Indexed OCR Text

Pages 81-100

ربع المهلكات
کتاب ذم الدنيا
أياماً(١)، وكانَ يشدُّ الحجرَ على بطنِهِ مِنَ الجوعِ (٢).
ولهذا سلَّطَ اللهُ البلاءَ والمحنَ على الأنبياءِ والأولياءِ ، ثُمَّ الأمثلِ
فالأمثلِ ، كلٌّ ذلكَ نظراً لهُمْ، وامتناناً عليهِمْ؛ ليتوقَّرَ مِنَ الآخرةِ حظَّهُمْ ؛
كما يمنعُ الوالدُ الشفيقُ ولدَهُ لذَّةَ الفواكهِ ، ويلزمُهُ ألمَ الفصدِ والحجامةِ ؛
شفقةً عليهِ ، وحبّاً لهُ ، لا بخلاً عليهِ .
وقد عرفتَ بهذا أنَّ كلَّ ما ليسَ اللهِ . . فهوَ مِنَ الدُّنيا ، وما هوَ للهِ عزَّ
وجلَّ .. فذلكَ ليسَ مِنَ الدُّنيا .
فإنْ قلتَ : فما الذي هوَ للهِ سبحانَهُ ؟
فأقولُ : الأشياءُ ثلاثةُ أقسام :
مِنْها : ما لا يُتصوَّرُ أنْ يكونَ اللهِ عزَّ وجلَّ، وهوَ الذي يُعبَّرُ عنهُ بالمعاصي
(١) فقد روى الترمذي (٢٣٦٠)، وابن ماجه (٣٣٤٧) عن ابن عباس رضي الله عنهما
قال : ( كان رسول الله يبيت الليالي المتتابعة طاوياً وأهله لا يجدون عشاء ، وكان أكثر
خبزهم خبز الشعير ) ، وأما أنه سبحانه زوى الدنيا عنه صلى الله عليه وسلم .. فتقدم في
غير خبر ، منها ما رواه البخاري ( ٢٤٦٨)، ومسلم (١٤٧٩ ) عن عمر رضي الله عنه
وقد قال للنبي صلى الله عليه وسلم: هذا الحصير قد أثَّر في جنبك، وهذه خزانتك
لا أرى فيها إلا ما أرى، وذاك قيصر وكسرى في الثمار والأنهار وأنت رسول الله
وصفوته وهذه خزانتك؟ فقال: (( يا بن الخطاب ؛ ألا ترضى أن تكون لنا الآخرة ولهم
الدنيا ؟!)).
(٢) روى ذلك البخاري في قصة الخندق ( ٤١٠١ ) .
٨١

کتاب ذم الدنيا
ربع المهلكات
والمحظوراتِ ، وأنواعُ التنقُّماتِ في المباحاتِ ، وهيَ الدُّنيا المحضُ
المذمومةُ ، فهيَ الدُّنيا صورةً ومعنىّ .
ومِنْها : ما صورتُهُ للهِ ، ويمكنُ أنْ يُجعلَ لغيرِ اللهِ ، وهيَ ثلاثةٌ :
الفكرُ ، والذكرُ ، والكفُّ عنِ الشهواتِ ؛ فإنَّ هذهِ الثلاثةَ إذا جرَتْ سرّاً
ولمْ يكنْ عليها باعثٌ سوى أمرِ اللهِ واليومِ الآخرِ .. فهيَ اللهِ وليسَتْ مِنَ
الدُّنيا ، وإنْ كانَ الغرضُ مِنَ الفكرِ طلبَ العلمِ للتشؤُفِ بهِ ، وطلبِ القبولِ
بينَ الخلقِ بإظهارِ المعرفةِ ، أوْ كانَ الغرضُ مِنْ تركِ الشهوةِ حفظَ المالِ ، أوِ
الحميةَ لصحَّةِ البدنِ ، أوِ الاشتهارَ بالزهدِ .. فقدْ صارَ هذا مِنَ الدُّنيا
بالمعنى وإنْ كانَ يُظُّ بصورتِهِ أنَّهُ للهِ تعالی .
ومِنْها : ما صورتُهُ لحظُّ النفسِ ، ويمكنُ أنْ يُجعلَ معناهُ للهِ سبحانَهُ ،
وذلكَ كالأكلِ ، والنكاح ، وكلِّ ما يرتبطُ بهِ بقاؤُهُ وبقاءُ ولِدِهِ ، فإنْ كانَ
القصدُ حظّ النفسِ .. فهوَ مِنَ الدُّنيا، وإنْ كانَ القصدُ الاستعانةَ بهِ على
التقوى .. فهوَ للهِ بمعناهُ وإنْ كانَتْ صورتُهُ صورةَ الدُّنيا ، قالَ صلَّى اللهُ عليهِ
وسلَّمَ: ((مَنْ طلبَ الدُّنيا حلالاً مُفاخِراً مُكاثِراً .. لقيَ اللهَ وهوَ عليهِ
غضبانُ ، ومَنْ طلبَها استعفافاً عنِ المسألةِ وصيانةً لنفسِهِ .. جاءَ يومَ القيامةِ
ووجهُهُ كالقمرِ ليلةَ البدرِ )) (١)، فانظر كيفَ اختلفَ ذلكَ بالقصدِ .
(١) رواه ابن أبي شيبة في ((المصنف)) (٢٢٦٢٥)، وابن أبي الدنيا في (( العيال))
(٣٢)، وأبو نعيم في ((الحلية)) (١٠٩/٣)، والبيهقي في ((الشعب)) (٩٨٩٠) من
حديث أبي هريرة رضي الله عنه مرفوعاً .
٨٢

ربع المهلكات
کتاب ذم الدنيا
فإِذاً؛ الدُّنيا حظّ نفسِكَ العاجلُ ، الذي لا حاجةَ إليهِ لأمرِ الآخرةِ ،
ويُعبَّرُ عنهُ بالهوى، وإليه أشارَ قولُهُ تعالى: ﴿ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْمَوَىُّ { فَإِنَّ
اٌلْجَنَّةَ هِىَ الْمَأْوَى﴾.
ومجامعُ الهوى خمسةُ أمورٍ ، وهيَ ما جمعَهُ اللهُ تعالَى في قولِهِ: ﴿ أَنَّمَا
الْحَيَوَةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِ الْأَمَوَلِ وَالْأَوْلَدِ﴾، والأعيانُ
التي تحصلُ مِنْها هذهِ الخمسةُ سبعةٌ ، يجمعُها قولُهُ تعالى: ﴿ زُيِّنَ لِلنَّاسِ
حُبُّ الشَّهَوَتِ مِنَ النِّسَاءِ وَاَلْبَنِينَ وَاُلْقَتَطِيرِ الْمُقَنَطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَاُلْفِضَّةِ
وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَاُلْأَنْعَامِ وَالْحَرْثِّ ذَلِكَ مَتَعُ الْحَيَوَةِ الدُّنْيَا﴾.
فقدْ عرفتَ أنَّ كلَّ ما هوَ للهِ فليسَ مِنَ الدُّنيا ، وقدْرُ ضرورةِ القُوتِ ،
وما لا بدَّ منهُ مِنْ مسكنٍ وملبسٍ .. فهوَ اللهِ إنْ قُصِدَ بهِ وجهُ اللهِ ، والاستكثارُ
مِنْهُ تنعمٌ ، وهوَ لغيرِ اللهِ ، وبينَ التنقُّمِ والضرورةِ درجةٌ يُعبَّرُ عنها بالحاجةِ ،
ولها طرفانٍ وواسطةٌ ، طرفٌ يقربُ مِنْ حدِّ الضرورةِ ، فلا يضرُّ ؛ فإنَّ
الاقتصارَ على حدِّ الضرورةِ غيرُ ممكنٍ، وطرفٌ يزاحمُ جانبَ التنقُمِ ويقربُ
مِنْهُ، وينبغي أنْ يُحْذرَ منهُ، وبينَهُما وسائطُ متشابهةٌ ، ومَنْ حامَ حولَ
الحمى يوشكُ أنْ يقعَ فيهِ ، والحزمُ في الحذرِ والتقوى ، والتقريبِ مِنْ حدٍّ
الضرورةِ ما أمكنَ ؛ اقتداءً بالأنبياءِ صلواتُ اللهِ عليهِمْ أجمعينَ والأولياءِ ؛ إذْ
كانُوا يردُّونَ أَنفسَهُمْ إلى حدِّ الضرورةِ .
حتَّى إِنَّ أويساً القَرَنِيَّ كانَ يظنُ أهلُهُ أنَّهُ مجنونٌ ؛ لشدَّةِ تضييقِهِ على
٨٣

