Indexed OCR Text

Pages 121-140

ربع المهلكات
كتاب ذم المال والبخل
جن
ورُوِيَ أنَّ عمرَ رضيَ اللهُ عنهُ أرسلَ إلى زينبَ بنتِ جحشٍ بعطائِها ،
فقالَتْ : ما هذا ؟ قالوا : أرسلَهُ إليكِ عمرُ بنُ الخطابِ ، فقالَتْ: غفرَ اللهُ
لهُ، ثمَّ حلَّتْ ستراً كانَ لها، فقطعَتْهُ وجعلَتْهُ صرراً ، وقسَّمَتْها في أهلِ بيتِها
ورحمِها وأيتامِها ، ثمَّ رفعَتْ يديها وقالَتْ: اللهمَّ؛ لا يدركَنِّي عطاءُ عمرَ
بعدَ عامي هذا، فكانَتْ أولَ نساءِ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ لحوقاً
بهِ(١).
وقالَ الحسنُ : ( واللهِ؛ ما أعزَّ الدرهمَ أحدٌ إلا أذلَّهُ اللهُ تعالى)(٢).
وقيلَ: إنَّ أوَّلَ ما ضُربَ الدينارُ والدرهمُ .. رفعَهُما إبليسُ، ثمَّ
وضعَهُما على جبهتِهِ، ثمَّ قَبَّلَهُما وقالَ: مَنْ أحبَّكُما .. فهوَ عبدي حقّاً(٣) .
وقالَ شُمَيطُ بنُّ عجلانَ : ( إنَّ الدينارَ والدرهمَ أزمَّةُ المنافقينَ ، يُقادُونَ
بها إلى النارِ ) (٤) .
وقالَ يحيىُ بنُ معاذٍ: إنَّ الدرهمَ عقرٌ؛ فإنْ لمْ تحسنْ رُقيتَهُ .. فلا
تأخذْهُ؛ فإنَّهُ إنْ لدغَكَ .. قتلَكَ سُّهُ ، قيلَ: وما رقيتُهُ؟ قالَ : أخذُهُ مِنْ
حلِّهِ ، ووضعُهُ في حقِّهِ(٥) .
(١) رواه ابن سعد في ((طبقاته)) (١٠٦/١٠).
(٢) رواه البيهقي في ((الزهد الكبير)) (٢٨١).
(٣) رواه أبو نعيم في الحلية)) (٣٢٨/١) عن ابن عباس رضي الله عنهما.
(٤) رواه أبو نعيم في (( الحلية)) (١٢٨/٣).
(٥) رواه أبو نعيم في ((الحلية)) (١٠/ ٦٠) دون الاستفهام .
١٢١

كتاب ذم المال والبخل
ربع المهلكات
وقالَ العلاءُ بنُ زيادٍ : ( تمثَّلَتْ ليَ الدنيا وعليها مِنْ كلِّ زينةٍ ، فقلْتُ:
أعوذُ باللهِ مِنْ شرِّكِ، فقالَتْ: إِنْ سَرَّكَ أنْ يعيذَكَ اللهُ مِنْ شرِّي .. فأبغضٍ
الدرهمَ)(١) .
وذلكَ لأنَّ الدينارَ والدرهمَ هُما الدنيا كلُّها؛ إذْ يُتوصَّلُ بِهِما إلى جميعِ
أصنافِها، فمَنْ صبرَ عنهُما .. صبرَ عنِ الدنيا، وفي ذلكَ قيلَ (٢): [من الكامل)
إِنِّي وَجَدْتُ فَلا تَظُنُّوا غَيْرَهُ هَذَا التَّوَرُّعَ عِنْدَ هَذا الدِّرْهَمِ
فَأَعْلَمْ بَأَنَّ تُقَاكَ تَقْوَى الْمُسْلِمِ
فَإِذا قَدَرْتَ عَلَيْهِ ثُمَّ تَرَكْتَهُ
وفي ذلكَ قيلَ(٣):
[من مجزوء الرمل]
لا يَغُرَّنْكَ مِنَ الْمَرْ ءِ قَمِيصٌ رَقَعَهْ
ــاقٍ مِنْهُ رَفَعَهْ
أَوْ إِزارٌ فَوْقَ كَعْبِ السَّـ
أَثَرْ قَدْ قَلَعَهْ (٤)
أوْ جَبِينٌ لاحَ فِيهِ
غيَّهُ أَوْ وَرَعَهْ
وَلَدَى الدِّرْهَمٍ فَأَنْظُرْ
ويُروى عنْ مسلمةَ بنِ عبدِ الملكِ أنَّهُ دخلَ على عمرَ بنِ عبدِ العزيزِ
رحمةُ اللهِ عليهِ عندَ موتِهِ ، فقالَ : يا أميرَ المؤمنينَ ؛ صنعْتَ صنيعاً لمْ
(١) رواه ابن أبي شيبة في ((المصنف)) ( ٣١١٥٨).
(٢) البيتان لسفيان الثوري، انظر ((معجم الأدباء)) (١٠٠/١).
(٣)
الأبيات في ((المدهش)) (٢١١/١) من غير نسبة.
(٤) أثر قد قلعه : تشبيه كثرة السجود وأثرها على الجبين بركبة العنز كيف فيها أثر القلع ،
وقد يكون هذا مصطنعاً بمعالجة. انظر ((الإتحاف)) (٥٠٥/٥ ) .
١٢٢

