Indexed OCR Text

Pages 581-600

ربع المهلكات
حر
كتاب آفات اللسان
للفتنِ ، فيجبُ ذُّهمْ ومنعهُمْ مِنْ ذلكَ ، وخوضُهُمْ في حروفِ القرآنِ يضاهي
حالَ مَنْ كتبَ إليهِ الملكُ كتاباً، ورسمَ لهُ فيهِ أموراً ، فلمْ يشتغلْ بشيءٍ منها،
وضيَّعَ زمانهُ في السؤالِ : أنَّ قرطاسَ الكتابِ عتيقٌ أمْ حديثٌ ؟ فاستحقَّ بذلكَ
العقوبةَ لا محالةَ ، فكذلكَ تضييعُ العاميِّ حدودَ القرآنِ واشتغالُهُ بحروفهِ أميَ
قديمةٌ أمْ محدثةٌ ، وكذلكَ سائرُ صفاتِ اللهِ سبحانَهُ وتعالى، واللهُ تعالى
أعلمُ .
دن
D
تم كتابَآَفَات التّان
وهو الكتاب الرابع من ربع المهلكات من كتب إحياء علوم الدين
والحمد تدرب العالمين، حمدًا دائمًا كثيرًا طيّبًا مباركًا فيه
وصلى الله على سيدنامحمد الشّبي العربفي المصطفى
خبرة الله من خلقه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيراً
يتلوه كتاباًف الغضب الحقد والحسد
ء
٥٨١
حن حن جن جن <ن

كِتَابُ
افَةِ الشَّضُالمُقْدِ وَالحَد
وهو الكتاب الخامس من ربع المهلكات
من كتب إحياء علوم الدين
٥٨٣

ربع المهلكات
كتاب الغضب والحقد
كتابآف الغضب الحقد والحسد
بِسْبِاللهِالرَّمنِ الرَّحِيمِ
الحمدُ للهِ الذي لا يتكلُ إلا على عفوهِ ورحمتهِ الراجونَ ، ولا يحذرُ
سوى غضبهِ وسطوتِهِ الخائفونَ ، الذي استدرجَ عبادَهُ مِنْ حيثُ لا يعلمونَ ،
وسلَّطَ عليهمُ الشهواتِ وأمرَهُمْ بتركِ ما يشتهونَ ، وابتلاهُمْ بالغضبِ وكلَّفَهُمْ
كظمَ الغيظِ فيما يغضبونَ، ثمَّ حفَّهُمْ بالمكارِهِ واللذَّاتِ وأملىُ لهُمْ لينظرَ
كيفَ يعملونَ، وامتحنَ بهِ حبَّهُمْ ليعلمَ صدقَهُمْ فيما يدَّعونَ، وعرَّفَهُمْ أَنَّهُ
لا يخفى عليهِ شيءٌ مما يسرُّونَ وما يعلنونَ، وحذَّرُهُمْ أنْ يأخذَهُمْ بغتةً وهُمْ
لا يشعرونَ؛ فقالَ: ﴿مَا يَنْظُرُونَ إِلََّّصَيْحَةُ وَحِدَةً تَأْخُذُهُمْ وَهُمْ يَخِصِمُونَ ﴾﴾ فَلَا
يَسْتَطِيعُونَ تَوْصِيَّةً وَلَّ إِلَى أَهْلِهِمْ يَرْجِعُونَ﴾.
ہےے
والصَّلاةُ على محمدٍ رسولِهِ الذي يسيرُ تحتَ لوائِهِ النبيونَ والمرسلونَ ،
وعلى آلهِ وأصحابِهِ الأئمةِ المهديِّينَ والسادةِ المرضيِّينَ ، صلاةً يوازي عددُها
عددَ ما كانَ مِنْ خلقِ اللهِ وما سيكونُ ، ويحظى ببركتِها الأولونَ والآخرونَ ،
وسلَّمَ تسليماً كثيراً .
أما بعد:
فإِنَّ الغضبَ شعلةُ نارِ اقْتُبسَتْ مِنْ نارِ اللهِ الموقدةِ ، التي تطلعُ على
%
حن
٥٨٥
تن

