ ، وصيانةُ المروءةِ أهمُّ مِنْ حفظِ المالِ ، والمضايقُ في الدقائقِ معَ مَنْ
لا تحسنُ المضايقةُ معَهُ هاتكٌ سترَ المروءةِ لحبِّ المالِ ؛ فهوَ بخيلٌ .
وتبقى درجةٌ أخرى ، وهوَ أنْ يكونَ الرجلُ ممَّنْ يؤدي الواجبَ ،
ويحفظُ المروءةَ ، ولكنْ معَهُ مالٌ كثيرٌ قدْ جمعَهُ ليسَ يصرفُهُ إلى الصدقاتِ
وإلى المحتاجينَ ، فقدْ تقابلَ غرضُ حفظِ المالِ ليكونَ لهُ عُدَّةٌ على نوائبٍ
الزمانِ وغرضُ الثوابِ ليكونَ رافعاً لدرجاتِهِ في الآخرةِ ، فإمساكُ المالِ عنْ
هذا الغرضِ بخلٌ عندَ الأكياسِ ، وليسَ ببخلٍ عندَ عوامٌ الخلقِ ؛ وذلك لأنَّ
نظرَ العوامُّ كالمقصورِ على حظوظِ الدنيا ، فيرونَ إمساكَهُ لدفع نوائبِ الزمانِ
مهمّاً ، وربَّما يظهرُ عندَ العوامّ أيضاً سمةُ البخلِ عليهِ إنْ كانَ في جوارِهِ
محتاجٌ ، فمنعَهُ وقالَ : ( قدْ أديتُ الزكاةَ الواجبةَ ، وليسَ عليَّ غيرُها ) ،
ويختلفُ استقباحُ ذلكَ باختلافِ مقدارِ مالِهِ ، وباختلافِ شدَّةٍ حاجة المحتاجِ
وصلاحِهِ ودينِهِ واستحقاقِهِ ، فَمَنْ أدَّى واجبَ الشرع وواجبَ المروءةِ اللائقةِ
بهِ .. فقدْ تبرَّأَ مِنَ البخلِ.
نعمْ ، لا يتصفُ بصفةِ الجودِ والسخاءِ ما لمْ يبذلْ زيادةً على ذلكَ لطلبٍ
الفضيلةِ ونيلِ الدرجاتِ ، فإذا اتسعَتْ نفسُهُ لبذلِ المالِ حيثُ لا يوجبُهُ الشرعُ
0
٢١٠

ربع المهلكات
كتاب ذم المال والبخل
ولا تتوجَّهُ إليهِ الملامةُ في العادةِ .. فهوَ جوادٌ بقدرِ ما تتسعُ لهُ نفسُهُ مِنْ قليل
أوْ كثيرٍ ، ودرجاتُ ذلكَ لا تنحصرُ ، وبعضُ الناسِ أجودُ مِنْ بعضٍ .
واصطناعُ المعروفِ وراءَ ما توجبُهُ العادةُ والمروءةُ هوَ الجودُ ، ولكنْ
بشرطِ أنْ يكونَ عنْ طيبٍ نفسٍ ، ولا يكونَ عنْ طمعٍ ، ورجاءِ خدمةٍ أوْ
مكافأةٍ ، أوْ شكرٍ أوْ ثناءٍ ، فإنَّ مَنْ طمعَ في الشكرِ والثناءِ .. فهوَ بياعٌ وليسَ
بجوادٍ ، فإنَّهُ يشتري المدحَ بمالِهِ ، والمدحُ لذيذٌ ، وهوَ مقصودٌ في نفسِهِ ،
والجودُ هوَ بذلُ الشيءِ مِنْ غيرِ عوضٍ ، هذا هوَ الحقيقةُ(١)، ولا يُتصوَّرُ
ذلكَ إلا مِنَ الله تعالى .