ربع المهلكات
كتاب ذم المال والبخل
يصنعْهُ أحدٌ قبلَكَ ، تركْتَ ولدَكَ ليسَ لهُمْ دينارٌ ولا درهمٌ - وكانَ عندَهُ ثلاثةً
عشرَ مِنَ الولدِ - فقالَ عمرُ : أقعدوني، فأقعدوهُ، فقالَ : أمَّا قولُكَ : لمْ
أدعْ لهُمْ ديناراً ولا درهماً .. فإنِّي لمْ أمنعْهُمْ حقّاً لهُمْ، ولمْ أعطِهِمْ حقّاً
لغيرِهِمْ، وإنَّما ولدي أحدُ رجلينِ ؛ إمَّا مطيعٌ للهِ ، فاللهُ كافيهِ واللهُ يتولَّى
الصالحينَ ، وإمَّا عاصٍ للهِ ، فلا أبالي على ما وقعَ (١) .
ورُويَ أنَّ محمدَ بنَ كعبِ القرظيَّ أصابَ مالاً كثيراً ، فقيلَ لهُ : لوٍ
اذَّخرْتَهُ لولدِكَ مِنْ بعدِكَ ، قالَ : لا ، ولكنِّي أدخرُهُ لنفسِي عندَ ربِّي ،
وأذَّخرُ ربِّي لولدِي(٢).
ويُروى أنَّ رجلاً قالَ لأبي عبدِ ربِّ: يا أخي ؛ لا تذهبْ بشرٍّ وتتركَ
أولادَكَ بخيرٍ ، فخرجَ أبو عبدِ رٍّ مِنْ مئةِ ألفِ درهم (٣) .
وقالَ يحيىُ بنُ معاذٍ : مصيبتانِ لمْ يسمع الأولونَ والآخرونَ بمثلِهِما
للعبدِ في مالِهِ عندَ موتِهِ ، قيلَ: وما هما ؟ قالَ: يُؤخذُ منهُ كلُّهُ، ويُسألُ
عنهُ كلِّهِ(٤).
(١) رواه أبو نعيم في ((الحلية)) (٣٣٣/٥) بنحوه .
(٢) رواه البيهقي في ((الزهد الكبير)) ( ٤٣٦).
(٣) رواه أبو نعيم في ((الحلية)) (١٦٠/٥) بنحوه، وأبو عبد ربّ هو عبيدة بن مهاجر.
(٤) رواه الخطيب في ((الزهد)) (١١).
١٢٣

كتاب ذم المال والبخل
ربع المهلكات
بيان مدح المال، والجمع بينه وبين الذَّمَ
اعلمْ : أَنَّ اللهَ تعالى قدْ سمَّى المالَ خيراً في مواضعَ مِنَ القرآنِ ، فقالَ
جلَّ وعزَّ: ﴿إِن تَرَكَ خَيْرًا ... ) الآيةَ.
وقالَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: (( نعمَ المالُ الصالحُ للرَّجلِ
الصالح )» (١) .
وكلُّ ما جاءَ في ثوابِ الصدقةِ والحجِّ .. فهوَ ثناءٌ على المالِ ؛ إذْ
لا يمكنُ الوصولُ إليهِما إلا بهِ .
وقال تعالى: ﴿وَيَسْتَخْرِجَا كَنَزَهُمَارَحْمَةُ مِّن رَِّكَ﴾
وقال تعالى ممتناً على عبادِهِ: ﴿وَيُمْدِدْكُ بِأَمَوَلٍ وَبَنِنَ وَيَجْعَل لَّكُمْ جَنَّتٍ وَيَجْعَل
نَكُمْ أَنْهَرًا﴾ .
وقالَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ : (( كادَ الفقرُ أنْ يكونَ كفراً))(٢)، وهوَ ثناءٌ
على المالِ .
ولا تَقِفُ على وجهِ الجمع بينَ المدحِ والذمِّ إلا بأنْ تعرفَ حكمةَ المالِ ،
ومقصودَهُ، وآفاتِهِ ، وغوائلَهُ؛ حتَّى ينكشفَ لكَ أنَّهُ خيرٌ مِنْ وجهٍ ، وشرٌّ
(١) رواه أحمد في ((المسند)) (١٩٧/٤)، وابن حبان في «صحيحه)) (٣٢١٠).
(٢) رواه أبو الشيخ في ((التوبيخ والتنبيه)) (٧٤)، وأبو نعيم فى ((الحلية)) (٥٣/٣)،
والبيهقي في ((الشعب)) (٦١٨٨) من حديث أنس رضي الله عنه مرفوعاً .
١٢٤

ربع المهلكات
كتاب ذم المال والبخل
مِنْ وجهٍ ، وأنَّهُ محمودٌ مِنْ حيثُ هوَ خيرٌ ، ومذمومٌ مِنْ حيثُ هوَ شِّ ؛ فإنَّهُ
ليسَ بخيرٍ محضٍ ، ولا هوَ بشرِّ محضٍ ، بلْ هوَ سببٌ للأمرينِ جميعاً ،
وما هذا وصفُهُ فيُمدحُ - لا محالةَ - تارةً ويُذُّ أخرى، ولكنَّ البصيرَ المميِّزَ
يدركُ أنَّ المحمودَ منهُ غيرُ المذمومِ .
وبيانُهُ بالاستمدادِ ممَّا ذكرْناهُ في كتابِ الشكرِ مِنْ بيانِ الخيراتِ ،
وتفصيلٍ درجاتِ النعمِ .
والقذْرُ المقنعُ فيهِ : هوَ أنَّ مقصدَ الأكياسِ وأربابِ البصائرِ سعادةُ الآخرةِ
التي هيَ النعيمُ الدائمُ والملكُ المقيمُ ، والقصدُ إلى هذا دأبُ الكرامِ
والأكياسِ ؛ إذْ قِيلَ لرسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ : مَنْ أكرمُ الناسِ
وأكيسُهُمْ؟ فقالَ: ((أكثرُهُمْ للموتِ ذكراً، وأشدُّهُمْ لهُ استعداداً)) (١).
وهذه السعادةُ لا تُنالُ إلا بثلاثٍ وسائلَ في الدنيا ، وهي :
الفضائلُ النفسيةُ : كالعلمِ ، وحسنِ الخلُقِ .
والفضائلُ البدنيةُ : كالصحةِ ، والسلامةِ .
والفضائلُ الخارجةُ عنِ البدنِ : كالمالِ ، وسائرِ الأسبابِ .
وأعلاها النفسيةُ ، ثمَّ البدنيةُ، ثمَّ الخارجةُ، فالخارجةُ أخشُها ،
والمالُ مِنْ جملةِ الخارجاتِ ، وأدناها الدراهمُ والدنانيرُ ؛ فإنَّهُما خادمانِ ،
ولا خادمَ لهُما ، ومرادانِ لغيرِهِما ، ولا يُرادانِ لذاتِهِما ؛ إذِ النفسُ هيَ
(١) رواه ابن ماجه (٤٢٥٩).
١٢٥

