Indexed OCR Text
Pages 321-340
ربع المهلكات كتاب كسر الشهوتين في كلِّ ليلةٍ أُكْرَةً أفطرُ عليها ، فقيلَ لهُ : فالساعةَ كيفَ تأكلُ ؟ قالَ : آكلُ بغيرِ حدٍّ ولا توقيتٍ(١) . ويُحكى عن بعضٍ الرهابينِ أنَّهُمْ قدْ يردُّونَ أنفسَهُمْ إلى مقدارِ درهمٍ مِنَ الطعام(٢) . الدرجةُ الثانيةُ : أَنْ يردَّ نفسَهُ بالرياضةِ في اليوم والليلةِ إلى نصْفٍ مُّدِّ ، وهوَ رغيفٌ وشيءٌ ممَّا يكونُ الأربعةُ منهُ منّا(٣)، ويشبهُ أنْ يكونَ هذا مقدارَ ثلثِ البطنِ في حقِّ الأكثرينَ ، كما ذكرَهُ النبيُّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ ، وهوَ فوقَ اللقيماتِ ؛ لأنَّ هذهِ الصيغةَ في الجمع للقلَّةِ (٤)، فهوَ لما دونَ العشرةِ . وقدْ كانَ ذلكَ عادةَ عمرَ رضيَ اللهُ عنهُ ؛ إذْ كانَ يأكلُ سبعَ لقمٍ ، أَوْ تسعَ لقم(٥) .. الدرجةُ الثالثةُ: أنْ يردَّها إلى مقدارِ المُدِّ ، وهوَ رغيفانٍ ونصفٌ، وهذا (١) قوت القلوب (١٧١/٢). (٢) الدرهم : يساوي ( ٢,٩٧ غ ) . (٣) وهو ما يوزن به رطلان ، لكن يزيد ثلثين ونصف ثلث، إذ نصف المد هو نصف رطل ونصف الثلث، فتأمل. والمن يساوي ( ٢٨٥١,٢غ) تقريباً، والمد يساوي (٧٥٠غ) تقريباً. ((إتحاف)) (٤٠٤/٧). (٤) وفيه أيضاً مع التقليل - المفاد من جمع الألف والتاء - التصغير ؛ لأن لقيمة تصغير لقمة. ((إتحاف)) ( ٧ /٤٠٤ ). (٥) قوت القلوب (١٦٩/٢). ٣٢١ کتاب كسر الشهوتين ربع المهلكات حن يزيدُ على ثلثِ البطنِ في حقِّ الأكثرينَ ، ويكادُ ينتهي إلى ثلثي البطنِ ، ويبقى ثلثٌ للشرابِ ، ولا يبقى شيءٌ للذكرِ، وفي بعضِ الألفاظِ: (( ثلثٌ للذكرِ )) بدلَ قولِهِ (للنَّفَسِ)»(١) . الدرجةُ الرابعةُ: أنْ يزيدَ على المُدِّ إلى المنِّ ، ويشبهُ أنْ يكونَ ما وراءَ المنِّ إسرافاً، مخالفاً لقولِهِ تعالى: ﴿وَلَا شُرِفُواْ﴾ أعني: في حقِّ الأكثرينَ ، فإنَّ مقدارَ الحاجةِ إلى الطعام يختلفُ بالسنِّ والشخصِ والعملِ الذي يشتغلُ بهِ . وههنا طريقٌ خامسٌ لا تقديرَ فيهِ ، ولكنَّهُ موضعُ غلطٍ : وهوَ أنْ يأكلَ إذا صدقَ جوعُهُ ، ويقبضَ يدَهُ وهوَ على شهوةٍ صادقةٍ بعدُ، ولكنَّ الأغلبَ أنَّ مَنْ لمْ يقدِّرْ لنفسِهِ رغيفاً أوْ رغيفينٍ .. فلا يتبيَّنُ لهُ حدُّ الجوع الصادقِ ، ويشتبِهُ عليهِ ذلكَ بالشهوةِ الكاذبةِ (٢). وقدْ ذُكرَ للجوعِ الصادقِ علاماتٌ : ٥ إحداها : ألا تطلبَ النفسُ الأُدْمَ ، بلْ تأكلُ الخبزَ وحدَهُ بشهوةٍ ؛ أيَّ خبزِ كانَ، فمهما طلبَتْ نفسُهُ خبزاً بعينِهِ ، أَوْ طلبَتْ أُدْماً .. فليسَ ذلكَ بالجوع الصادقِ . (١) قوت القلوب (١٦٩/٢). (٢) والفرق بين الصادقة منها والكاذبة : أن الصادقة ما يختل البدن بدونه ، والكاذبة ما لا يختل بدونه. ((إتحاف)) (٤٠٥/٧) . ٣٢٢ ربع المهلكات کتاب کسر الشهوتين وقدْ قيلَ : مِنْ علامتِهِ : أنْ يبصقَ فلا يقعَ الذبابُ عليهِ ؛ أيْ : لا تبقى فيهِ دهنيَّةٌ ولا دسومةٌ ، فيدلُّ ذلكَ على خلوِّ المعدةِ(١). ومعرفةُ ذلكَ غامضٌ ، فالصوابُ للمريدِ أنْ يقدِّرَ معَ نفسِهِ القَدْرَ الذي لا يضعفُهُ عنِ العبادةِ التي هوَ بصددِها ، فإذا انتهى إليهِ .. وقفَ وإنْ بقيَتْ شهوتُهُ . سسـ وعلى الجملةِ : فتقديرُ الطعام لا يمكنُ ؛ لأنَّهُ يختلفُ بالأحوالِ والأشخاصِ . نعمْ ، قدْ كانَ قوتُ جماعةٍ مِنَ الصحابةِ رضيَ اللهُ عنهُم صاعاً مِنْ حنطةٍ في كلِّ جمعةٍ ، فإذا أكلوا التمرَ .. اقتاتوا منهُ صاعاً ونصفاً ، وصاعُ الحنطةِ أربعةُ أمدادٍ ، فيكونُ كلُّ يومٍ قريباً مِنْ نصفٍ مدٍّ، وهوَ ما ذكرنا أنَّهُ قدْرُ ثلثٍ البطنِ ، واحتيجَ في التمرِ إلى زيادةٍ لسقوطِ النوى منهُ . وقدْ كانَ أبو ذرٍّ رضيَ اللهُ عنهُ يقولُ : طعامي في كلِّ جمعةٍ صاعٌ مِنْ شعيرٍ على عهدِ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ ، واللهِ ؛ لا أزيدُ عليهِ شيئاً حتَّى ألقاهُ؛ فإنِّي سمعتُهُ يقولُ: ((أقربُكُمْ مِنِّي مجلساً يومَ القيامةِ وأحتُّكُمْ إليَّ مَنْ ماتَ على ما هوَ عليهِ اليومَ))(٢). (١) قوت القلوب (١٦٥/٢). (٢) رواه أحمد في ((المسند)) (١٦٥/٥)، وأبو نعيم في ((الحلية)) (١٦١/١)، وكلام أبي ذر رضي الله عنه صدر الخبر رواه أبو نعيم في ((الحلية)) (١٦٢/١)، وهو كما ساقه المصنف هنا عند صاحب ((القوت)) (٢ / ١٦٧ ). ٣٢٣ حن کتاب کسر الشهوتين ربع المهلكات وكانَ يقولُ في إنكارِهِ على بعضِ الصحابةِ : ( قد غيَّرْتُمْ، يُنخلُ لكُمُ الشعيرُ ولمْ يكنْ يُنخلُ ، وخبزتُمُ المرقَّقَ ، وجمعتُمْ بينَ إدامينِ ، واختلفَ عليكُمْ بألوانِ الطعام ، وغدا أحدُكُمْ في ثوبٍ وراحَ في آخرَ ، ولمْ تكونوا هكذا على عهدِ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ)(١). وقدْ كانَ قوتُ أهلِ الصُّفَّةِ مُدّاً مِنْ تمرٍ بينَ اثنينٍ في كلِّ يومٍ(٢)، والمُّ رطلٌ وثلثٌ ، ويسقطُ منهُ النوى . وكانَ الحسنُ رحمَهُ اللهُ يقولُ : ( المؤمنُ مثلُ العنيزةِ ، يكفيهِ الكفتُّ مِنَ الحشفِ ، والقبضةُ مِنَ السويقِ ، والجرعةُ مِنَ الماءِ ، والمنافقُ مثلُ السبع الضاري ، بلعاً بلعاً ، وسرطاً سرطاً ، لا يطوي بطنَهُ لجارِهِ ، ولا يؤثرُ أخاهُ بفضْلِهِ ، وجِّهوا هذهِ الفضولَ أمامَكُمْ)(٣). وقالَ سهلٌ : ( لوْ كانَتِ الدنيا دماً عبيطاً .. لكانَ قوتُ المؤمنِ منها حلالاً ؛ لأنَّ أكلَ المؤمنِ عندَ الضرورةِ بقدْرِ القوام فقطْ )(٤) . بريد (١) قوت القلوب (١٦٧/٢). (٢) كما روى ذلك الحاكم في ((المستدرك)) ( ١٥/٣). (٣) قوت القلوب (١٦٧/٢). (٤) قوت القلوب (١٦٧/٢)، والدم العبيط : الخالص الطري ، ومعلوم أن المضطر يحل له أكل الميتة ، والمؤمن في أكله عند أبي عبد الله التستري مضطر على كل حال . ٣٢٤ ربع المهلكات كتاب كسر الشهوتين الوظيفةُ الثانيةُ : في وقتِ الأكلِ ومقدارِ تأخيرِهِ : وفيه أيضاً أربع درجاتٍ : الدرجة العليا : أنْ يطويَ ثلاثةَ أيام فما فوقَها ، وفي المريدينَ مَنْ ردَّ الرياضةَ إلى الطيِّ، لا إلى المقدارِ ، حتَّى انتهى بعضُهُمْ إلى ثلاثينَ يوماً ، وأربعينَ يوماً ، وانتهىُ إليهِ جماعةٌ مِنَ العلماءِ يكثرُ عددُهُمْ، منهُمْ محمدُ بنُ عمرٍو القرنيُّ(١)، وعبدُ الرحمنِ بنُ إبراهيمَ دُحَيمٌ، وإبراهيمُ التيميُّ ، وحجَّاجُ بنُ فرافصةَ، وحفَصٌ العابدُ المصِّيصيُّ، والمسلمُ بنُ سعيدٍ ، وزهيرٌ، وسليمانُ الخوَّاصُ ، وسهلُ بنُ عبدِ اللهِ التُّسْتَرِيُّ ، وإبراهيمُ بنُ أحمدَ الخوَّاصُ(٢). 2. ٨٥٠ وقدْ كانَ أبو بكرِ الصديقُ رضيَ اللهُ عنهُ يطوي ستةً أيام ، وكانَ عبدُ اللهِ بنُ الزبيرِ يطوي سبعةَ أيام ، وكانَ أبو الجوزاءِ صاحبُ ابنِ عباسٍ يطوي سبعاً ، ورُوِيَ أنَّ الثوريَّ وإبراهيمَ بنَ أدهمَ كانا يطويانِ ثلاثاً ثلاثاً(٣) ، كلُّ ذلكَ كانوا يستعينونَ بالجوع على طريقِ الآخرةِ . وقالَ بعضُ العلماءِ : ( مَنْ طوى للهِ أربعينَ يوماً .. ظهرَتْ لهُ قدرةٌ مِنَ الملكوتِ )(٤) أيْ: كُوشفَ ببعضِ الأسرارِ الإلهيةِ . (١) في (أ): (العرني)، وفي (ب): (المغربي) . (٢) قوت القلوب (١٦٥/٢) . (٣) قوت القلوب (١٦٦/٢). (٤) قوت القلوب (١٦٦/٢). ٣٢٥ کتاب کسر الشھوتین ربع المهلكات ----- - وقدْ حُكِيَ أنَّ بعضَ أهلِ هذهِ الطائفةِ مرَّ براهبٍ ، فذاكرَهُ بحالِهِ ، وطمعَ في إسلامِهِ، وتركِ ما هوَ عليهِ مِنَ الغرورِ ، فكلّمَهُ في ذلكَ بكلام كثيرٍ ، إلى أنْ قالَ لهُ الراهبُ : إنَّ المسيحَ كانَ يطوي أربعينَ يوماً ، وإنَّ ذلكَ معجزةٌ لا تكونُ إلا لنبيٍّ أو صدِّيقٍ(١) ، فقالَ لهُ الصوفيُّ: فإنْ طويتُ خمسينَ يوماً .. تتركُ ما أنتَ عليهِ وتدخلُ في دينِ الإسلامِ ، وتعلمُ أنَّهُ حقٌّ وأنَّكَ على باطلٍ ؟ قالَ : نعمْ ، فجلسَ لا يبرحُ إلا حيثُ يراهُ حتَّى طوى خمسينَ يوماً ، ثمَّ قالَ : وأزيدُكَ أيضاً ، فطوى إلى تمام الستينَ ، فتعجَّبَ الراهبُ منهُ، وقالَ : ما كنتُ أظنُّ أنَّ أحداً يجاوزُ المسيحَ ، فكانَ ذلكَ سببَ إسلامِهِ(٢). وهذهِ درجةٌ عظيمةٌ ، قلَّ مَنْ يبلغُها إلا مكاشفٌ محمولٌ شُغِلَ بمشاهدةِ ما قطعَهُ عنْ طبعِهِ وعادتِهِ ، واستوفى نفسَهُ في لذَّتِهِ ، وأنساهُ جوعَهُ وحاجتهُ . الدرجةُ الثانيةُ : أَنْ يطويَ يومينِ إلى ثلاثةٍ ، وليسَ ذلكَ خارجاً عنٍ العادةِ ، بلْ هوَ قريبٌ يمكنُ الوصولُ إليهِ بالجدِّ والمجاهدةِ . الدرجةُ الثالثةُ : وهيَ أدناها : أنْ يقتصرَ في اليوم والليلةِ على أكلةٍ واحدةٍ ، وهذا هوَ الأقلُّ، وما جاوزَ ذلكَ إسرافٌ ومداومةٌ للشبع ، حتَّى لا يكونَ لهُ حالةُ جوع، وذلكَ فعلُ المترفينَ ، وهوَ بعيدٌ مِنَ السنةِ . (١) في النسخ: (لنبي صادق)، وفي ((القوت)): (لنبيّ)، والمثبت من (ق). (٢) قوت القلوب (١٦٦/٢) . ٣٢٦ حن ٠٠٠ .. ربع المهلكات کتاب کسر الشهوتين فقدْ روى أبو سعيد الخدريُّ رضيَ اللهُ عنهُ : أنَّ النبيَّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ كانَ إذا تغذَّى .. لمْ يتعشَّ، وإذا تعشَّى .. لمْ يتغدّ(١). حن. وكانَ السلفُ يأكلونَ في كلِّ يومٍ أكلةً(٢) . وقالَ النبيُّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ لعائشةَ رضيَ اللهُ عنها: ((إِيَّاكِ والسرفَ ؛ فإنَّ أكلتينٍ في يومٍ مِنَ السرفِ ، وأكلةً واحدةً في كلِّ يومينِ إقتارٌ ، وأكلةً في كلِّ يوم قوامٌ بينَ ذلكَ ، وهوَ المحمودُ في كتابِ اللهِ تعالى ))(٣) . ومنِ اقتصرَ في اليوم على أكلةٍ واحدةٍ .. فيُستحبُّ لهُ أنْ يأكلَها سحراً قبلَ طلوع الفجرِ ، فيكونُ أكلُّهُ بعدَ التهُّدِ وقبلَ الصبح ، فيحصلُ لهُ جوعُ النهارِ للصيامِ ، وجوعُ الليلِ للقيامِ ، وخلوُ القلبِ لفراغ المعدةِ ، ورقَّةُ الفكرِ ، واجتماعُ الهمِّ ، وسكونُ النفسِ إلى المعلومِ ، فلا تنازعُهُ قبلَ وقتِهِ . وفي حديثِ عاصمٍ بنِ كليبٍ ، عن أبيهِ ، عن أبي هريرةَ قالَ : ( ما قامَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ قيامَكُمْ هذا قطُّ ، وإنْ كانَ ليقومُ حتَّى تزلعَ قدماهُ، وما واصلَ وصالَكُمْ هذا قطُّ، غيرَ أنَّهُ قدْ أخّرَ الفطرَ إلى السحرِ)(٤). (١) رواه الطبراني في ((مسند الشاميين)) (٦٥٠)، وأبو نعيم في ((الحلية)) (٣٢٣/٣)، وابن عساكر في ((تاريخ دمشق)) ( ٤٢٣/٣٨). (٢) قوت القلوب (١٦٨/٢). (٣) رواه البيهقي في (( الشعب)) (٥٢٧٧) بنحوه . (٤) رواه ابن الأعرابي في ((معجمه)) (١٣٨٤)، وتزلع : تتورم وتتشقق. ٣٢٧ کتاب كسر الشهوتين ربع المهلكات وفي حديثٍ عائشةَ رضيَ اللهُ عنها قالَتْ : ( كانَ النبيُّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ يواصلُ إلى السحرِ)(١) . فإنْ كانَ يلتفتُ قلبُ الصائمِ بعدَ المغربِ إلى الطعام ، وكانَ يشغلُهُ ذلكَ عنْ حضورِ القلبِ في التهجُّدِ .. فالأولى أنْ يقسمَ طعامَهُ نصفينِ ، فإنْ كانَ رغيفينِ مثلاً .. أكلَ رغيفاً عندَ الفطرِ ، ورغيفاً عندَ السحرِ ؛ لتسكنَ نفسُهُ ، ويخفّ عندَ التهجُّدِ بدنُهُ، ولا يشغلَهُ جوعُهُ بالنهارِ لأجلِ تسخُرِهِ ، فيستعينُ بالرغيفِ الأوَّلِ على التهُّدِ ، وبالثاني على الصومِ . ومَنْ كانَ يصومُ يوماً ويفطرُ يوماً .. فلا بأسَ أَنْ يأكلَ يومَ فطرِهِ وقتَ الظهرِ ، ويومَ صومِهِ وقتَ السحرِ . فهذهِ هيَ الطرقُ في مواقيتِ الأكلِ وتقاربِهِ وتباعدِهِ . الوظيفةُ الثالثةُ : في نوعِ الطعامِ وتَرْكِ الإدامِ : حن ؟ وأعلى الطعام مُّ البرِّ، فإنْ نُخلَ .. فهوَ غايةُ الترقُّهِ، وأوسطُهُ شعيرٌ منخولٌ، وأدناهُ شعيرٌ لمْ يُنخلْ، وأعلى الأَدْم اللحمُ والحلاوةُ ، وأدناهُ (١) كذا في ((القوت)) (١٦٦/٢)، ورواه أحمد في ((مسنده)) (٩١/١) من حديث علي رضي الله عنه، وابن خزيمة في ((صحيحه)) (٢٠٧٢) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه ، وعند البخاري ( ١٩٦٣) من حديث أبي سعيد الخدري مرفوعاً: (( لا تواصلوا ، فأيكم إذا أراد أن يواصل .. فليواصل حتى السحر)) . ٣٢٨ ربع المهلكات کتاب کسر الشھوتين الملحُ والخلُّ ، وأوسطُهُ المزوّراتُ بالأدهانِ مِنْ غيرِ لحمٍ . بعد وعادةُ سالكي طريقِ الآخرةِ الامتناعُ مِنَ الإدامِ على الدوامِ ، بلِ الامتناعُ عنِ الشهواتِ ؛ فإنَّ كلَّ لذيذِ يشتهيهِ الإنسانُ وأكلَّهُ .. اقتضى ذلكَ بطراً في نفسِهِ ، وقسوةً في قلبهِ ، وأُنْساً لهُ بلذَّاتِ الدنيا ، حتَّى يألفَها ويكره الموتَ ولقاءَ اللهِ تعالى، وتصيرَ الدنيا جنَّةً في حقِّهِ ، ويكونَ الموتُ سجناً لهُ، وإذا منعَ نفسَهُ عنْ شهواتِها ، وضيَّقَ عليها ، وحرمَها لذَّاتِها .. صارَتِ الدنيا سجناً عليهِ ، ومضيقاً لهُ، فاشتهَتْ نفسُهُ الإفلاتَ منها ، فيكونُ الموتُ إطلاقَها ، وإليهِ الإشارةُ بقولِ يحيى بنِ معاذٍ حيثُ قالَ: ( معاشرَ الصادقينَ ؛ جوِّعوا أنفسَكُمْ لوليمةِ الفردوسِ ؛ فإنَّ شهوةَ الطعام على قدْرِ تجويع النفسِ )(١) . فكلُّ ما ذكرناهُ مِنْ آفاتِ الشبع فإنَّهُ يجري في أكلِ الشهواتِ ، وتناولٍ اللذَّاتِ ، فلا نطوِّلُ بإعادتِهِ ، فلذلكَ يعظمُ الثوابُ في تركِ الشهواتِ مِنَ المباحاتِ ، ويعظمُ الخطرُ في تناولِها ، حتَّى قالَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ : ((شرارُ أمَّتي الذينَ يأكلونَ مخَّ الحنطةِ))(٢) ، وهذا ليسَ بتحريمٍ ، بلْ هوَ مباحٌ على معنى أنَّ مَنْ أَكلَهُ مرَّةً أَوْ مرَّتينٍ .. لمْ يعصِ ، ومَنْ داومَ عليهِ أيضاً .. فلا يعصي بتناولِهِ ، ولكنْ تتربَّى نفسُهُ بالنعيمِ ، فتأنسُ بالدنيا ، (١) أورده الخركوشي في ((تهذيب الأسرار)) (ص٢٦٦). (٢) قال الحافظ العراقي: ( لم أجد له أصلاً). ((إتحاف)) (٤١٢/٧). ٣٢٩ کتاب کسر الشھوتين ربع المهلكات وتألفُ اللذاتِ ، وتسعىُ في طلبها ، فيجرُّها ذلكَ إلى المعاصي ، فهمْ شرارٌ الأمَّةِ ؛ لأنَّ مخَّ الحنطةِ يقودُهُمْ إلى اقتحام أمورٍ ، تلكَ الأمورُ معاصٍ . وقالَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ : (( شرارُ أمَّتي الذينَ غُذُوا بالنعيمِ ، ونبتَتْ عليهِ أجسامُهُمْ، وإنَّما همَّتُهُمْ ألوانُ الطعام وأنواعُ اللباسِ ، ويتشدَّقونَ في الكلام )» (١) . وأوحى اللهُ تعالى إلى موسى عليه السلامُ: ( اذكرْ أَنَّكَ ساكنٌ القبرَ ؛ فإنَّ ذلكَ يمنعُكَ عنْ كثيرٍ مِنَ الشهواتِ ) . وقدِ اشتدَّ خوفُ السلفِ مِنْ تناولِ لذيذِ الأطعمةِ ، وتمرينِ النفسِ عليها، ورأَوا أنَّ ذلكَ علامةُ الشقاوةِ ، ورأوا منْعَ اللهِ تعالى منهُ غايةَ السعادةِ، حتَّى رُوِيَ أَنَّ وهْبَ بنَ منبِّهٍ قالَ : ( التقى ملكانِ في السماءِ الرابعةِ، فقالَ أحدُهُما للآخرِ : مِنْ أينَ ؟ قالَ : أُمرتُ بسَوْقِ حوتٍ مِنَ البحرِ اشتهاهُ فلانٌ اليهوديُّ لعنَهُ اللهُ، وقالَ الآخرُ : أُمرتُ بإهراقِ زيتٍ اشتهاهُ فلانٌ العابدُ ) . .--- ـحر فههذا تنبيهٌ على أنَّ تيسيرَ أسبابِ الشهواتِ ليسَ مِنْ علاماتِ الخيرِ . ولهذا امتنعَ عمرُ رضيَ اللهُ عنهُ مِنْ شربةٍ ماءٍ باردٍ بعسلٍ ، (١) رواه ابن أبي الدنيا في ((الصمت وآداب اللسان)) (١٥٠)، وابن عدي في (( الكامل )) (٣١٨/٥) من حديث السيدة فاطمة عليها السلام، ورواه الطبراني في «الكبير» (١٠٧/٨)، وأبو نعيم في ((الحلية)) (٩٠/٦) من حديث أبي أمامة رضي الله عنه. ٣٣٠ كن دن حن حن محرم ربع المهلكات كتاب كسر الشهوتين وقالَ : ( أعزلوا عنِّي حسابَها)(١). فلا عبادةَ للهِ تعالى أعظمُ مِنْ مخالفةِ النفسِ في الشهواتِ وترِدِ اللذَّاتِ ، كما أوردناهُ في كتابٍ رياضةِ النفسِ . وقدْ روى نافعٌ : أنَّ ابنَ عمرَ رضيَ اللهُ عنهُما