كتاب ذم الدنيا
ربع المهلكات
نفسِهِ ، فبنوا لهُ بيتاً على بابِ دارِهِمْ ، فكانَ يأتي عليهمُ السنةُ والسنتانِ والثلاثُ
لا يرونَ لهُ وجهاً، وكانَ يخرجُ أولَ الأذانِ ، ويأتي إلى منزِلِهِ بعدَ العشاءِ
الآخرةِ، وكانَ طعامُهُ أنْ يلتقطَ النوى، فكلَّما أصابَ مِنَ الحشفِ .. خبََّهُ
لإفطارِهِ ، وإنْ لمْ يصبْ ما يقوتَهُ مِنَ الحشفِ .. باعَ النوى ، واشترى بهِ
ما يقوتُهُ، وكانَ لباسُهُ ما يلتقطَ مِنَ المزابلِ ، فيلتقطُ قطعَ الأكسيةِ ، فيغسلُها
في الفراتِ، ويلفِّقُ بعضَها إلى بعضٍ، ثمَّ يلبسُها، فكانَ ذلكَ لباسَهُ(١) ،
وكانَ ربَّما مزَّ بالصبيانِ فيرجمونَهُ، ويظنونَ أنَّهُ مجنونٌ ، فيقولُ لهُمْ :
( يا إخوتاهُ؛ إنْ كانَ ولا بدَّ أنْ ترمُوني .. فارمُوني بأحجارٍ صغارٍ ، فإنِّي أخافُ
أنْ تُدمو عقبي فيحضرَ وقتُ الصلاةِ ولا أصيبَ الماءَ)(٢) ، فهكذا كانَتْ
سيرتُهُ، ولهذا عظَّمَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ أمرَهُ، فقالَ: ((إنِّي لأجدُ
نَفَسَ الرَّحمنِ مِنَ جانبِ اليمنِ)» إشارةٌ إليهِ رحمهُ اللهُ(٣).
ولمَّا وليَ الخلافةَ عمرُ بنُ الخطابِ رضيَ اللهُ عنهُ .. قالَ : أيُّها الناسُ؛
مَنْ كانَ منكُمْ مِنْ أهلِ العراقِ .. فليقمْ ؛ قالَ : فقاموا ، فقالَ : اجلسُوا إلاَّ
مَنْ كانَ مِنْ أهلِ الكوفةِ فجلسُوا ، فقالَ : اجلسوا إلا مَنْ كانَ مِنْ مرادٍ ،
فجلسوا ، فقالَ : اجلسوا إلا مَنْ كانَ مِنْ قرنٍ ، فجلسوا كلُّهُمْ إلا رجلاً
حر
(١) خبر أويس إلى هنا رواه ابن عساكر في ((تاريخ دمشق)) (٤٣١/٩ - ٤٣٢).
(٢) الرسالة القشيرية (ص ٤١٢).
(٣) رواه الطبراني في ((الكبير)) (٥٢/٧)، وعند أحمد في ((المسند)) (٥٤٠/٢):
((نفَس ربكم )) بدل (( نفس الرحمن)).
٨٤

ربع المهلكات
كتاب ذم الدنيا
واحداً ، فقالَ لهُ عمرُ رضيَ اللهُ عنهُ : أقرنيٌّ أنتَ ؟ فقالَ : نعمْ ، فقالَ :
أتعرفُ أويسَ بنَ عامرِ القرنيَّ؟ فوصفَهُ لهُ ، فقالَ : نعمْ، وما تسألُ عنْ
ذلكَ يا أميرَ المؤمنينَ ؟! فواللهِ؛ ما فينا أحمقُ منهُ، ولا أجنُ منهُ ،
ولا أحوجُ منهُ، ولا أدنىُ منهُ، فبكى عمرُ رضيَ اللهُ عنهُ، ثمَّ قالَ : ما قلتُ
ما قلتُ إلا أنِّي سمعتُ رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ يقولُ: (( يدخلُ في
شفاعتِهِ مثلُ ربيعةَ ومضرَ )) .
فقالَ هَرِمُ بنُ حيَّانَ : فلمَّا سمعتُ هذا القولَ مِنْ عمرَ بنِ الخطابِ
رضيَ اللهُ عنهُ .. قدمتُ الكوفةَ ، فلمْ يكنْ لي همٌّ إلا أنْ أطلبَ أويساً القرنيَّ
وأسألَ عنهُ، حتَّى سقطتُ عليهِ جالساً على شاطىءِ الفراتِ نصفَ النهارِ
يتوضَّأُ ويغسلُ ثوبَهُ ، قالَ : فعرفتُهُ بالنعتِ الذي نُعِتَ لي ؛ فإذا رجلٌ لحيمٌ
شديدُ الأدمةِ ، محلوقُ الرأسِ ، كثُّ اللحيةِ ، متغيرٌ جداً ، كريهُ الوجهِ ،
مھیبُ المنظرِ .
قالَ : فسلَّمتُ عليهِ ، فردَّ عليَّ السلامَ ونظرَ إليَّ، فقلتُ: حَيَّاكَ اللهُ مِنْ
رجلٍ ، ومددتُ يدي لأصافحَهُ، فأبى أنْ يصافحَني ، فقلتُ: رحمَكَ اللهُ
يا أويسُ وغفرَ لكَ، كيفَ أنتَ رحمَكَ اللهُ؟ وخنقَتْني العبرةُ مِنْ حُبِي إِيَّاهُ
ورقَّتي عليهِ ؛ إذْ رأيتُ مِنْ حالِهِ ما رأيتُ ، حتى بكيتُ وبكى ، قالَ : وأنتَ
فحيَّاكَ اللهُ يَا هَرِمَ بنَ حيانَ ، كيفَ أنتَ يا أخي ، ومَنْ دَلَّكَ عليَّ؟ قالَ:
قلتُ : اللهُ، فقالَ: لا إلهَ إلا اللهُ، سبحانَ اللهِ، ﴿إِن كَانَ وَعْدُ رَبِنَا
لَمَفْعُولًا﴾ .
٨٥

کتاب ذم الدنيا
ربع المهلكات
.5
قالَ فعجبتُ حينَ عرفَني ، ولا واللهِ ؛ ما رأيتُهُ قبلَ ذلكَ ولا رآني ،
فقلتُ : مِنْ أينَ عرفتَ اسمي واسمَ أبي ، وما رأيتُكَ قبلَ اليومِ ولا رأيتَي ؟
قالَ ﴿نَبَنِىَ الْعَلِيمُ الْخَبِيرُ﴾، وعرفَتْ روحي روحَكَ حينَ كلَّمَتْ نفسي
نفسَكَ، إنَّ الأرواحَ لها أنفسٌ كأنفسِ الأجسادِ ، وإنَّ المؤمنينَ ليعرفُ
بعضُهُمْ بعضاً ، ويتحاتُونَ بروحِ اللهِ وإنْ لمْ يلتقوا ، يتعارفونَ ويتكلمونَ وإِنْ
نأتْ بِهِمُ الدارُ وتفرقَتْ بِهِمُ المنازلُ .
قالَ : قلتُ: حدِّثْني رحمَكَ اللهُ عنْ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ
بحديثٍ أسمعُهُ منكَ ، قالَ : إنِّي لمْ أدركْ رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ ،
ولمْ يكنْ لي معَهُ صحبةٌ بأبي وأمِّي رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ ، ولكنِّي
رأيتُ رجالاً قدْ رأَوهُ، وبلغَني مِنْ حديثِهِ نحوٌ ممَّا بلغَكَ، ولستُ أحبُّ أنْ
أفتحَ هذا البابَ على نفسِي أنْ أكونَ محدِّثاً ، أو مفتياً ، أو قاصّاً ، في نفسي
شغلٌ عَنِ الناسِ يا هرمَ بنَ حيانَ .
فقلتُ : يا أخي ؛ اقرأْ عليَّ آياتٍ مِنْ كتابِ اللهِ أسمعُها منكَ ، وادعُ لي
بدعواتٍ ، وأوصني بوصيةٍ أحفظُها عنكَ ؛ فإنِّي أحبُّكَ في اللهِ حبّاً شديداً .
قالَ : فقامَ وأخذَ بيدي على شاطىءِ الفراتِ ، ثمَّ قالَ: أعوذُ بالله السميع
العليمِ مِنَ الشيطانِ الرجيمِ ، ثم بكى ، ثمَّ قالَ: قالَ ربِّي، وأحقُّ القولِ قولُهُ،
وأصدقُ الحديثِ حديثُهُ، وأصدقُ الكلام كلامُهُ، ثمَّ قرأَ: ﴿ وَمَا خَلَقْنَا السَّمَوَتِ
وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لَعِبِينَ ﴿ مَا خَلَقْنَهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ حتَّى
٨٦

ربع المهلكات
كتاب ذم الدنيا
انتهى إلى قولِهِ: ﴿إِنَّمُ هُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾، فشهقَ شهقةً ظننتُ أنَّهُ قَدْ غُشِيَ
عليهِ ، ثمَّ قالَ: يا بنَ حيَّانَ ؛ ماتَ أبوكَ حيَّانُ، ويوشكُ أنْ تموتَ أنتَ ، فإمّا
إلى جنَّةٍ وإمَّا إلى نارٍ، وماتَ أبوكَ آدمُ، وماتَتْ أمُّكَ حواءُ ، وماتَ نوحٌ ،
وماتَ إبراهيمُ خليلُ الرحمنِ ، وماتَ موسى نجيُّ الرحمنِ ، وماتَ داوودُ
خليفةُ الرحمن ، وماتَ محمدٌ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ رسولُ ربِّ العالمينَ ،
وماتَ أبو بكرٍ خليفةُ المسلمينَ ، وماتَ أخي وصفيِّي عمرُ بنُ الخطابِ .
ثُمَّ قالَ : يا عمراهُ يا عمراهُ، قالَ : فقلتُ: رحمَكَ اللهُ ؛ إنَّ عمرَ لمْ
يمتْ، قالَ: قَدْ نعاهُ إليَّ ربِّي، ونعى إليَّ نفسِي، ثمّ قالَ: وأنا وأنتَ في
الموتى كأنَّهُ قَدْ كانَ، ثمَّ صلَّى على النبيِّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ ، ثمَّ دعا
بدعواتٍ خفيَّاتٍ .
ثمَّ قالَ : هئذهِ وصيَّي إِيَّاكَ يا هرمَ بنَ حيَّنَ ؛ كتابَ اللهِ، ونعيَ
الصالحينَ المؤمنينَ(١)، فقدْ نُعِيَتْ إليَّ نفسِي ونفسُكَ، عليكَ بذكرِ الموتِ
لا يفارقُ قلبَكَ طرفةَ عينٍ ما بقيتَ ، وأنذرْ قومَكَ إذا رجعتَ إليهِمْ ، وانصحْ
للأمةِ جميعاً ، وإيّاكَ أنْ تفارقَ الجماعةَ قيدَ شبرٍ فتفارقَ دينَكَ وأنتَ
لا تعلمُ ، فتدخلَ النارَ يومَ القيامةِ ، ادعُ لي ولنفسِكَ .
ثُمَّ قالَ : اللهمَّ ؛ إنَّ هذا يزعمُ أنَّهُ يحبُِّي فيكَ ، وزارَني مِنْ أجلِكَ ،
(١) في (أ): (وصيتي إياك ذكر الله تعالى ، والصلاة على النبي عليه السلام، ونعي
المسلمين وغيرهم من الصالحين )، وفي (ب): ( وسير نعي الصالحين) ، وفي
نسخة الحافظ الزبيدي ( ١٢٦/٨): ( ونهج الصالحين ) بدل ( ونعي الصالحين ) .
٨٧

