Indexed OCR Text
Pages 461-480
ربع المهلكات
كتاب آفات اللسان
وقالَ محمدُ بنُ المنكدرِ : قالَتْ لي أمِّي : ( يا بنيَّ ؛ لا تمازح الصبيانَ
فتهونَ عليهِمْ )(١) .
وقالَ سعيدُ بنُ العاصِ لابِنِهِ : ( يا بنيَّ ؛ لا تمازح الشريفَ فيحقِدَ
عليكَ، ولا الدنيءَ فيجترىءَ عليكَ)(٢) .
وقالَ عمرُ بنُ عبدِ العزيزِ رحمهُ اللهُ تعالى : ( اتقوا اللهَ، وإياكُمْ
والمِزاحةَ ؛ فإنَّها تُورثُ الضغينةً، وتجرُّ إلى القبيح، تحدَّثوا بالقرآنِ ،
وتجالسُوا بهِ ، فإنْ ثَقُلَ عليكُمْ .. فحديثٌ حسنٌ مِنْ حديثِ الرجالِ)(٣).
هيم
من
وقالَ عمرُ بنُ الخطَّابِ رضيَ اللهُ عنهُ : أتدرونَ لمَ سُمَِّ الِمِزاحُ مزاحاً ؟
قالُوا : لا، قالَ: لأنَّهُ زاحَ عنِ الحقِّ(٤) .
وقيلَ : لكلِّ شيءٍ بِذْرٌ، وبذْرُ العداوةِ المِزاحُ(٥).
ويُقالُ : المِزاحُ مَسْلَبةٌ للنُّهى ، مَقْطَعَةٌ للأصدقاءِ .
فإنْ قلتَ : فقدْ نُقُلَ المِزاحُ عنْ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ
وأصحابه ، فکیف یُنهى عنهُ ؟
(١) رواه ابن أبي الدنيا في ((الصمت وآداب اللسان)) ( ٣٩٣).
(٢) رواه ابن أبي الدنيا في ((الصمت وآداب اللسان)) ( ٣٩٨).
(٣) رواه ابن أبي الدنيا في ((الصمت وآداب اللسان)) ( ٣٩٧).
(٤) رواه ابن أبي الدنيا في ((الصمت وآداب اللسان)) (٣٩٩).
(٥) رواه ابن أبي الدنيا في ((الصمت وآداب اللسان)) (٤٠١ ) ، نقله خالد بن صفوان.
٤٦١
حن
كتاب آفات اللسان
حمـ
ربع المهلكات
دن
فأقولُ: إنْ قدَرتَ على ما قَدَرَ عليهِ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ
وأصحابُهُ، وهوَ أنْ تمزحَ ولا تقولَ إلا حقّاً ، ولا تؤذيَ قلباً ، ولا تفْرِطَ
فيهِ ، وتقتصرَ على ذلكَ أحياناً وعلى الندورِ .. فلا حرجَ عليكَ فيهِ ، ولكنْ
مِنَ الغلطِ العظيمِ أنْ يتَّخِذَ الإنسانُ المِزاحَ حرفةً ، ويواظبُ عليهِ ، ويفرِطَ
فيهِ ، ثمَّ يتمسَّكُ بفعلِ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ، فهوَ كمَنْ يدورُ نهارَهُ
أبداً معَ الزنوجِ ينظرُ إليهمْ وإلى رقصِهِمْ ويتمسَّكُ بأنَّ رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ
عليهِ وسلَّمَ أذِنَ لعائشةَ رضيَ اللهُ عنها في النظرِ إلى رقصِ الزنوجِ في يومٍ
عيدٍ (١) ، وهوَ خطأ؛ إذْ مِنَ الصغائرِ ما يصيرُ كبيرةً بالإصرارِ ، ومِنَ
المباحاتِ ما يصيرُ صغيرةً بالإصرارِ ، فلا ينبغي أنْ تغْفُلَ عنْ هذا .
نعمْ، روى أبو هريرةَ أنَّهِمْ قالُوا : يا رسولَ اللهِ ؛ إنَّكَ تداعبُنا ، قالَ :
( إنِّي وإنْ داعبتُكُمْ فلا أقولُ إلا حقّاً))(٢).
وقالَ عطاءٌ: إنَّ رجلاً سألَ ابنَ عباس : أكانَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ
وسلَّمَ يمزحُ ؟ فقالَ ابنُ عباسِ : نعمْ ، فقالَ الرجلُ : فما كانَ مِزاحُهُ ؟ فقالَ
ابنُ عباسٍ : إنَّهُ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ كسا ذاتَ يوم امرأةً مِنْ نسائِهِ ثوباً
واسعاً، فقالَ لها : (( البسيهِ واحمدِي، وجرِّي منهُ ذيلاً كذيلِ العروسِ))(٣).
(١) إذنه للسيدة عائشة رضي الله عنها بالنظر إلى رقص الزنوج رواه البخاري ( ٩٥٠)،
ومسلم ( ٨٩٢ ) .
(٢) رواه الترمذي ( ١٩٩٠ ) .
(٣) رواه ابن عساكر في ((تاريخ دمشق)) (٤١/٤).
حن جن جن جن جن جن حي حج حق قن
٤٦٢
حن حن
.جن جن حن حن حن
ربع المهلكات
کتاب آفات اللسان
وقالَ أنسرٌ : (إنَّ النبيَّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ كانَ مِنْ أفكَهِ النَّاسِ معَ
نسائِهِ )(١) .
ورُويَ أنَّهُ كانَ كثيرَ التَّسُّمِ (٢).
