Indexed OCR Text
Pages 61-80
ربع المهلكات کتاب ذم الدنيا وجودِكَ إلى الأزلِ، وحالةٌ لا تكونُ فيها مشاهداً للدُّنيا ، وهيَ ما بعدَ موتِكَ إلى الأبدِ ، وحالةٌ متوسطةٌ بينَ الأبدِ والأزلِ ، وهيَ أيامُ حياتِكَ في الدُّنيا ، فانظرْ إلى مقدارِ طولِها وانسبْهُ إلى طرفَي الأزلِ والأبدِ ؛ حتَّى تعلمَ أنَّهُ أقلُّ مِنْ منزلٍ قصيرٍ في سفرٍ طويلٍ . ولذلكَ قالَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: ((ما لي وللدُنيا، إنَّما مَثلي ومَثلُ الدُّنيا كمثَلِ راكبٍ سارَ في يومٍ صائفٍ ، فرُفعَتْ لهُ شجرةٌ ، فقالَ تحتَ ظلِّها ساعةً، ثمَّ راحَ وتركَها ))(١) . ومَنْ رأى الدُّنيا بهذهِ العينِ .. لمْ يركُنْ إليها ، ولمْ يبالِ كيفَ انقضَتْ أيامُهُ ؛ في ضرٍّ وضيقٍ ، أوْ في سعةٍ ورفاهيةٍ ، بلْ لا يبني لبنةً على لبنةٍ ، تُوفِيَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ وما وضعَ لبنةً على لبنةٍ ، ولا قصبةٌ على قصبةٍ (٢). ورأى بعضَ الصحابةِ يبني بيتاً مِنَ خُصِّ، فقالَ: (( ما أرى الأمرَ (١) رواه الترمذي ( ٢٣٧٧)، وابن ماجه (٤١٠٩). (٢) فقد روى الطبراني في «الأوسط)) (٣٢٦٥) عن عائشة رضي الله عنها مرفوعاً: ((من سأل عني أو سرّه أن ينظر إلي .. فلينظر إلى أشعث شاحب مشمِّر ، لم يضع لبنة على لبنة ، ولا قصبة على قصبة ، رفع إليه عَلَم فشمَّر إليه ، اليوم المضمار وغداً السباق ، والغاية الجنة والنار)). وروى ابن أبي الدنيا في ((قصر الأمل)) (٣٣٩) عن عمر بن عبد العزيز وكان لا يبني بنياناً : ( سنة رسول الله خير من الدنيا وما فيها ، لم يبن بنياناً ، ولم يضع لبنة على لبنة ، ولا قصبة على قصبة ) . ٦١ كتاب ذم الدنيا ربع المهلكات إلا أعجلَ مِنْ ذلكَ))، وأنكرَ ذلكَ(١). وإلى هذا أشارَ عيسىُ عليهِ السلامُ حيثُ قالَ: ( الدُّنيا قنطرةٌ ، فاعبروها ولا تعمروها)(٢). وهوَ مثالٌ واضحٌ ؛ فإنَّ الحياةَ الدُّنيا معبرٌ إلى الآخرةِ ، والمهدُ هوَ الميلُ الأولُ على رأسِ القنطرةِ، واللَّحدُ هوَ الميلُ الثاني، وبينَهُما مسافةٌ محدودةٌ ، فمِنَ الناسِ مَنْ قطعَ نصفَ القنطرةِ ، ومنهُمْ مَنْ قطعَ ثلثَها ، ومنهُمْ مَنْ قطعَ ثلثيها ، ومنهُمْ مَنْ لمْ يبقَ لهُ إلا خطوةٌ واحدةٌ وهوَ غافلٌ عنها ، وكيفمَا كانَ .. فلا بدَّ لهُ مِنَ العبورِ، فالبناءُ على القنطرةِ وتزيينُها بأصنافِ الزينةِ وأنتَ عابرٌ عليها .. غايةُ الجهلِ والخذلانِ. مثالٌ آخرُ الدُّنيا في لينِ موردِها وخشونةِ مصدرِها : اعلمْ : أنَّ أوائلَ أمورِ الدنيا تبدو هيئةً ليّةٌ ، يظنُّ الخائضُ فيها أنَّ حلاوةَ خفضِها كحلاوةِ الخوض فيها ، وهيهاتَ ! فإنَّ الخوضَ في الدُّنيا سهلٌ ، والخروجَ مِنْها معَ السلامةِ شديدٌ . وقدْ كتبَ عليٍّ رضيَ اللهُ عنهُ إلى سلمانَ الفارسيِّ رضيَ اللهُ عنهُ بمثالِها ، (١) رواه أبو داوود (٥٢٣٥)، والترمذي (٢٣٣٥)، وكان قد مرَّ صلى الله عليه وسلم بعبد الله بن عمرو وهو يطيِّن مع أمه حائطاً له . (٢) كذا في ((القوت)) (٢٥٦/١)، ورواه بنحوه ابن أبي الدنيا في ((ذم الدنيا)) (٣٣). ٦٢ ٠٠ ربع المهلكات كتاب ذم الدنيا فقالَ : ( مثلُ الدُّنيا مثلُ الحيّةِ ليِّنٌ مُها ، ويقتلُ سُّها ، فأعرضْ عمّا يعجبُكَ مِنْها لقلةٍ ما يصحبُكَ مِنْها ، وضعْ عنكَ همومَها لما أيقنتَ مِنْ فراقِها ، وكنْ أسرَّ ما تكونُ فيها أحذرَ ما تكونُ لها ؛ فإنَّ صاحبَها كلَّما اطمأنَّ مِنْها إلى سرور .. أشخصَهُ عنهُ مكروهٌ، والسلامُ)(١) . مثالٌ آخرُ الذُّنيا في تعذُّرِ الخلاصِ مِنْ تبعاتِها بعدَ الخوضِ فيها : قالَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: ((إنَّما مَثَلُ صاحبِ الدُّنيا كمثَلِ الماشي في الماءِ ، هلْ يستطيعُ الذي يمشي في الماءِ ألاَّ تبتلَّ قدماهُ؟!))