كتاب الغضب والحقد
ربع المهلكات
الأفئدةِ ، وإنَّها لمستكنَّةٌ في طيِّ الفؤادِ استكنانَ الجمرِ تحتَ الرمادِ ،
ويستخرجُها الكِبْرُ الدفينُ فِي قلبِ كلِّ جبارٍ عنيدٍ ؛ كما يستخرجُ الحجرُ النارَ
مِنَ الحديدِ ، وقدِ انكشفَ للناظرينَ بنورِ اليقينِ: أنَّ الإنسانَ ينزِعُ منهُ عرقٌ
إلى الشيطانِ اللعينِ ، فَمَنِ استفزَّتُهُ نارُ الغضبِ .. فقدْ قويَتْ فيهِ قرابةُ
الشيطانِ؛ حيثُ قالَ: ﴿خَلَقْلَنِىِ مِن نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن ◌ِينٍ﴾، فإنَّ شأنَ الطينِ
السكونُ والوقارُ ، وشأنَ النارِ التلظَّ والاستعارُ ، والحركةُ والاضطرابُ .
ومِنْ نتائج الغضبِ الحقدُ والحسدُ، وبهما هلكَ مَنْ هلكَ، وفسدَ مَنْ
فسدَ، ومفيضُهما مضغةٌ إذا صلُّحَتْ .. صلِّحَ سائرُ الجسدِ ، وإذا كانَ الحقدُ
والحسدُ والغضبُ ممَّا يسوقُ العبدَ إلى مواطنِ العطَبِ .. فما أحوجَهُ إلى
معرفةِ معاطبهِ ومساويهِ ؛ ليحذرَ ذلكَ ويتقيهِ ، ويميطَهُ عنِ القلبِ إن كانَ
وينقِّهِ (١) ، ويعالجَهُ إنْ رسَخَ في قلبِهِ ويداويهِ ، فإنَّ مَنْ لا يعرفُ الشرَّ ..
يوشكُ أنْ يقعَ فيهِ ، ومَنْ عرفَهُ .. فالمعرفةُ لا تكفيهِ ، ما لمْ يعرفِ الطريقَ
الذي بهِ يدفعُ الشرّ ويُقصیهِ .
ونحنُ نذكرُ ذَّ الغضبِ وآفاتِ الحقدِ والحسدِ في هذا الكتابِ ،
ويجمعُها بيانُ ذمَّ الغضبِ ، ثمَّ بيانُ حقيقةِ الغضبِ، ثمَّ بيانُ أنَّ الغضبَ هلْ
يمكنُ إزالةُ أصلِهِ بالرياضةِ أمْ لا ، ثمَّ بيانُ الأسبابِ المهيِّجةِ للغضبِ ، ثمَّ
بيانُ علاجِ الغضبِ بعدَ هيجانِهِ ، ثمَّ بيانُ فضيلةِ كْمِ الغيظِ ، ثمَّ بيانُ فضيلةِ
حن
ـدة
ـدن
ـحن
ٹرج
(١) وحقها ظهور علامة النصب ، وسكنت مراعاة للسجعة ، وكذا القول فيما سيأتي.
٥٨٦
عن ثن

%G
ربع المهلكات
حن
كتاب الغضب والحقد
سيدسـ
الحلم ، ثمَّ بيانُ القدرِ الذي بهِ يجوزُ الانتصارُ والتشفِّي مِنَ الكلام ، ثمَّ بيانٌ
ءَ
القولِ في معنى الحقدِ ونتائجِهِ ، وفضيلةِ العفوِ والرفقِ ، ثمَّ بيانَ القولِ في
ذمِّ الحسدِ ، وفي حقيقتِهِ وأسبابِهِ ومعالجتِهِ ، وغايةِ الواجبِ في إزالتِهِ ، ثمَّ
بيانُ السببِ في كثرةِ الحسدِ بينَ الأمثالِ والأقرانِ والإخوةِ وبني العمِّ
والأقاربِ وتأكُّدِهِ ، وقلَّتِهِ وضعفِهِ في غيرِهمْ، ثمَّ بيانُ الدواءِ الذي بهِ يُنفى
ء
مرضُ الحسدِ عنِ القلبِ ، ثمَّ بيانَ القدرِ الواجبِ في نفي الحسدِ عنِ
القلبِ ، وباللهِ التوفيقُ .
حمر
٥٨٧
دن
ثن :

كتاب الغضب والحقد
ربع المهلكات
بيان وم الغضب
قالَ اللهُ تعالى: ﴿إِذْ جَعَلَ الَّذِينَ كَفَرُواْ فِى قُلُوبِهِمُ الْحَمِيَّةَ حَميَّةَ الْجَهِلِيَّةِ
فَأَنْزَلَ اَللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ، وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ ... ﴾ الآيةَ، ذمَّ الكفارَ بما
تظاهرُوا بهِ مِنَ الحميَّةِ الصادرةِ عنِ الغضبِ بالباطلِ ، ومدحَ المؤمنينَ بما
أنزلَ اللهُ عليهِمْ مِنَ السكينةِ .
ق*
وروى أبو هريرةَ أنَّ رجلاً قالَ : يا رسولَ اللهِ ؛ مُرْنِي بعملٍ وأقللْ ،
قالَ: ((لا تغضبْ))، ثمَّ أعادَ عليهِ، قالَ: ((لا تغضبْ))(١).
وقالَ ابنُ عمرَ : قلتُ لرسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ : قلْ لي قولاً
وأقللْ لعلِّي أعقلُهُ، فقالَ: (( لا تغضبْ))، فأعدْتُ عليهِ مرَّتين ، كلُّ ذلكَ
يرجعُ إليَّ (( لا تغضبْ))(٢) .
وعنْ عبدِ اللهِ بنِ عمروٍ أنَّهُ سألَ رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ : ماذا
يبعدُني مِنْ غضبِ اللهِ؟ قالَ: ((لا تغضبْ))(٣).
وقالَ ابنُ مسعودٍ : قالَ النبيُّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ : ((ما تعدُّونَ الصُّرَعةَ
(١) رواه البخاري (٦١١٦).
(٢) رواه أبو يعلى في ((مسنده)) (٥٦٨٥).
(٣) رواه أحمد في ((مسنده)) (١٧٥/٢)، والبيهقي في ((الشعب)) (٧٩٢٩).
عند فى جن حة
CG
قي :
٥٨٨
.- دم،ثن.

