Indexed OCR Text

Pages 141-160

ربع المهلكات
كتاب عجائب القلب
ولكنْ أخبرني عنْ بني آدمَ ، قالَ: همْ عندَنا ثلاثةُ أصنافٍ ؛ أَمَّا صنفٌ
منهُمْ .. فهُمْ أشدُّ الأصنافِ علينا نقبلُ على أحدِهِمْ حتَّى نفتنَهُ ونتمكَّنَ منهُ ،
فيفزعَ إلى الاستغفارِ والتوبةِ ، فيفسدُ علينا كلَّ شيءٍ أدركنا منهُ ، ثمَّ نعودُ
إليهِ ، فيعودُ ، فلا نحنُ نيئسُ منهُ ، ولا نحنُ ندركُ منهُ حاجتَنَا ، فنحنُ منهُ
في عناءٍ ، وأمَّا الصنفُ الآخرُ .. فهُمْ في أيدينا بمنزلةِ الكرةِ في أيدي
صبيانِكُمْ، نتلقفُهُمْ كيفَ شئنا ، قدْ كفونا أنفسَهُمْ، وأمَّا الصنفُ الثالثُ ..
فهُمْ مثلُكَ معصومونَ ، لا نقدرُ منهُمْ على شيءٍ (١) .
چے
فإِنْ قلتَ : فكيفَ يتمثَّلُ الشيطانُ لبعضِ الناسِ دونَ البعضِ ؟ وإذا رأى
صورتَهُ .. فهلْ هيَ صورتُهُ الحقيقيّةُ أَوْ هوَ مثالٌ تمثَّلَ لهُ بهِ ؟ فإنْ كانَ على
صورتِهِ الحقيقيّةِ .. فكيفَ يُرى بصورٍ مختلفةٍ ؟ وكيفَ يُرىُ في وقتٍ واحدٍ
في مكانينِ وعلى صورتينِ ، حتَّى يراهُ شخصانِ بصورتينِ مختلفتينٍ ؟
فاعلمْ : أنَّ المَلَكَ والشيطانَ لهما صورتانِ هيَ حقيقةُ صورتِهما ،
ولا تُدركُ حقيقةُ صورتِهِما بالمشاهدةِ إلا بأنوارِ النبوّةِ ، فما رأى النبيُّ
صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ جبريلَ عليهِ أفضلُ الصلاةِ والسلام في صورتِهِ إلا
مرَّتينِ ، وذلكَ أنَّهُ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ سألَهُ أنْ يرِيَهُ نفسَهُ على صورتِهِ ،
فواعدَهُ بالبقيع ، وظهرَ لهُ بحراءَ ، فسدَّ الأفقَ مِنَ المشرقِ إلى المغربِ ،
(١) رواه أبو نعيم في ((الحلية)) (١٤٨/٨)، وابن عساكر في (( تاريخ دمشق))
(٦٤ /٢٠٥ ) .
ـ
١٤١