کتاب ذم الدنيا
ربع المهلكات
فعرِّفْني وجهَهُ في الجنةِ ، وأدخلْهُ عليَّ في دارِكَ دارِ السلام، واحفظْهُ ما دامَ
في الدُّنيا حيّاً ، وضمَّ عليهِ ضيعتهُ ، وأرضِهِ مِنَ الدُّنيا باليسيرِ ، وما أعطيتَهُ
مِنَ الدُّنيا فيسِّرْهُ لهُ تيسيراً ، واجعلْهُ لما أعطيتَهُ مِنْ نعمائِكَ مِنَ الشاكرينَ ،
واجزِهِ عِنِّي خيرَ الجزاءِ .
ثمَّ قالَ: أستودعُكَ اللّهَ يا هرمَ بنَ حيَّانَ، والسلامُ عليكَ ورحمةُ اللهِ
وبركاتُهُ ، لا أراكَ بعدَ اليوم - رحمَكَ اللهُ - تطلبُي ، فإنِّي أكرهُ الشهرةَ ،
والوحدةُ أعجبُ إليَّ ؛ لأنِّي كثيرُ الهمِّ ، شديدُ الغمِّ معَ هؤلاءِ الناسِ ما دمتُ
حيّاً ، فلا تسألْ عنِّي ولا تطلبْني، واعلمْ أنَّكَ مِنِّي على بالٍ وإنْ لم أرَ ولمْ
ترني؛ فاذكرْني ، وادعُ لي ؛ فإنِّي سأذكُرُكَ وأدعو لكَ إنْ شاءَ اللهُ ، انطلقْ أنتَ
ههنا حتَّى أنطلقَ أنا ههنا، فحرصتُ أنْ أمشيَ معَهُ ساعةً فأبى عليَّ ، ففارقتُهُ ،
فبكىُ وأبكاني ، وجعلتُ أنظرُ في قفاهُ حتَّى دخلَ بعضَ السككِ، ثمَّ سألتُ عنْهُ
بعدَ ذلكَ، فما وجدتُ أحداً يخبرُني عنهُ بشيءٍ، رحمَهُ اللهُ وغفرَ لهُ(١).
٠٥٧
فهكذا كانَتْ سيرةُ أبناءِ الآخرةِ المعرضينَ عنِ الدُّنيا ، وقدْ عرفتَ ممَّا
(١) روى أجزاء الخبر ابن سعد في ((طبقاته)) (٢٨٥/٨)، وأبو نعيم في (( الحلية))
(٨٤/٢)، وهو بطوله ومرفوعه عند ابن عساكر في (( تاريخ دمشق)) (٤٣١/٩-
٤٣٤)، وروى ابن أبي شيبة في ((المصنف)) (٣٣٠٩٩) عن الحسن مرسلاً :
((يدخل الجنة بشفاعة رجل من أمتي مثل ربيعة ومضر))، قال الحسن : أويس القرني.
وروى الترمذي ( ٢٤٣٩) عنه أيضاً مرسلاً: « يشفع عثمان بن عفان يوم القيامة بمثل
ربيعة ومضر))، وروى الطبراني في (( الكبير)) (٢٣٥/٨) من حديث أبي أمامة
مرفوعاً: ((من المؤمنين من يدخل بشفاعته الجنة مثل ربيعة ومضر» ، ولم يسم رجلاً
.
٨٨

ربع المهلكات
کتاب ذم الدنيا
سبقَ في بيانِ الدُّنيا، ومِنْ سيرةِ الأنبياءِ والأولياءِ : أنَّ حدَّ الدُّنيا كلُّ ما أظلَّتْهُ
الخضراءُ ، وأقلَّتْهُ الغبراءُ ، إلا ما كانَ اللهِ عزَّ وجلَّ مِنْ ذلكَ ، وضدُ الدُّنيا
الآخرةُ، وهوَ كلُّ ما أُريدَ بهِ اللهُ عزَّ وجلَّ، ممَّا يُؤخذُ بقدْرِ الضرورةِ مِنَ
الدُّنيا ؛ لأجلِ قوَّةِ طاعةِ اللهِ ، وذلكَ ليسَ مِنَ الدُّنيا .
ونبيِّنُ هذا بمثالٍ: وهوَ أَنَّ الحاجَّ إذا حلفَ أنَّهُ في طريقِ الحجِّ لا يشتغلُ
بغيرِ الحِجِّ ، بلْ يتجرَّدُ لهُ ، ثمَّ اشتغلَ بحفظِ الزادِ ، وعلفِ الجملِ ، وخرزٍ
الراويةِ ، وكلُّ ما لا بدَّ للحجِّ منهُ .. لمْ يحنثْ في يمينِهِ ، ولمْ يكنْ مشغولاً بغيرِ
الحجّ ؛ فكذلكَ البدنُ مركَبُ النفسِ ، تُقُطعُ بهِ مسافةُ العمرِ ، فتعهُّدُ البدنِ بما
تبقىُ بهِ قوَّتَهُ على سلوكِ الطريقِ بالعلمِ والعملِ هوَ مِنَ الآخرةِ لا مِنَ الدُّنيا .
نعمْ، إذا قصدَ تلذّذَ البدنِ وتنقُمَهُ بشيءٍ مِنْ هُذهِ الأسبابِ .. كانَ
منحرفاً عنِ الآخرةِ ، ويُخشى على قلبهِ القسوةُ .
قالَ الطنافسيُّ : ( كنتُ على بابِ بني شيبةَ في المسجدِ الحرامِ سبعة أيامٍ
طاوياً ، فسمعتُ في الليلةِ الثامنةِ منادياً وأنا بينَ اليقظةِ والنوم : ألا مَنْ أخذَ
مِنَ الدُّنيا أكثرَ ممَّا يحتاجُ إليهِ أعمى اللهُ عينَ قلبِهِ)(١) .
فهذا بيانُ حقيقةِ الدُّنيا في حقُّكَ، فاعلمْ ذلكَ .. ترشدْ إنْ شاءَ اللهُ تعالى.
(١) رواه ابن حبيب فى ((عقلاء المجانين)) (ص ٢٣٤) ولكن عن سمنون المحب .
٨٩

کتاب ذم الدنيا
ربع المهلكات
بيان مامية الدنيا في نفسها وأشغالها التي استغرقت حم الخلق
حتى أنتتهم أنفسهم وخالقهم ومصدرم وموروم
اعلمْ : أنَّ الدُّنيا عبارةٌ عنْ أعيانٍ موجودةٍ ، وللإنسانِ فيها حظّ ، ولهُ في
إصلاحِها شغلٌ ، فهذهِ ثلاثةُ أمور قدْ يُظَرُّ أنَّ الدُّنيا عبارةٌ عنْ آحادِها ،
وليسَ كذلكَ .
أمَّا الأعيانُ الموجودةُ التي الذُّنيا عبارةٌ عنها .. فهيَ الأرضُ وما عليها ،
قالَ اللهُ تعالى: ﴿إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الْأَرْضِ زِينَةٌ لََّا لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾،
فالأرضُ فراشٌ للآدميِّينَ ومهادٌ ومسكنٌ ومستقرٍّ، وما عليها لهُمْ ملبسٌ
ومطعمٌ ومشربٌ ومنکځٌ .
ويجمعُ ما على الأرضِ ثلاثةُ أقسام : المعادنُ، والنباتُ ،
والحيوانُ .
أمَّا النباتُ .. فيطلبُهُ الآدميُّ للاقتياتِ وللتداوي .
وأمَّا المعادنُ .. فيطلبُها الآدميُّ للآلاتِ والأواني ، كالنحاسِ
والرصاصِ ، وللنقدِ ؛ كالذهبِ والفضةِ ، ولغيرِ ذلكَ مِنَ المقاصدِ .
وأمَّا الحيوانُ .. فينقسمُ إلى الإنسانِ والبهائمِ، أَمَّا البهائمُ .. فيطلبُ
لحومَها للمآكلِ ، وظهورَها للمراكبِ والزينةِ ، وأمَّا الإنسانُ .. فقدْ يطلبُ
الآدميُّ أنْ يملكَ أبدانَ الناسِ ليستخدمَهُمْ ويستسخرهُمْ ؛ كالغلمانِ ، أو
٩٠
حر