وعنِ الحسنِ قالَ : أتتْ عجوزٌ إلى النبيِّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ ، فقالَ لها
صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: (( لا يدخلُ الجنَّةَ عجوزٌ))، فبكَتْ، فقالَ: ((إِنَّكِ
لسْتِ بعجوزٍ يومئذٍ، قالَ اللهُ تعالى: ﴿ إِنَّ أَنْشَأْتَهُنَّإِشَآءُ {٤: فَعَلْنَهُنَّ أَبْكَارًا﴾))(٣).
حن
مدن
وروىُ زيدُ بنُ أسلمَ : أنَّ امرأةً يُقالُ لها : أمُّ أيمنَ جاءَتْ إلى النبيِّ
صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ ، فقالَتْ: إنَّ زوجي يدعوكَ، قالَ: ((ومَنْ هوَ؟ أهوَ
الذي بعينِهِ بياضٌ؟ )) فقالَتْ: واللهِ؛ ما بعينِهِ بياضٌ! فقالَ: (( بلى، إنَّ
بعينِهِ بياضاً))، فقالَتْ: لا واللهِ، فقالَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: (( ما مِنْ أحدٍ
إلَّ وبعينِهِ بياضٌ))(٤)، وأرادَ بهِ : البياضَ المحيطَ بالحدقةِ .
وجاءَتْهُ امرأةٌ أخرى فقالَتْ : يا رسولَ اللهِ ؛ احملْني على بعيرٍ ، فقالَ :
(( بلْ نحملُكِ على ابنِ البعيرِ))، فقالَتْ: ما أصنعُ بهِ؟ إنَّهُ لا يحملُني ، فقالَ
(١) رواه ابن أبي الدنيا في ((مداراة الناس)) (٦٠)، وابن عساكر في (( تاريخ دمشق))
(٤/ ٣٧ ) .
(٢) فقد روى الترمذي (٣٦٤١) عن عبد الله بن الحارث بن جزء رضي الله عنه قال: ( ما
رأيت أحداً أكثر تبُّماً من رسول الله صلى الله عليه وسلم ) .
(٣) رواه الترمذي في (( الشمائل)) (٢٤٠).
(٤) قال الحافظ العراقي: (رواه الزبير بن بكار في كتاب ((الفكاهة والمزاح))، ورواه ابن
أبي الدنيا من حديث عبد الله بن سهم الفهري مع اختلاف). ((إتحاف)) ( ٧/ ٥٠٠ ).
١
ق
٤٦٣
كتاب آفات اللسان
ربع المهلكات
صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: (( ما مِنْ بعيرٍ إلا وهوَ ابنُ بعيرٍ))(١) ، فكانَ يمزحُ بهِ .
وقالَ أنسٌ: كانَ لأبي طلحةَ ابنٌ يُقالُ لهُ: أبو عُميرٍ ، وكانَ رسولُ اللهِ
صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ يأتيهِمْ فيقولُ: (( يا أبا عُميرٍ ؛ ما فعلَ النُّغيرُ؟ )) لنُغيرِ
كانَ يلعبُ بهِ(٢) ، وهوَ فرخُ العصفورِ .
وقالَتْ عائشةُ رضيَ اللهُ عنها : خرجْنا معَ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ
في غزوة بدرٍ فقالَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ : (( تعالَي حتَّى أسابقَكِ))، فشدَدتُ
دِرعي على بطني، ثمَّ خططنا خطاً ، فقُمنا عليهِ فاستبقنا فسبقَني ، فقالَ :
(( هذهِ مكانَ ذي المجازِ))، وذلكَ أنَّهُ جاءَ يوماً ونحنُ بذي المجازِ وأنا
جاريةٌ قَدْ بعثَني أبي بشيءٍ، فقالَ: ((أعطينِيهِ))، فأبيتُ وسعيتُ ، فسعى
على أثري ، فلمْ يدركْني(٣).
وقالَتْ أيضاً : سابقَني رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ فسبقتُهُ، فلمَّا
حملتُ اللحمَ .. سابقَني فسبقَني وقالَ: ((هذهِ بتلكِ)) (٤).
وقالَتْ أيضاً رضيَ اللهُ عنها : كانَ عندِي رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ
(١) رواه أبو داوود (٤٩٩٨)، والترمذي (١٩٩١)، وفيه: (( إنا حاملوك على ولد
ناقة )) .
(٢) رواه البخاري (٦١٢٩)، ومسلم ( ٢١٥٠).
(٣) رواه ابن أبي الدنيا في ((العيال)) (٥٦٠)، و((مداراة الناس)) (١٥٦)، والطحاوي
في (( شرح مشكل الآثار)) ( ١٨٨١).
(٤) رواه أبو داوود (٢٥٧٨)، والنسائي في (( السنن الكبرى)) (٨٨٩٤)، وابن ماجه
( ١٩٧٩ ) .
٤٦٤
حن
ربع المهلكات
ـمعم
كتاب آفات اللسان
وسودةُ بنتُ زمعةً، فصنعْتُ حريرةً وجئتُ بهِ ، فقلْتُ لسودةَ : كُلِي ،
فقالَتْ : لا أحبُّهُ ، فقلْتُ: واللهِ لتأكلِنَّ أوْ لألطِّخَنَّ بهِ وجهَكِ، فقالَتْ:
ما أنا بذائقتِهِ ، فأخذْتُ بيدي مِنَ الصَّحْفةِ شيئاً فلطّخْتُ بهِ وجهَها ورسولُ اللهِ
صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ جالسٌ بيني وبينَها ، فخفضَ لها رسولُ اللهِ ركبتيهِ
لتستقيدَ منِّي، فتناولَتْ مِنَ الصَّحفَةِ شيئاً فمسحَتْ بهِ وجهي ، وجعلَ
رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ يضحكُ (١).