فأمَّا الآدميُّ .. فاسمُ الجودِ عليهِ مجازٌ؛ إذْ لا يبذلُ الشيءَ إلا لغرضٍ ،
ولكنَّهُ إذا لمْ يكنْ غرضُهُ إلا الثوابَ في الآخرةِ أوِ اكتسابَ فضيلةِ الجودِ ،
وتطهيرَ النفسِ عنْ رذالةِ البخلِ .. فيُسمَّى جواداً، فإنْ كانَ الباعثُ عليهِ
الخوفَ مِنَ الهجاءِ مثلاً، أوْ مِنْ ملامِ الخَلْقِ، أوْ ما يتوقَّعُهُ مِنْ نفع ينالُهُ مِنَ
المنعَمِ عليهِ .. فكلُّ ذلكَ ليسَ مِنَ الجودِ ؛ لأنَّهُ مضطرٌ إليهِ بهذهِ البواعثِ ،
وهيَ أعواضٌ معجَّلةٌ لهُ عليهِ ، فهوَ معتاضٌ لا جوادٌ ، كما رُوِيَ عنْ بعضٍ
المتعبَّداتِ أنَّها وقفَتْ على حبَّانَ بنِ هلالٍ وهوَ جالسٌ معَ أصحابِهِ ،
فقالَتْ : هلْ فِيكُمْ مَنْ أسألُهُ عنْ مسألةٍ ؟ فقالوا لها : سلي عمَّا شئتِ ،
وأشاروا إلى حبَّانَ بنِ هلالِ، فقالَتْ: ما السخاءُ عندَكُمْ؟ قالوا : العطاءُ ،
(١) أي: الحقيقة اللغوية. ((إتحاف)) (٢٠٦/٨).
٢١١

كتاب ذم المال والبخل
ربع المهلكات
والبذلُ ، والإيثارُ ، قالَتْ : هذا السخاءُ في الدنيا ، فما السخاءُ في
الدينِ ؟ قالوا : أنْ نعبدَ اللهَ سبحانَهُ سخيةً بها أنفسُنا غيرَ مكرهةٍ ، قَالَتْ :
فتريدونَ على ذلكَ أجراً ؟ قالوا : نعمْ، قَالَتْ : ولِمَ ؟ قالوا : لأنَّ اللهَ
تعالىُ وعدَنا بالحسنةِ عشرَ أمثالِها، قالَتْ: سبحانَ اللهِ ! فإذا أعطيتُمْ واحدةً
وأخذتُمْ عشرةً .. فبأيِّ شيءٍ تسخيتُمْ عليهِ ؟!
قالوا لها : فما السخاءُ عندَكِ يرحمُكِ اللهُ؟ قالَتِ : السخاءُ عندي : أن
تعبدوا اللهَ تعالى متنعِّمينَ متلذِّذينَ بطاعتِهِ ، غيرَ كارهينَ ، لا تريدونَ على
ذلكَ أجراً حتَّى يكونَ مولاكُمْ يفعلُ بِكُمْ ما يشاءُ ، ألا تستحيونَ مِنَ اللهِ أنْ
يطَّلعَ على قلوبِكُمْ فيعلمَ مِنْها أنَّكُمْ تريدونَ شيئاً بشيءٍ ؟! إنَّ هذا في الدنيا
لقبيحٌ .
وقالَتْ بعضُ المتعبِّداتِ : أتحسبونَ أنَّ السخاءَ في الدرهم والدينارِ
فقطْ ؟ قيلَ : فَفيمَ ؟ قالَتِ : السخاءُ عندي في المهَجِ .
وقالَ المحاسبيُّ : ( السخاءُ في الدينِ : أن تسخوَ نفسُكَ بتلفِهَا للهِ عزَّ
وجلَّ ، ويسخوَ قلبُكَ ببذلِ مهجتِكَ وإهراقِ دِمِكَ اللهِ تعالى بسماحةٍ مِنْ غيرِ
إكراهٍ، لا تريدُ بذلكَ ثواباً عاجلاً ولا آجلاً ، وإنْ كنتَ غيرَ مستغنِ عنِ
الثوابِ ، ولكنْ يغلبُ على قلبِكَ حسنُ كمالِ السخاءِ ، بتركِ الاختيارِ على اللهِ
تعالى ، حتَّى يكونَ مولاكَ هوَ الذي يفعلُ بكَ ما لا تحسنُ اختيارَهُ لنفسِكَ ) .
٢١٢

ربع المهلكات
كتاب ذم المال والبخل
بيان علاج النخل
اعلمْ : أنَّ البخلَ سببُهُ حبُّ المالِ .