ربع المهلكات
کتاب ذم الدنيا
ليتمثَّعَ بِهِمْ ؛ كالجواري والنسوانِ ، ويطلبُ قلوبَ الناسِ ليملكَها ، بأنّ
يغرسَ فيها التعظيمَ والإكرامَ ، وهوَ الذي يُعبَّرُ عنهُ بالجاهِ ؛ إذْ معنى الجاهِ :
ملْكُ قلوبِ الآدميِّينَ .
فهذهِ هيَ الأعيانُ التي يُعبَّرُ عنها بالدُّنيا ، وقدْ جمعَها اللهُ تعالى في
قولِهِ: ﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ الِسَآءِ وَالْبَنِينَ﴾ وهذا مِنَ الإنس ،
﴿وَالْقَنَطِيرِ الْمُقَنَطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ﴾ وهذا مِنَ الجواهرِ والمعادنِ ،
وفيهُ تنبيهٌ على غيرِها مِنَ اللآلىءٍ واليواقيتِ وغيرِها، ﴿وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ
وَاُلْأَنَْمِ﴾ وهيَ البهائمُ والحيواناتُ، ﴿وَاُلْحَرْثِ﴾ وهوَ النباتُ والزرعُ.
فهذهِ هيَ أعيانُ الدُّنيا ، إلا أنَّ لها معَ العبدِ علاقتينِ :
علاقةً معَ القلبِ : وهوَ حبُّهُ لها ، وحظُّهُ مِنْها ، وانصرافُ همِّهِ إليها ،
حتَّى يصيرَ قلبُهُ كالعبدِ ، أوِ المحبِّ المستهتَرِ بالدُّنيا ، ويدخلُ في هذهِ
العلاقةِ جميعُ صفاتِ القلبِ المتعلّقةِ بالدُّنيا ؛ كالكبرِ ، والغلِّ ، والحسدِ ،
والرياءِ ، والسمعةِ ، وسوءِ الظَّنِّ ، والمداهنةِ ، وحبِّ الثناءِ ، وحبِّ التكاثرِ
والتفاخرٍ ، وهذهِ هيَ الدُّنيا الباطنةُ، وأمَّا الظاهرةُ .. فهيَ الأعيانُ التي
ذكرناها .
العلاقةُ الثانيةُ : معَ البدنِ : وهوَ اشتغالُهُ بإصلاح هذِهِ الأعيانِ لتصلحَ
لحظوظِهِ وحظوظٍ غيرِهِ ، وهيَ جملةُ الصناعاتِ والحرفِ التي الخلقُ
مشغولونَ بها .
٩١

کتاب ذم الدنيا
ربع المهلكات
والخلقُ إنَّما نسوا أنفسَهُمْ ومَآبَهُمْ ومنقلبَهُمْ بالدُّنيا لهاتينِ العلاقتينِ ؛
علاقةِ القلبِ بالحبِّ ، وعلاقةِ البدنِ بالشغلِ ، ولوْ عرفَ نفسَهُ ، وعرفَ
ربَّهُ، وعرفَ حكمةَ الدُّنيا وسرَّها .. علمَ أنَّ هذهِ الأعيانَ التي سمَّيناها دنيا
لمْ تُخلق إلا لعلفِ الدابَةِ التي يسيرُ بها إلى اللهِ تعالى ، وأعني بالدابةِ :
البدنَ ؛ فإنَّهُ لا يبقى إلا بمطعمٍ ومشربٍ وملبسٍ ومسكنٍ ؛ كما لا يبقى الإبلُ
في طريقِ الحجّ إلاَّ بعلفٍ وماءٍ وجِلالٍ(١).
ومثالُ العبدِ في الدُّنيا في نسيانِهِ نفسَهُ ومقصدَهُ مثالُ الحاجِّ الذي يقفُ في
منازلِ الطريقِ ولا يزالُ يعلفُ الناقةَ ، ويتعهَّدُها وينظّفُها ، ويكسوها ألوانَ
الثيابِ ، ويحملُ إليها أنواعَ الحشيشِ ، ويبرِّدُ لها الماءَ بالثلج، حتَّى تفوتَهُ
القافلةُ ، وهوَ غافلٌ عنِ الحِجِّ وعنْ مرورِ القافلةِ ، وعنْ بقائِهِ في الباديةِ
فريسةً للسباعِ هوَ وناقتُهُ ، والحاجُّ البصيرُ لا يهمُّهُ مِنْ أمرِ الجملِ إلَّ القدْرُ
الذي يقوى بهِ على المشي، فيتعهَّدُهُ وقلبُهُ إلى الكعبةِ والحجِّ ، وإنَّما يلتفِتُ
إلى الناقةِ بقدْرِ الضرورةِ ؛ فكذلكَ البصيرُ في سفرِ الآخرةِ لا يشتغلُ بتعهُّدٍ
البدنِ إلا بالضرورةِ ، كما لا يدخلُ بيتَ الماءِ إلا لضرورةٍ ، ولا فرقَ بينَ
إدخالِ الطعامِ في البطنِ وبينَ إخراجِهِ مِنَ البطنِ في أنَّ كلَّ واحدٍ منهما
ضرورةُ البدنِ ، ومَنْ همَّتُهُ ما يدخلُ بطنَهُ .. فقيمتُهُ ما يخرجُ منهُ، وأكثرُ
ما شغلَ الناسَ عنِ اللهِ هوَ البطنُ ؛ فإِنَّ القوتَ ضروريٌّ ، وأمرُ المسكنِ
(١) جِلال: جمع جُل، وهو ما يقي ظهره لئلا ينقبه الرحل. ((إتحاف)) (١٢٨/٨).
٩٢

کتاب ذم الدنيا
ربع المهلكات
والملبسِ أهونُ ، ولوْ عرفُوا سببَ الحاجةِ إلى هذهِ الأمورِ واقتصروا
عليها .. لمْ تستغرقُهُمْ أشغالُ الدُّنيا، وإنَّما استغرقَتْهُمْ لجهلِهِمْ بالدُّنيا
وحكمتِها وحظوظِهِمْ منها، ولكنَّهُمْ جهلُوا وغفلوا، وتتابعَتْ أشغالُ الدُّنيا
عليهِمْ ، واتصلَ بعضُها ببعضٍ ، وتداعَتْ إلى غيرِ نهايةٍ محدودةٍ ، فتاهوا في
كثرةِ الأشغالِ ، ونسُوا مقصودَها .
ونحنُ نذكرُ تفاصيلَ أشغالِ الدُّنيا، وكيفيةَ حدوثِ الحاجة إليها ، وكيفيةً
غلطِ الناسِ في مقاصدِها ؛ حتَّى تتضحَ لكَ أشغالُ الدُّنيا كيفَ صَرَفَتِ الخلقَ
عنِ اللهِ تعالى ، وكيفَ أنستُهُمْ عاقبةَ أمورِهمْ، فنقولُ:
الأشغالُ الدُّنيويَّةُ : هي الحِرَفُ ، والصناعاتُ ، والأعمالُ التي ترى
الخلقَ منكبِّينَ عليها، وسببُ كثرةِ الأشغالِ : هوَ أنَّ الإِنسانَ مضطرٌ إلى
ثلاثٍ : القوتِ ، والمسكنِ ، والملبسِ ، فالقوتُ للغذاءِ والبقاءِ ،
والملبسُ لدفع الحرِّ والبردِ ، والمسكنُ لدفع الحرِّ والبردِ ولدفع أسبابِ
الهلاكِ عنِ الأهلِ والمالِ ، ولمْ يخلقِ اللهُ القوتَ والمسكنَ والملبسَ مُصْلَحاً
بحيثُ يُستغنى عنْ صنعةِ الإنسانِ فيهِ ، نعمْ، خلقَ اللهُ ذلكَ للبهائمِ ؛ فإنَّ
النباتَ يغذّي الحيوانَ مِنْ غيرِ طبخٍ ، والحزُّ والبردُ لا يؤثِّرُ في بدنِهِ ،
فيستغني عنِ البناءِ ، ويقنعُ بالصحراءِ ، ولباسُها شعورُها وجلودُها ،
فيستغني عنِ اللباسِ ، والإنسانُ ليسَ كذلكَ ، فحدثَتِ الحاجةُ إلى خمسٍ
٩٣