كتاب ذم المال والبخل
ربع المهلكات
الجوهرُ الشريفُ المطلوبُ سعادتُها ؛ فإنَّها تخدمُ العلمَ والمعرفةَ ومكارمَ
الأخلاقِ ؛ لتحصِّلَها صفةً في ذاتِها ، والبدنُ يخدمُ النفسَ بواسطةِ الحواسِّ
والأعضاءِ ، والمطاعمُ والملابسُ تخدُمُ البدنَ ، وقدْ سبقَ أنَّ المقصودَ مِنَ
المطاعمِ إبقاءُ البدنِ ، ومِنَ المناكحِ إبقاءُ النسلِ ، ومِنَ البدنِ تكميلُ النفسِ
وتزكيتُها وتزيينُها بالعلمِ والخُلُقِ .
ومَنْ عرفَ هذا الترتيبَ .. فقدْ عرفَ قَدْرَ المالِ ووجهَ شرفِهِ ، وأنَّهُ مِنْ
حيثُ هوَ ضرورةُ المطاعمِ والملابسِ التي هيَ ضرورةُ بقاءِ البدنِ الذي هوَ
ضرورةُ كمالِ النفسِ .. هوَ خيرٌ، ومَنْ عرفَ فائدةَ الشيءٍ وغايتَهُ ومقصدَهُ ،
واستعملَهُ لتلكَ الغايةِ ملتفتاً إليها غيرَ ناسٍ لها .. فقدْ أحسنَ وانتفعَ ، وكانَ
ما حصلَ لهُ الغرضُ محموداً في حقُّهِ .
فإذاً؛ المالُ آلةٌ ووسيلةٌ إلى مقصودٍ صحيح ، ويصلحُ أنْ يُتَّخذَ آلةً
ووسيلةً إلى مقاصدَ فاسدةٍ ، وهيَ المقاصدُ الصادَّةُ عنْ سعادةِ الآخرةِ ،
وتسدُّ سبيلَ العلمِ والعملِ ، فهوَ إذاً محمودٌ مذمومٌ ؛ محمودٌ بالإضافةِ إلى
المقصودِ المحمودِ ، ومذمومٌ بالإضافةِ إلى المقصودِ المذموم ، فمَنْ أخذَ
مِنَ الدنيا أكثرَ ممَّا يكفيهِ .. فقدْ أخذَ حتفَهُ وهوَ لا يشعرُ ؛ كما وردَ بهِ
الخبرُ(١).
(١) رواه البزار في ((مسنده)) (٦٤٤٤) من حديث أنس رضي الله عنه مرفوعاً ، وتمام في
((فوائده)) (١٦٢١)، وابن عساكر في ((تاريخ دمشق)) (١٩١/٥٥).
١٢٦

ربع المهلكات
كتاب ذم المال والبخل
ولمَّا كانَتِ الطباعُ مائلةً إلى اتباع الشهواتِ القاطعةِ لسبيلِ اللهِ ، وكانَ
المالُ مسهّلاً لها وآلةً إليها .. عظُمَ الخطرُ فيما يزيدُ على قدْرِ الكفايةِ ،
فاستعاذَ الأنبياءُ صلواتُ اللهِ عليهِمْ مِنْ شرِّهِ ، حتَّى قالَ نبيّنا صلَّى اللهُ عليهِ
وسلَّمَ: ((اللهمَّ؛ اجعلْ قوتَ آلِ محمدٍ كَفافاً »(١).
فلمْ يطلبْ مِنَ الدنيا إلا ما يتمخَّضُ خيرُهُ .
وقالَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: ((اللهمَّ؛ أحيني مسكيناً وأمثني مسكيناً،
واحشرْني في زمرةِ المساكينِ»(٢).
واستعاذَ إبراهيمُ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ فقالَ: ﴿وَأَجْنُبْنِ وَبَنِىَّ أَن نَّعْبُدَ
اْأَصْنَامَ﴾، وعنى بها هذينِ الحجرينِ الذهب والفضةَ؛ إذْ رتبةُ النبوَّةِ أجلُ
مِنَ أنْ يُخشى عليها أنْ تعتقدَ الإلهيةَ في شيءٍ مِنْ هذهِ الحجارةِ ؛ إذْ قدْ كُفيَ
قبلَ النبوّةِ عبادتَها معَ الصغَرِ .
وإنَّما معنى عبادتِها حُّها ، والاغترارُ بها ، والركونُ إليها .
قال نبينا صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: (( تعِسَ عبدُ الدينارِ، وتعسَ عبدُ
الدرهمِ ، تعسَ ولا انتعشَ، وإذا شِيكَ .. فلا انتقشَ))(٣) ، بيَّنَ عليهِ
(١) رواه البخاري (٦٤٦٠)، ومسلم (١٠٥٥)، وفيهما: ( قوتاً) بدل ( كفافاً)،
وبلفظ المصنف رواه ابن حبان في «صحيحه» ( ٦٣٤٣ ).
(٢) رواه الترمذي (٢٣٥٢)، وابن ماجه (٤١٢٦)، والمسكنة هنا : الإخبات والخمول
لا القلة .
(٣) رواه البخاري (٢٨٨٧)، وابن ماجه (٤١٣٦)، وليس فيهما: ( تعس =
١٢٧
ق