كانَ مريضاً ، فاشتهى سمكةٌ طريَّةً، فالتُمسَتْ لهُ بالمدينةِ ، فلمْ تُوجدْ، ثمَّ وُجدَتْ بعدَ كذا وكذا ، فاشتُريَتْ لهُ بدرهمٍ ونصفٍ ، فشُويَتْ وحُملَتْ إليهِ على رغيفٍ ، فقامَ سائلٌ على البابِ ، فقالَ للغلام : لفَّها برغيفِها وادفعْها إليهِ ، فقالَ لهُ الغلامُ : أصلحَكَ اللهُ! قدِ اشتهيتَها منذُ كذا وكذا فلمْ نجدْها ، فلمَّا وجدناها .. اشتريناها بدرهم ونصفٍ ، فنحنُ نعطيهِ ثمنَها ، فقالَ : لفَّها وادفعْها إليهِ ، ثمَّ قالَ الغلامُ للسائلِ : هلْ لكَ أنْ تأخذَ درهماً وتتركَها ؟ قالَ : نعمْ ، فأعطاهُ درهماً وأخذَها . وأتى بها ، فوضعَها بينَ يديهِ وقالَ : قدْ أعطيتُهُ درهماً وأخذتُها منهُ ، فقالَ : لفَّها وادفعْها إليهِ ، ولا تأخذْ منهُ الدرهمَ؛ فإِنِّي سمعتُ رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ يقولُ: ((أَيُّما امرىءٍ اشتهى شهوةً، فردَّ شهوتَهُ وآثرَ بها على نفسِهِ .. غفرَ اللهُ لهُ)) (٢). وقالَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ : ((إذا سددْتُّ كَلَبَ الجوع برغيفٍ وكوزٍ مِنَ (١) رواه أحمد في ((الزهد)) ( ٦٢٨ ). (٢) رواه مع أصل القصة ابنُ عساكر في ((تاريخ دمشق)) (١٤٢/٣١)، ورواه دون ذکر القصة ابنُ عدي في (( الكامل)) (١٢٧/٥). ت ٣٣١ كتاب كسر الشهوتين ربع المهلكات الماءِ القَراحِ .. فعلى الدنيا وأهلِها الدمارُ))(١)، أشارَ إلى أنَّ المقصودَ رةُ ألم الجوع والعطشِ ودفعُ ضررِهما دونَ التنقُّمِ بلذَّاتِ الدنيا . وبلغَ عمرَ رضيَ اللهُ عنهُ أنَّ يزيدَ بنَ أبي سفيانَ يأكلُ أنواعَ الطعامِ ، فقالَ عمرُ لمولىّ لهُ: إذا علمتَ أنَّهُ قدْ حضرَ عشاؤُهُ .. فأعلمْني، فأعلمَهُ ، فدخلَ عليهِ ، فَقُرِّبَ عشاؤُهُ، فأتوهُ بثريدٍ ولحمٍ ، فأكلَ معَهُ عمرُ رضيَ اللهُ عنهُ، ثمَّ قُرِّبَ الشواءُ، وبسطَ يزيدُ يدَهُ، وكفَّ عمرُ يدَهُ، وقالَ : اللهَ اللهَ يا يزيدَ بنَ أبي سفيانَ ، أَطعامٌ بعدَ طعام ؟! والذي نفسُ عمرَ بيدِهِ ؛ لِئِنْ خالفتُمْ عنْ سنِهِمْ .. ليُخالفَنَّ بِكُمْ عنْ طريقِهِمْ (٢). وعنْ يسارِ بنِ نميرٍ قالَ: ( ما نخلتُ لعمرَ دقيقاً قطُ إلا وأنا لهُ عاصٍ )(٣) . ورُوِيَ أنَّ عتبةَ الغلامَ كانَ يعجنُ دقيقَهُ ويجفِّفُهُ في الشمسِ ، ثمَّ يأكلُهُ ويقولُ : ( كسرةٌ وملحُ حتَّى يتهِيَّأَ في الدارِ الآخرةِ الشواءُ والطعامُ الطيِّبُ )(٤). وكانَ يأخذُ الكوزَ ، فيغرفُ بهِ مِنْ حبٍّ كانَ في الشمسِ نهارَهُ ، فتقولُ (١) رواه البيهقي في ((الشعب)) (٩٨٨١)، والديلمي في ((مسند الفردوس)) (٨٣٩٤) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه ، وكَلَب الجوع : شدته وضراوته . (٢) رواه ابن المبارك في ((الزهد)) ( ٥٧٨ ). (٣) رواه ابن المبارك في ((الزهد)) (٥٨٣)، وابن أبي شيبة في ((المصنف)) (٣٥٥٩٤). (٤) رواه أبو نعيم في (( الحلية)) (٢٢٩/٦). ٣٣٢ 1 ربع المهلكات كتاب كسر الشهوتين ٢٠٠٠ مولاةٌ لهُ : يا عتبةُ ؛ لوْ أعطيتَنَي دقيقَكَ فخبزتُهُ لكَ وبرَّدْتُ لكَ الماءَ ؟! فيقولُ لها : يا أمَّ فلانٍ ؛ قَدْ سددتُ عني كَلَبَ الجوع(١). وعنْ شقيقٍ بنِ إبراهيمَ قالَ : لقيتُ إبراهيمَ بنَ أدهمَ بمكَّةَ في سوقِ الليلِ عندَ مولدِ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ وهوَ جالسٌ بناحيةٍ مِنَ الطريقِ يبكي ، فأتيتُ إليهِ وجلستُ عندَهُ، فقلتُ : أيشِ هذا البكاءُ يا أبا إسحاقَ ؟ فقالَ : خيرٌ، فعاودتُهُ مرتينٍ وثلاثاً ، فلمَّا أكثرتُ عليه . . قالَ : يا شقيقُ ؛ أتسترُ عليَّ ؟ فقلتُ : يا أخي ؛ قلْ ما شئتَ ، فقالَ لي : اشتهَتْ نفسي منذُ ثلاثينَ سنةً سِكْباجاً ، فمنعتُها جهدي ، فلمَّا كانَ البارحةَ .. كنتُ جالساً وقدْ غلبَني النعاسُ ، إذا أنا بفتىّ شابٌّ بيدِهِ قدحٌ أخضرُ يعلو منهُ بخارٌ ورائحةٌ سِكْباج ، قالَ : فجمعتُ نهمتي عنهُ، فقرَّبَهُ وقالَ : يا إبراهيمُ ؛ كُلْ ، فقلتُ : ما آكلُ شيئاً قدْ تركتُهُ للهِ تعالى، فقال لي: لِئِنْ أطعمَكَ اللهُ .. تأكلُ ؟ فما كانَ لي جوابٌ إلا أنِّي بكيتُ ، فقالَ لي : كُلْ رحمَكَ اللهُ ، فقلتُ : قدْ أُمرنا ألا نطرحَ في وعائِنا إلا مِنْ حيثُ نعلمُ ، فقالَ لي : كُلْ عافاكَ اللهُ، فإنَّما أعطيتُ ، فقيل لي : يا خضرُ ؛ اذهبْ بهذا وأطعمْ نفسَ إبراهيمَ بنِ أدهمَ ، فقدْ رحمَها اللهُ مِنْ طولِ صبْرِها على ما يحملُها مِنْ منعِها ، اعلمْ يا إبراهيمُ أنَّ سمعتُ الملائكةَ يقولونَ: مَنْ أعطيَ فلمْ يأخذْ .. طلبَ فلمْ يُعطَ، فقلتُ: إنْ كانَ كذلكَ .. فهلأنا بينَ يديكَ لأجلِ (١) هو ضمن الخبر السابق . ٣٣٣ كتاب كسر الشهوتين ربع المهلكات العقدِ معَ اللهِ تعالى، ثمَّ التفتُّ فإذا أنا بفتىّ آخرَ ناولَهُ شيئاً وقالَ : يا خضرُ؛ لقِّمْهُ أَنتَ ، فلمْ يزلْ يلقِّمُني حتَّى شبعتُ ، فانتبهتُ وحلاوتُهُ في فمي . G قالَ شقيقٌ : فقلتُ : أرني كفَّكَ، فأخذتُ بكفيَّ كفَّهُ فقبّلتُها ، وقلتُ : يا مَنْ يطعمُ الجياعَ الشهواتِ إذا صحَّحوا المنعَ ، يا مَنْ يقدحُ في الضميرِ اليقينَ ، يا مَنْ سقى قلوبَهُمْ مِنْ محبَّتِهِ ؛ أترى لشقيقٍ عندَكَ حالاً ؟ ثمَّ رفعتُ يدَ إبراهيمَ بنِ أدهمَ إلى السماءِ وقلتُ: بقدْرِ هذا الكفِّ عندَكَ ، وبقدْرِ صاحبهِ ، وبالجودِ الذي وُجدَ منكَ .. جُدْ على عبدِكَ الفقيرِ إلىُ فضلِكَ وإحسانِكَ ورحمتِكَ وإنْ لمْ يستحقَّ ذلكَ ، قالَ : فقامَ إبراهيمُ ومشى حتَّى دخلنا المسجدَ الحرامَ(١) . ورُوِيّ عَنْ مالكِ بنِ دينارِ : أنَّهُ بقيَ أربعينَ سنةً يشتهي لبناً ، فلمْ يأكلْهُ(٢). وأُهديّ إليهِ يوماً رطبٌ ، فقالَ لأصحابِهِ : كلوا ، فما ذقتُهُ منذُ أربعينَ چ(٣) سنةٌ(٣) . وقالَ أحمدُ بنُ أبي الحواري : اشتهى أبو سليمان الدارانيُّ رغيفاً حارّاً بملحٍ ، فجئتُ بهِ إليهِ، فعضَّ منهُ عضَّةٌ ، ثمَّ طرحَهُ وأقبلَ يبكي ، وقالَ : عَجِلتُ إلى شهوتي بعدَ إطالةِ جهدي ، واشقوتي ، قدْ عزمتُ على التوبةِ ، (١) رواه ابنُ عساكر في ((تاريخ دمشق)) (٣٢٧/٦). (٢) رواه أبو نعيم في ((الحلية)) (٣٦٦/٢). (٣) نقله صاحب ((القوت)). ((إتحاف)) (٤١٤/٧). ٣٣٤ ٥ ربع المهلكات كتاب كسر الشهوتين فأقلني ، قالَ أحمدُ: فما رأيتُهُ أكلَ الملحَ حتَّى لِقِيَ اللهَ تعالى(١). وقالَ مالكُ بنُ ضيغمٍ : مررتُ على سوقِ البصرةِ ، فنظرتُ إلى البقْلِ ، فقالَتْ لي نفسي : لوْ أطعمتَي الليلةَ مِنْ هذا، فأقسمتُ ألا أطعمَها إِيَّاهُ أربعينَ ليلةً . ومكثَ مالكُ بنُ دينارِ بالبصرةِ خمسينَ سنةً ما أكلَ رطبةً لأهلِ البصرةِ ولا بُسرةً قطُّ ، وقالَ : ( يا أهلَ البصرةِ ؛ عشتُ فيكُمْ خمسينَ سنةً ، فما أكلتُ لِكُمْ رطبةً ولا بُسرةً ، فما زادَ فِيكُمْ ما نقصَ منِّي ، ولا نقص مِنِّي ما زادَ فيكُمْ ) ، وقالَ : ( طلقتُ الدنيا منذُ خمسينَ سنةً، اشتهَتْ نفسي لبناً منذُ أربعينَ سنةً، فواللهِ؛ لا أطعمُها حتى ألحقَ باللهِ تعالى)(٢). وقالَ حمَّادُ بنُ أبي حنيفةً : أتيتُ داوودَ الطائيَّ والبابُ مغلقٌ عليهِ ، فسمعتُهُ يقولُ : اشتهيتِ جزراً فأطعمتُكِ جزراً ، ثمَّ اشتهيتِ تمراً .. فَآليتُ ألا تأكليهِ أبداً، فسلّمْتُ ودخلتُ، فإذا هوَ وحدَهُ(٣). ومرَّ أبو حازم يوماً في السوقِ ، فرأى الفاكهةَ ، فاشتهاها ، فقالَ لابنِهِ : اشترِ لنا مِنْ هذهِ الفاكهةِ المقطوعةِ الممنوعةِ ، لعلّنا نذهبُ إلى الفاكهةِ التي (١) رواه ابن عساكر في ((تاريخ دمشق)) (١٣٠/٣٤). (٢) بنحوه رواه ابن عساكر في ((تاريخ دمشق)) (٤٠٥/٥٦ - ٤٠٦)، وذكر ( ثلاثين ) بدل ( خمسين ) . (٣) رواه أبو نعيم في ((الحلية)) (٣٥٠/٧). ٣٣٥ حر کتاب کسر الشهوتين جير ربع المهلكات لا مقطوعةٌ ولا ممنوعةٌ، فلمَّا اشتراها وأتى