٢٥
كتاب عجائب القلب
ربع المهلكات
حن
ورآهُ مرَّةً أخرى على صورتِهِ ليلةَ المعراج عندَ سدرة المنتهىُ(١)، وإنَّما كانَ
يراهُ في صورةِ الآدميِّ غالباً ، فكانَ يراهُ في صورةِ دَحْيَةَ الكلبيِّ ، وكانَ رجلاً
حسنَ الوجهِ(٢) .
والأكثرُ أنَّهُ يُكاشفُ أهلُ المكاشفةِ منْ أربابِ القلوبِ بمثالِ صورتِهِ ،
فيتمثَّلُ الشيطانُ لهُ في اليقظةِ ، فيراهُ بعينِهِ ، ويسمعُ كلامَهُ بأذنِهِ ، فيقومُ ذلكَ
مقامَ حقيقةِ صورتِهِ ، كما ينكشفُ في المنام لأكثرِ الصالحينَ .
وإنَّما المكاشَفُ في اليقظةِ هو الذي انتهى إلى رتبةٍ لا يمنعُهُ اشتغالُ
الحواسِّ بالدنيا عَنِ المكاشفةِ التي تكونُ في المنامِ ، فيرى في اليقظةِ ما يراهُ
غيرُهُ في المنامِ ؛ كما رُوِيَ عنْ عمرَ بنِ عبدِ العزيزِ رحمَهُ اللهُ أنَّ رجلاً سألَ ربَّهُ
عزَّوجلَّ أنْ يريَهُ موضعَ الشيطانِ مِنْ قلبِ ابنِ آدمَ ، فرأى في النومِ جسدَ رجلٍ
شبهَ البلّورِ ، يُرى داخلُهُ مِنْ خارجِهِ ، ورأى الشيطانَ في صورةِ ضفدع قاعدٍ
على منكبِهِ الأيسرِ ، بينَ منكبِهِ وأذنِهِ ، لهُ خرطومٌ طويلٌ دقيقٌ، قدْ أدخلَهُ مِنْ
حن حن حن
(١) رؤيته صلى الله عليه وسلم لجبريل مرتين على حقيقته لا في صورة بشر متمثل له عند
البخاري ( ٤٨٥٥)، ومسلم ( ١٧٧) ولفظه عن عائشة رضي الله عنها : ( ولكنه رأى
جبريل عليه السلام في صورته مرتين)، وعند الترمذي (٣٢٧٨): ( ولكنه رأى
جبريل ، لم يره في صورته إلا مرتين ؛ مرة عند سدرة المنتهى ، ومرّة في جياد له ست
مئة جناح قد سد الأفق ) .
(٢) أما إتيانه عليه السلام في صورة الرجل .. فعند البخاري (٣٢٣٥)، ومسلم ( ١٧٧ )،
وأما إتيانه على صورة دحية رضي الله عنه .. فعند البخاري ( ٣٦٣٤)، ومسلم
( ٢٤٥١ ) .
ژن
١٤٢
مدن

ربع المهلكات
كتاب عجائب القلب
منكبِهِ الأيسرِ إلى قلبِهِ، يوسوسُ إليهِ ، فإذا ذكرَ اللهَ تعالى .. خنسَ (١).
ومثلُ هذا قدْ يشاهدُ بعينِهِ في اليقظةِ ، فقدْ رآهُ بعضُ المكاشفينَ في
صورةِ كلبٍ جاثمٍ على جيفةٍ يدعو الناسَ إليها ، وكانَتِ الجيفةُ مثالَ الدنيا ،
وهذا يجري مَجرى مشاهدةٍ صورتِهِ الحقيقيّةِ؛ فإنَّ القلبَ لا بدّ وأنْ تظهرَ
فيهِ حقيقةٌ مِنَ الوجهِ الذي يقابلُ عالمَ الملكوتِ(٢) ، وعندَ ذلكَ يُشرقُ أثرُهُ
على وجهِهِ الذي يقابلُ عالمَ الملكِ والشهادةِ ؛ لأنَّ أحدَهُما متصلٌ بالآخرِ .
مـ
وقدْ بينًّا أنَّ القلبَ لهُ وجهانِ ؛ وجهٌ إلى عالم الغيبِ ، وهوَ مدخلُ
الإلهامِ والوحي ، ووجهٌ إلى عالم الشهادةِ ، فالذي يظهرُ منهُ في الوجهِ الذي
يلي جانبَ عالمِ الشهادةِ لا يكونُ إلا صورةً متخيَّلَةٌ ؛ لأنَّ عالمَ الشهادةِ كلَّهُ
متخيلاتٌ ، إلا أنَّ الخيالَ تارةً يحصلُ مِنَ النظرِ إلى ظاهرِ عالمِ الشهادةِ
حن
(١) قال الحافظ ابن حجر في ((فتح الباري)) (٥٦٣/٦): (وقد ورد في خبر مقطوع أن
رجلاً سأل ربَّه أن يريه موضع الشيطان ، فرأى الشيطان في صورة ضفدع عند نغض كتفه
الأيسر حذاء قلبه ، له خرطوم كالبعوضة ، أخرجه ابن عبد البر بسند قوي إلى ميمون بن
مهران عن عمر بن عبد العزيز ، فذكره ، وذكره أيضاً صاحب ((الفائق )) في مصنفه في
((م ص ر))، وله شاهد مرفوع عن أنس عند أبي يعلى وابن عدي ولفظه: ((إن الشيطان
واضع خطمه على قلب ابن آدم ... )) الحديث ، وأورد ابن أبي داوود في كتاب
((الشريعة)) من طريق عروة بن رويم: أن عيسى عليه السلام سأل ربَّه أن يريه موضع
الشيطان من ابن آدم ، قال : فإذا برأسه مثل الحية ، واضع رأسه على ثمرة القلب ، فإذا
ذكر العبد ربَّه .. خنس ، وإذا غفل .. وسوس ) .
(٢) وعالم الملكوت تنجلي فيه حقائق الأشياء ؛ لمقابلتها اللوح الذي رسمت فيه تلك
الحقائق بقلم القدرة. ((إتحاف)) (٢٩١/٧).
١٤٣
من حن حن جن عن