ولحبِ المالِ سببانِ :
أحدُهُما : حبُّ الشهواتِ التي لا وصولَ إليها إلا بالمالِ معَ طولٍ
الأملِ ، فإنَّ الإنسانَ لوْ علمَ أنَّهُ يموتُ بعدَ يومٍ .. ربّما كانَ لا يبخلُ بمالِهِ ؛
إذِ القدْرُ الذي يحتاجُ إليهِ في يومٍ أو في شهرٍ أوْ في سنةٍ قريبٌ ، وإنْ كانَ
قصيرَ الأملِ ولكنْ كانَ لهُ أولادٌ .. قامَ الولدُ مقامَ طولِ الأملِ، فإنَّهُ يقدِّرُ
بقاءَهُمْ كبقاءِ نفسِهِ ، فيمسكُ لأجلِهِمْ؛ ولذلكَ قالَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ :
(( الولدُ مبخلٌ مجبنةٌ مجهلةٌ ))(١) ، فإذا انضافَ إلى ذلكَ خوفُ الفقرِ وقلَّةُ
الثقةِ بمجيءِ الرزقِ .. قويَ البخلُ لا محالةَ .
السببُ الثاني : أنْ يحبَّ عينَ المالِ ، فمِنَ الناسِ مَنْ معَهُ ما يكفيهِ لبقيةٍ
عمرِهِ إذا اقتصرَ على ما جرتْ بهِ عادتُهُ بنفقتِهِ وتفضلُ آلافٌ ، وهوَ شيخٌ
لا ولدَ لهُ، ومعَهُ أموالٌ كثيرةٌ ، ولا تسمحُ نفسُهُ بإخراج الزكاةِ ،
ولا بمداواةِ نفسِهِ عندَ المرضِ ، بل صارَ محبّاً للدنانيرِ عاشقاً لها ، يلتذُّ
بوجودِها في يدِهِ وبقدرتِهِ عليها ، فيكنزُها تحتَ الأرضِ ، وهوَ يعلمُ أنَّهُ
(١) رواه ابن ماجه (٣٦٦٦) وليس فيه: (مجهلة)، وهي عند عبد الرزاق في
((المصنف)) (١٤٠/١١)، والطبراني في ((الكبير)) (٢٤١/٢٤)، والحاكم في
(المستدرك)) (٢٩٦/٣) .
٢١٣

کتاب ذم المال والبخل
ربع المهلكات
يموتُ فتضيعُ أوْ يأخذُها أعداؤُهُ ، ومعَ هذا فلا تسمحُ نفسُهُ بأنْ يأكلَ أوْ
يتصدَّقَ مِنْها بحبةٍ واحدةٍ !
وهاذا مرضٌ للقلبِ عظيمٌ عسيرُ العلاج ، لا سيما في كبرِ السنِّ ، وهوَ
مرضٌ مزمنٌ لا يُرجى علاجُهُ ، ومثالُ صاحبهِ مثالُ رجلٍ عشقَ شخصاً ،
فأحبَّ رسولَهُ لنفسِهِ ، ثمَّ نسيَ محبوبَهُ واشتغلَ برسولِهِ ، فإنَّ الدنانيرَ رسولٌ
مبلِّغٌ إلى الحاجاتِ ، فصارَتْ محبوبةً لذلكَ ؛ لأنَّ الموصلَ إلى اللذيذِ
لذيذٌ، ثمَّ قدْ ينسى الحاجاتِ، ويصيرُ الذهبُ عندَهُ كأَنَّهُ محبوبٌ في نفسِهِ ،
وهوَ غايةُ الضلالِ ، بلْ مَنْ رأى بينَهُ وبينَ الحجرِ فرقاً .. فهوَ لجهلِهِ ، إلا مِنْ
حيثُ قضاءُ حاجتِهِ بهِ ، فالفاضلُ عنْ قَدْرِ حاجتِهِ والحجرُ بمثابةٍ واحدةٍ .