كتاب ذم المال والبخل
ربع المهلكات
الصلاةُ والسلامُ أنَّ محبَّهُما عبدٌ لهُما ، ومَنْ عبدَ حجراً . . فهوَ عابدُ صنمٍ ؛
بلْ كلُّ مَنْ كانَ عبداً لغيرِ اللهِ فهوَ عابدُ صنٍ ؛ أي : مَنْ قطعَهُ ذلكَ عنِ اللهِ
تعالى، وعنْ أداءِ حقُّهِ .. فهوَ كعابدٍ صنمٍ، وهوَ شرْكٌ، إلا أنَّ الشركَ
شركانِ ؛ شرٌ خفيٌّ لا يوجبُ الخلودَ في النارِ ، وقلَّما ينفكُ عنهُ
المؤمنونَ ؛ فإنَّهُ أخفىُ مِنْ دبيبِ النملِ ، وشركٌ جليٍّ يوجبُ الخلودَ في
النارِ ، نعوذُ باللهِ منَ الجميعِ .
٠٨
ولا انتعش )، بل: (تعس وانتكس)، وأورد (انتعش) العسكري في (( تصحيفات
=
المحدثين)) (٢٩٩/١) وعدَّها تصحيفاً لـ (انتقش)، ويقال: (انتعش العاثر؛ نهض
من عثرته ) .
١٢٨

ربع المهلكات
ـعر
كتاب ذم المال والبخل
بيان تفصيل آفات المال وفوائده
اعلمْ : أنَّ المالَ مثلُ حيّةٍ فيها سُمٌّ وترياقٌ ، ففوائدُها ترياقُهَا ، وغوائلُها
سمومُها .
فمَنْ عرفَ غوائلَها وفوائدَها .. أمكنَهُ أن يحترزَ من شرِّها ، ويستدرَّ مِنْها
خيرَها .
أمّا الفوائدُ : فهيَ تنقسمُ إلى دنيويةٍ ودينيةٍ :
أمَّا الدُّنيويةُ: فلا حاجةَ إلى ذكرِها ؛ فإنَّ معرفتها مشتركةٌ بينَ أصنافِ
الخلقِ ، ولولا ذلكَ .. لمْ يتهالكوا على طلبها .
وأمَّا الدِّينيةُ : فتنحصرُ جميعُها في ثلاثةِ أنواعٍ :
النوعُ الأولُ : أَنْ ينفقَهُ على نفسِهِ :
إمَّا في عبادةٍ ، أوْ في الاستعانةِ على عبادةٍ .
أمَّا في العبادةِ .. فهوَ كالاستعانةِ بهِ على الحجِّ والجهادِ ؛ فإنَّهُ لا يتوصَّلُ
إليهِما إلا بالمالِ ، وهُما مِنْ أمهاتِ القرباتِ ، والفقيرُ محرومٌ منْ فضلِهِما .
وأمَّا فيما يقوِّيهِ على العبادةِ .. فذلكَ هو المطعمُ، والملبسُ ،
والمسكنُ ، والمنكحُ ، وضروراتُ المعيشةِ ؛ فإنَّ هذهِ الحاجاتِ إذا لمْ
١٢٩

كتاب ذم المال والبخل
ربع المهلكات
تتيسَّرْ .. كانَ القلبُ منصرفاً إلى تدبيرِها، فلا يتفرَّغُ الدِّينِ ، وما لا يُتوصَّلُ
إلى العبادةِ إلا بهِ .. فهوَ عبادةٌ، فأخْذُ الكفايةِ مِنَ الدنيا لأجلِ الاستعانةِ على
الدِّينِ مِنَ الفوائدِ الدينيّةِ ، ولا يدخلُ في هذا التنقُمُّ والزيادةُ على الحاجةِ ؛
فإنَّ ذلكَ مِنْ حظوظِ الدنيا فقطْ .
النوعُ الثاني : ما يصرفُهُ إلى الناسِ :
وهوَ أربعةُ أقسام : الصدقةُ، والمروءةُ ، ووقايةُ العرضِ ، وأجرةُ
الاستخدامِ .
أمَّا الصدقةُ .. فلا يخفى ثوابُها، وإنَّها لتطفىُ غضبَ الربِّ عزَّ وجلَّ ،
وقدْ ذكرْنا فضائلَها فيما تقدَّمَ .
وأمَّا المروءةُ .. فنعني بها : صرفَ المالِ إلى الأغنياءِ والأشرافِ في
ضيافةٍ وهديةٍ وإعانةٍ وما يجري مجراها ، فإنَّ هذهِ لا تُسمى صدقةٌ ، بلٍ
الصدقةُ ما يُسلَّمُ إلى محتاج، إلا أنَّ هذا أيضاً مِنَ الفوائدِ الدينِيَّةِ ؛ إذْ بِهِ
يكتسبُ العبدُ الإخوانَ والأصدقاءَ ، وبهِ يكتسبُ صفةَ السخاءِ ، ويلتحقُ
بزمرةِ الأسخياءِ ؛ فلا يُوصفُ بالجودِ إلا مَنْ يصطنعُ المعروفَ ويسلكُ سبيلَ
الفتوةِ والمروءةِ ، وهذا أيضاً ممَّا يعظمُ الثوابُ فيهِ ، فقدْ وردَتْ أخبارٌ كثيرةٌ
في الهدايا ، والضيافاتِ ، وإطعامِ الطعامِ مِنْ غيرِ اشتراطِ الفقرِ والفاقةِ في
مصارفِها .
١٣٠