كتاب عجائب القلب
ربع المهلكات
بالحسِّ ، فيجوزُ ألا تكونَ الصورةُ على وَفْقِ المعنى، حتَّى يرى شخصاً
جميلَ الصورةِ وهوَ خبيثُ الباطنِ قبيحُ السرِّ ؛ لأنَّ عالمَ الشهادةِ عالمٌ كثيرٌ
التلبيسِ ، أمَّا الصورةُ التي تحصلُ في الخيالِ مِنْ إشراقٍ عالمٍ الملكوتِ على
باطنِ سرِّ القلبِ .. فلا تكونُ إلا محاكيةً للصفةِ وموافقةً لها ؛ لأنَّ الصورةَ
في عالمِ الملكوتِ تابعةٌ للصفةِ وموافقةٌ لها ، فلا جرمَ لا يرى المعنى القبيحَ
إلا بصورةٍ قبيحةٍ ، فيرى الشيطانَ في صورةٍ كلبٍ وضفدعٍ وخنزيرٍ وغيرِها ،
ويرى المَلَكَ في صورةٍ جميلةٍ ، فتكونُ تلكَ الصورةُ عنوانَ المعاني ومحاكيةً
لها بالصدقِ ، ولذلكَ يدلُّ القردُ والخنزيرُ في النوم على إنسانٍ خبيثٍ ،
وتدلُّ الشاةُ على إنسانٍ سليمِ الصدرِ ، وهكذا جميعُ أبوابِ الرؤيا والتعبيرِ ،
وهذهِ أسرارٌ عجيبةٌ ، وهي مِنْ عجائبٍ علومِ القلبِ ، ولا يليقُ ذكرُها بعلمٍ
المعاملةِ ، وإنَّما المقصودُ أنْ تصدِّقَ بأنَّ الشيطانَ ينكشفُ لأربابِ القلوبِ ،
وكذلكَ الملكُ ، تارةً بطريقِ التمثيلِ والمحاكاةِ كما يكونُ ذلكَ في النوم ،
وتارةٌ بطريقِ الحقيقةِ ، والأكثرُ هوَ التمثيلُ بصورةٍ محاكيةٍ للمعنى ، هوَ مثالُ
المعنى ، لا عينُ المعنى ، إلا أنَّهُ يشاهَدُ بالعينِ مشاهدةً محقَّقَةٌ، وينفردُ
بمشاهدتِهِ المكاشَفُ دونَ مَنْ حولَهُ کالنائمِ .
.حن
١٤٤
مئن