بها إليهِ .. قالَ لنفسِهِ : قدْ خدعتِيني حتَّى نظرتُ واشتهيتُ ، وغلبتِيني حتَّى اشتريتُ ، واللهِ ؛ لا ذقتيهِ ، فبعثَ بها إلى يتامىُ مِنَ الفقراءِ . وعنْ موسى الأشجِّ أنَّهُ قالَ : ( نفسي تشتهي ملحاً جريشاً منذُ عشرينَ سنةٌ ) . وعنْ أحمدَ بنِ خليفةَ قالَ : ( نفسي تشتهي منذُ عشرينَ سنةً ، ما تطلبُ مِنِّي إلا الماءَ حتَّى تَرْوَى ، فما أرويتُها ) . ورُوِيَ أَنَّ عتبةَ الغلامَ اشتهى لحماً سبعَ سنينَ ، فلمَّا كانَ بعدَ ذلكَ .. قالَ : قدِ استحييتُ مِنْ نفسي أنْ أدافعَها منذُ سبع سنينَ سنةً بعدَ سنةٍ ، فاشترى قطعةً لحمٍ على خبزٍ وشواها ، وتركَها على الرغيفِ ، فلقيّ صبيّاً ، فقالَ لهُ : ألستَ أنتَ ابنَ فلانٍ وقدْ ماتَ أبوكَ ؟ قالَ : بلى ، فناولَهُ إِيَّاهُ، قالوا: وأقبلَ يبكي يقرأ: ﴿وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِِّ، مِسْكِينًا وَيَقِيمًا وَأَسِيرًا﴾، ثمَّ لمْ يذقْهُ بعدَ ذلكَ(١). ومكثَ يشتهي تمراً سنينَ ، فلمَّا كانَ ذاتَ يوم .. اشترى تمراً بقيراطٍ ورفعَهُ إلى الليلِ ليفطرَ عليهِ ، قالَ : فَهبَّتْ ريحٌ شديدةٌ حتَّى أظلمَتِ الدنيا ، ففزِغَ الناسُ ، فأقبلَ عتبةُ على نفسِهِ يقولُ : هذا لجراءتي عليكَ وشرائي (١) رواه أبو نعيم في ((الحلية)) (٢٣٠/٦). ٣٣٦ حنحن ربع المهلكات كتاب كسر الشهوتين التمرَ بالقيراطِ ، ثُمَّ قالَ لنفسِهِ : ما أظنُّ أُخِذَ الناسُ إلا بذنبكِ، عليَّ ألا تذوقیهِ(١) . واشترى داوودُ الطائيُّ بنصفٍ فَلْسٍ بقْلاً ، وبفلسٍ خلاًّ ، وأقبلَ ليلتَهُ كلَّها يقولُ لنفسِهِ: ويلكَ يا داوودُ ؛ ما أطولَ حسابَكَ يومَ القيامةِ ! ثمَّ لمْ يأكلْ بعدَهُ إلا قَفاراً(٢). وقالَ عتبةُ الغلامُ يوماً لعبدِ الواحدِ بنِ زيدٍ : إنَّ فلاناً يصفُ مِنْ نفسِهِ منزلةً ما أعرفُها مِنْ نفسي ، فقالَ : لأنَّكَ تأكلُ معَ خبزِكَ تمراً ، وهو لا يزيدُ على الخبزِ شيئاً ، قالَ : فإنْ أنا تركتُ أكلَ التمرِ .. عرفَتُ تلكَ المنزلةَ ؟ قالَ : نعمْ، وغيرَها ، فأخذَ يبكي ، فقالَ لهُ بعضُ أصحابِهِ : أبكى اللهُ عينَكَ ، أعلى التمرِ تبكي ؟! فقالَ: عبدُ الواحدِ: دعْهُ؛ فإنَّ نفسَهُ قدْ عرفَتْ صدقَ عزمِهِ في التركِ ، وهوَ إذا تركَ شيئاً .. لم يعاودْهُ أبداً(٣). وقالَ جعفرُ بنُ نصيرٍ : أمرَني الجنيدُ أنْ أشتريَ لهُ التينَ الوزيريَّ ، فاشتريتُهُ ، فلما أفطرَ .. أخذَ واحدةٌ فوضعَها في فمِهِ ، ثمَّ ألقاها وجعلَ يبكي ، ثمَّ قالَ : احملْهُ، فقلتُ لهُ في ذلكَ، فقالَ : هتفَ في قلبي هاتفٌ : أما تستحي؟! تركتَهُ مِنْ أجلي ثمَّ تعودُ إليهِ؟!(٤). (١) رواه أبو نعيم في ((الحلية)) (٢٢٨/٦ - ٢٢٩). (٢) أي : خبزاً يابساً وحده . (٣) قوت القلوب (١٧٤/٢). (٤) أورده القشيري في ((رسالته)) (ص٢٧٨). ٣٣٧ كتاب كسر الشهوتين حمــ ربع المهلكات ـحن وقالَ صالحٌ المرِّيُّ : قلتُ لعطاءِ السلميِّ: إنِّي متكلِّفٌ لكَ شيئاً ، فلا تردَّ عليَّ كرامتي ، فقالَ : افعلْ ما تريدُ ، قالَ : فبعثتُ إليهِ معَ ابني شربةً مِنْ سويقٍ قدْ لتتُّهُ بسمْنٍ وعسلٍ ، وقلتُ : لا تبرحْ حتَّى يشربَها ، فشربَها ، فلمَّا كانَ مِنَ الغدِ .. جعلتُ لهُ نحوَها، فردَّها ولمْ يشربْها ، فأتيتُهُ ولمتُهُ على ذلكَ ، وقلتُ : سبحانَ اللهِ! رددتَ عليَّ كرامتي، فلمَّا رأى وجدي لذلكَ .. قالَ: لا يسوءُكَ هذا، إنِّي قدْ شربتُها أوَّلَ مَرَّةٍ ، وقدْ راودتُ نفسي في المرَّةِ الثانيةِ على شرِبِها فلمْ أقدرْ على ذلكَ ، كلَّما أردتُ ذلكَ .. ذكرتُ قولَهُ تعالى: ﴿يَتَجَرَّعُهُ, وَلَا يَكَادُ يُسِيغُهُ وَيَأْتِيهِ الْمَوْتُ مِن كُلّ مَكَانٍ وَمَا هُوَ بِمَيِّتٍ وَمِن وَرَآَبِهِ، عَذَابٌ غَلِظٌ﴾، قالَ صالحٌ : فبكيتُ وقلتُ في نفسي : أنا في وادٍ وأنتَ في وادٍ آخرَ (١). وقالَ السريُّ السقطيُّ: ( نفسي منذُ ثلاثينَ سنةً تطالبُني أنْ أغمسَ جزرةٌ في دِبسٍ فما أطعمتُها )(٢) . ـحر ؟ وقالَ أبو بكرِ الجلاءُ : أعرفُ إنساناً تقولُ لهُ نفسُهُ : أنا أصبرُ لكَ على طيِّ عشرةٍ أيامٍ وأطعمْني بعدَ ذلكَ شهوةً أشتهيها ، فيقولُ لها : لا أريدُ أن تطوي عشرةَ أيامٍ ، ولكنِ اتركي هذهِ الشهوةَ . ورُوِيَ أنَّ عابداً دعا بعضَ إخوانِهِ ، فقرَّبَ إليهِ رُغفاناً ، فجعلَ أخوهُ (١) رواه أبو نعيم في ((الحلية)) (٢١٩/٦). (٢) رواه أبو نعيم في ((الحلية)) (١١٦/١٠)، والقشيري في ((الرسالة)) (ص٢٧٧). ٣٣٨ مئن حر ربع المهلكات كتاب كسر الشهوتين يقلِّبُ الأرغفةَ ليختارَ أجودَها ، فقالَ لهُ العابدُ : مَهْ ، أيَّ شيءٍ تصنعُ ؟ أما علمتَ أنَّ في الرغيفِ الذي رغبتَ عنهُ كذا وكذا حكمةً ، وعملَ فیهِ كذا وكذا صانعاً ، حتَّى استدارَ مِنَ السحابِ الذي يحملُ الماءَ ، والماءِ الذي يسقي الأرضَ ، والرياحِ، والأرضِ، والبهائمٍ ، وبني آدمَ ، حتَّى صارَ إليكَ، ثمَّ أنتَ بعدَ هذا تقلبُهُ ولا ترضى بهِ !! (١). وفي الخبرِ : لا يستديرُ الرغيفُ ويُوضعُ بينَ يديكَ حتَّى يعملَ فيهِ ثلاثُ مئةٍ وستونَ صانعاً ، أوَّلُهُمْ ميكائيلُ عليهِ السلامُ الذي يكيلُ الماءَ مِنْ خزائنِ الرحمةِ ، ثمَّ الملائكةُ التي تزجي السحابَ ، والشمسُ والقمرُ ، والأفلاكُ ، وملائكةُ الهواءِ، ودوابُ الأرضِ، وآخرُ ذلكَ الخبَّارُ، ﴿وَإِن تَعُدُّ واْ نِعْمَتَ اللَِّلَا تُحْصُوهَا﴾(٢). وقالَ بعضُهُمْ : أتيتُ قاسماً الجوعيَّ ، فسألتُهُ عنِ الزهدِ أُّ شيءٍ هوَ ؟ فقالَ : أيَّ شيءٍ سمعتَ فيهِ ؟ فعددتُ أقوالاً، فسكتَ ، فقلتُ: وأيَّ شيءٍ تقولُ أنتَ ؟ فقالَ : اعلمْ أنَّ البطنَ دنيا العبدِ ، فبقدرِ ما يملكُ مِنْ بطنِهِ (١) قوت القلوب (١٦٨/٢). (٢) كذا في ((القوت)) (١٦٩/٢)، وقول المصنف: ( وفي الخبر ) المقصود : وفي الأخبار الإسرائيليات ، وهو زيادة على الخبر السابق الذي رواه وهب بن منبه كما هو مبيَّن في ((القوت))، وقد تقدم مرفوعاً ما رواه الحاكم في ((المستدرك)) (٤/ ١٢٢)، والبيهقي في ((الشعب)) (٥٤٨١): (( أكرموا الخبز؛ فإن الله سخر له بركات السماوات والأرض))، وهو معنى هذا الكلام . ! ٠ -- ـحة 1 44pm ٠٨٠٠ ته ٣٣٩ جن. كتاب كسر الشهوتين ربع المهلكات يملكُ مِنَ الزهدِ ، وبقدر ما يملكُهُ بطنُهُ .. تملكُهُ الدنيا (١). وكانَ بشرُ بنُ الحارثِ قدِ اعتلَّ مرةً ، فسألَ عبد الرحمنِ المتطبِّبَ عنْ شيءٍ يوافقُهُ مِنَ المأكولاتِ ، فقالَ: تسألُني ، فإذا وصفتُ لكَ .. لمْ تقبلْ مِنِّي ! قالَ بشرٌ : فصِفْ لي حثَّى أسمعَ ، قالَ : تشربُ سَكَنْجبيناً ، وتمصُّ سفرجلاً ، وتأكلُ بعدَ ذلكَ إسفيذباجاً ، فقالَ لهُ بشرٌ : هلْ تعلمُ شيئاً أقلَّ مِنَ السكنجبينِ ثمناً يقومُ مقامَهُ؟ قالَ : لا ، قالَ : أنا أعرفُ ، قالَ : ما هوَ ؟ قالَ : الهندبا بالخلِّ ، ثمَّ قالَ : أتعرفُ شيئاً أقلَّ ثمناً مِنَ السفرجلٍ يقومُ مقامَهُ؟ قالَ : لا ، قال : أنا أعرفُ، قالَ : ما هوَ ؟ قالَ : الخرنوبُ الشاميُّ ، قالَ : فتعرفُ شيئاً أقلَّ ثمناً مِنَ الإسفيذباج يقومُ مقَامَهُ ؟ قالَ : لا ، قالَ : أنا أعرفُ، ماءُ الحمصِ بسمْنِ البقرِ في معناهُ، فقالَ لهُ عبدُ الرحمنِ : أنتَ أعلمُ مِنِّي بالطبِّ، فلِمَ تسألُني ؟(٢). فقدْ عرفتَ بهذا أنَّ هؤلاءِ كيفَ امتنعوا منْ أكلِ الشهواتِ ، ومِنَ الشبعِ مِنَ الأقواتِ ، وكانَ امتناعُهُمْ للفوائدِ التي ذكرناها ، وفي بعضِ الأوقاتِ لأنَّهُمْ كانوا لا يصفو لهُمْ الحلالُ ، فلمْ يرخِّصوا لأنفسِهِمْ إلا في قدْرِ ـكن ؟ (١) قوت القلوب (٢/ ١٧٢). (٢) قوت القلوب (١٧٢/٢)، والسكنجبين: المعمول بالخل والعسل ، والإسفيذباج : أصله بالفارسية : أسبيديا ، وهو نوع من الحساء ، وهو الشورباج ، ويعرف بالمسلوقة كذلك . حن - جن حن جرة ٣٤٠