ورُويَ أنَّ الضحاكَ بنَ سفيانَ الكلابيَّ كانَ رجلاً دميماً قبيحاً ، فلما بايعَهُ
النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ .. قالَ: إنَّ عندي امرأتينِ أحسنُ مِنْ هذهِ
الحميراءِ ، أفلا أنزلُ لكَ عنْ إحداهما فتتزوَّجَها ؟ وعائشةُ جالسةٌ تسمعُ قبلَ
أنْ يُضربَ الحجابُ ، فقالَتْ : أهيَ أحسنُ أمْ أنتَ ؟ فقالَ : بلْ أنا أحسنُ
منها وأكرمُ ، فضحكَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ مِنْ سؤالِها إِيَّاهُ ؛ لأنَّهُ
كانَ دَمیماً(٢) .
حج .. دن.
حر
وروى علقمةُ عنْ أبي سلمةَ أنَّه كانَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ يُدلِعُ لسانَهُ
للحسينِ بنِ عليٍّ فيرى الصبيُّ لسانَهُ، فيهشُّ لهُ، فقالَ لهُ عيينةُ بنُ بدر
(١) رواه النسائي في ((السنن الكبرى)) ( ٨٨٦٨).
(٢) قال الحافظ العراقي: (رواه الزبير بن بكار في كتاب ((الفكاهة والمزاح)) من رواية
عبد الله بن حسن بن حسن مرسلاً أو معضلاً ، وللدار قطني نحو هذه القصة مع عيينة بن
حصن الفزاري بعد نزول الحجاب من حديث أبي هريرة بسند ضعيف). ((إتحاف )»
(٥٠١/٧)، وحديث عيينة قد رواه البزار في ((مسنده)) ( ٨٧٦١).
. 29
٤٦٥
حن حن
كتاب آفات اللسان
ربع المهلكات
جر
الفزاريُّ : واللهِ ؛ ليكونُ ليَ الابنُ قَدْ خرجَ وجهُهُ وما قَبَّلْتُهُ قطُّ ، فقالَ
رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: ((إنَّ مَنْ لا يَرْحمُ لا يُرْحَمُ))(١).
فأكثرُ هذهِ المطايباتِ منقولةٌ معَ النِّساءِ والصِّبيانِ ، وكانَ ذلكَ منهُ
صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ معالجةٌ لضعفٍ قلوبِهِمْ، مِنْ غيرِ ميلٍ إلى هزْلٍ .
وقالَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ مرةً لصُهيبٍ وبهِ رمدٌ وهوَ يأكلُ تمراً : ((أتأكلُ
الثَّمرَ وأنتَ رَمِّدٌ؟! )) فقالَ: إِنَّما آكلُ بالشِّقِّ الآخرِ يا رسولَ اللهِ ، فتبسَّمَ
رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ ، قالَ بعضُ الزُّواةِ : حتَّى نظرتُ إلى
نواجِذِهِ (٢) .
ورُويَ أنَّ خوَّاتَ بنَ جبيرِ الأنصاريَّ كانَ جالساً إلى نسوةٍ مِنْ بني كعبٍ
بطريقٍ مِكَّةَ(٣) ، فطلعَ عليهِ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ ، فقالَ: (( يا أبا
عبدِ اللهِ ؛ ما لكَ معَ النِّسوةِ؟! )) فقالَ: يفْتِلْنَ ضغيراً لجملٍ لي شَرُودٍ ،
قالَ : فمضَىْ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ لحاجتِهِ ، ثمَّ عادَ فقالَ لهُ :
((يا أبا عبدِ اللهِ؛ أما تركَ ذلكَ الجملُ الشِّرادَ بعدُ؟ » قالَ: فسكتُ
واستحييتُ ، وكنتُ بعدَ ذلكَ أنفردُ منهُ كلَّما رأيتُهُ حياءً منهُ، حتَّى قدمتُ
(١) رواه هناد في ((الزهد)) (١٣٣٠) من حديث أبي سلمة بن عبد الرحمن بن عوف عن
رسول الله صلی الله عليه وسلم ، وابن حبان في « صحيحه » ( ٥٥٩٦ ) من حديثه عن
أبي هريرة رضي الله عنه مرفوعاً ، ويدلع لسانه : يخرجه له ، وخرج وجهه : نبتت
لحيته .
(٢) رواه ابن ماجه ( ٣٤٤٣).
(٣) في (أ): ( قريش ) بدل ( بني كعب ) .
٤٦٦
حن في
ربع المهلكات
كتاب آفات اللسان
المدينةَ ، وبعدَما قدِمتُ المدينةَ قالَ : فرآني في المسجدِ يوماً أُصلي ،
فجلسَ إليَّ، فطوَّلْتُ، فقالَ: (( لا تطوِّلْ؛ فإِنِّي أنتظرُكَ))، فلمَّا
سلَّمتُ .. قالَ: (( يا أبا عبدِ اللهِ ؛ أما تركَ ذلكَ الجملُ الشِّرادَ بعدُ؟))،
قالَ : فسكتُّ واستحييتُ ، فقامَ وكنتُ بعدَ ذلكَ أنفردُ منهُ، حتَّى لحقَني
يوماً وهوَ على حمارٍ، وقدْ جعلَ رجليهِ مِنْ شقِّ واحدٍ، فقالَ: (( أبا
عبدِ اللهِ ؛ أما تركَ ذلكَ الجملُ الشِّرادَ بعدُ؟))، فقلتُ: والذي بعثَكَ
بالحقِّ؛ ما شرَدَ منذُ أسلمْتُ، فقالَ: ((اللهُ أكبرُ ، اللهُ أكبرُ ، اللهمَّ ؛ اهدِ
أبا عبدِ اللهِ))، قالَ: فحسُنَ إسلامُهُ وهداهُ اللهُ تعالى (١).