ربع المهلكات
حن
كتاب ذم المال والبخل
وأمَّا وقايةُ العِرضِ .. فنعني بهِ بذلَ المالِ لدفع هجوِ الشعراءِ وثلبٍ
السفهاءِ ، وقطع ألسنتِهِمْ ودفعٍ شرِّهِمْ ، وهوَ أيضاً معَ تنُّزِ فائدتِهِ في
العاجلةِ مِنَ الحظوظِ الدينيّةِ، قالَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: (( ما
وقى بهِ المرءُ عرضَهُ .. كُتبَ لهُ بهِ صدقةٌ)) (١) ، وكيفَ لا وفيهِ منعُ المغتابِ
عن معصيةِ الغيبةِ ، واحترازُ عمَّا يثورُ مِنْ كلامِهِ مِنَ العداوةِ التي تحملُ في
المكافأةِ والانتقام على مجاوزةِ حدودِ الشريعةِ ؟!
وأمَّا الاستخدامُ .. فهوَ أنَّ الأعمالَ التي يحتاجُ إليها الإنسانُ لتهيئةِ أسبابِهِ
كثيرةٌ ، ولوْ تولاَها بنفسِهِ .. ضاعَتْ أوقاتُهُ، وتعذَّرَ عليهِ سلوكُ سبيلٍ
الآخرةِ بالفكرِ والذكرِ اللذينِ هُما أعلى مقاماتِ السالكينَ ، ومَنْ لا مالَ
لهُ .. فيفتقرُ إلى أنْ يتولَّى بنفسِهِ خدمةَ نفسِهِ مِنْ شراءِ الطعام، وطبخِهِ ،
وكنسِ البيتِ ، حتَّى نسخُ الكتابِ الذي يحتاجُ إليهِ ، وكلُّ ما يُتصوَّرُ أنْ يقومَ
بهِ غيرُكَ ، ويحصلَ بهِ غرضُكَ .. فأَنتَ مغبونٌ إذا اشتغلتَ بهِ ؛ إذْ عليكَ مِنَ
العلمِ والعملِ والفكرِ والذكرِ ما لا يُصوَّرُ أنْ يقومَ بهِ غيرُكَ ، فتضييعُ الوقتِ
في غيرِهِ خسرانٌ .
.A
النوعُ الثالثُ : ما لا يصرفُهُ إلى إنسانٍ معيَّنِ ، ولكنْ يحصلُ بهِ خيرٌ عامٌّ :
كبناءِ المساجدِ ، والقناطرِ ، والرباطاتِ ، ودورِ المرضى ، ونصبٍ
(١) رواه الدارقطني في ((سننه)) (٢٨/٣)، والحاكم في ((المستدرك)) (٥٠/٢).
١٣١

كتاب ذم المال والبخل
ربع المهلكات
الحِبابِ في الطرُقِ (١) ، وغيرِ ذلكَ مِنَ الأوقافِ المرصدةِ للخيراتِ ، وهيَ
مِنَ الخيراتِ المؤبَّدةِ ، الدَّارَّةِ بعدَ الموتِ ، المستجلبةِ بركةَ أدعيةِ الصالحينَ
إلى أوقاتٍ متماديّةٍ ، وناهيكَ بها خيراً .
فهذهِ جملةُ فوائدِ المالِ في الدينِ سوى ما يتعلَّقُ بالحظوظِ العاجلةِ ؛
مِنَ الخلاصِ مِنْ ذلِّ السؤالِ ، وحقارةِ الفقرِ ، والوصولِ إلى العزِّ والمجدِ
بينَ الخلقِ ، وكثرةِ الإخوانِ والأعوانِ والأصدقاءِ ، والوقارِ والكرامةِ في
القلوبِ ، فكلُّ ذلكَ ممَّا يقتضيهِ المالُ مِنَ الحظوظِ الدُّنيويةِ .
وأمَّا الآفاتُ : فدينيّةٌ ، ودنيويَّةٌ :
أَمَّا الدينِيَّةُ .. فثلاثٌ :
الأولى : أنَّهُ يجرُّ إلى المعاصي :
فإنَّ الشهواتِ متقاضيةٌ(٢) ، والعجزُ قدْ يحولُ بينَ المرءِ وبينَ المعصيةِ ،
ومِنَ العصمةِ ألا يقدرَ ، ومهما كانَ الإنسانُ آيساً عنْ نوع مِنَ المعصيةِ .. لمْ
تتحرَّكْ داعيتُهُ ، فإذا استشعرَ القدرةَ عليها .. انبعثَتْ داعيتُهُ ، والمالُ نوعٌ مِنَ
القدرةِ يحرِّكُ داعيةَ المعاصي وارتكابِ الفجورِ ، فإنِ اقتحمَ ما اشتهاهُ ..
(١) حباب: جمع حُبِّ ، لفظة فارسية معربة ، وهي الخابية ، والمراد بالتي على الطريق
مخازن المياه .
(٢) إذ بعضها يقتضي وجود بعض ويدعو إليه.
١٣٢