ربع المهلكات
كتاب الغضب والحقد
حن
فيكُمْ؟)) قلْنا: الذي لا يصرعُهُ الرجالُ، قالَ: (( ليسَ ذلكَ ، ولكنِ الذي
يملكُ نفسَهُ عندَ الغضبٍ)) (١).
وقالَ أبو هريرةَ : قالَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: (( ليسَ الشديدُ
بالصُّرَعةِ، إنَّما الشديدُ الذي يملكُ نفسَهُ عندَ الغضبِ)) (٢).
وقالَ ابنُ عمرَ : قالَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: ((مَنْ كفَّ
غضبَهُ .. سترَ اللهُ عورتَةً)) (٣).
عمـ
وقالَ سليمانُ بنُ داوودَ عليهِما السلامُ : ( يا بُنيَّ ؛ إياكَ وكثرةَ الغضبِ ؛
فإنَّ كثرةَ الغضبِ تستخفُّ فؤادَ الرجلِ الحليمِ) (٤) .
وعنْ عكرمةَ في قولهِ تعالى: ﴿وَسَيِّدًا وَحَصُورًا﴾. قال: ( السيدُ الذِيْ
لا يغلبُهُ الغضبُ )(٥) .
٨٠٠
وقالَ أبو الدرداءِ : قلْتُ : يا رسولَ اللهِ ؛ دلَّني على عملٍ يدخلُني
الجنةَ، قالَ: ((لا تغضبْ))(٦).
(١) رواه مسلم (٢٦٠٨) .
(٢) رواه البخاري (٦١١٤)، ومسلم ( ٢٦٠٩).
(٣) رواه ابن أبي الدنيا في ((قضاء الحوائج)) (٣٦)، والطبراني في «الكبير)) (٣٤٦/١٢ -
٣٤٧)، وأبو نعيم في «الحلية)) (٣٤٨/٦).
(٤) رواه أبو نعيم في ((الحلية)) (٧٠/٣)، وابن عساكر في (( تاريخ دمشق))
( ٢٢ /٢٨٤ ) .
----
(٥) رواه الطبري في ((تفسيره)) (٣٢٨/٣/٣).
(٦) رواه الطبراني في ((مسند الشاميين)) (٢١)، وفي ((الأوسط)) (٢٣٧٤).
فمگه
٥٨٩
حن

کتاب الغضب والحقد
ربع المهلكات
وقالَ يحيى لعيسىُ عليهما السلامُ : لا تغضبْ، قالَ : لا أستطيعُ ألاَّ
أغضبَ، إنَّما أنا بشرٌ، قالَ: لا تقتن مالاً، قالَ: هذا عسى(١).
وقالَ نبينا صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: (( الغضبُ يفسدُ الإيمانَ كما يفسدُ
الصَّبِرُ العسلَ))(٢).
وقالَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: (( ما غضبَ أحدٌ إلا أشفى على
جهنّمَ))(٣) .
وقالَ لهُ رجلٌ : أيُّ شيءٍ أشدُّ؟ قالَ : ((غضبُ اللهِ))، قالَ: فما
يبعدُنِي مِنْ غضبِ اللهِ؟ قالَ: (( لا تغضبْ)) (٤).
الآثارُ :
حن
قالَ الحسنُ : ( يا بنَ آدَمَ ؛ كلمَّا غضبتَ .. وثبتَ ؟! يوشكُ أنْ تثِبَ
وثبةً فتقعَ في النارِ )(٥) .
ـحي
(١) رواه ابن أبي شيبة في ((المصنف)) (٣٥٣٨٦) عن عبد الله بن أبي الهذيل.
(٢) رواه الطبراني في ((الكبير)) (٤١٧/١٩)، والبيهقي في ((الشعب)) (٩٧٤١) من
حديث معاوية بن حيدة رضي الله عنه .
(٣) قال الحافظ العراقي: (رواه البزار وابن عدي من حديث ابن عباس: ((للنار باب
لا يدخله إلا من شفى غيظه بمعصية الله )) وإسناده ضعيف ).
(٤) تقدم قريباً .
(٥) رواه ابن أبي الدنيا في ((ذم الغضب)). ((إتحاف)) (٦/٨).
حن حن حن
٥٩٠
حن قن