وكانَ نعيمانُ الأنصاريُّ رجلاً مَزَّاحاً ، وكانَ يشربُ ، فيُؤتى بهِ إلى النبيِّ
صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ ، فيضربُهُ بنعلِهِ ويأمرُ أصحابَهُ فيضربونَهُ بنعالِهِمْ ، فلمَّا
كثُرَ ذلكَ منهُ .. قالَ لهُ رجلٌ مِنْ أصحابِ النبيِّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ :
لعنكَ اللهُ، فقالَ لهُ النبيُّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: (( لا تفعلْ؛ فإنَّهُ يحبُّ اللهَ
ورسولَهُ »(٢)، وكانَ لا يدخلُ المدينةَ رَسَلٌ ولا طُرْفَةٌ إلا اشترى منها، ثُمَّ
جاءَ بهِ النبيَّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ ، فيقولُ: يا رسولَ اللهِ ؛ هذا قدِ اشتريتُهُ
وأهديتُهُ لكَ، فإذا جاءَ صاحبُهُ يطلبُ نعيمانَ بثمنِهِ .. جاءَ بهِ إلى النبيِّ
صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ ، وقالَ : يا رسولَ اللهِ ؛ أعطِهِ ثمنَ متاعِهِ ، فيقولُ لهُ
(١) رواه الطبراني في «الكبير)) (٢٠٣/٤)، وأبو نعيم في ((معرفة الصحابة)) ( ٩٧٧/٢ )
بنحوه ، وفي جميع النسخ عدا (ج ) : ( أتقزز ) بدل ( أنفرد ) ، والقزازة : الحياء .
(٢) رواه البخاري (٢٣١٦) .
تي كن
٤٦٧
ـن
کتاب آفات اللسان
ربع المهلكات
رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: ((أوَلمْ تهذِهِ لنا؟)) فيقولُ:
يا رسولَ اللهِ ؛ إنَّهُ واللهِ لمْ يكُنْ عندِي ثمنُهُ وأحببتُ أنْ تَأْكُلَهُ ، فيضحكُ النبيُّ
صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ ، ويأمرُ لصاحبِهِ بثمِنِهِ (١).
فهذهِ مطايباتٌ يباحُ مثلُها على الندورِ ، لا على الدوامِ ، والمواظبةُ
عليها هزْلٌ مذمومٌ ، وسببٌ للضحكِ المُميتِ للقلبِ .
(١) هو تتمة الخبر السابق، والرَّسَل : ذوات اللبن .
٤٦٨
ربع المهلكات
كتاب آفات اللسان
الآفة الحادية عشرة: التخرية والاستهزاء
وهذا محرَّمٌ مهما كانَ مؤذياً، قالَ اللهُ تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْلَا يَسْخَرْ
قَوْمٌ مِّنْ قَوْمٍ عَسَى أَنْ يَكُونُواْ خَيْرًا مِنْهُمْ وَلَا نِسَآءٌ مِّن نِّسَاءٍ عَسَى أَنْ يَكُنَّ خَيْرٌ مِنْهُنَّ﴾.
ومعنى السخريةِ : الاستحقارُ والاستهانةُ والتنبيهُ على العيوبِ والنقائصِ
على وجهٍ يُضْحكُ منهُ ، وقدْ يكونُ ذلكَ بالمحاكاةِ في الفعلِ والقولِ ، وقدْ
يكونُ بالإشارةِ والإيماءِ .
كن
حن
وإذا كانَ بحضرةِ المستهزأِ بهِ .. لمْ يُسمَّ ذلكَ غيبةً ، وفيهِ معنى
الغيبةِ .
قالَتْ عائشةُ رضيَ اللهُ عنها : حكيتُ إنساناً ، فقالَ النبيُّ صلَّى اللهُ عليهِ
وسلَّمَ: (( ما أحبُّ أنّي حكيتُ إنساناً وأنَّ لي كذا وكذا))(١) .
وقالَ ابنُ عباس في قولهِ تعالى: ﴿يَوَيِّلَتَنَا مَالِ هَذَا الْكِتَبِ لَا يُغَادِرُ
صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةٌ إِلَّ أَحْصَنهَا﴾: ( الصغيرةُ: التبُّمُ بالاستهزاءِ بالمؤمنِ ،
والكبيرةُ: القهقهةُ بذلكَ)(٢)، وهوَ إشارةٌ إلى أنَّ الضَّحكَ على الناسِ مِنْ
جملةِ الذنوبِ والكبائرِ .
وعنْ عبدِ اللهِ بنِ زمعةً : أنَّهُ سمعَ النبيَّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ وهوَ
(١) رواه أبو داوود (٤٨٧٥)، والترمذي (٢٥٠٢).
(٢) رواه ابن أبي الدنيا في ((الصمت وآداب اللسان)) ( ٢٩٢).
٤٦٩
حس ون
٠٠٠
كتاب آفات اللسان
ربع المهلكات
يخطبُ، فوعظُهُمْ في ضحكِهمْ مِنَ الضَّرطةِ، وقالَ: (( علامَ يضحكُ
أحدُكُمْ ممَّا يفعلُ؟!))(١) .
وقالَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: ((إنَّ المستهزئينَ بالنَّاسِ يُفتحُ لأحدِهمْ بابٌ
مِنَ الجنَّةِ ، فيُقالُ: هلمَّ هلمَّ، فيجيءُ بكرْبِهِ وغمَّهِ، فإذا جاءَ .. أُغلقَ
دونَهُ ، ثُمَّ يُفتحُ لهُ بابٌ آخرُ ، فيُقالُ لهُ: هلمَّ هلمّ، فيجيءُ بكرْبِهِ وغمِّهِ ،
فإذا أتاهُ .. أُغلقَ دونَهُ ، فما يزالُ كذلكَ حتَّىُ إنَّ الرَّجلَ لَيُفتحُ لهُ البابُ فيُقالُ
لهُ: هلمَّ هلمَّ فما يأتيهِ))(٢) .