ربع المهلكات
كتاب ذم المال والبخل
هلكَ، وإنْ صبرَ . . وقعَ في شدَّةٍ؛ إذِ الصبرُ معَ القدرةِ أشدُ، وفتنةُ السرَّاءِ
أعظمُ مِنْ فتنةِ الضرَّاءِ .
الثانيةُ: أَنَّهُ يجرُّ إِلى التَُّمِ في المباحاتِ :
وهذا أقلُّ الدرجاتِ ، فمتى يقدرُ صاحبُ المالِ على أنْ يتناولَ خبزَ
الشعيرِ، ويلبسّ الثوبَ الخشنَ ، ويتركَ لذائذَ الأطعمةِ ؛ كما كانَ يقدرُ علیهِ
سليمانُ بنُ داوودَ عليهما الصلاةُ والسلامُ في ملكِهِ ؟! فأحسنُ أحوالِهِ أنْ
يتنغَّمَ بالدنيا ، ويمرِّنَ على ذلكَ نفسَهُ ؛ فيصيرُ التنعُمُ مألوفاً عندَهُ، ومحبوباً
لا يصبرُ عنهُ، ويجرّهُ البعضُ مِنْهُ إلى البعضِ .
فإذا اشتدَّ أنسُهُ بهِ .. ربَّما لا يقدرُ على التوصُّلِ إليهِ بالكسبِ الحلالِ ؛
فيقتحمُ الشبهاتِ ، ويخوضُ في المراءاةِ ، والمداهنةِ ، والكذبِ ،
والنفاقِ، وسائرِ الأخلاقِ الرديئةِ ؛ لينتظمَ لهُ أمرُ دنياهُ ، ويتيسَّرَ لهُ تنقُّمُهُ ؛
فإِنَّ مَنْ كَثُرَ مالُهُ .. كَثُرَتْ حاجتُهُ إلى الناسِ ، ومَنِ احتاجَ إلى الناسِ ..
فلابدّ وأنْ ينافقَهُمْ، ويعصيَ اللهَ تعالى في طلبٍ رضاهُمْ ؛ فإِنْ سِلِمَ الإنسانُ
مِنَ الآفةِ الأولىُ - وهيَ مباشرةُ المحظوراتِ - فلا يسلمُ عنْ هذهِ أصلاً ،
ومِنَ الحاجةِ إلى الخلقِ تثورُ العداوةُ والصداقةُ ، وينبني عليهِ الحسدُ ،
والحقدُ، والرياءُ، والكبرُ، والكذبُ ، والغيبةُ، والنميمةُ، وسائرٌ
المعاصي التي تخصُّ القلبَ واللسانَ ، ولا تخلو عنِ التعدي أيضاً إلى سائرٍ
الجوارحِ، وكلُّ ذلكَ يلزمُ مِنْ شؤمِ المالِ ، والحاجةِ إلى حفظِهِ وإصلاحِهِ .
١٣٣

كتاب ذم المال والبخل
ربع المهلكات
الثالثةُ - وهيَ التي لا ينفكُّ عنها أحدٌ - : وهيَ أنَّهُ يلهيهِ إصلاحُ مالِهِ عنْ
ذکِرِ الله تعالی :
وكلُّ ما شغلَ العبدَ عنِ اللهِ .. فهوَ خسرانٌ ، ولذلكَ قالَ عيسىُ عليهِ
الصلاةُ والسلامُ : في المالِ ثلاثُ آفاتٍ : أَنْ يأخذَهُ مِنْ غيرِ حلِّهِ ، فقيلَ :
إِنْ أَخَذَهُ مِنْ حلَّهِ ؟ فقالَ : يضعُهُ في غيرِ حقٌّهِ ، فقيلَ : إنْ وضعَهُ في حقّهِ ؟
فقالَ: يشغلُهُ إصلاحُهُ عنِ اللهِ تعالى(١).
وهذا هوَ الداءُ العضالُ، فإنَّ أصلَ العباداتِ ومخَّها وسرَّها ذكرُ اللهِ
تعالى والفكرُ في جلالِهِ ، وذلكَ يستدعي قلباً فارغاً ، وصاحبُ الضَّيعةِ
يمسي ويصبحُ متفكّراً في خصومةِ الفلاحِ ومحاسبتِهِ ، وفي خصومةِ الشركاءِ
ومنازعتِهِمْ في الماءِ والحدودِ ، وخصومةِ أعوانِ السلطانِ في الخراجِ ،
وخصومةِ الأَجَراءِ في التقصيرِ في العمارةِ ، وخصومةِ الفلاحينَ في خيانتِهِمْ
وسرقتِهِمْ ، وصاحبُ التجارةِ يكونُ متفكراً في خيانةِ شريكِهِ ، وانفرادِهِ
بالربحِ ، وتقصيرِهِ في العملِ ، وتضييعِهِ للمالِ ، وكذلكَ صاحبُ
المواشي ، وهكذا سائرُ أصنافِ الأموالِ ، وأبعدُها عنْ كثرةِ الشغلِ النقدُ
المكنوزُ تحتَ الأرضِ ، ولا يزالُ الفكرُ متردِّداً فيما يُصرفُ إليهِ ، وفي كيفيةِ
حفظِهِ ، وفي الخوفِ ممَّنْ يعثرُ عليهِ ، وفي دفع أطماع الناسِ عنهُ ، وأوديةُ
أفكار الدنيا لا نهايةً لها ، والذي معَهُ قوتُ يومِهِ في سلامةٍ عنْ جميع ذلكَ .
(١) رواه البيهقي في ((الزهد الكبير)) (٢٤٨) عن سفيان بن سعيد يحكيه .
١٣٤

ربع المهلكات
مصر
كتاب ذم المال والبخل
فهذهِ جملةُ الآفاتِ الدُّنيويةِ سوى ما يقاسيهِ أربابُ الأموالِ في الدنيا ؛
مِنَ الخوفِ ، والحزنِ ، والغمِّ ، والهمِّ ، والتعبِ في دفع الحسَّادِ ،
وتجشُّمِ المصاعبِ في حفظِ الأموالِ وكسبها .
فإذاً ؛ ترياقُ المالِ أخذُ القوتِ منهُ، وصرفُ الباقي إلى الخيراتِ ،
وما عداهُ سمومٌ وآفاتٌ ، نسألُ اللهَ تعالى السلامةَ وحسنَ العونِ بلطفِهِ
وكرمِهِ ، إنَّهُ على ذلكَ قديرٌ .
١٣٥