ربع المهلكات
كتاب الغضب والحقد
حن
ـدن
وعنْ ذي القرنينِ أنَّهُ لقيَ مَلَكاً منَ الملائكةِ ، فقالَ : علِّمْني علماً أزدادُ
بهِ إيماناً ويقيناً ، قالَ : لا تغضبْ ؛ فإنَّ الشيطانَ أقدرُ ما يكونُ على ابنِ آدمَ
حينَ يغضبُ ، فرُدَّ الغضبَ بالكظم، وسكِّنْهُ بالتؤدةِ ، وإياكَ والعجلةَ ؛
فإِنَّكَ إذا عجلتَ .. أخطأتَ حظّكَ، وكنْ سهلاً ليناً للقريبِ والبعيدِ ،
ولا تكنْ جباراً عنيداً(١) .
وعنْ وهبِ بنِ منبِّهِ : أنَّ راهباً كانَ في صومعتِهِ ، فأرادَ الشيطانُ أنْ
يضلَّهُ، فلمْ يستطعْ ، فجاءَهُ حتَّى ناداهُ ، فقالَ لهُ : افتحْ ، فلمْ يجبُهُ ،
فقالَ : افتَحْ ؛ فإنِّي إنْ ذهبتُ .. ندمتَ ، فلمْ يلتفتْ إليهِ ، فقالَ : إنِّي أنا
المسيحُ ، قالَ الراهبُ : وإنْ كنتَ المسيحَ ، فما أصنعُ بكَ ؟ أليسَ قدْ أمرْتَنَا
بالعبادةِ والاجتهادِ ، ووعدْتَنَا القيامةَ؟ فلوْ جثْتَنَا اليومَ بغيرِ ذلكَ .. لمْ نقبلْهُ
منكَ ، قالَ : فقالَ : فإنِّي أنا الشيطانُ وقدْ أردتُ أنْ أضلَّكَ ، فلمْ أستطعْ ،
فجئتُكَ لتسألَني عمَّا شئتَ فأخبرَكَ ، قالَ : ما أريدُ أنْ أسألَكَ عنْ شيءٍ ،
قالَ : فولَّى مدبراً ، فقالَ الراهبُ : ألا تسمعُ ؟ قال: بلى ، قالَ : أخبرْني
أيُّ أخلاقِ بني آدمَ أعونُ لكَ عليهِمْ؟ قالَ : الحِدَّةُ ، إِنَّ الرجلَ إذا كانَ
حديداً .. قلَّبناهُ كما يقلِّبُ الصبيانُ الكرةَ(٢).
وقالَ خيثمةُ : ( الشيطانُ يقولُ : كيفَ يغلبُني ابنُ آدَمَ ، وإذا رضيَ ..
(١) رواه ابن أبي الدنيا في ((الزهد)) (٢٥٧)، والدينوري في ((المجالسة وجواهر العلم))
( ص ٢٣٢ ) .
(٢) رواه أبو نعيم في ((الحلية)) (٥٢/٤).
من حن
1
ـيبسسيـ
حني
٥٩١
دن

كتاب الغضب والحقد
ربع المهلكات
جئتُ حتَّى أكونَ في قلبهِ ، وإذا غضبَ .. طرتُ حتَّى أكونَ في
رأسِهِ؟!)(١).
وقالَ جعفرُ بنُ محمدٍ : ( الغضبُ مفتاحُ كلِّ شرٍّ)(٢).
وقالَ بعضُ الأنصارِ : ( رأسُ الحمقِ الحِدَّةُ، وقائدُهُ الغضبُ ، ومَنْ
رضيَ بالجهلِ .. استغنى عنِ الحلمٍ، والحلمُ زينٌ ومنفعةٌ، والجهلُ شينٌ
ومضرَّةٌ، والسكوتُ عنْ جوابِ الأحمقِ جوابُهُ)(٣).
وقالَ مجاهدٌ : ( قالَ إبليسُ : ما أعجزَني بنو آدمَ فلنْ يعجزوني في
ثلاثٍ ؛ إذا سكِرَ أحدُهُم .. أخذنا بخزامتِهِ ، فقدْناهُ حيثُ شئْنا ، وعملَ لنا
بما أحببنا، وإذا غضبَ .. قالَ بما لا يعلمُ، وعملَ بما يندمُ، ونبخِّلُهُ بما
في يديهِ، ونمنُّهِ بما لا يقدرُ عليهِ) (٤) .
وقيلَ لحكيمٍ : ما أملكَ فلاناً لنفسِهِ! قالَ : إذاً لا تذلَّهُ الشهوةُ ،
ولا يصرعَهُ الهوى ، ولا يغلبَهُ الغضبُ (٥).
حر
وقالَ بعضُهمْ: ( إِيَّاكَ والغضبَ؛ فإنَّهُ يصيِّرُكَ إلى ذلةِ الاعتذارِ)(٦)
(١) رواه ابن المبارك في ((الزهد)) (٩٩٦)، وأبو نعيم في ((الحلية)) (١١٧/٤).
(٢) رواه ابن أبي الدنيا. ((إتحاف)) (٧/٨).
(٣) رواه الخطيب في ((الفقيه والمتفقه)) ( ٧١٣).
(٤) رواه ابن أبي الدنيا في ((ذم المسكر)) (٣٨).
(٥) عزاه أبو حيان التوحيدي في (( الإمتاع والمؤانسة)) (ص٢٦٤) لفيثاغورس ، وقال
الحافظ الزبيدي في ((إتحافه)) (٧/٨): (رواه ابن أبي الدنيا).
(٦) رواه ابن أبي الدنيا. ((إتحاف)) (٧/٨).
٥٩٢
حن
ـحة