وقالَ معاذُ بنُ جبلِ : قالَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ : (( مَنْ عِيَّرَ
أخاهُ بذنبٍ قدْ تابَ منهُ .. لمْ يمُتْ حتَّى يعملَهُ))(٣) .
٨٠٠
وكلُّ هذا يرجعُ إلى استحقارِ الغيرِ والضحكِ عليهِ استهانةً بهِ واستصغاراً
لهُ، وعليهِ نبَّهَ قولُهُ تعالى: ﴿عَسَى أَن يَكُونُواْ خَيْرًا مِنْهُمْ﴾ أيْ: لِمَ تسخرُ بهِ
استصغاراً ولعلَّهُ خيرٌ منكَ ؟!
حر
وهذا إنَّما يحرمُ في حقِّ مَنْ يتأذَّى بِهِ .
فأمَّا مَنْ جعلَ نفسَهُ مَسْخَرَةٌ ، وربَّما فَرِحَ بأنْ يُسخَرَ بهِ .. كانَتِ السخريةُ
في حقِّهِ مِنْ جملةِ المزحِ ، وقد سبقَ ما يذمُ منهُ وما يمدحُ .
(١) رواه البخاري (٤٩٤٢)، ومسلم (٢٨٥٥).
(٢) رواه ابن أبي الدنيا في ((الصمت وآداب اللسان)) (٢٨٧)، والبيهقي في (( الشعب))
(٦٣٣٣) من حديث الحسن مرسلاً .
(٣) رواه الترمذي (٢٥٠٥)، وزيادة : ( قد تاب منه ) نقلها شيخه أحمد بن منيع.
٤٧٠
حن حن
ربع المهلكات
00ــ
كتاب آفات اللسان
وإنَّما المحرَّمُ : استصغارٌ يتأذَّى بهِ المستهزَأُ بهِ ؛ لما فيهِ مِنَ التحقيرِ
والتهاونِ ، وذلكَ تارةً يجري بأنْ يضحكَ على كلامِهِ إذا تخبَّطَ فيهِ ولمْ
ينتظِمْ ، أَوْ على أفعالِهِ إذا كانَتْ مشوَّشةً؛ كالضَّحكِ على خطِّهِ ، وعلى
صنعتِهِ ، أَوْ على صورتِهِ وخِلْقتِهِ إذا كانَ قصيراً أوْ ناقصاً لعيبٍ منَ العيوبِ ،
فالضحكُ منْ جميع ذلكَ داخلٌ في السخريةِ المنهيِّ عنها .
حن
مدن
حن
2
.و.
٤٢٠ ٠ ٠٠
٤٧١
حن
كتاب آفات اللسان
ربع المهلكات
الآفة الثانية عشرة: إنشاء السّر
وهوَ منهيٌّ عنهُ؛ لما فيهِ مِنَ الإيذاءِ ، والتهاونِ بحقِّ المعارفِ
والأصدقاءِ .
قالَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: ((إذا حدَّثَ الرَّجلُ الحديثَ ثمَّ
اُلْتفتَ .. فهيَ أمانةٌ))(١).
وقالَ مطلقاً: (( الحديثُ بينَكُمْ أمانةٌ))(٢).
وقالَ الحسنُ : ( إنَّ مِنَ الخيانةِ أنْ تحدِّثَ بسرٍّ أخيكَ)(٣).
ويُروى أنَّ معاويةً رضيَ اللهُ عنهُ أسرَّ إلى الوليدِ بنِ عُتبةَ حديثاً ، فقالَ
لأبيهِ : يا أبتِ ؛ إنَّ أميرَ المؤمنينَ أسرَّ إليَّ حديثاً، وما أراهُ يطوي عنكَ
ما بسطَّهُ إلى غيرِكَ .
قالَ: فلا تحدِّثْني بهِ ؛ فإنَّ مَنْ كتمَ سرَّهُ .. كانَ الخيارُ لهُ ، ومَنْ
أفشاهُ .. كانَ الخيارُ عليهِ ، قالَ : فقلتُ : يا أبتِ ؛ وإنَّ هذا ليدخلُ بينَ
الرجلِ وبينَ أبيهِ ؟ فقالَ: لا واللهِ يا بنيَّ، ولكنْ أحبُّ ألاَّ تذلِّلَ
ـدة
(١) رواه أبو داوود ( ٤٨٦٨)، والترمذي (١٩٥٩).
(٢) رواه ابن أبي الدنيا في ((الصمت وآداب اللسان)» ( ٤٠٣) .
(٣) رواه ابن أبي الدنيا في ((الصمت وآداب اللسان)) (٤٠٤).
قء.
٤٧٢
دن
ربع المهلكات
كتاب آفات اللسان
لسانَكَ بأحاديثِ السِّرِّ ، قالَ : فأتيتُ معاويةَ فحدَّثتُهُ ، فقالَ : يا وليدُ ؛
أعتقَكَ أخي مِنْ رقِّ الخطأِ (١).
فإفشاءُ السِّرِّ خيانةٌ، وهوَ حرامٌ إذا كانَ فيهِ إضرارٌ ، ولؤْمٌ إنْ لمْ يكُنْ فیهِ
إضرارٌ ، وقدْ ذكرنا ما يتعلَّقُ بكتمانِ السِّرِّ في كتابِ آدابِ الصحبةِ ، فلا
نعيدُهُ .
e
(١) رواه ابن أبي الدنيا في ((الصمت وآداب اللسان)) (٤١٠).