کتاب ذم الدنیا
ربع المهلكات
صناعاتٍ، هيَ أصولُ الصناعاتِ، وأوائلُ الأشغالِ الدنيويَّةِ ؛ وهيَ الفلاحةُ،
والرعايةُ ، والاقتناصُ ، والحياكةُ ، والبناءُ .
أمَّا البناءُ .. فللمسكنِ ، والحياكةُ وما يكتنفُها مِنَ الغزلِ والخياطةِ ..
فللملبسِ ، والفلاحةُ للمطعم ، والرعايةُ للمواشي والخيلِ أيضاً للمطعمِ
والمركبِ ، والاقتناصُ نعني بهِ : تحصيلَ ما خلقَهُ اللهُ مِنْ صيدٍ ، أوْ
معدنٍ ، أَوْ حشيشٍ ، أوْ حطبٍ ، فالفلاحُ يحصِّلُ النباتَ ، والرَّاعي يحفظُ
الحيواناتِ ويستنتجُها ، والمقتنصُ يحصِّلُ ما نبتَ ونتجَ بنفسِهِ مِنْ غيرِ صنعٍ
آدميٍّ، وكذلكَ يأخذُ مِنْ معادنِ الأرضِ ما خُلِقَ فيها مِنْ غيرِ صنعةِ آدميٌّ ،
ونعني بالاقتناصِ ذلكَ ، ويدخلُ تحتَهُ صناعاتٌ وأشغالٌ عدَّةٌ .
ثمَّ هذهِ الصناعاتُ تفتقرُ إلى أدواتٍ وآلاتٍ ؛ كالحياكةِ ، والفلاحةِ ،
والبناءِ ، والاقتناصِ ، والآلاتُ إنَّما تُؤخذُ إمَّا مِنَ النباتِ وهيَ الأخشابُ ،
أَوْ مِنَ المعادنِ كالحديدِ والرصاصِ وغيرِهِ ، أَوْ مِنْ جلودِ الحيواناتِ ؛
فحدثَتِ الحاجةُ إلى ثلاثةِ أنواع أُخَرَ مِنَ الصناعاتِ ؛ وهيَ النُّجارةُ ،
والحدادةُ ، والخَرْزُ ، وهؤلاءِ همْ عمَّالُ الآلاتِ ، ونعني بالنجَّارِ : كلَّ عاملٍ
في الخشبِ كيفما كانَ ، وبالحدَّادِ : كلَّ مَنْ عِمِلَ في جواهرِ المعادنِ حتَّى
النَّخَّاسِ والإبْرِيِّ وغيرِهِما، وغرضُنا ذكرُ الأجناسِ، فأمَّا آحادُ الحرفِ ..
فكثيرةٌ ، وأمَّا الخرّازُ .. فنعني بهِ : كلَّ عاملٍ في جلودِ الحيواناتِ
وأجزائِها ، فهذهِ أمهاتُ الصناعاتِ .
٩٤
حر

6
ربع المهلكات
کتاب ذم الدنيا
ثُمَّ إِنَّ الإنسانَ خُلِقَ بحيثُ لا يعيشُ وحدَهُ ، بلْ يُضطرُّ إلى الاجتماعِ معَ
غيرِهِ مِنْ جنسِهِ ؛ وذلكَ لسببينِ :
أحدُهُما : حاجتُهُ إلى النسلِ لبقاءِ جنسِ الإنسانِ ، ولا يكونُ ذلكَ إلا
باجتماع الذكر والأنثى وعشرتِهِما .
والثاني : التعاونُ على تهيئةِ أسبابِ المطعمِ والملبسِ وتربيةِ الولدِ ، فإنَّ
الاجتماعَ يفضي إلى الولدِ لا محالةَ ، والواحدُ لا يستقلُّ بحفظِ الولدِ وتهيئةٍ
أسبابِ القوتِ ، ثمَّ ليسَ يكفيهِ الاجتماعُ معَ الأهلِ والولدِ في المنزلِ ، بلْ
لا يمكنُهُ أنْ يعيشَ كذلكَ ما لمْ تجتمعْ طائفةٌ كثيرةٌ ؛ ليتكفَّلَ كلُّ واحدٍ
بصناعتِهِ ؛ فإنَّ الشخصَ الواحدَ كيفَ يتولَّى الفلاحةَ وحدَهُ وهوَ يحتاجُ إلى
آلاتِها، وتحتاجُ الآلةُ إلى حدادٍ ونجارٍ ، ويحتاجُ الطعامُ إلى طخَانٍ
وخبَّارٍ ؟! وكذلكَ كيفَ ينفردُ بتحصيلِ الملبسِ وهوَ يفتقرُ إلى حراثَةِ القطنِ ،
وآلاتِ الحياكةِ والخياطةِ ، وأعمالٍ كثيرةٍ ؟! فلذلكَ امتنعَ عيشُ الإنسانِ
وحدَهُ ، وحدثَتِ الحاجةُ إلى الاجتماع .
ثمَّ لوِ اجتمعُوا في صحراءَ مكشوفةٍ .. لتأذَّوا بالحرِّ والبردِ والمطرِ
واللصوصِ ؛ فافتقرُوا إلى أبنيةٍ محكمةٍ ، ومنازلَ ينفردُ كلُّ أهلِ بيتٍ بهِ ،
وبما معَهُ مِنَ الآلاتِ والأثاثِ ، والمنازلُ لدفع الحرِّ والبردِ والمطرِ، ولدفعِ
أذى الجيرانِ مِنَ اللصوصيَِّ وغيرِها، لكنَّ المنازلَ قدْ تقصِدُها جماعةٌ مِنَ
اللصوصِ مِنْ خارج المنازلِ ، فافتقرَ أهلُ المنازلِ إلى التناصرِ والتعاونِ
٩٥