ربع المهلكات
حن
كتاب الغضب والحقد
وقيلَ : ( اتقوا الغضبَ ، فإنَّهُ يفسدُ الإيمانَ كما يفسدُ الصبرُ
العسلَ )(١) .
وقالَ عبدُ اللهِ بنُ مسعودٍ : ( انظروا إلى حلْمِ الرجلِ عندَ غضبهِ ، وأمانِهِ
عندَ طمعِهِ ، وما علمُكَ بحلمِهِ إذا لمْ يغضبْ ؟! وما علمُكَ بأمانتِهِ إذا لمْ
يطمعْ؟!)(٢).
وكتبَ عمرُ بنُ عبدِ العزيزِ رحمهُ اللهُ إلى عامِلِهِ : ( ألا تعاقبَ عندَ
غضبكَ ، وإذا غضبْتَ على رجلٍ .. فاحبسْهُ ، فإذا سكنَ غضبُكَ .. فأخرجْهُ
فعاقبْهُ على قدْرِ ذنبِهِ ، ولا تجاوزْ بهِ خمسةَ عشرَ سوطاً)(٣).
حر
حن
ھے
وقالَ عليُّ بنُ زيدٍ : أغلظَ رجلٌ مِنْ قريشٍ لعمرَ بنِ عبدِ العزيزِ القولَ ،
فأطرقَ عمرُ طويلاً، ثمَّ قالَ : أردتَ أنْ يستفزَّني الشيطانُ بعزِّ السلطانِ ،
فأنالَ منكَ اليومَ ما تنالُهُ منِّي غداً(٤) .
وقالَ بعضُهمْ لابنِهِ : ( يا بنيَّ ؛ لا يثبتُ العقلُ عندَ الغضبِ ، كما
لا تثبتُ روحُ الحيِّ في التنانيرِ المسجورةِ ، فأقلُّ الناس غضباً أعقلُهُمْ، فإنْ
كانَ للدنيا .. كانَ دهاءً ومكراً، وإنْ كانَ للآخرةِ .. كانَ علماً وحلماً)(٥).
(١) تقدم مرفوعاً قريباً .
(٢) رواه ابن عساكر في ((تاريخ دمشق)) ( ٣٣/ ١٧٨).
(٣) روى نحوه أبو نعيم في ((الحلية)) (٣٠٤/٥).
(٤) رواه البيهقي في ((الشعب)) ( ٧٩٧١).
(٥) رواه ابن أبي الدنيا في ((ذم الغضب)). ((إتحاف)) (٨/٨).
٥٩٣
حن حن
حن

كتاب الغضب والحقد
ربع المهلكات
وقدْ قيلَ : ( الغضبُ عدوُ العقلِ ، والغضبُ غولُ العقل)(١).
وكانَ عمرُ رضيَ اللهُ عنهُ إذا خطبَ .. قَالَ في خطبتِهِ: ( أفلحَ منكُمْ مَنْ
حُفِظَ مِنَ الهوى والطمعِ والغضبِ)(٢) .
وقالَ بعضُهمْ: ( مَنْ أطاعَ شهوتَهُ وغضبَهُ .. قاداهُ إلى النارِ)(٣).
وقالَ الحسنُ : ( مِنْ علاماتِ المسلمِ : قوةٌ في دينٍ ، وحزٌ في لينٍ ،
وإيمانٌ في يقينٍ ، وعلمٌ في حلمٍ ، وكيسٌ في رفقٍ ، وإعطاءٌ في حقِّ ، وقصدٌ
في غنىّ ، وتجمُّلٌ في فاقةٍ ، وإحسانٌ في قدرةٍ ، وتحمُّلٌ في رفاقةٍ ، وصبرٌ في
شدَّةٍ ، لا يغلبُهُ الغضبُ ، ولا تجمحُ بهِ الحميَّةُ ، ولا تغلبُهُ شهوتُهُ ،
ولا يفضحُهُ بطنُهُ، ولا يستحقُّهُ حرصُهُ ، ولا تقصرُ بهِ نيتُهُ، ينصُرُ المظلومَ ،
ويرحمُ الضعيفَ ، ولا يبخلُ ولا يبذِّرُ ، ولا يسرِفُ ولا يقتِرُ، يغفرُ إذا ظُلِمَ ،
ويعفو عنِ الجاهلِ، نفسُهُ منهُ في عناءٍ، والناسُ منهُ في رخاءٍ )(٤) .
وقيلَ لعبدِ اللهِ بنِ المباركِ : أجمِلْ لنا حسنَ الخلقِ في كلمةٍ ، فقالَ :
تركُ الغضبِ (٥) .
وقالَ نبيٌّ مِنَ الأنبياءِ لمَنْ معَهُ : مَنْ يتكفَّلُ لي ألَّ يغضبَ ويكونَ معي في
ح
(١) رواه ابن أبي الدنيا. ((إتحاف)) (٨/٨).
(٢) رواه البيهقي في ((السنن الكبرى)) (٢١٥/٣).
(٣) رواه ابن أبي الدنيا في ((ذم الغضب)). ((إتحاف)) (٨/٨).
(٤) رواه ابن أبي الدنيا في ((ذم الغضب)). ((إتحاف (٨/٨).
(٥) رواه ابن أبي الدنيا. ((إتحاف)) (٨/٨).
طق حن حن جن حم
٥٩٤
ته
كر
حن