فهذهِ أسبابُ حبِّ المالِ ، وإنَّما علاجُ كلِّ علَّةٍ بمضادَّةِ سببها ، فيعالجُ
حبَّ الشهواتِ بالقناعةِ باليسيرِ ، وبالصبرِ ، ويعالجُ طولَ الأملِ بكثرةِ ذكرٍ
الموتِ ، والنظرِ في موتِ الأقرانِ ، وطولٍ تعبِهِمْ في جمعِ المالِ ، وضياعِهِ
بعدَهُمْ ، ويعالجُ التفاتَ القلبِ إلى الولدِ بأنَّ الذي خلقَهُ خلقَ معَهُ رزقَهُ ،
وكمْ مِنْ ولدٍ لمْ يرثْ مِنْ أبيهِ شيئاً وحالُهُ أحسنُ ممَّنْ ورثَ ، وبأنْ يعلمَ أنَّهُ
بجمع المالِ لولدِهِ يريدُ أن يتركَ ولدَهُ بخيرٍ وينقلبَ هوَ إلى شرٍّ ، وأنَّ ولدَهُ إن
كانَ تقياً صالحاً .. فيكفيهِ اللهُ، وإنْ كانَ فاسقاً .. فيستعينُ بمالِهِ على
المعصيةِ ، وترجعُ مظلمتُهُ إليهِ .
٢١٤

ربع المهلكات
كتاب ذم المال والبخل
ويعالجُ أيضاً قلبَهُ بكثرةِ التأمُّلِ في الأخبارِ الواردةِ في ذمِّ البخلِ ومدحٍ
السخاءِ ، وما توعَّدَ اللهُ بهِ على البخلِ مِنَ العقابِ العظيمِ .
ومِنَ الأدويةِ النافعةِ : كثرةُ التأمُّلِ في أحوالِ البخلاءِ ، ونفرةِ الطبعِ
عنهُمْ ، واستقباحِهِ لهمْ ، فإنَّهُ ما مِنْ بخيلٍ إلا ويستقبحُ البخلَ مِنْ غيرِهِ ،
ويستثقلُ كلَّ بخيلِ مِنْ أصحابِهِ ، فيعلمُ أنَّهُ مستثقلٌ ومستقذرٌ في قلوبِ الناسِ
مثلُ سائرِ البخلاءِ في قلبِهِ .
ويعالجُ أيضاً قلبَهُ بأنْ يتفكّرَ في مقاصدِ المالِ ؛ وأنَّهُ لماذا خُلقَ ، فلا
يحفظَ مِنَ المالِ إلا قدْرَ حاجتِهِ ، والباقي يدخرُهُ لنفسِهِ ؛ بأنْ يحصلَ لهُ ثوابُ
بذله .
فهذهِ الأدويةُ مِنْ جهةِ المعرفةِ والعلمِ ، فإذا عرفَ بنورِ البصيرةِ أَنَّ البذلَ
خيرٌ لهُ مِنَ الإمساكِ في الدنيا والآخرةِ .. هاجَتْ رغبتُهُ في البذلِ إنْ كانَ
عاقلاً ، فإذا تحرَّكَتِ الداعيةُ .. فينبغي أن يجيبَ الخاطرَ الأولَ ولا يتوقفَ ؛
فإنَّ الشيطانَ يعدُهُ الفقرَ ويخوِّفُهُ ويصدُّهُ عنهُ .
وكانَ أبو الحسنِ اليُوشَنْجِيُّ ذاتَ يومٍ في الخلاءِ ، فدعا تلميذاً لهُ ،
وقالَ : انزعْ عنِّي القميصَ وادفعْهُ إلى فلانٍ ، فقالَ: هلَّ صبرتَ حتَّى
تخرجَ؟ قالَ: لمْ آمنْ على نفسِي أن تتغيَّرَ ، وكانَ قدْ خطرَ لي بذلُهُ(١).
ولا تزولُ صفةُ البخلِ إلا بالبذلِ تكلُّفاً ؛ كما لا يزولُ العشقُ إلا بمفارقةٍ
(١) رواه القشيري في ((رسالته)) (ص ٤٢٠).
٢١٥
١٠

کتاب ذم المال والبخل
ربع المهلكات
المعشوقِ بالسفرِ عنْ مستقرِّهِ حتى إذا سافرَ وفارقَ تكلفاً ، وصبرَ عنهُ مدَّةً ..
تسلَّى عنْهُ قلبُهُ ، فكذلكَ الذي يريدُ علاجَ البخلِ ينبغي أنْ يفارقَ المالَ تكلُّفاً
بأنْ يبذلَهُ .