(٢). وهذا يعرِّفُكَ جهالةَ قومٍ ظنُّوا أنَّهُمْ يخوضُونَ في نعيم الدُّنيا بأبدانِهِمْ وقلوبُهُمْ عنها مطهَّرةٌ، وعلائقُها عَنْ بواطنِهِمْ منقطعةٌ ، وذلكَ مكيدَةٌ مِنَ الشيطانِ ، بلْ لوْ أُخرِجُوا ممَّا همْ فيهِ .. لكانوا أعظمَ المتفجِّعينَ بفراقِها ، فكما أنَّ المشيَ على الماءِ يقتضي بللاً لا محالةَ يلتصقُ بالقدم ، فكذلكَ ملابسةُ الدُّنيا تقتضي علاقةً وظلمةً في القلبِ ، بلْ علاقةُ القلبِ معَ الدُّنيا تمنعُ حلاوةَ العبادةِ . قالَ عيسى عليهِ السلامُ : ( بحقِّ أقولُ لكُمْ : كما ينظرُ المريضُ إلى (١) رواه ابن أبي الدنيا في ((ذم الدنيا)) (٧٤). (٢) رواه ابن أبي الدنيا في ((ذم الدنيا)) (٨٩)، والبيهقي في (( الشعب)) (١٠٠٩٩) عن الحسن بلاغاً، ووصله في ((الشعب)) (٩١٤١)، وفي ((الزهد الكبير)) (٢٥٧) عن الحسن عن أنس رضي الله عنه مرفوعاً . ٦٣ کتاب ذم الدنيا ربع المهلكات الطعام فلا يلتذُّ بهِ مِنْ شدّةِ الوجع ؛ كذلكَ صاحبُ الدُّنيا لا يلتذُّ بالعبادةِ ولا يجدُ حلاوتَها معَ ما يجدُ مِنْ حبِّ الدُّنيا ، وبحقٌّ أقولُ لكُمْ : إِنَّ الدابَّةَ إذا لمْ تُكبْ وتُمتهَنْ .. تصعَّبَتْ وتغيَّرَ خُلُقُها ؛ كذلكَ القلوبُ إذا لمْ تُرُقَّقْ بذكرٍ الموتِ وبنصَبِ العبادةِ .. تقسو وتغلظُ، بحقِّ أقولُ لكُمْ: إنَّ الزِّقَّ ما لمْ يَتَخْرَّقْ أوْ يقحَلْ(١) يوشكُ أنْ يكونَ وعاءً للعسلِ ؛ كذلكَ القلوبُ ما لمْ تخرقْها الشهواتُ أوْ يدنُّسْها الطمعُ أوْ يقسِّها النعيمُ فسوفَ تكونُ أوعيةً للحكمةِ )(٢). وقالَ نبيّنا صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: ((إنَّما بقيَ مِنَ الدُّنيا بلاءٌ وفتنةٌ، وإنَّما مثلُ عملِ أحدِكُمْ كمثَلِ الوعاءِ إذا طابَ أعلاهُ .. طابَ أسفلُهُ ، وإذا خبُثَ أعلاهُ .. خبُثَ أسفلُهُ))(٣). مثالٌ آخرُ لما بقيَ مِنَ الدُّنيا وقلَّتِهِ بالإضافةِ إلى ما سبقَ : قالَ أنسٌ : قالَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: ((مثلُ هذهِ الدُّنيا مثَلُ ثوبٍ شُقَّ مِنْ أوَّلِهِ إلى آخرِهِ ، فبقيَ متعلُّقاً بخيطٍ في آخرِهِ ، فيوشكُ ذلكَ الخيطُ أنْ ينقطعَ )) (٤). (١) أي: ييبس. (٢) رواه ابن أبي الدنيا في ((ذم الدنيا)) ( ٩٠). (٣) رواه ابن ماجه (٤١٩٩) ولم يذكر صدره، وهو بتمامه عند أحمد في ((المسند)) (٤/ ٩٤). (٤) رواه ابن أبي الدنيا في ((ذم الدنيا)) (٢٢١)، وأبو نعيم في «الحلية)) (٨/ ١٣١)، والبيهقي في (( الشعب)) ( ٩٧٥٩) . ٦٤ .محر جن: يجن. ربع المهلكات کتاب ذم الدنيا مثالٌ آخرُ لتأديةِ علائقِ الدُّنيا بعضِها إلى بعضٍ حتَّى الهلاكِ : قالَ عيسى عليهِ السلامُ : ( مثَلُ طالبِ الدُّنيا مثَلُ شاربِ ماءِ البحرِ ، كلَّما ازدادَ شرباً .. ازدادَ عطشاً حتَّى يقتلَهُ)(١) . مثالٌ آخرُ لمخالفةِ آخرِ الدُّنيا أولَها ، ولنضارةِ أوائلِها وخبثِ عواقِها : اعلمْ : أنَّ شهواتِ الدُّنيا في القلبِ لذيذةٌ ؛ كشهواتِ الأطعمةِ في المعدةِ ، وسيجدُ العبدُ عندَ الموتِ لشهواتِ الدُّنيا في قلبهِ مِنَ الكراهةِ والنّنِ والقبح ما يجدُهُ للأطعمةِ اللذيذةِ إذا بلغَتْ في المعدةِ غايتَها ، وكما أنَّ الطعامَ كلَّما كانَ ألذَّ طعماً ، وأكثرَ دسماً ، وأظهرَ حلاوةً .. كانَ رجيعُهُ أقذرَ وأشدَّ نتناً ؛ فكذلكَ كلُّ شهوةٍ في القلبِ هيَ أشهى وألذُّ وأقوىُ فتَتْنُها وكراهتُها والتأذِّي بها عندَ الموتِ أشدُّ ، بلْ هيَ في الدُّنيا مشاهدةٌ ؛ فإنَّ مَنْ نُهبَتْ دارُهُ وأُخِذَ أهلُهُ وولدُهُ ومالُهُ .. فتكونُ مصيبتُهُ وألمُهُ وتفجُّعُهُ فِي كلِّ ما فقدَهُ بقدْرِ لذَّتِهِ بهِ ، وحبِّهِ لهُ وحرصِهِ عليهِ ، فكلُّ ما كانَ عندَ الوجودِ أشهىُ عندَهُ وألذَّ .. فهوَ عندَ الفقدِ أدهى وأمرُّ، وما للموتِ معنىَ إلا فقدُ ما في الدُّنيا . ٠٫٠٠٫٠ وقدْ رُوِيَ أنَّ النبيَّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ قالَ للضخَّاكِ بنِ سفيانَ (١) رواه ابن أبي الدنيا في ((ذم الدنيا)) (٣٤٢)، والدينوري في (( المجالسة وجواهر العلم )) (ص٢٤٦ ) . ٦٥ جر کتاب ذم الدنيا ربع المهلكات الكلابيِّ: ((ألستَ تُؤْتَى بطعامِكَ وقَدْ مُلِّحَ وقُزُّحَ ثمَّ تشربُ عليهِ اللَّنَ والماءَ؟)) قالَ: بلى، قالَ: ((فإلامَ يصيرُ؟ )) قالَ: إلى ما قدْ علمتَ يا رسولَ اللهِ ، قالَ: ((فإنَّ اللهَ عزَّ وجلَّ ضربَ مثلَ الدُّنيا لما يصيرُ إليهِ طعامُ ابنِ آدمَ »(١) . وقالَ أبيُّ بنُ كعبٍ: قالَ رسولُ اللهَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: ((إنَّ الدُّنيا ضُربَتْ مثلاً لابنِ آدمَ ، فانظر إلى ما يخرُجُ مِنِ ابنِ آدمَ وإنْ قَّحَهُ وملَّحَهُ إلامَ يصيرُ؟))(٢). وقالَ النبيُّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: ((إنَّ اللهَ ضربَ الدُّنيا لمطعمِ ابنِ آدمَ مثلاً، وضربَ مطعمَ ابنِ آدمَ الدُّنيا مثلاً وإنْ قزَّحَهُ ومِلَّحَهُ » ، وقالَ الحسنُ: ( قدْ رأيتُهُمْ يطيبونَهُ بالأفاويهِ والطيبِ، ثمَّ يرمونَ بهِ حيثُ رأيتُمْ)(٣). وقدْ قالَ اللهُ عزَّ وجلَّ : ﴿فَظُرٍ اُلْإِنْسَنُ إِلَى طَعَامِهِ﴾، قالَ ابنُ عباسٍ : ( إلىُ رجيعِهِ) (٤). وقالَ رجلٌ لابنِ عمرَ : إنِّي أريدُ أنْ أسألَكَ وأستحيي ، قالَ : فلا (١) رواه أحمد في ((المسند)) (٤٥٢/٣)، والطبراني في ((الكبير)) (٢٩٩/٨)، وليس فيه ذكر الملح والقزح ، والقِزْح : الأبزار التي يستصلح بها الطعام . (٢) رواه ابن المبارك في ( الزهد)) (٤٩٤). (٣) كذا روى المرفوع مع قول الحسن ابنُ المبارك في ((الزهد)» (٤٩٥)، والبيهقي في (( الشعب )) ( ٥٢٦٤ ) . (٤) رواه ابن أبي الدنيا في ((التواضع والخمول)) ( ٢١٣). ٦٦ ربع المهلكات کتاب ذم الدنيا تستحي وسلْ ، قالَ : إذا قضى أحدُنا حاجتهُ فقامَ ينظرُ إلى ذلكَ منهُ ؟! قالَ: نعمْ، إنَّ الملكَ يقولُ لهُ: انظرْ، هذا ما بخلتَ بهِ ، انظرْ إلى ماذا صارَ(١). وكانَ بُشيرُ بنُ كعبٍ يقولُ: انطلقُوا حتَّى أريَّكُمُ الدُّنيا، فيذهبُ بِهِمْ إِلَى مزبلةٍ ، فيقولُ: انظرُوا إلى ثمارِهِمْ، ودجاجِهِمْ، وعسلِهِمْ، ٥(٢) وسمنهم مثالٌ آخرُ في نسبةِ الدُّنيا إلى الآخرةِ : قالَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: (( ما الدُّنيا في الآخرةِ إلا مثلُ ما يجعلُ أحدُ كُمْ إصبَعَهُ في اليمِّ ، فلينظُرْ بمَ يرجعُ إليهِ))(٣) . بالد قة مثالٌ آخرُ الدُّنيا وأهلِها في اشتغالِهِمْ بنعيم الذُّنيا وغفلتِهِمْ عنِ الآخرةِ وحسراتِهمُ العظيمةِ بسبيِها : اعلمْ : أَنَّ أَهلَ الدُّنيا في غفلَتِهِمْ مثلُهُمْ مثلُ قوم ركبوا سفينةٌ ، فانتهَتْ (١) نقله صاحب ((القوت)). ((إتحاف)) (١١٢/٨)، وفي ((القوت)) (٢٤٤/١): ( وكذلك روينا في تأويل قوله تعالى: ﴿ وَفِيَ أَنْفُسِكُمْ أَفَلاَ تُصِرُونَ﴾، قيل: مواضع الغائط والبول ) . (٢) نقله صاحب ((القوت)). ((إتحاف)) (١١٣/٨). (٣) رواه مسلم ( ٢٨٥٨). ٦٧ شارع RS کتاب ذم الدنيا ربع المهلكات بِهِمْ إلى جزيرةٍ ، فأمرَهُمُ الملَأَّحُ بالخروج لقضاء الحاجةِ، وحذَّرَهُمُ المقامَ وخوفَهُمْ مرورَ السفينةِ واستعجالَها ، فتفرَّقُوا في نواحي الجزيرةِ ، فقضى بعضُهُمْ حاجتَهُ ، وبادرَ إلى السفينةِ ، فصادفَ المكانَ خالياً ، فأخذَ أوسعَ الأماكنِ وألينَها وأوفقَها لمرادِهِ . وبعضُهُمْ توقَّفَ في الجزيرةِ ينظرُ إلى أنوارِها وأزهارِها العجيبةِ ، وغياضِها الملتفَّةِ ، ونغماتِ طيورِها الطيبةِ ، وألحانِها الموزونةِ الغريبةِ ، وصارَ يلحظُ مِنْ تربتِها أحجارَها وجواهرَها ومعادنَها المختلفةَ الألوانِ والأشكالِ ، الحسنةَ المنظرِ ، العجيبةَ النقوشِ ، السالبةَ أعينِ الناظرينَ بحسنِ زِبْرِجِها وعجائبٍ صورِها ، ثمَّ تنبَّهَ لخطرِ فواتِ السفينةِ ، فرجعَ إليها ، فلمْ يصادفْ إلا مكاناً ضيقاً حرجاً فاستقرَّ فيهِ . وبعضُهُمْ أكبَّ على تلكَ الأصدافِ والأحجار ، وأعجبَهُ حسنُها ، ولمْ تسمحْ نفسُهُ بإهمالِها ، فاستصحَبَ منها جملةً ، فلمْ يجدْ في السفينةِ إلا مكاناً ضيقاً ، وزادَهُ ما حملَهُ مِنَ الحجارةِ ضيقاً ، وصارَ ثقلاً عليهِ ووبالاً ، فندمَ على أخذِهِ ولم يقدرْ على رميهِ ، ولمْ يجدْ مكاناً لوضعِهِ فحملَهُ في السفينةِ على عنقِهِ ، وهوَ متأسِّفٌ على أخذِهِ ، وليسَ ينفعُهُ التَأْسُّفُ . وبعضُهُمْ تولَّجَ الغياضَ ، ونسيَ المركبَ ، وبعُدَ في متفرّجِهِ ومتنزَّهِهِ ، حتَّى لمْ يبلغْهُ نداءُ الملاَّحِ ؛ لاشتغالِهِ بأكلِ تلكَ الثمارِ ، واشتمامِ تلكَ الأنوارِ ، والتفرُّج بينَ تلكَ الأشجارِ ، وهوَ معَ ذلكَ خائفٌ على نفسِهِ مِنَ ٦٨ ربع المهلكات کتاب ذم الدنيا السباع ، وغيرُ خالٍ مِنَ السقطاتِ والنكباتِ ، ولا ينفكُ عنْ شوكٍ يتشبَّتُ بثيابِهِ ، وغصنٍ يجرحُ بدنَهُ ، وشوكةٍ تدخلُ في رِجْلِهِ ، وصوتٍ هائلٍ يفزعُ مِنْهُ ، وعوسَجِ يخرِقُ ثيابَهُ ويهتِكُ عورتَهُ ، ويمنعُهُ عنِ الانصرافِ لوْ أرادَهُ ، فلمَّا بلغَهُ نداءُ أهلِ السفينةِ .. انصرفَ بعضُهُمْ مثقلاً بما معَهُ ولمْ يجدْ في المركبِ موضعاً ، فبقيَ على الشطُّ حتَّى ماتَ جوعاً، وبعضُهُمْ لمْ يبلغْهُ النداءُ ، وسارَتِ السفينةُ ، فمنهُمْ مَنِ افترسَتْهُ السباعُ ، ومنهُمْ مَنْ تاهَ فهامَ على وجهِهِ حتَّىُ هلَكَ، ومنهُمْ مَنْ ماتَ في الأوحالِ ، ومنهُمْ مَنْ نهشَتْهُ الحيَّاتُ ، وتفرقُوا كالجيفِ المنتنةِ . وأما مَنْ وصلَ إلى المركبِ بثقلِ ما أخذَهُ مِنَ الأزهارِ والأحجارِ المزبرجةِ .. فقدِ استرقَّتْهُ، وشغلَهُ الحزنُ بحفظِها ، والخوفُ مِنْ فوتِها ، وقدْ ضيّقَتْ عليهِ مكانَةً ، فلمْ يلبثْ أنْ ذبَلَتْ تلكَ الأزهارُ، وكمدَتْ ألوانُ الأحجارِ ، وظهرَ نثْنُ رائحتِها ، فصارَتْ معَ كونِها مضيّقةً عليهِ مؤذيةً لهُ بنتْنِها ووحشتِها ، فلمْ يجدْ حيلةً إلاَّ أنْ ألقاها في البحرِ هرباً مِنْها ، وقدْ أثَّرَ فيهِ ما أكلَ مِنْها ، فلمْ ينتهِ إلى الوطنِ إلَّ بعدَ أنْ ظهرَتْ عليهِ الأسقامُ بتلكَ الروائح ، فبلغَ سقيماً مدبراً . ومَنْ رجعَ قريباً .. فما فاتَهُ إلا سعةُ المحلِّ ، فتأذَّى بضيقِ المكانِ مدّةً ، ولكنْ لمَّا وصلَ إلى الوطنِ .. استراحَ . ومَنْ رجعَ أوَّلاً .. وجدَ المكانَ الأوسعَ ووصلَ إلى الوطنِ سالماً . ٦٩ کتاب ذم الدنيا ربع المهلكات فهذا مثالُ أصنافِ أهلِ الدُّنيا في اشتغالِهِمْ بحظوظِهِمُ العاجلةِ ، ونسيانِهِمْ موردَهُمْ ومصدرَهُمْ ، وغفلتِهِمْ عنْ عاقبةِ أمرِهِمْ، وما أقبحَ مَنْ يزعُمُ أنَّهُ بصيرٌ عاقلٌ أنْ تغرَّهَ أحجارُ الأرضِ وهيَ الذهبُ والفضةُ ، وهشيمُ النبتِ ، وهيَ زينةُ الدُّنيا، وشيءٌ مِنْ ذلكَ لا يصحَبُهُ عندَ الموتِ ! بلْ يصيرُ كلّ ووبالاً عليهِ ، وهوَ في الحالِ شاغلٌ لهُ بالحزنِ والخوفِ عليهِ ، وهذهِ حالُ الخلقِ كلِّهِمْ ، إلا مَنْ عصمَهُ اللهُ تعالى . فه مثالٌ آخرُ لاغترارِ الخلقِ بالدُّنيا وضعفِ إيمانِهِمْ بقولِ اللهِ تعالى في تحذيرِهِ إياهُمْ غوائلَ الدُّنيا : قالَ الحسنُ رحمهُ اللهُ: بلغَني أنَّ رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ قالَ لأصحابهِ : ((إنَّما مثلي ومثلُكُمْ ومثَلُ الدُّنيا كمثلٍ قوم سلكُوا مفازةً غبراءَ ، حتَّى إذا لمْ يدروا ما سلكوا مِنْها أكثرَ ، أو ما بقيَ .. أنفدُوا الزَّادَ ، وحسروا الظَّهرَ (١)، وبقوا بينَ ظهراني المفازةِ لا زادَ ولا حمولةَ، فأيقنُوا بالهَلَكَةِ ، فبينا هُمْ كذلكَ إذْ خرجَ عليهِمْ رجلٌ في حُلَّةٍ يقطرُ رأسُهُ ، فقالُوا : هذا قريبُ عهدٍ بريفٍ ، وما جاءَكُمْ هذا إلا مِنْ قريبٍ ، فلمَّا انتهى إليهِمْ .. قالَ : يا هؤلاءِ ؛ قالوا : يا هذا؛ قالَ : علامَ أَنتُمْ ؟ قالوا : على ما ترى ؛ قالَ : أرأيتُكُمْ إِنْ هديتُكُمْ إلى ماءِ رُواءٍ ورياضٍ خُضْرٍ ما تعملُونَ ؟ ـئة (١) أي: أعروه، وهو كناية عن هلاك ما يركبونه. ((إتحاف)) (٨/ ١١٤). ٧٠ : ربع المهلكات کتاب ذم الدنيا ٤ قالوا : لا نعصيكَ شيئاً ، قالَ : عهودَكُمْ ومواثيقَكُمْ باللهِ ، فأعطَوهُ عهودَهُمْ ومواثيقَهُمْ باللهِ لا يعصونَهُ شيئاً ، قالَ : فأوردَهُمْ ماءً رُواءً ورياضاً خضراً ، فمكثَ فيهِمْ ما شاءَ اللهُ، ثمَّ قالَ: يا هؤلاءِ؛ قالُوا: يا هذا؛ قالَ : الرَّحيلَ ، قالُوا : إلى أينَ ؟ قالَ : إلى ماءٍ ليسَ كمائِكُمْ ، وإلى رياضٍ ليسَتْ كرياضِكُمْ، فقالَ أكثرُهُمْ: واللهِ ؛ ما وجدنا هذا حتَّى ظنَنَّا أنَّا لنْ نجدَهُ ، وما نصنعُ بعيشٍ خيرٍ مِنْ هذا؟ قالَ : وقالَتْ طائفةٌ وهُمْ أقلُّهُمْ : ألمْ تعطوا هذا الرَّجلَ عُهُودَكُمْ ومواثيقَكُمْ باللهِ ألا تعصُوهُ شيئاً وقدْ صدقَكُمْ في أوَّلِ حديثِهِ ؟! فواللهِ ؛ ليصدقَنَّكُمْ في آخرِهِ، فراحَ فيمَنِ اتَّبَعَهُ وتخلَّفَ بقيَّتُهُمْ ، فبدَرَ بِهِمْ عدوٌّ، فأصبحوا مِن بينِ أسيرٍ وقتيلٍ))(١) . مثالٌ آخرُ لتنقُّم الناسِ بالدُّنيا ثمَّ تفجُّعِهِمْ على فراقِها : اعلمْ : أنَّ مثلَ الناسِ فيما أُعطوا مِنَ الدُّنيا مَثَلُ رجلٍ هيَّأَ داراً وزيَّنَها ، وهوَ يدعُو إلى دارِهِ على الترتيبِ قوماً واحداً بعدَ واحدٍ ، فدخلَ واحدٌ دارَهُ ، فقُدُمَ إليهِ طبقُ ذهبٍ عليهِ بخورٌ ورياحينُ ليشَمَّهُ ويتركَهُ لمَنْ يلحقُهُ ، لا ليتملَّكَهُ ويأخذَهُ ، فجهلَ رسمَهُ ، فظنَّ أنَّهُ قدْ وُهِبَ ذلكَ لَهُ ، فتعلَّقَ بهِ (١) رواه ابن أبي الدنيا في ((ذم الدنيا)) (٨٨) عن الحسن بلاغاً، وروى نحوه أحمد في ((مسنده)) (٢٦٧/١)، والطبرانى في ((الكبير)) (٢١٩/١٢) من حديث ابن عباس رضي الله عنهما في رؤيا أربها النبي صلى الله عليه وسلم وحدَّث بها أصحابه ، وأنه صلى الله عليه وسلم مثل الرجل الهادي للقوم . ٧١ حن Tom کتاب ذم الدنيا ربع المهلكات قلبُهُ لما ظنَّ أنَّهُ لهُ، فلمَّا استُرجِعَ منهُ .. ضجِرَ وتفجَّعَ ، ومَنْ كانَ عالماً برسمِهِ .. انتفعَ بهِ وشكرَهُ ، وردّهُ بطيبة قلبٍ وانشراح صدرٍ . فكذلكَ مَنْ عرفَ سُنَّةَ اللهِ فِي الدُّنيا .. علمَ أنَّها دارُ ضيافةٍ ، سُبِّلَتْ على المجتازينَ لا على المقيمينَ ؛ ليتزوَّدُوا مِنْها وينتفعُوا بما فيها كما ينتفعُ المسافرونَ بالعواري ، ولا يصرفُونَ إليها كلَّ قلوبِهِمْ حتى تعظَمَ مصيبتُهُمْ ٩ عندَ فراقِها . فهذهِ أمثلةُ الدُّنيا وآفاتِها وغوائلِها ، نسألُ اللهَ تعالى اللطيفَ الخبيرَ حسْنَ العونِ بکرمِهِ وحلمِهِ . ٧٢ : ربع المهلكات کتاب ذم الدنيا بيان حقيقة الدنيا وماهيتها في حقّ العبد اعلمْ : أنَّ معرفةَ ذمَّ الدُّنيا لا تكفيكَ ما لمْ تعرفِ الدُّنيا المذمومةَ ما هيَ ، وما الذي ينبغي أنْ يُجتنبَ مِنْها ، وما الذي لا يُجتنبُ ، فلا بدّ وأنْ نبيِّنَ الدُّنيا المذمومةَ المأمورَ باجتنابِها؛ لكونِها عدوةً قاطعةً لطريقِ اللهِ تعالى ما هيَ ؟ فنقولُ : دنياك وآخرتُكَ عبارةٌ عنْ حالتينِ مِنْ أحوالِ قلبكَ ، فالقريبُ الداني مِنْها يُسمَّى دنيا، وهوَ كلُّ ما قبلَ الموتِ ، والمتراخي المتأخِّرُ يُسمَّى آخرةً ، وهوَ ما بعدَ الموتِ ، فكلُّ ما لكَ فيهِ حظٍّ وغرضٌ ونصيبٌ وشهوةٌ ولذَّةٌ في عاجلِ الحالِ قبلَ الوفاةِ .. فهوَ الدُّنيا في حقِّك . إلا أنَّ جميعَ ما لكَ إليهِ ميلٌ وفيهِ نصيبٌ وحظٌّ .. فليسَ بمذمومٍ ، بلْ هوَ ثلاثةُ أقسام : القسمُ الأولُ : ما يصحبُكَ في الآخرة ، وتبقى معَكَ ثمرتُهُ بعدَ الموتِ ، وهوَ شيئانِ : العلمُ والعملُ فقطْ . وأعني بالعلمِ : العلمَ باللهِ وصفاتِهِ وأفعالِهِ ، وملائكتِهِ ، وكتبهِ ، ورسلِهِ ، وملكوتِ أرضِهِ وسمائِهِ، والعلمِ بشريعةِ نبيّهِ صلّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ . وأعني بالعملِ : العبادةَ الخالصةَ لوجهِ اللهِ تعالى . ٧٣ کتاب ذم الدنيا ربع المهلكات وقدْ يأنسُ العالمُ بالعلم ، حتَّى يصيرَ ذلكَ ألذَّ الأشياءِ عندَهُ ، فيهجرَ النومَ والمنكحَ والمطعمَ في لذَّتِهِ ؛ لأنَّهُ أشهىُ عندَهُ مِنْ جميع ذلكَ ، فقدْ صارَ حظّاً عاجلاً في الدُّنيا ، ولكنَّا إذا ذكرنا الدُّنيا المذمومةَ .. لمْ نعدَّ هذا مِنَ الدُّنيا أصلاً ، بلْ قلنا : إنَّهُ مِنَ الآخرةِ . وكذلكَ العابدُ قدْ يأنسُ بعبادتِهِ فيستلذُّها؛ بحيثُ لوْ مُنِعَ عنها .. لكانَ ذلكَ أعظمَ العقوباتِ عليهِ ، حتَّى قالَ بعضُهُمْ : ( ما أخافُ مِنَ الموتِ إلا مِنْ حيثُ يحولُ بيني وبينَ قيامِ الليلِ )(١) . وكانَ آخرُ يقولُ : ( اللَّهمَّ ؛ ارزقْنِي قوَّةَ الصلاةِ والركوع والسجودِ في القبرِ )(٢)، فهذا قدْ صارَتِ الصلاةُ مِنَ حظوظِهِ العاجلةِ، وكلُّ حظّ عاجلٍ فاسمُ الدُّنيا ينطلقُ عليهِ مِنْ حيثُ الاشتقاقُ مِنَ الدنوِّ ، ولكنَّا لسنا نعني بالدُّنيا المذمومةِ ذلكَ . ٨٥٠ وقدْ قالَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: ((حُبِّبَ إليَّ مِنْ دنياكُمْ ثلاثٌ: الطِّيبُ والنِّساءُ وقرَّةُ عيني في الصَّلاةِ ))(٣) ، فجعلَ الصلاةَ مِنْ جملةِ ملاذٌّ الدُّنيا ؛ (١) فقد روى أبو نعيم في (( الحلية)) (٢٧٥/٩) عن أبي سليمان الداراني قوله: ( لأهل الطاعة بالهمّ ألذ من أهل اللهو بلهوهم ، ولولا الليل .. ما أحببت البقاء في الدنيا ). (٢) وهو ثابت البناني، روى أبو نعيم في «الحلية)) (٣١٩/٢) دعاءه: ( اللهم ؛ إن أذنت لأحد أن يصلي في قبره .. فأذن لثابت أن يصلي في قبره ) . (٣) رواه النسائي (٦١/٧)، وأحمد في ((المسند)) (١٢٨/٣)، وليس لفظ (ثلاث) منه، وتبع المصنف هنا في لفظه صاحب ((القوت)) (٢٤٩/٢)، قال الحافظ ابن حجر في (( التلخيص الحبير)) (٢١٥٥/٥): (وقد اشتهر على الألسنة بزيادة = ٧٤ ربع المهلكات كتاب ذم الدنيا وذلكَ لأنَّ كلَّ ما يدخلُ في الحسِّ والمشاهدةِ فهوَ مِنْ عالمِ الشهادةِ ، وهوَ مِنَ الدُّنيا، والتلذُّذُ بتحريكِ الجوارحِ بالركوعِ والسجودِ إنَّما يكونُ في الدُّنيا ؛ فلذلكَ أضافَها إلى الدُّنيا ، إلاَّ أنَّا في هذا الكتابِ لسنا نتعرَّضُ إلاَّ الدُّنيا المذمومةِ ، فنقولُ : هذهِ ليسَتْ مِنَ الدُّنيا . القسمُ الثاني - وهوَ المقابلُ لهُ على الطرفِ الأقصى -: كلُّ ما فيهِ حظّ عاجلٌ ، ولا ثمرةَ لهُ في الآخرةِ أصلاً ؛ كالتلذذِّ بالمعاصي كلِّها ، والتنغُمِ بالمباحاتِ الزائدةِ على قدرِ الضروراتِ والحاجاتِ ، الداخلةِ في جملةٍ الرفاهيةِ والرعوناتِ ؛ كالتنعُمِ بالقناطيرِ المقنطرةِ مِنَ الذهبِ والفضةِ ، والخيلِ المسؤَّمةِ ، والأنعام ، والحرثِ ، والغلمانِ ، والجواري ، والخيولِ ، والمواشي ، والقصورِ ، والدورِ ، ورفيع الثيابِ ، ولذائذٍ الأطعمةِ ؛ فحظُّ العبدِ مِنْ هذهِ كلِّها هيَ الدُّنيا المذمومةُ ، وفيما يُعدُّ فضولاً أوْ في محلِّ الحاجةِ نظرٌ طويلٌ ؛ إذْ رُويَ عنْ عمرَ رضيَ اللهُ عنهُ: أنَّهُ استعملَ أبا الدرداءِ على حمصَ ، فاتخذَ كنيفاً أنفقَ عليهِ درهمينٍ ، فكتبَ إليهِ عمرُ : ( مِنْ عمرَ بنِ الخطابِ أميرِ المؤمنينَ إلى عويمرٍ ، قَدْ كانَ لكَ في = ((ثلاث))، وشرحه الإمام أبو بكر بن فورك في جزء مفرد على ذلك، وكذلك ذكره الغزالي في ((الإحياء))، ولم نجد لفظ (( ثلاث)) في شيء من طرقه المسندة ) ، وعلى فرض عدمها لا يمنع ما ذكره المصنف هنا ؛ لنفي قطعية كون الصلاة من الآخرة بالنص . ٧٥ ... .... کتاب ذم الدنيا ربع المهلكات بناءِ فارسَ والروم ما تكتفي بهِ عنْ عمرانِ الدُّنيا حينَ أذنَ اللهُ بخرابِها ، فإذا أتاكَ كتابي هذا .. فقدْ سيَّرتُكَ وأهلَكَ إِلى