ربع المهلكات
كتاب عجائب القلب
بيان ما يؤاخذ به العبد من وساوس القلوب ومحمّها وخواطرها وقصورها
وما يضى عنه ولا يؤاخذ به
اعلمْ : أنَّ هذا أمرٌ غامضٌ، وقدْ وردَتْ فيهِ آياتٌ وأخبارٌ متعارضةٌ
يلتبسُ طريقُ الجمع بينَها إلا على سماسرةِ العلماءِ بالشرع ، فقدْ رُويَ عنِ
النبيِّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ أنَّهُ قالَ: (( عُفِيَ عنْ أمتي ما حدَّثَتْ بهِ نفوسُها ما
لمْ تتكلَّمْ بِهِ أوْ تعملْ بهِ ))(١) .
وقالَ أبو هريرةَ : قالَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: ((إنَّ اللهَ تعالى
يقولُ للحفظةِ : إذا همَّ عبدي بسيئةٍ .. فلا تكتبوها عليهِ ، فإنْ عملَها ..
فاكتبوها سيئةً، وإذا همَّ بحسنةٍ فلمْ يعملُها .. فاكتبوها حسنةً، فإنْ
عملَها .. فاكتبوها عشراً))، وقدْ خرَّجَهُ مسلمٌ والبخاريُّ في
((الصحيحينِ))(٢)، وهوَ دليلٌ على العفوِ عنْ عملِ القلبِ وهمِّهِ بالسيئةِ .
مدن
حن
--
وفي لفظٍ آخرَ : (( مَنْ همَّ بحسنةٍ فلمْ يعملْها .. كُتَبَتْ لهُ حسنةٌ، ومَنْ
(١) رواه البخاري (٥٢٦٩)، ومسلم (١٢٧) من حديث أبي هريرة مرفوعاً بنحوه .
(٢) البخاري (٧٥٠١)، ومسلم (١٢٨)، قال الحافظ الزبيدي في ((إتحافه))
(٢٩٣/٧): (وإنما قدم مسلماً في الذكر نظراً إلى أن سياق اللفظ له ، وإلا ..
فالبخاري مقدم في الذكر لتقدمه في الفضل وفي الزمان ، وربما من يجهل
ما ذكرناه اعترض على المصنف في تقديمه مسلماً على صاحبه ، ونسبه لمخالفة
الاصطلاح ) .
حن حن تن حن كن حر
١٤٥

كتاب عجائب القلب
ربع المهلكات
همَّ بحسنةٍ فعملها .. كُتَبَتْ لهُ إلى سبع مئة ضعفٍ، ومَنْ همَّ بسيئةٍ فلمْ
يعملُها .. لم تُكتبْ عليهِ، وإنْ عملها .. كُتَبَتْ))(١).
وفي لفظٍ آخرَ : (( وإذا تحدَّثَ بأنْ يعملَ سيئةً .. فأنا أغفرُها لهُ ما لمْ
يعملْها)» (٢)، وكلُّ ذلكَ يدلُّ على العفوِ .
فأمَّا ما يدلُّ على المؤاخذةِ: فقولُهُ سبحانَهُ: ﴿وَإِنْ تُبْدُ واْمَا فِىَ أَنْفُسِكُمْ
أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اَللَّهُ فَيَغْفِرُ لِمَن يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَن يَشَآءُ﴾.
وقولُهُ تعالى: ﴿وَلَا نَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ، عِلْمُّ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَاَلْفُؤَادَ كُلُّ
أُوْلَكَ كَانَ عَنَّهُ مَسْئُولًا ﴾، فدلَّ على أنَّ عملَ الفؤادِ كعملِ السمع والبصرِ ،
فلا يُعفى عنهُ .
وقولُهُ تعالى: ﴿ وَلَا تَكْتُمُوْ الشَّهَدِدَةً وَمَن يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ: ءَائِمٌ قَلْبُهُ﴾.
وقولُهُ تعالى: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِلَّغْوِ فِيَّ أَيْمَنِّكُمْ وَلَكِن يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا كَسَبَتْ
قُلُوبُكُمْ﴾ .
٥
والحقُّ عندَنا في هذهِ المسألةِ لا يُوقفُ عليهِ ما لمْ تقع الإحاطةُ بتفصيلٍ
أعمالِ القلوبِ ، مِنْ مبدأٍ ظهورِها إلى أنْ يظهرَ العملُ على الجوارح ،
فنقولُ :
٢
أوَّلُ ما يردُ على القلبِ : الخاطرُ : كما لوْ خطرَ لهُ مثلاً صورةُ امرأةٍ ،
جن
(١) البخاري (٦٤٩١)، ومسلم (١٣١) من حديث ابن عباس رضي الله عنهما.
(٢) هي عند مسلم ( ١٢٩).
١٤٦
ـجرة
2
مکرہ
كن
دں