ربع المهلكات
كتاب الغضب والحقد
حن
درجتي ، ويكونَ بعدي خليفتي ؟ فقالَ شابٌ مِنَ القوم : أنا ، ثمَّ أعادَ
عليهِ ، فقالَ : الشابُ : أنا أُوقِّي بهِ ، فلما ماتَ .. كانَ في منزلتِهِ بعدَهُ ،
وهوَ ذو الكِفْلِ، سُمِّيَ بهِ ؛ لأنَّهُ كَفَلَ بالغضبِ ووفَّى بِهِ (١).
وقالَ وهبُ بنُ منبِّهِ : ( للكفرِ أربعةُ أركانِ : الغضبُ ، والشهوةُ ،
والخُرْقُ، والطمعُ )(٢) .
%
"۔۔
(١) رواه ابن أبي الدنيا في ((ذم الغضب)). ((إتحاف)) (٨/٨)، وفي (أ): ( كفل بترك
الغضب ) .
(٢) رواه بنحوه أبو نعيم في ((الحلية)) (٧٠/٤)، وفي (أ): ( الحرص ) بدل
( الخرق ) .
٥٩٥
حن

كتاب الغضب والحقد
ربع المهلكات
دن
بيان حقيقة الغضب
اعلمْ : أَنَّ اللهَ تعالى لمَّا خلقَ الحيوانَ معرّضاً للفسادِ والمُوتانِ بأسباب
في داخلٍ بدِنِهِ وأسبابٍ خارجةٍ عنهُ .. أنعمَ عليهِ بما يحميهِ عنِ الفسادِ ،
ويدفعُ عنهُ الهلاكَ إلى أجلٍ معلومِ سمَّاهُ في كتابِهِ .
أما السببُ الداخلُ : فهوَ أنَّهُ ركَّبَهُ منَ الحرارةِ والرطوبةِ ، وجعلَ بينَ
الحرارة والرطوبةِ عداوةً ومضادَّةً ؛ فلا تزالُ الحرارةُ تحلِّلُ الرطوبةَ وتجفِّفُها
وتبخِّرُها حتى تتفشَّى أجزاؤها بخاراً يتصاعدُ منها ، فلوْ لمْ يتصلْ بالرطوبةِ
مددٌ مِنَ الغذاءِ يَجبُرُ ما انحلَّ وتبخّرَ منْ أجزائِها .. لفسدَ الحيوانُ،
فخلقَ اللهُ الغذاءَ الموافقَ لبدنِ الحيوانِ ، وخلقَ في الحيوانِ شهوةً تبعثُهُ على
تناولِ الغذاءِ ؛ كالموكلِ بهِ في جبْرِ ما انكسرَ وسدٍّ ما انثلمَ ؛ ليكونَ ذلكَ
حافظاً لهُ مِنَ الهلاكِ بهذا السببِ .
وأمَّا الأسبابُ الخارجةُ التي يتعرَّضُ لها الإنسانُ : فكالسيفِ والسِّنانِ
وسائرِ المهلكاتِ التي يقصدُ بها ، فافتقرَ إلى قوَّةٍ وحميَّةٍ تثورُ مِنْ باطنِهِ فتدفعُ
المهلكاتِ عنهُ ، فخلقَ اللهُ الغضبَ مِنَ النارِ ، وغرزَهُ في الإنسانِ ، وعجنَهُ
بطينتِهِ ، فمهما قُصِدَ في غرضٍ مِنْ أغراضِهِ ، ومقصودٍ مِنْ مقاصدِهِ ..
اشتعلَتْ نارُ الغضبِ ، وثارَتْ ثوراناً يغلي منها دمُ القلبِ ، وينتشرُ في
العروقِ ، ويرتفعُ إلى أعالي البدنِ كما ترتفعُ النارُ ، وكما يرتفعُ الماءُ الذيْ
٥٩٦