بلْ لوْ رماهُ في الماءِ .. كانَ أولىُ بهِ مِنْ إمساكِهِ إِيَّهُ معَ الحبِّ لهُ(١).
ومِنْ لطائفِ الحيلِ فيهِ : أنْ يخدعَ نفسَهُ بحسنِ الاسمِ والاشتهارِ
بالسخاءِ ، فيبذلَ على قصدِ الرياءِ ، حتَّى تسمحَ نفسُهُ بالبذلِ طمعاً في حشمةٍ
الجودِ ، فيكونَ قدْ أزالَ عنْ نفسِهِ خبثَ البخلِ واكتسبَ لها خبثَ الرياءِ ولكنْ
ينعطفُ بعدَ ذلكَ على الرياءِ ويزيلُهُ بعلاجِهِ ، ويكونُ طلبُ الاسمِ كالتسليةِ
للنفسِ عندَ فطامِها عنِ المالِ ؛ كما يُسلَّى الصبيُّ عندَ الفطامِ عنِ الثدي
باللعبِ بالعصافيرِ وغيرِها لا ليخلَّى واللعبَ، ولكنْ ليُنقلَ عنِ الثدي إليهِ ،
ثُمَّ يُنقلَ عنهُ إلى غيرِهِ ، فكذلكَ هذهِ الصفاتُ الخبيئةُ ينبغي أنْ يُسلَّط بعضُها
على بعضٍ ؛ كما تُسلَّطُ الشهوةُ على الغضبِ وتُكسرُ سورتُهُ بها ، ويُسلَّطُ
الغضبُ على الشهوةِ وتُكسرُ رعونتُها بهِ ، إلا أنَّ هذا مفيدٌ في حقِّ مَنْ كانَ
البخلُ أغلبَ عليهِ مِنْ حبِّ الجاهِ والرياءِ ؛ فيبدلُ الأقوىُ بالأضعفِ ، فإن
(١) وقد تعجب ابن القيم من هذا الكلام ، وقال : إن الفقهاء كلَّهم يقولون: إن رمي المال
في البحر لا يجوز .
والجواب : أن أهل الطريق مجتهدون في أحوالها ، وأن من قواعد أهل الشريعة ارتكاب
أخف الضررين إذا تعارض معنا مفسدتان ، وقد تعارض هنا أمران : أحدهما مفسدة
الدين، فقدموه على المفسد للدنيا، فافهم والله أعلم. ((إتحاف)) (٣٨/١).
٢١٦

ربع المهلكات
كتاب ذم المال والبخل
كانَ الجاهُ محبوباً عندَهُ كالمالِ .. فلا فائدةَ فيهِ ؛ فإنَّهُ يقطعُ علةً ويزيدُ في
أخرى مثلِها ، إلا أنَّ علامةَ ذلكَ ألا يثقلَ عليهِ البذلُ لأجلِ الرياءِ ، فبذلكَ
يتبيّنُ أنَّ الرياءَ أغلبُ عليهِ ، فإنْ كانَ البذلُ يشقُّ عليهِ معَ الرياءِ .. فينبغي أنْ
يبذلَ ، فإنَّ ذلكَ يدلُّ على أنَّ مرضَ البخلِ أغلبُ على قلبِهِ .
ومثالُ دفع هذهِ الصفاتِ بعضِها ببعضٍ : ما يُقالُ : إنَّ الميتَ تستحيلُ
جميعُ أجزائِهِ دوداً ، ثمَّ يأكلُ بعضُ الديدانِ البعضَ حتَّى يقلَّ عددُها
ويكبرونَ ، ثُمَّ يأكلُ بعضُها بعضاً حتَّى ترجعَ إِلى اثنتينٍ قويَّتِينِ عظيمتينِ ، ثُمَّ
لا تزالانِ تتقاتلانِ إلى أنْ تغلبَ إحداهما الأخرى فتأكلها وتسمنَ بها ، ثُمَّ
لا تزالُ وحدَها تبقى جائعةً إلى أنْ تموتَ ؛ فكذلكَ هذهِ الصفاتُ الخبيثةُ
يمكنُ أنْ يُسلَّطَ بعضُها على بعضٍ حتَّى يقمعَها فيجعلَ الأضعفَ قوتاً
للأقوى ، إلى ألا يبقى إلا واحدةٌ ، ثمَّ تقعُ العنايةُ بمحوِها وإذابتِها
بالمجاهدةِ ، وذلكَ بمنع القوتِ عنها .