کتاب ذم الدنيا
ربع المهلكات
ءُ
والتحصُّنِ بسورٍ يحيطُ بجميع المنازلِ ، فحدثتِ البلادُ لهذهِ الضرورةِ .
ثُمَّ مهما اجتمعَ النَّاسُ في المنازلِ والبلادِ وتعاملُوا .. تولَّدَتْ بِينَهُمْ
خصوماتٌ ؛ إذْ تحدثُ رئاسةٌ وولايةٌ للزوج على الزوجةِ ، وولايةٌ للأبوينِ
على الولدِ لأنَّهُ ضعيفٌ محتاجٌ إلى قوَّامٍ بهِ ، ومهما حصلتِ الولايةُ على
عاقلٍ .. أفضى إلى الخصومةِ ، بخلافِ الولايةِ على البهائم ؛ إذْ ليسَ لها
قوَّةُ المخاصمةِ وإنْ ظُلِمَتْ، فأمَّا المرأةُ .. فتخاصمُ الزوجَ ، والولدُ
يخاصمُ الأبوينِ ، هذا في المنزلِ .
٧٠
وأمَّا أهلُ البلدِ أيضاً .. فيتعاملُونَ في الحاجاتِ ، ويتنازعونَ فيها ، ولو
تُركوا كذلكَ .. لتقاتلوا وهلكوا، وكذلكَ الرعاةُ وأربابُ الفلاحةِ يتواردونَ
على المراعي والأراضي والمياهِ ، وهيَ لا تفي بكلِّ أغراضِهِمْ ، فيتنازعونَ
لا محالةً ، ثمَّ قدْ يعجزُ بعضُهُمْ عنِ الفلاحةِ والصناعةِ بعمىّ أوْ مرضٍ أوْ
هرم ، وتعرضُ عوارضُ مختلفةٌ، ولوْ تُرِكَ ضائعاً .. لهلكَ، ولوْ وُكِّلَ
تفقّدُهُ إلى الجميع .. لتخاذلوا ، ولو خُصَّ واحدٌ مِنْ غيرِ سببٍ يخصُّهُ ..
لكانَ لا يذعَنُ لهُ؛ فحدثَ بالضرورةِ مِنْ هذهِ العوارضِ الحاصلةِ بالاجتماعِ
صناعاتٌ أخرى ، فمِنْها صناعةُ المِساحةِ التي بها تُعرَفُ مقاديرُ الأرضِ ؛
لتمكنَ القسمةُ بينَهُمْ بالعدلِ ، ومِنْها صناعةُ الجنديَّةِ ؛ لحراسةِ البلدِ
بالسيفِ ، ودفع اللصوصِ عنْهُمْ ، ومِنْها صناعةُ الحُكمِ ، والتوصُّلِ لفصلِ
الخصومةِ ، ومِنْها الحاجةُ إلى الفقهِ ، وهوَ معرفةُ القانونِ الذي ينبغي أنْ
يُضبطَ بهِ الخلقُ، ويُلْزموا الوقوفَ على حدودِهِ ، حتَّى لا يكثرَ النزاعُ ، وهوَ
جن:
٩٦

ربع المهلكات
کتاب ذم الدنيا
معرفةُ حدودِ اللهِ تعالى في المعاملاتِ وشروطِها .
فهذهِ أمورٌ سياسيَّةٌ لا بدَّ مِنْها ، ولا يشتغلُ بها إلا مخصوصونَ بصفاتٍ
مخصوصةٍ مِنَ العلمِ والتمييزِ والهدايةِ ، وإذا اشتغلوا بها .. لمْ يتفرَّغُوا
لصناعةٍ أخرى ، ويحتاجونَ إلى المعاشِ ، ويحتاجُ أهلُ البلدِ إليهِمْ ؛ إذْ لوِ
اشتغلَ أهلُ البلدِ بالحربِ معَ الأعداءِ مثلاً .. تعطّلَتِ الصناعاتُ ، ولوٍ
اشتغلَ أهلُ الحربِ والسلاحِ بالصناعاتِ لطلبِ القوتِ .. تعطّلَتِ البلادُ عنِ
الحرَّاسِ ، واستضرَّ الناسُ ؛ فمسَّتِ الحاجةُ إلى أنْ يُصرفَ إلى معايشِهِمْ
وأرزاقِهِمُ الأموالُ الضائعةُ التي لا مالكَ لها إنْ كانَتْ ، أو تُصرفَ إليهمُ
الغنائمُ إنْ كانَتِ العداوةُ معَ الكفارِ ، فإنْ كانُوا أهلَ ديانةٍ وورعٍ .. قنعوا
بالقليلِ مِنْ أموالِ المصالحِ ، وإنْ أرادوا التَّوسُّعَ .. فتمسُّ الحاجةُ - لا محالةً
- إلى أنْ يمدَّهُمْ أهلُ البلدِ بأموالِهِمْ؛ ليمدُّوهُمْ بالحراسةِ ، فتحدثُ الحاجةُ
إلى الخراجِ .
ثُمَّ يتولَّدُ بسببِ الحاجةِ إلى الخراج الحاجةُ إلى صناعاتٍ أخرَ ؛ إذْ
يُحتاجُ إلى مَنْ يوظّفُ الخراجَ بالعدلِ على الفلاحينَ وأربابِ الأموالِ ، وهمُ
العمالُ ، وإلىْ مَنْ يستوفي مِنْهُمْ بالرفقِ ، وهمُ الجياةُ والمستخرجونَ ،
وإِلى مَنْ يُجمَعُ عندَهُ ليحفظَهُ إلى وقتِ التفرقةِ، وهمُ الخُزَّانُ ، وإلىْ مَنْ
يفرِّقُ عليهِمْ بالعدلِ ، وهوَ الفارضُ للعساكرِ .
وهذهِ الأعمالُ لوْ تولاها عددٌ لا تجمعُهُمْ رابطةٌ .. انخرمَ النِّظامُ،
٩٧

کتاب ذم الدنيا
ربع المهلكات
فحدثَتْ منهُ الحاجةُ إلى مَلِكِ يدبّرُهُمْ، وأميرٍ مطاع يعيِّنُ لكلِّ عملٍ
شخصاً ، ويختارُ لكلِّ واحدٍ ما يليقُ بهِ ، ويراعي النصَفَةَ في أخذِ الخراجِ
وإعطائِهِ ، واستعمالِ الجندِ في الحربِ ، وتوزيع أسلحتِهِمْ ، وتعيينٍ جهاتِ
الحربِ ، ونصبِ الأميرِ والقائدِ على كلِّ طائفةٍ منهُمْ ، إلى غيرِ ذلكَ مِنْ
صناعاتِ الملكِ ، فيحدثُ مِنْ ذلكَ - بعدَ الجندِ الذينَ هُمْ أهلُ السلاحِ ،
وبعدَ الملِكِ الذي يراقبُهُمْ بالعينِ الكالئةِ ويدبّرُهُمْ - الحاجةُ إلى الكُتَّاب ،
والخزَّانِ ، والحسَّابِ ، والجباةِ ، والعمَّالِ .
ثمَّ هؤلاءِ أيضاً يحتاجونَ إلى معيشةٍ ، ولا يمكنُهُمُ الاشتغالُ بالحرَفِ ،
فتحدُثُ الحاجةُ إلى مالِ الفرع معَ مالِ الأصلِ ، وهوَ المسمَّى فرعَ الخراجِ .
وعندَ هذا يكونُ النَّاسُ في الصناعاتِ ثلاثَ طوائفَ :
الأولى: الفلاحونَ ، والرعاةُ ، والمحترفونَ .
والثانيةُ : الجنديَّةُ الحماةُ لهُمْ بالسيوفِ .
والثالثةُ : المتردِّدونَ بينَ الطائفتينِ في الأخذِ والعطاءِ ، وهمُ العمّالُ ،
والجباةُ ، وأمثالُهُمْ .
فانظر كيفَ ابتدأَ الأمرُ مِنْ حاجةِ القوتِ والمسكنِ والملبسِ ، وإلى ماذا
انتهى ، وهكذا أمورُ الدُّنيا لا يُفتحُ منها بابٌ إلا وينفتحُ بسببِهِ عشرةُ أبوابٍ
أخرَ ، وهكذا تتناهى إلى غيرِ حدٍّ محصور ، وكأنَّها هاويةٌ لا نهايةَ لعمقِها ،
مَنْ وقعَ في مهواةٍ منها .. سقطَ منها إلى أُخرى، وهكذا على التَّوالي .
٩٨