ربع المهلكات
كتاب الغضب والحقد
يغلي في القِدْرِ ؛ فلذلكَ ينصبُّ إلى الوجهِ ، فيحمرُّ الوجهُ والعينُ ، والبشرةُ
لصفائِها تحكي لونَ ما وراءَها مِنْ حمرةِ الدم ؛ كما تحكي الزجاجةُ لونَ
ما فيها ، وإنَّما ينبسطُ الدمُ إذا غضبَ على مَنْ دونَهُ واستشعرَ القدرةَ عليهِ ،
فإنْ صدرَ الغضبُ على مَنْ فوقَهُ، وكانَ معَهُ يأْسٌ مِنَ الانتقام .. تولَّدَ منهُ
انقباضُ الدم مِنْ ظاهرِ الجلدِ إلى جوفِ القلبِ ، وصارَ حزناً ، ولذلكَ يصفرُ
اللونُ ، وإنْ كانَ الغضبُ على نظيرِ يشكُّ فيهِ .. تولَّدَ منهُ تردُّدُ الدم بينَ
انقباضٍ وانبساطٍ ؛ فيحمُّ ويصفُّ ويضطربُ .
وبالجملةِ : فقوَّةُ الغضبِ محلُّها القلبُ ، ومعناها : غليانُ دمِ القلبِ
لطلبِ الانتقام ، وإنَّما تتوجَّهُ هذهِ القوَّةُ عندَ ثورانِها إلى دفع المؤذياتِ قبلَ
وقوعِها ، وإلى التشفِّي والانتقام بعدَ وقوعِها ، والانتقامُ قوتُ هذهِ القوَّةِ
وشهوتُها ، وفيه لذَّتُها ، ولا تسكنُ إلا بهِ .
3
ثمَّ الناسُ في هذهِ القوَّةِ على درجاتٍ ثلاثٍ في أوَّلِ الفطرةِ : مِنَ
التفريطِ ، والإفراطِ ، والاعتدالِ .
أمَّا التفريطُ : فبفقدِ هذهِ القوَّةِ أوْ ضعفِها ، وذلكَ مذمومٌ ، وهوَ الذيْ
يُقالُ فيهِ : (إِنَّهُ لا حميَّةَ لهُ)، ولذلكَ قالَ الشافعيُّ رحمهُ اللهُ: ( منِ
استُغضِبَ فلمْ يغضبْ .. فهوَ حمارٌ)(١).
فمَنْ فَقَدَ قَوَّةَ الحميَّةِ والغضبِ أصلاً .. فهوَ ناقصٌ جدّاً، وقدْ وصفَ اللهُ
(١) رواه أبو نعيم في ((الحلية)) (١٤٣/٩).
٥٩٧

كتاب الغضب والحقد
ربع المهلكات
سبحانَهُ أصحابَ النبيِّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ بالشدَّةِ والحميَّةِ ، فقالَ :
﴿أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ﴾، وقالَ لنبيِّهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: ﴿جَهِدٍ
الْكُفَارَ وَالْمُنَفِقِينَ وَأَغْلُظُ عَلَيْهِمْ﴾، وإنَّما الغِلْظةُ والشدَّةُ مِنْ آثارِ قَوَّةِ
الحميّةِ ، وهوَ الغضبُ .
ـيه
وأمّا الإفراطُ : فهوَ أنْ تغلبَ هذهِ الصفةُ حتَّى تخرجَ عنْ سياسةِ العقلِ
والدينِ وطاعتِهِ ، ولا يبقى للمرءِ معها بصيرةٌ ولا نظرٌ ولا فكرٌّ ولا اختيارٌ ،
بلْ يصيرُ في صورةِ المضطرِّ .
وسببُ غلبتِهِ : أمورٌ غريزيَّةٌ ، وأمورٌ اعتياديَّةٌ ، فربَ إنسانٍ هوَ بالفطرةِ
مستعدٌّ لسرعة الغضبِ، حتَّى كأنَّ صورتَهُ في الفطرةِ صورةُ غضبانَ ، ويعينُ
على ذلكَ حرارةُ مزاج القلبِ ؛ لأنَّ الغضبَ مِنَ النارِ كما قالَ صلَّى اللهُ عليهِ
وسلَّمَ(١) ، وإنَّما برودةُ المزاجِ تطفئُهُ وتكسرُ سَوْرتَهُ .
وأمَّا الأسبابُ الاعتياديةُ: فهوَ أنْ يخالطَ قوماً يتبجَّحونَ بتشفِّي الغيظِ
وطاعةِ الغضبِ ، ويسمُّونَ ذلكَ شجاعةً ورجوليّةً ، فيقولُ الواحدُ منهمْ :
( أنا الذي لا أصبرُ على المكرِ والمحالِ ، ولا أحتملُ مِنْ أحدٍ أمراً ) ،
٩٠
(١) إذ روى الترمذي (٢١٩١) من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه مرفوعاً: ((ألا
وإن الغضب جمرة في قلب ابن آدم ، أما رأيتم إلى حمرة عينيه وانتفاخ أو داجه ... ))
الحديث .
وروى أبو داوود ( ٤٧٨٤ ) من حديث عطية السعدي رضي الله عنه مرفوعاً: إن الغضب
من الشيطان ، وإن الشيطان خلق من النار ... )) الحديث .
٥٩٨
حن تن ش
-ٹں