ومنعُ القوتِ عنِ الصفاتِ ألا يُعملَ بمقتضاها؛ فإنَّها تقتضي - لا محالةَ -
أعمالاً ، فإذا خُولِفَتْ .. خمدَتِ الصفاتُ وماتَتْ مثلَ البخلِ ؛ فإنَّهُ يقتضي
إمساكَ المالِ ، فإذا مُنِعَ مقتضاهُ ، وبُذْلَ المالُ معَ الجهدِ مرةً بعدَ أخرى ..
ماتَتْ صفةُ البخلِ ، وصارَ البذلُ طبعاً ، وسقطَ التعبُ فيهِ .
فإذاً ؛ علاجُ البخلِ بعلمٍ وعملٍ ؛ فالعلمُ يرجعُ إلى معرفةِ آفةِ البخلِ
وفائدةِ الجودِ ، والعملُ يرجعُ إلى البذلِ على سبيلِ التكلُّفِ ، ولكنْ قَدْ
٢١٧
٠٠٠٠
ـم

كتاب ذم المال والبخل
ربع المهلكات
يقوى البخلُ ، بحيثُ يعمي ويصمُّ، فيمنعُ تحقَّقَ المعرفةِ بآفاتِهِ ، وإذا لمْ
تتحققِ المعرفةُ .. لمْ تتحرَّكِ الرغبةُ، فلمْ يتيسَّرِ العملُ ، فتبقى العلةُ
مزمنةً ؛ كالمرضِ الذي يمنعُ معرفةَ الدواءِ وإمكانَ استعمالِهِ ؛ فإنَّهُ لا حيلةَ
فيهِ إلا الصبرُ إلى الموتِ .
وكانَ مِنْ عادةِ بعضٍ شيوخ الصوفيةِ في معالجةِ علَّةِ البخلِ في المريدينَ
أنْ يمنعَهُمْ مِنَ الاختصاصِ بزواياهُمْ ، فكانَ إذا توسَّمَ في مريدٍ فرحَهُ بزاویتِهِ
وما فيها .. نقلَهُ إلى زاويةٍ غيرِهِ، ونقلَ زاويةَ غيرِهِ إليهِ، وأخرجَهُ مِنْ جميعِ
ما ملكَهُ ، وإذا رآهُ يلتفتُ إلى ثوبٍ جديدٍ يلبسُهُ ، أَوْ سجادةٍ يفرحُ بها ..
يأمرُهُ بتسليمِها إلى غيرِهِ، ويلبسُهُ ثوباً خَلَقاً لا يميلُ إليهِ قلبُهُ ، فبهذا
يتجافى القلبُ عنْ متاع الدنيا ، فمَنْ لمْ يسلُكْ هذا السبيلَ .. أنسَ بالدنيا
وأحبَّها ، فإنْ كانَ لهُ ألفُ متاعٍ .. كانَ لهُ ألفُ محبوبٍ ، ولذلكَ إذا سُرِقَ
كلُّ واحدٍ منهُ .. ألمَّتْ بهِ مصيبةٌ بقدْرِ حبِّهِ لهُ، فإذا ماتَ .. نزلَتْ بهِ ألفُ
مصيبةٍ دُفعةٌ واحدةٌ ؛ لأنَّهُ كانَ يحبُّ الكلَّ ، وقدْ سُلِبَ مِنْهُ ، بلْ هوَ في حياتِهِ
على خطرِ المصيبةِ بالفقرِ والهلاكِ .
حُمِلَ إلى بعضِ الملوكِ قدحٌ مِنْ فيروزجٍ مرصَّعِ بالجواهرِ لمْ يُرَ لهُ
نظيرٌ، ففرحَ الملكُ بهِ فرحاً شديداً ، فقالَ لبعضٍ الحكماءِ عندَهُ: كيفَ
ترى هذا ؟ قالَ : أراهُ مصيبةً أوْ فقراً، قالَ: كيفَ ؟ قالَ: إِنْ كُسِرَ .. كانَ
مصيبةً لا جبرَ لها ، وإنْ سُرِقَ .. صرتَ فقيراً إليهِ ولمْ تجدْ مثلَهُ ، وقدْ كنتَ
قبلَ أنْ يُحمَلَ إليكَ في أمنٍ مِنَ المصيبةِ والفقرِ ، ثمَّ اتفقَ أنِ انكسرَ يوماً ،
٢١٨
حر

ربع المهلكات
كتاب ذم المال والبخل
فعظمَتْ مصيبةُ الملكِ عليهِ، فقالَ : صدقَ الحكيمُ ، ليتَهُ لمْ يُحمَلْ إلينا .
وهذا شأنُ جميع أسبابِ الدنيا ، فإنَّ الدنيا عدوَّةٌ لأعداءِ اللهِ ؛ إذْ
تسوقُهُمْ إلى النارِ ، وعدوَّةٌ لأولياءِ اللهِ ؛ إذْ تغْمُّهُمْ بالصبرِ عنها ،
وعدوَّةُ اللهِ ؛ إذْ تقطعُ طريقَهُ على عبادِهِ ، وعدوَّةُ نفسِها ؛ فإنَّها تأكلُ
نفسَها؛ فإنَّ المالَ لا يُحفظُ إلا بالخزائنِ والحراسِ ، والخزائنُ والحراسُ
لا يمكنُ تحصيلُها إلا بالمالِ ، وهوَ بذلُ الدراهمِ والدنانيرِ ، فالمالُ يأكلُ
نفسَهُ ويضادُّ ذاتَهُ حتَّى يفنى، ومَنْ عرفَ آفةَ المالِ .. لمْ يأنسْ بهِ ، ولمْ
يفرحْ بهِ ، ولمْ يأخذْ منهُ إلا قَدْرَ حاجتِهِ، ومَنْ قنعَ بقدْرِ الحاجةِ .. لمْ
يبخلْ؛ لأنَّ ما أمسكَهُ لحاجتِهِ فليسَ ببخلٍ ، وما لا يحتاجُ إليهِ فلا يُتْعِبُ
نفسَهُ بحفظِهِ ، فيبذلُهُ ، بلْ هوَ كالماءِ على شاطىءٍ الدجلةِ ؛ إذْ لا يبخلُ بهِ
أحدٌ ؛ لقناعةِ الناسِ منهُ بمقدارِ الحاجةِ .
٧٠٠
٢١٩

كتاب ذم المال والبخل
ربع المهلكات
ـهَ
بيان مجموع الوظائف التي على العبد في ماله
اعلمْ : أنَّ المالَ كما وصفناهُ ؛ خيرٌ مِنْ وجهٍ ، وشرٌّ مِنْ وجهٍ ، ومثالُهُ
مثالُ حيَّةٍ يأخذُها الراقي ويستخرجُ مِنْها الترياقَ، ويأخذُها الغافلُ فيقتلُهُ
سُّها مِن حیثُ لا يدري .
ولا يخلو أحدٌ عنْ سُمِّ المالِ إلا بالمحافظةِ على خمسٍ وظائفَ :
الأولى: أنْ يعرفَ مقصودَ المالِ، وأنَّهُ لماذا خُلقَ ، وأنَّهُ لِمَ يحتاجُ
إليهِ ؛ حتَّى لا يكتسبَ ولا يحفظَ منهُ إلا قدْرَ الحاجةِ ، ولا يعطيَهُ مِنْ همَّتِهِ
فوقَ ما يستحقُّهُ .
الثانيةُ : أنْ يراعيَ جهةَ دخلِ المالِ ، فيجتنبَ الحرامَ المحضَ ،
وما الغالبُ عليهِ الحرامُ ؛ كمالِ السلاطينِ ، ويجتنبَ الجهاتِ المكروهةَ
القادحةَ في المروءةِ ؛ كالهدايا التي فيها شوائبُ الرشوةِ ، وكالسؤالِ الذي
فيهِ الذلُّ وهتكُ المروءةِ ، وما يجري مجراهُ .
الثالثةُ : في المقدار الذي يكتسبُهُ ، فلا يستكثرُ منهُ ولا يستقلُّ ، بلِ
القدْرُ الواجبُ ، ومعيارُهُ الحاجةُ ، والحاجةُ ملبسٌ ومسكنٌ ومطعمٌ ، ولكلِّ
٢٢٠