٤٧٣
مكن
كتاب آفات اللسان
ربع المهلكات
الآفة الثالثة عشرة: الوعد الكاذب
فإِنَّ اللِّسانَ سبَّاقٌ إلى الوعدِ، ثمَّ النفسُ ربَّما لا تسمحُ بالوفاءِ ، فيصيرُ
الوعدُ خُلْفاً ، وذلكَ مِنْ أماراتِ النِّفاقِ .
وقدْ قالَ اللهُ تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ أَوْفُواْ بِالْعُقُودِ﴾.
﴿قَالَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: ((العِدةُ عطيّةٌ))(١).
وقالَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: (( الوَأْيُ مثلُ الدَّينِ أوْ أفضلُ))(٢)،
والوَأْيُّ : الوعدُ .
وقدْ أثنى الله تعالى على نبيِّهِ إسماعيلَ عليهِ السَّلامُ في كتابهِ العزيزِ فقالَ :
﴿ إِنَُّ كَانَ صَادِقَ الْوَعْدِ وَكَانَ رَسُولَا نِّيَّا﴾.
فيُقالُ : إنَّهُ واعدَ إنساناً في موضع فلمْ يرجعْ إليهِ ذلكَ الإنسانُ بلْ نسيَ ،
فبقيَ إسماعيلُ اثنينٍ وعشرينَ يوماً في انتظارِهِ(٣) .
٢
ولمَّا حضرَتْ عبدَ اللهِ بنَ عمرٍو الوفاةُ .. قالَ: (إنَّهُ كانَ خطبَ إليَّ
ابنتي رجلٌ مِنْ قريشٍ ، وقد كانَ منِّي إليهِ شبهُ الوعدِ ، فواللهِ ؛ لا ألقى اللهَ
3
(١) رواه الطبراني في ((الأوسط)) (١٧٧٣)، وقد رواه ابن أبي الدنيا في (( الصمت وآداب
اللسان)) (٤٥٦) عن الحسن مرسلاً .
(٢) رواه ابن أبي الدنيا في ((الصمت وآداب اللسان)) (٤٥٧) عن ابن لهيعة مرسلاً.
(٣) رواه ابن أبي الدنيا في ((الصمت وآداب اللسان)) (٤٦١) عن يزيد الرقاشي قاله .
حن جرج. حن حن كن
٤٧٤
قن طرة ان من قوة
حى من
ربع المهلكات
كتاب آفات اللسان
بثلُثِ النفاقِ، اشهدُوا أني قدْ زوَّ جتُهُ ابنتي)(١).
ـحن
وعنْ عبدِ اللهِ بنِ أبي الحَمْساءِ قالَ : بايعتُ النبيَّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ
قبلَ أنْ يبعثَ ، فبقيَتْ لهُ بقيةٌ ، فوعدتُهُ أنْ آتِيَهُ بها في مكانِهِ ذلكَ ، فنسيتُ
يومي والغدَ، فأتيتُهُ في اليوم الثالثِ وهوَ في مكانِهِ ، فقالَ: (( يا فتى ؛ قَدْ
شقَقتَ عليَّ، أنا ههُنا منذ ثلاثٍ أنتظرُكَ))(٢).
وقيلَ لإبراهيمَ : الرجلُ يواعدُ الرجلَ الميعادَ فلا يجيءُ ، قالَ : ينتظرُهُ
ما بينَهُ وبِينَ أَنْ يدخلَ وقتُ الصلاةِ التي تجيءُ(٣).
$
وكانَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ إذا وعدَ وعداً .. قالَ: ((عسىُ))(٤).
وكانَ ابنُ مسعودٍ لا يعِدُ وعداً إلاَّ ويقولُ : (إنْ شاءَ اللهُ)(٥) ، وهوَ
الأولى .
ثُمَّ إذا فُهِمَ معَ ذلكَ الجزمُ في الوعدِ .. فلا بدَّ مِنَ الوفاءِ ، إلا أنْ
يتعذَّرَ، فإنْ كانَ عندَ الوعدِ عازماً على ألاَّ يفيَ بهِ .. فهذا هوَ النفاقُ، قالَ
أبو هريرةَ : قالَ النبيُّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ : ((ثلاثٌ مَنْ كنَّ فيهِ .. فهوَ
(١) رواه ابن أبي الدنيا في ((الصمت وآداب اللسان)) (٤٥٩).
(٢) رواه أبو داوود (٤٩٩٦)، وابن أبي الدنيا في ((الصمت وآداب اللسان)) (٤٦٠).
(٣) رواه ابن أبي الدنيا في ((الصمت وآداب اللسان)) ( ٤٦٣).
(٤) قال الحافظ العراقي: ( لم أجد له أصلاً). ((إتحاف)» ( ٥٠٧/٧).
(٥) رواه ابن أبي الدنيا في ((الصمت وآداب اللسان)) (٤٦٧) عن أبي إسحاق قال : كان
أصحاب عبد الله رضي الله عنه يقولون : إذا وعد فقال: ( إن شاء الله) .. لم يخلف .
٤٧٥
مطارم
دں
کتاب آفات اللسان
ربع المهلكات
منافقٌ وإنْ صامَ وصلَّى وزعمَ أنَّهُ مسلمٌ؛ إذا حدَّثَ .. كذبَ ، وإذا وعدَ ..
أخلفَ، وإذا اؤْتُمِنَ .. خانَ))(١) .