دمشقَ)(١) ، فلمْ يزلْ بها حتَّى ماتَ ، فهذا رآهُ فضولاً مِنَ الدُّنيا ، فتأملْ فيهِ . القسمُ الثالثُ - وهوَ متوسّطٌ بينَ الطرفينِ -: كلُّ حظُّ في العاجلِ مُعِينٍ على أعمالِ الآخرةِ ؛ كقدْرِ القوتِ مِنَ الطعامِ ، والقميصِ الواحدِ الخشنِ ، وكلٌّ ما لا بدَّ منْهُ ليتأَتَّى للإنسانِ البقاءُ والصحةُ التي بها يتوصلُ إلى العلمِ والعملِ ، وهذا ليسَ مِنَ الدُّنيا كالقسمِ الأولِ؛ لأنَّهُ مُعِينٌ على القسمِ الأوَّلِ ووسيلةٌ إليهِ ، فمهما تناولَهُ العبدُ على قصدِ الاستعانةِ بهِ على العلمِ والعملِ .. لمْ يكنْ بهِ متناولاً للدُّنيا، ولمْ يصِرْ بهِ مِنْ أبناءِ الدُّنيا ، وإنْ كانَ باعتُهُ الحظَّ العاجلَ دونَ الاستعانةِ على التقوىُ .. التحقَ بالقسمِ الثاني ، وصارَ مِنْ جملةِ الدُّنيا . ٧٠٠٠ ولا يبقى معَ العبدِ عندَ الموتِ إلا ثلاثُ صفاتٍ: صفاءُ القلبِ - أعني : طهارتَهُ عنْ أدناسِ الدُّنيا - وأنسُهُ بذكرِ اللهِ تعالىُ ، وحبُّهُ للهِ تعالى، وصفاءُ القلبِ وطهارتهُ لا يحصلانِ إلَّ بالكفّ عنْ شهواتِ الدُّنيا ، والأنسُ (١) رواه ابن أبي الدنيا في ((قصر الأمل)) (٢٦٦)، والبيهقي في ((الشعب)) ( ١٠٢٥١ ) . ٧٦ ربع المهلكات کتاب ذم الدنيا لا يحصلُ إلا بكثرةِ ذكرِ اللهِ تعالىُ والمواظبةِ عليهِ ، والحبُّ لا يحصلُ إلا بالمعرفةِ ، ولا تحصلُ معرفةُ اللهِ إلا بدوام الفكرِ ، وهذهِ الصفاتُ الثلاثُ هيَ المنجياتُ المسعداتُ بعدَ الموتِ ، وهيَ الباقياتُ الصالحاتُ . أمَّا طهارةُ القلبِ عنْ شهواتِ الدُّنيا .. فهيَ مِنَ المنجياتِ ؛ إذْ تكونُ جُنَّةٌ بينَ العبدِ وبينَ عذابِ اللهِ ؛ كما وردَ في الأخبارِ : (( أنَّ أعمالَ العبدِ تناضلُ عنهُ، فإذا جاءَ العذابُ مِنْ قَبَلِ رجليهِ .. جاءَ قيامُ الليلِ يدفعُ عنهُ، وإذا جاءَ مِنْ قَبَلٍ يديهِ .. جاءتِ الصَّدقةُ تدفعُ عنهُ ... )) الحديثَ(١). وأمَّا الأنسُ والحبُّ .. فهما مِنَ المسعداتِ ، وهما موصلانِ العبدَ إلىُ لذَّةِ اللقاءِ والمشاهدةِ ، وهذهِ السعادةُ تتعجَّلُ عقيبَ الموتِ إلى أنْ يدخلَ أوانُ الرؤيةِ في الجنةِ ، فيصيرُ القبرُ روضةً مِنْ رياضِ الجنَّةِ ، وكيفَ لا يكونُ القبرُ عليهِ روضةً مِنْ رياضٍِ الجنَّةِ ولمْ يكنْ لهُ إلا محبوبٌ واحدٌ ، وكانَتِ العوائقُ تعوقُهُ عنِ الأنسِ بدوامٍ ذكرِهِ ومطالعةِ جمالِهِ ، فارتفعَتِ العوائقُ ، وأفلَتَ مِنَ السجنِ ، وخُلِّيَ بينَهُ وبينَ محبوبِهِ ، فقدمَ عليهِ مسروراً سليماً مِنَ الموانع ، آمناً مِنَ الفراقِ ؟! (١) رواه بنحوه وبطوله الطبراني في «الأحاديث الطوال)) (٣٩)، وابن عساكر في (( تاريخ دمشق " ( ٤٠٦/٣٤)، وروى أحمد في ((مسنده» (٣٥٢/٦) من حديث أسماء رضي الله عنها مرفوعاً: (( إذا دخل الإنسان قبره ؛ فإن كان مؤمناً .. أحف به عمله ؛ الصلاة والصيام ، قال : فيأتيه الملك من نحو الصلاة ، فترده ، ومن نحو الصيام فيرده ... )) الحديث . G ٧٧ کتاب ذم الدنيا ربع المهلكات وكيفَ لا يكونُ محبُّ الدُّنيا عندَ الموتِ معذَّباً ولمْ يكنْ لهُ محبوبٌ إلا في الدُّنيا ، وقد غُصِبَ منهُ، وحيلَ بينَهُ وبينَهُ، وسُدَّتْ عليهِ طرُّقُ الحيلةِ في الرجوعِ إليهِ ؟! [من السريع] ما حالُ مَنْ كانَ لَهُ واحِدٌ غُيُبَ عَنْهُ ذَلِكَ الْواحِدُ(١) وليسَ الموتُ عدماً ، إنَّما هوَ فراقٌ لمحابِّ الدُّنيا ، وقدومٌ على اللهِ تعالى . فإذاً ؛ سالكُ طريقِ الآخرةِ هوَ المواظبُ على أسبابِ هذهِ الصفاتِ الثلاثِ ؛ وهيَ الذكرُ ، والفكرُ ، والعملُ الذي يفطِمُهُ عنْ شهواتِ الدُّنيا ، ويبغّضُ إليهِ ملاذَّها، ويقطعُهُ عنها ، وكلُّ ذلكَ لا يمكنُ إلا بصحَّةِ البدنِ ، وصحةُ البدنِ لا تنالُ إلا بقوتٍ وملبسٍ ومسكنٍ ، ويحتاجُ كلُّ واحدٍ إلى أسبابٍ ، فالقدْرُ الذي لا بدَّ منهُ مِنْ هذهِ الثلاثةِ إذا أخذَهُ العبدُ مِنَ الدُّنيا للآخرةِ .. لمْ يكنْ مِنْ أبناءِ الدُّنيا، وكانَتِ الدُّنيا في حقِّه مزرعةٌ للآخرةِ ، وإنْ أخذَ ذلكَ لحظَّ النفسِ وعلى قصدِ التَّعُّمِ .. صارَ مِنْ أبناءِ الدُّنيا والراغبينَ في حظوظِها . إلا أنَّ الرغبةَ في حظوظِ الدُّنيا تنقسمُ إلى ما يعرِّضُ صاحبَهُ لعذابٍ الآخرةِ ، ويُسمَّى ذلكَ حراماً ، وإلى ما يحولُ بينَهُ وبينَ الدرجاتِ العُلا ، ويعرِّضُهُ لطولِ الحسابِ، ويُسمَّى ذلكَ حلالاً، والبصيرُ يعلمُ أنَّ طولَ (١) انظر ((التمثيل والمحاضرة)) (ص ٢١١). ٧٨ ربع المهلكات کتاب ذم الدنيا الموقفِ في عَرصاتِ القيامةِ لأجلِ المحاسبةِ أيضاً عذابٌ ؛ فمنْ نُوقشَ الحسابَ .. عُذِّبَ(١)؛ إذْ قالَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: ((حلالُها حسابٌ، وحرامُها عذابٌ))(٢)، وقدْ قالَ أيضاً: ((حلالُها عذابٌ))، إلا أنَّهُ عذابٌ أخفُّ مِنْ عذابِ الحرامِ ، بلْ لوْ لمْ يكنِ الحسابُ .. لكانَ ما يفوّتُ مِنَ الدرجاتِ العُلا في الجنةِ ، وما يردُ على القلبِ مِنَ التحسُّرِ على تفويتِها بحظوظٍ حقيرةٍ خسيسةٍ لا بقاءَ لها هوَ أيضاً عذابٌ ، وقسْ بهِ حالَكَ في الدُّنيا إذا نظرتَ إلى أقرانِكَ وقَدْ سبقوكَ بسعاداتٍ دنيويَّةٍ كيفَ يتقطّعُ قلبُكَ عليها حسرةً ، معَ علمِكَ بأنَّها سعاداتٌ منصرمةٌ لا بقاءَ لها ، ومنغصةٌ بكدوراتٍ لا صفاءَ لها ، فما حالُكَ في فواتِ سعادةٍ لا يحيطُ الوصفُ بعظمتِها ، وتنقطعُ الدُّهورُ دونَ غایتِها ؟! فكلُّ مَنْ تنَّمَ في الدُّنيا ولوْ بسماع صوتٍ مِنْ طائرٍ ، أَوْ بالنظرِ إلى خُضْرةٍ ، أوْ بشربةِ ماءٍ باردٍ .. فإنَّهُ ينقصُ مِنْ حظَّهِ في الآخرةِ أضعافُهُ ، وهوَ المعنيُّ بقولِهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ لعمرَ رضيَ اللهُ عنهُ: (( هذا مِنَ النَّعِيمِ الذي تُسألُ عنهُ))(٣)، أشارَ بهِ إلى الماءِ الباردِ ، والتعرُّضُ لجوابِ السؤالِ (١) كما روى ذلك مرفوعاً البخاري (١٠٣، ٦٥٣٦)، ومسلم (٢٨٧٦). (٢) رواه الديلمي في ((مسند الفردوس)) (٨١٩٢) من حديث ابن عباس رضي الله عنهما مرفوعاً . (٣) رواه النسائي (٢٤٦/٦)، وأحمد في ((المسند)) (٣٣٨/٣)، والبيهقي في ((الشعب)) ( ٤٢٧٩) . ٧٩ کتاب دم الدنيا ربع المهلكات فيهِ ذلٌّ، وخوفٌ، وخطرٌ، ومشقةٌ، وانتظارٌ ، وكلُّ ذلكَ مِنْ نقصانِ الحظِّ ، ولذلكَ قالَ عمرُ رضيَ اللهُ عنهُ : ( اعزلُوا عنِّي حسابَها ) حيثُ كانَ بهِ عطشٌ، فَعُرِضَ عليهِ ماءٌ باردٌ بعسلٍ ، فأدارَهُ في كفِّهِ ، ثمَّ امتنعَ عنْ شربِهِ (١) . G فالدُّنيا قليلُها وكثيرُها ، حلالُها وحرامُها ملعونةٌ ، إلا ما أعانَ على تقوى اللهِ ؛ فإنَّ ذلكَ القدْرَ ليسَ مِنَ الذُّنيا ، وكلُّ مَنْ كانَتْ معرفتُهُ أقوى وأتقنَ .. كانَ حذرُهُ مِنْ نعيم الدُّنيا أشدَّ، حتَّى إِنَّ عيسى عليهِ السلامُ وضعَ رأسَهُ على حجرٍ لمَّا نامَ ، ثمَّ رمى بهِ؛ إذْ تمثَّلَ لهُ إبليسُ وقالَ لهُ: رغبتَ في الدُّنيا (٢) . وحتَّى إِنَّ سليمانَ عليهِ السلامُ في ملكِهِ كانَ يطعمُ الناسَ لذائذَ الأطعمةِ وهوَ يأكلُ خبزَ الشعيرِ ، فجعلَ المُلْكَ على نفسِهِ بهذا الطريقِ امتحاناً وشدةٌ ؛ فإنَّ الصبرَ عنْ لذائذِ الأطعمةِ معَ القدرةِ عليها ووجودِها أشدُّ(٣). ولهذا زوى اللهُ تعالى الدُّنيا عنْ نبيّنا صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ ، فكانَ يطوي (١) رواه أحمد في (( الزهد)) (٦٢٨)، وروى ابن أبي شيبة في ((المصنف)) (٣٦٤٩٢) عن بكير بن عتيق قال : سقيت سعيد بن جبير شربة من عسل في قدح ، فشربها ثم قال : والله ؛ لأسألنَّ عن هذا ، فقلت : لمَه ؟ فقال: شربته وأنا أستلذُّه . (٢) رواه ابن أبي الدنيا في ((الزهد)) (٥٥٧)، وابن عساكر في (( تاريخ دمشق)) ( ٤٧ /٤١٦ ) . (٣) رواه بنحوه أحمد في «الزهد)) ( ٤٦٦). ٨٠