كتاب ذم المال والبخل
ربع المهلكات
بيان ذم الحرص والطمع، وموح القناعة والياس فما في أيدي الناس
اعلمْ : أَنَّ الفقرَ محمودٌ ؛ كما أوردناهُ في كتابِ الفقرِ ، ولكنْ ينبغي أنْ
يكونَ الفقيرُ قانعاً منقطعَ الطمع عنِ الخلقِ ، غيرَ ملتفتٍ إلى ما في أيديهِمْ ،
ولا حريصاً على اكتسابِ المالِ كيفَ كانَ ، ولا يمكنُهُ ذلكَ إلا بأنْ يقنعَ
بقدْرِ الضرورةِ مِنَ المطعمِ والملبسِ والمسكنِ ، ويقتصرَ على أقلِّهِ قدراً
وأخسِّهِ نوعاً ، ويردّ أملَهُ إلى يومِهِ أَوْ إلى شهرِهِ ، ولا يشغلَ قلبَهُ بما بعدَ
شهر .
فإنْ تشوَّفَ إلى الكثيرِ أوْ طوَّلَ أملَهُ .. فاتَهُ عزُّ القناعةِ ، وتدنَّسَ -
لا محالةَ - بالطمع وذلِّ الحرصِ ، وجرَّهُ الحرصُ والطمعُ إلى مساوىءِ
الأخلاقِ وارتكابِ المنكراتِ الخارقةِ للمروءاتِ ، وقدْ جُبِلَ الآدميُّ على
الحرصِ والطمعِ وقلَّةِ القناعةِ .
قالَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: ((لوْ كانَ لابنِ آدمَ واديانِ مِنْ
ذهبٍ .. لا بتغى إليهما ثالثاً، ولا يملأُ جوفَ ابنِ آدمَ إلاَّ الترابُ، ويتوبُ اللهُ
علىْ مَنْ تابَ))(١) .
وعنْ أبي واقد الليثيِّ قالَ : كانَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ إذا
أُوحِيَ إليهِ .. أتيناهُ يعلِّمُنا ممَّا أُوحيَ إليهِ، فجئتُهُ ذاتَ يومٍ فقالَ: ((إنَّ اللهَ
(١) رواه البخاري (٦٤٣٦، ٦٤٣٩)، ومسلم ( ١٠٤٨، ١٠٤٩).
١٣٦

ربع المهلكات
كتاب ذم المال والبخل
عزَّ وجلَّ يقولُ : إِنَّا أنزلْنا المالَ لإقام الصلاة وإيتاءِ الزَّكَاةِ ، ولوْ أنَّ لابنِ آدمَ
وادياً مِنْ ذهبٍ .. لأحبَّ أنْ يكونَ إليهِ الثاني، ولوْ كانَ لهُ الثاني .. لأحبَّ
أنْ يكونَ إليهِما الثالثُ، ولا يملأُ جوفَ ابنِ آدمَ إلا الترابُ، ويتوبُ اللهُ
على مَنْ تابَ))(١) .
وقالَ أبو موسى الأشعريُّ: نزلَتْ سورةٌ نحوُ (براءةٌ ) ، ثمَّ رُفعَتْ ،
وحُفظَ مِنْها : ( إنَّ اللهَ يؤيدُ هذا الدينَ بأقوامٍ لا خلاقَ لهُمْ ، ولوْ أنَّ لابنِ
آدَمَ وادبينٍ مِنْ مالٍ .. لتمنَّى وادياً ثالثاً، ولا يملأَ جوفَ ابنِ آدمَ إلا الترابُ ،
ويتوبُ اللهُ على مَنْ تَابَ)(٢).
وقالَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ : (( منهومانِ لا يشبعانِ ؛ منهومُ العلمِ ،
ومنهومُ المالِ))(٣) .
وقالَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ : (( يهرمُ ابنُ آدَمَ ويشتُّ منهُ اثنتانِ ؛ الأملُ ،
وحبُّ المالِ ))(٤)، أوْ كما قالَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ .
ولمَّا كانَتْ هذهِ جبلَّةٌ للآدميِّ مضلةً، وغريزةً مهلكةً .. أثنى اللهُ تعالى
(١) رواه أبو عبيد في ((فضائل القرآن)) (ص ٣٢٢)، وأحمد في ((المسند)) (٢١٨/٥)،
والطبراني في «الكبير)) (٢٤٧/٣)، والبيهقي في ((الشعب)) (٩٨٠٠).
(٢) رواه أبو عبيد في (( فضائل القرآن)) (ص ٣٢٣) واللفظ له ، وأصله عند مسلم
( ١٠٥٠ ) .
(٣) رواه الحاكم في ((المستدرك)) (٩٢/١) من حديث أنس مرفوعاً، ولفظه: ((منهومان
لا يشبعان ؛ منهوم في علم لا يشبع، ومنهوم في دنيا لا يشبع)).
(٤) رواه البخاري (٦٤٢١)، ومسلم ( ١٠٤٧) .
١٣٧

کتاب ذم المال والبخل
ربع المهلكات
ورسولُهُ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ على القناعةِ، فقالَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ :
((طوبى لمَنْ هُديَ إلى الإسلام وكانَ عيشُهُ كفافاً وقِنِعَ بهِ ))(١) .
وقالَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ : (( ما مِنْ أحدٍ غنيٍّ ولا فقيرٍ إلا وذَّ يومَ القيامةِ
أنَّهُ كانَ أُوتِيَ قوتاً في الدنيا))(٢).
وقالَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: (( ليسَ الغنى عنْ كثرةِ العَرَضِ ، إنَّما الغنى
غنى النَّفسِ))(٣).
ونهى صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ عنْ شدَّةِ الحرصِ والمبالغةِ في الطلبِ ، فقالَ
صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: ((ألا أيّها النَّاسُ؛ أجملوا في الطَّلبِ؛ فإنَّهُ ليسَ لعبدٍ
إلا ما كُتِبَ لهُ، ولَنْ يذهبَ عبدٌ مِنَ الدنيا حتَّى يأتيَهُ ما كُتِبَ لهُ مِنَ الدنيا
وهيَ راغمةٌ))(٤) .
ورُوِيَ أنَّ موسى عليهِ السلامُ سألَ ربَّهُ تعالى فقالَ : أيُّ عبادِكَ أغنى ؟
قالَ : أقنعُهُمْ بما أعطيتُهُ ، قالَ: فأيُّهُمْ أعدلُ ؟ قالَ : مَنْ أنصفَ مِنْ
نفسِهِ(٥).
(١) رواه الترمذي (٢٣٤٩)، والنسائي في ((السنن الكبرى)) (٩٧٩٣) من حديث
فضالة بن عبيد رضي الله عنه ، وعند مسلم ( ١٠٥٤ ) من حديث عبد الله بن عمرو
مرفوعاً: ((قد أفلح من أسلم ورزق كفافاً وقنَّعه الله بما آتاه)).
(٢) رواه ابن ماجه (٤١٤٠).
(٣) رواه البخاري (٦٤٤٦)، ومسلم ( ١٠٥١).
(٤) روى الحاكم في ((المستدرك)) (٤/٢) نحوه .
(٥) رواه هناد في ((الزهد)) (٤٨٩).
١٣٨
٨٠٠٫١٤