وقالَ عبدُ اللهِ بنُ عمرٍو رضيَ اللهُ عنهُما : قالَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ
وسلَّمَ : ((أربعٌ مَنْ كُنَّ فيهِ .. كانَ منافقاً ، ومَنْ كانَتْ فيهِ خلةٌ منهنَّ .. كانَتْ
فيهِ خلةٌ مِنَ النِّفاقِ حتَّى يدعَها ؛ إذا حدَّثَ .. كذَبَ، وإذا وعدَ .. أخلفَ ،
وإذا عاهَدَ .. غدرَ، وإذا خاصَمَ .. فجَرَ))(٢).
وهذا ينزَّلُ على مَنْ وَعَدَ وهوَ على عزم الخُلْفِ ، أو تركَ الوفاءَ مِنْ غيرِ
عذرٍ، فأما مَنْ عزَمَ على الوفاءِ .. فعَنَّ لهُ عذرٌ منعَهُ مِنَ الوفاءِ .. لمْ يكنْ
منافقاً ، وإنْ جرى عليهِ ما هوَ صورةُ النِّفاقِ .
ولكنْ ينبغي أنْ يحترزَ مِنْ صورةِ النِّاقِ أيضاً كما يحترزُ مِنْ حقيقتِهِ ،
ولا ينبغي أنْ يجعلَ نفسَهُ معذوراً مِنْ غيرِ ضرورةٍ حافزةٍ ؛ فقدْ رُويَ أنَّ
رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ كانَ وعدَ أبا الهيثمِ بنَ التَّهانِ خادماً ، فأَتِيَ
بثلاثةٍ مِنَ السبي ، فأعطى اثنينٍ وبقيَ واحدٌ ، فجاءَتْ فاطمةُ بنتُ رسولِ اللهِ
صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ تطلُبُ منهُ خادماً وهيَ تقولُ : ألا ترى أثرَ الرَّحى
يا رسولَ اللهِ في يدي، فذكَرَ موعدَهُ لأبي الهيثمِ، فجعل يقولُ: (( کیفَ
بموعدي لأبي الهيثم ؟ )) فآثرَهُ بهِ على فاطمةَ ؛ لما سبقَ مِنْ موعدِهِ لهُ ، معَ
فت
(١) رواه البخاري (٣٣)، ومسلم (٥٩) بنحوه .
(٢) رواه البخاري (٣٤)، ومسلم (٥٨) .
٤٧٦
حز حة حن
ربع المهلكات
كتاب آفات اللسان
أنَّها كانَتْ تديرُ الرحى بيدِها الضعيفةِ(١).
ـحة
ولقدْ كانَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ جالساً يقسِمُ غنائمَ هوازنَ بحُنينٍ،
فوقفَ عليهِ رجلٌ مِنَ الناسِ ، فقالَ : إنَّ لي عندكَ موعداً يا رسولَ اللهِ ، فقالَ :
((صَدَقتَ فاحْتَكِمْ ما شئتَ))، فقالَ: أحتكمُ ثمانينَ ضائنةً وراعيَها ، فقالَ :
((هيَ لكَ، ولقد احتكَمتَ يسيراً، ولَصاحبةُ موسَى عليهِ السَّلامُ التي دلَّتَهُ على
عظام يوسفَ كانَتْ أحزمَ وأجزلَ حكماً منكَ حينَ حَكَّمَها موسى عليهِ السلامُ
فقالَتْ: حكمي أنْ تردّني شابّةً، وأدخلَ معكَ الجنَّةَ))(٢).
قيلَ : فكانَ الناسُ يضعِّفونَ ما احتكمَ بهِ ، حتَّى جُعِلَ مثلاً ، يقولونَ :
( أشخُّ(٣) مِنْ صاحبِ الثمانينَ والراعي ) .
وقدْ قالَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: ((ليسَ الخلْفُ أنْ يعدَ الرَّجلُ
الرَّجلَ ومِنْ نِيَِّهِ أنْ يفيَ)) (٤) .
وفي لفظٍ آخرَ : (( إذا وعدَ الرَّجلُ أخاهُ وفي نيَتِهِ أنْ يفيَ فلمْ يجدْ .. فلا
إثمَ عليهِ )) (٥) .
(١) رواه البيهقي في ((دلائل النبوة)) (٣٦٠/١).
(٢) رواه ابن حبان في ((صحيحه)) (٧٢٣)، والحاكم في ((المستدرك)) (٤٠٤/٢) بنحوه .
(٣) في ( ب): ( أقنع )، وفي (ج): (أسمح ) بدل ( أشح ) .
(٤) رواه أبو يعلى في ((مسنده)) ( ٥٣٦٣).
(٥) رواه أبو داوود (٤٩٩٥)، والترمذي (٢٦٣٣)، وفيهما: ( فلم يفِ ) بدل ( فلم يجد ) .
٤٧٧
حن
حن
صں
.حن
كتاب آفات اللسان
ربع المهلكات
الآفة الرابعة عشرة: الكذب في القول واليمين
وهوَ مِنْ قبائحِ الذنوبِ وفواحشِ العيوبِ .
قالَ إسماعيلُ بنُ أوسطَ(١) : سمعتُ أبا بكرِ الصديقَ رضيَ اللهُ عنهُ
يخطبُ بعدَ وفاةِ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ فقالَ : قَامَ فينا رسولُ اللهِ
صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ مقامي هذا عامَ أوَّلَ، ثمَّ بكى فقالَ: ((إِيَّاكُمْ
والكذبَ؛ فإنَّهُ معَ الفجورِ ، وهما في النَّارِ))(٢).
وقالَ أبو أمامةَ: قالَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: ((إنَّ الكذبَ بابٌ
مِنْ أبوابِ النِّفَاقِ ))(٣).
وقالَ الحسنُ : ( كانَ يُقالُ : إنَّ مِنَ النفاقِ اختلافَ السِّرِّ والعلانيةِ ،
والقولِ والعملِ ، والمدخلِ والمخرجِ .
وإِنَّ الأصلَ الذي يُبنى عليهِ النفاقُ الكذبُ)(٤).
ثرة
حن
(١) كذا في جميع النسخ، والصواب - كما نبّه عليه الحافظ العراقي - أوسط بن إسماعيل بن
أوسط البجلي، انظر ((الإتحاف)) (٥١٠/٧).
(٢) رواه ابن ماجه (٣٨٤٩)، وابن أبي الدنيا في ((الصمت وآداب اللسان)) (٤٦٩)
واللفظ له .
ـن؟
(٣) رواه الخرائطي في ((مساوىء الأخلاق)) (١٢١)، ومعناه في حديث: (( آية
المنافق ... )) .
(٤) رواه ابن أبي الدنيا في ((الصمت وآداب اللسان)) ( ٤٨٤).
٤٧٨
ارت
ربع المهلكات
كن
كتاب آفات اللسان
وقالَ عليهِ الصلاةُ والسلامُ : ((كَبُرَتْ خيانةٌ أنْ تحدِّثَ أخاكَ حديثاً هوَ
لكَ بهِ مصدِّقٌ وأنتَ لهُ بهِ كاذبٌ)) (١) .
وقالَ ابنُ مسعودٍ : قالَ النبيُّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: ((لا يزالُ العبدُ
يكذبُ ويتحرَّى الكذبَ حتَّى يُكتبَ عندَ اللهِ كَذَّاباً))(٢).
ومرَّ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ برجلينِ يتبايعانِ شاةٌ ويتحالفانِ ،
يقولُ أحدُهما : واللهِ ؛ لا أنقصُكَ مِنْ كذا وكذا، ويقولُ الآخرُ : واللهِ ؛
لا أزيدُكَ على كذا وكذا، فمرَّ بالشاةِ وقدِ اشتراها أحدُهُما ، فقالَ :
((أوجبَ أحدُهُما بالإثم والكفَّارةِ))(٣).
وقالَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: ((الكذبُ ينقُصُ الرِّزْقَ))(٤)
١٩٠
وقالَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: ((إِنَّ الُّجَّارَ همُ الفُجَّارُ)) ،
فقيلَ: يا رسولَ اللهِ ، أليسَ قدْ أحلَّ اللهُ البيعَ؟ قالَ: ((نعمْ، ولكنَّهُمْ
يحلفونَ فيأثمونَ، ويحدِّثُونَ فيكذبونَ )»(٥) .
وقالَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: ((ثلاثةُ نفرٍ لا يكلِّمُهُمُ اللهُ يومَ القيامةِ
(١) رواه أبو داوود (٤٩٧١) من حديث سفيان بن أسيد رضي الله عنه، وهو عند أحمد في
((المسند)» (١٨٣/٤) من حديث نواس بن سمعان رضي الله عنه .
(٢) رواه البخاري (٦٠٩٤)، ومسلم (٢٦٠٦)، والترمذي ( ١٩٧١) واللفظ له .
(٣) رواه الخرائطي في ((مساوىء الأخلاق)) (١١٦).
(٤) رواه الخرائطي في ((مساوىء الأخلاق)) ( ١١٧ ).
(٥) رواه أحمد في ((المسند)) (٤٢٨/٣)، والحاكم في ((المستدرك)) (٦/٢)،
وفيهما : ( بلى ) بدل ( نعم ) .
٤٧٩
جر
كتاب آفات اللسان
ربع المهلكات
- -----
ولا ينظرُ إليهِمْ : المنَّانُ بعطيَّتِهِ، والمنفقُ سلعتَهُ بالحلِفِ الفاجرِ ، والمسبلُ
إزارَهُ))(١) .
وقالَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: (( ما حلفَ حالفٌ باللهِ فأدخلَ فيها مثل جناح
بعوضةٍ إلاَّ كانَتْ نكتةً في قلبِهِ إلى يومِ القيامةِ))(٢).
وقالَ أبو ذرٍّ: قالَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: ((ثلاثةٌ
يحبُّهُمُ اللهُ: رجلٌ كانَ في فئةٍ فَنَصبَ نْرَهُ حتَّى يُقتَلَ أوْ يفتحَ اللهُ عليهِ أوْ
على أصحابِهِ ، ورجلٌ كانَ لهُ جارُ سُوءٍ يؤذيهِ فيصبرُ على أذاهُ حتَّى يفرِّقَ
بينَهُما موتٌ أو ظَعنٌ، ورجلٌ كانَ معَهُ قومٌ في سفرٍ أوْ سريّةٍ فأطالوا السُّرى
حتَّى أعجبهُمْ أنْ يمشُّوا الأرضَ فنزلُوا، فتنخَى يصلِّي حتَّى يوقظَ أصحابَهُ
للرَّحيلِ، وثلاثةٌ يَشْنَؤُهُمُ اللهُ: التَّاجِرُ - أوِ البَيَّاعُ - الحلَّفُ، والفقيرُ
المختالُ، والبخيلُ المنَّانُ))(٣).
وقالَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ : (( ويلٌ للذي يحدِّثُ فيكذبُ ليضحكَ بهِ
القومَ ، ويلٌ لهُ، ويلٌ لهُ)) (٤).
حن
(١) رواه مسلم ( ١٠٦) .
(٢) رواه الترمذي (٣٠٢٠) ضمن حديث، ومفرداً رواه الخرائطي في (( مساوىء
الأخلاق )) ( ١٢٤ ).
(٣) رواه أحمد في ((المسند)) (١٥١/٥)، والخرائطي في ((مساوىء الأخلاق)) ( ١٢٦ )
بلفظه .
(٤) رواه أبو داوود (٤٩٩٠)، والترمذي (٢٣١٥).
G
٤٨٠