ربع المهلكات
كتاب الغضب والحقد
كن
ومعناهُ : لا عقلَ لي ولا حلمَ ، ثمَّ يذكرُهُ في معرِضِ الفخرِ لجهلِهِ ، فمَنْ
سمعَهُ .. رسَخ في نفسِهِ حسنُ الغضبِ ، وحثُّ التشبُّهِ بالقومِ ، فيقوىُ بهِ
الغضبُ .
ومهما اشتعلَتْ نارُ الغضبِ وقويَ اضطرامُها .. أعمَتْ صاحبَها،
وأصمَّتْهُ عنْ كلِّ موعظةٍ ، فإذا وُعظَ .. لمْ يسمعْ ، بلْ زادَهُ ذلكَ غضباً ، فإنٍ
استضاءَ بنورِ عقلِهِ، وراجعَ نفسَهُ .. لمْ يقدرْ؛ إذْ ينطفىءُ نورُ العقلِ ،
وينمحي في الحالِ بدخانِ الغضبِ ، فإنَّ معدِنَ الفكرِ الدماغُ ، ويتصاعدُ عندَ
شدَّةِ الغضبِ منْ غليانِ دمِ القلبِ دخانٌ إلى الدماغِ مظلمٌ يستولي على معادنٍ
الفكرِ ، وربَّما يتعدَّى إلى معادنِ الحسِّ، فتظلمُ عينُهُ حتَّى لا يرى بعينِهِ ،
وتسودُّ عليهِ الدنيا بأسرِها ، ويكونُ دماغُهُ على مثالِ کهفِ اضطرمَتْ فيهِ نارٌ
فاسودَّ جوُّهُ، وحميَ مستقرُّهُ، وامتلأَ بالدخانِ جوانبُهُ ، وكانَ فيهِ سراجٌ
ضعيفٌ فانطفاً وانمحى نورُهُ ، فلا تثبُتُ فيهِ قدمٌ، ولا يُسَمعُ فيهِ كلمٌ ،
ولا تُرى فيهِ صورةٌ ، ولا يقدرُ على إطفائِهِ لا مِنْ داخلٍ ولا مِنْ خارجٍ ، بلْ
ينبغي أنْ يصبرَ إلى أنْ يحترقَ جميعُ ما يقبلُ الاحتراقَ ، فكذلكَ يفعلُ
الغضبُ بالقلبِ والدماغِ .
تمـ
وربما تقوى نارُ الغضبِ فتفنى الرطوبةُ التي بها حياةُ القلبِ ، فيموتُ
صاحبُهُ غيظاً ؛ كما تقوى النارُ في الكهفِ فيتشقَّقُ وتنهدُّ أعاليهِ على أسافلِهِ ،
وذلكَ لإبطالِ النارِ ما في جوانبِهِ منَ القوَّةِ الممسكةِ الجامعةِ لأجزائِهِ ، فهكذا
حالُ القلبِ معَ الغضبِ .
٥٩٩
تن حن حن
حن
حن

كتاب الغضب والحقد
ربع المهلكات
وبالحقيقةِ فالسفينةُ في ملتطم الأمواجِ عندَ اضطرابِ الرياحِ في لَّةِ البحرِ
أحسنُ حالاً وأرجى سلامةً منَ النفسِ المضطربةِ غيظاً ؛ إذْ في السفينةِ مَنْ
يحتالُ لتسكينِها وتدبيرِها ، وينظرُ لها ويسوسُها ، وأمَّا القلبُ .. فهوَ
صاحبُ السفينةِ ، وقدْ سقطَتْ حيلتُهُ؛ إذْ أعماهُ الغضبُ وأصمَّهُ .
ومِنْ آثارِ هذا الغضبِ في الظاهرِ : تغيُّرُ اللَّونِ، وشدَّةُ الرِّعدةِ في
الأطرافِ ، وخروجُ الأفعالِ عنِ الترتيبِ والنظامِ ، واضطرابُ الحركةِ
والكلام ، حتَّى يظهرُ الزبدُ على الأشداقِ ، وتحمُّ الأحداثُ ، وتنقلبُ
المناخرُ ، وتستحيلُ الخِلْقَةُ، ولَوْ رأى الغضبانُ في حالِ غضبِهِ قبحَ
صورتِهِ .. لسكنَ غضبُهُ حياءً مِنْ قبح صورتِهِ واستحالةٍ خِلْقَتِهِ ، وقبحُ باطِنِهِ
أعظمُ مِنْ قبح ظاهرِهِ ؛ فإنَّ الظاهرَ عنوانُ الباطنِ ، وإنَّما قبُحَتْ صورةُ
الباطنِ أوَّلاً ثمَّ انتشرَ قبحُها إلى الظاهرِ ثانياً ، فتغيُّرُ الظاهرِ ثمرةُ تغيُّرِ
الباطنِ ، فقسِ المثمَرَ بالثمرةِ ، فهذا أثرُهُ في الجسدِ .
وأمَّا أثرُهُ في اللسانِ : فانطلاقُهُ بالشتمِ والفُحشِ وقبائح الكلام الذي
يستحيي منهُ ذوو العقولِ، ويستحيي منهُ قائلُهُ عندَ فتورِ الغضبِ ، وذلكَ معَ
تخُّطِ النظمِ ، واضطرابِ اللفظِ .
بجح حح حخ حن
وأمَّا أثرُهُ على الأعضاءِ : فالضربُ ، والتهجُّمُ ، والتمزيقُ ، والقتلُ ،
والجرحُ عندَ التمكُّنِ مِنْ غيرِ مبالاةٍ ، فإنْ هربَ منهُ المغضوبُ عليهِ ، أوْ فاتَهُ
بسببٍ وعجزَ عنِ التشفّي .. رجعَ الغضبُ على صاحبهِ ، فيمزِّقُ ثوبَ
٦٠٠
حن جن حنحن