ربع المهلكات
كتاب ذم المال والبخل
وقالَ ابنُ مسعودٍ رضيَ اللهُ عنهُ : قالَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ :
« إنَّ روحَ القدسِ نَفَثَ في روعي أنَّ نفساً لَنْ تموتَ حتَّى تستكملَ رزقَها ،
فاتَّقُوا اللهَ وأجملوا في الطَّلبِ))(١) .
وقالَ أبو هريرةَ : قالَ لي رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ : (( يا أبا هريرةَ؛
إذا اشتدَّ بكَ الجوعُ .. فعليكَ برغيفٍ وكوزٍ مِنْ ماءِ وعلى الدنيا الدَّمارُ)) (٢).
وقالَ أبو هريرةَ رضيَ اللهُ عنهُ: قالَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ :
((كنْ ورعاً .. تكنْ أعبدَ الناسِ، وكنْ قَنِعاً .. تكنْ أشكرَ الناسِ، وأحِبَّ
للناسِ ما تُحبُّ لنفسِكَ .. تكنْ مؤمناً))(٣).
ونهى رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ عنِ الطمع فيما رواهُ أبو أيوبَ
الأنصاريُّ: أنَّ أعرابياً أتى النبيَّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ فقالَ : يا رسولَ اللهِ ؛
عِظْني وأوجزْ، فقالَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ : ((إذا صلَّيتَ .. فصلِّ صلاةَ
مودِّعٍ ، ولا تحدِّثَنَّ بحديثٍ تعتذرُ منهُ غداً ، وأَجْمِع اليأسَ ممَّا في أيدي
الناسِ ))(٤) .
وقالَ عوفُ بنُ مالكِ الأشجعيُّ : كنَّا عندَ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ
تسعةً أوْ ثمانيةً أوْ سبعةً، فقالَ: ((ألا تبايعونَ رسولَ اللهِ؟ )) قلْنا: أوَليسَ
(١) رواه الحاكم في ((المستدرك)) (٤/٢)، وابن ماجه (٢١٤٤).
(٢) رواه البيهقي في ((الشعب)) ( ٩٨٨١).
(٣) رواه ابن ماجه (٤٢١٧)، والبيهقي في ((الشعب)) (٥٣٦٦).
(٤) رواه ابن ماجه (٤١٧١ ).
١٣٩

کتاب ذم المال والبخل
ربع المهلكات
قدْ بايعناكَ يا رسولَ اللهِ؟ ثمَّ قالَ: (( ألا تبايعونَ رسولَ اللهِ؟ )) فبسطنا أيدينا
فبايعْناهُ ، فقالَ قائلٌ منَّا : قدْ بايعناكَ يا رسولَ اللهِ ، فعلى ماذا نبايعُكَ ؟
قالَ : ((علىُ أنْ تعبدوا اللهَ ولا تشركوا بهِ شيئاً ، والصلواتِ الخمسِ ،
وتسمعوا وتطيعوا - وأسرَّ كلمةٌ خفيَّةً - ولا تسألوا الناسَ شيئاً))، قالَ: فلقدْ
كانَ بعضُ أولئكَ النفرِ يسقطُ سوطُهُ فلا يسألُ أحداً أنْ يناولَهُ إِيَّهُ(١).
الآثارُ :
قالَ عمرُ رضيَ اللهُ عنهُ: (إنَّ الطمعَ فقرٌ، وإنَّ اليأسَ غنىَ، وإنَّهُ مَنْ
أيسَ ممَّا عندَ الناسِ .. استغنى عنهُمْ)(٢) .
وقيلَ لبعضٍ الحكماءِ: ما الغنى؟ قالَ: قلَّةُ تمنِّكَ، ورضاكَ بما يكفيكَ(٣).
[مجزوء الكامل]
وفي ذلكَ قيلَ(٤) :
الْعَيْشُ ساعاتٌ تَمُرْ وَخُطُوبُ أَيَّامِ تَكُرْ
وَأَنْرُكْ هَواكَ وَأَنْتَ حُزْ(٥)
إِقْنَعْ بِعَيْشِكَ تَرْضَهُ
ذَهَبٌ وَياقُوتْ وَدُرْ
فَلَرُبَّ حَتْفٍ ساقَهُ.
(١) رواه مسلم (١٠٤٣)، وأبو داوود (١٦٤٢)، والنسائي (٢٢٩/١).
(٢) رواه ابن المبارك في ((الزهد)) (٦٣١).
(٣) رواه أبو بكر الشاشي في ((فوائده)) (٦).
(٤) انظر ((شرح نهج البلاغة)) (١٦٣/١٩).
(٥) في (أ): ( تعيش) بدل (وأنت ) .
١٤٠