ربع المهلكات
کتاب ذم الدنيا
فهذهِ هيَ الحرفُ والصناعاتُ، إلا أنَّها لا تتمُّ إلا بالأموالِ والآلاتِ ،
والمالُ عبارةٌ عنْ أعيانِ الأرضِ وما عليها ممَّا يُنتفعُ بهِ ، وأعلاها الأغذيةُ ،
ثُمَّ الأمكنةُ التي يأوي الإنسانُ إليها، وهيَ الدورُ، ثُمَّ الأمكنةُ التي يسعىُ
فيها للتعيُّشِ ؛ كالحوانيتِ ، والأسواقِ ، والمزارع ، ثمَّ الكسوةُ، ثمَّ أثاثُ
البيتِ وآلاتَهُ ، ثم آلاتُ الآلاتِ ، وقدْ يكونُ في الآلاتِ ما هوَ حيوانٌ ؛
كالكلبِ آلةِ الصيدِ ، والبقرِ آلةِ الحراثةِ ، والفرسِ آلةِ الحربِ ، ثمَّ يحدثُ
مِنْ ذلكَ حاجةُ البيع ، فإنَّ الفلاَّحَ رُبَّما يسكنُ قريةً ليسَ فيها آلةُ الفلاحةِ ،
والحذَّادُ والنَّجارُ يسكنانِ قريةً لا يمكنُ فيها الزراعةُ ؛ فبالضرورةِ یحتاجُ
الفلاحُ إليهما ، ويحتاجانِ إلى الفلاَّح، فيحتاجُ أحدُهُما أنْ يبذلَ ما عندَهُ
للآخرِ حتَّى يأخذَ منهُ غرضَهُ ، وذلكَ بطريقِ المعاوضةِ .
إلا أنَّ النَّجارَ مثلاً إذا طلبَ مِنَ الفلاح الغذاءَ بآلتِهِ ربَّما لا يحتاجُ الفلاحُ
في ذلكَ الوقتِ إلى الآلةِ ؛ فلا يبيعُهُ ، والفلاحُ إذا طلبَ الآلةَ مِنَ النَّجارِ
بالطعام ربَّما كانَ عندَهُ طعامٌ في ذلكَ الوقتِ ؛ فلا يحتاجُ إليهِ ، فتتعوَّقُ
الأغراضُ ، فاضطُرُوا إلى حانوتٍ يجمعُ آلةَ كلِّ صناعةٍ يترصَّدُ بها صاحبُها
أربابَ الحاجاتِ ، وإلى أنبارٍ يُجمَعُ إليها ما يحملُهُ الفلاحونَ ، فيشتريهِ
منهُمْ صاحبُ الأنبارِ (١) يترصَّدُ بهِ أربابَ الحاجاتِ ، فظهرَ لذلكَ الأسواقُ
والمخازنُ ، فيحملُ الفلاحُ الحبوبَ ، فإذا لمْ يصادفْ محتاجاً .. باعَها
(١) في (ب): (أبيات) و(الأبيات) بدل ( أنبار) و( الأنبار ).
٩٩
ـبي .

کتاب ذم الدنيا
ربع المهلكات
بثمنٍ رخيصٍ مِنَ الباعةِ ، فيخزِّنونَها في انتظارِ أربابِ الحاجاتِ ؛ طمعاً في
الربحِ ، وكذلكَ في جميع الأمتعةِ والأموالِ .
ثمَّ يحدثُ - لا محالةَ - بينَ البلادِ والقرىُ تردُّدٌ، فيتردّدُ الناسُ يشترونَ
مِنَ القرى الأطعمةَ ، ومِنَ البلادِ الآلاتِ ، وينقلونَها ويتعيَّشونَ بهَا ؛ لتنتظمَ
أمورُ الناسِ في البلادِ بسَبَيْهِمْ؛ إذْ كلُّ بلدٍ ربما لا تُوجدُ فيهِ كلُّ آلةٍ ، وكلُّ
قريةٍ لا يُوجدُ فيها كلُّ طعامٍ ، والبعضُ يحتاجُ إلى البعضِ ، فيحوِجُ إلى
النَّقْلِ ، فيَحدُثُ التجَّارُ المتكلِّفونِ بالنقلِ ، وباعتُهُمْ عليهِ حرصُ جمعِ المالِ
لا محالةَ ، فيتعبونَ طولَ الليلِ والنهارِ في الأسفارِ لأغراضِ غيرِهِمْ،
ونصيبُهُمْ منها جمعُ المالِ الذي يأكلُهُ - لا محالةَ - غيرُهُمْ، إمَّا قاطعُ طريقٍ ،
وإمَّا سلطانٌ ظالمٌ ، ولكنْ جعلَ اللهُ تعالى في غفلتِهِمْ وجهِلِهِمْ نظاماً للبلادِ ،
ومصلحةً للعبادِ ، بلْ جميعُ أمورِ الدُّنيا انتظمَتْ بالغفلةِ وخسَّةِ الهمَّةِ ، ولوْ
عقلَ الناسُ وارتفعَتْ هممُهُمْ .. لزهدوا في الدُّنيا، ولوْ فعلوا ذلكَ ..
البطلتِ المعايشُ ، ولوْ بطلَتْ .. لهلكوا ، ولهلكَ الزُّهادُ أيضاً .
ثمَّ هذهِ الأموالُ التي تنقلُ لا يقدرُ الإنسانُ على حملِها؛ فتحتاجُ إلى
دوابَّ تحملُها ، وصاحبُ المالِ قدْ لا يملكُ دابةً ، فتحدثُ معاملةٌ بينَهُ وبينَ
مالكِ الدائّةِ تُسمَّى الإجارةَ ، ويصيرُ الكراءُ نوعاً مِنَ الاكتسابِ أيضاً .
ثُمَّ تحدثُ بسببِ البياعاتِ الحاجةُ إلى النقدينِ(١) ؛ فإنَّ مَنْ يريدُ أنْ
(١) البياعات : الأشياء التي يتبايع بها في التجارة .
١٠٠