ربع المهلكات
كتاب عجائب القلب
وأنَّها وراءَ ظهرِهِ في الطريقِ ، لوِ التفتَ إليها .. لرآها
والثاني : هيجانُ الرغبةِ إلى النظرِ : وهوَ حركةُ الشهوةِ التي في الطبع ،
وهذا يتولَّدُ مِنَ الخاطرِ الأوَّلِ، ونسمِّيهِ: ميلَ الطبع، ونُسمِّي الأوَّلَ :
حديثَ النفسِ .
والثالثُ : حكمُ القلبِ بأنَّ هذا ينبغي أنْ يفعلَ : أَيْ : ينبغي أنْ ينظرَ
إليها ؛ فإنَّ الطبعَ إذا مالَ .. لمْ تنبعثِ الهمَّةُ والنيَّةُ ما لمْ تندفع الصوارفُ ؛
فإِنَّهُ قدْ يمنعُهُ حياءٌ أَوْ خوفٌ مِنَ الالتفاتِ ، وعدمُ هذهِ الصوارفِ ربَّما يكونُ
بتأمُّلٍ ، وهوَ على كلِّ حالٍ حكمٌ مِنْ جهةِ العقلِ ، ونُسمِّي هذا : اعتقاداً ،
وهوَ يتبعُ الخاطرَ والميلَ .
ے
الرابعُ : تصميمُ العزم على الالتفاتِ وجزمُ النَّةِ فيهِ : وهذا نسمِّيهِ : همّاً
بالفعلِ ، ونيةً وقصداً، وهذا الهمُّ قدْ يكونُ لهُ مبدأُ ضعيفٌ، ولكنْ إذا
أصغى القلبُ إلى الخاطرِ الأوَّلِ حتَّى طالَتْ مجاذبتُهُ للنفسِ .. تأكَّدَ هذا
الهمُّ، وصارَ إرادةً مجزومةً، فإذا انجزمَتِ الإرادةُ .. فربَّما يندمُ بعدَ
الجزم ، فيتركُ العملَ ، وربَّما يغفُلُ بعارضٍ ، فلا يعملُ بهِ ولا يلتفتُ إليهِ ،
وربَّما يعوّقُهُ عائقٌ، فيتعذَّرُ عليهِ العملُ .
فهلهنا أربعُ أحوالٍ للقلبِ قبلَ العملِ بالجارحةِ : الخاطرُ ؛ وهوَ حديثُ
النفسِ ، ثمَّ الميلُ ، ثمّ الاعتقادُ، ثمَّ الهمُّ، فنقولُ :
١٤٧

كتاب عجائب القلب
يم
ربع المهلكات
أما الخاطرُ : فلا يؤاخذُ بهِ ؛ لأنَّهُ لا يدخلُ تحتَ الاختيارِ ، وكذلكَ
الميلُ وهيجانُ الشهوةِ ؛ لأنَّهما لا يدخلانِ أيضاً تحتَ الاختيارِ ، وهما
المرادانِ بقولِهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: ((عُفِيَ عنْ أمَّتي ما حدَّثَتْ بهِ
نُفُوسُها )» (١) ، فحديثُ النفسِ عبارةٌ عنِ الخواطرِ التي تهجسُ في النفسِ ،
ولا يتبعُها عزمٌ على الفعلِ ، فأمَّا العزمُ والهمُّ .. فلا يُسمَّى حديثَ نفسٍ ،
بلْ حديثُ النفسِ كما رُويَ عنْ عثمانَ بنِ مظعونٍ حيثُ قالَ للنبيِّ صلَّى اللهُ
عليهِ وسلَّمَ : يا رسولَ اللهِ؛ نفسي تحدِّثُني أنْ أطلِّقَ خولةَ، قالَ :
((مهلاً، إنَّ مِنْ سنَّتَي النكاحَ )) ، قالَ : نفسي تحدَّثُني أنْ أجبَّ نفسي،
قالَ: ((مهلاً، خصاءُ أمَّتي دُؤوبُ الصيامِ)) ، قالَ: نفسي تحدِّثُني أن
أترجَّبَ، قالَ: ((مهلاً، رهبانيةُ أمَّتي الجهادُ والحجُّ))، قالَ : نفسي
تحدِّثُني أنْ أتركَ اللحمَ، قالَ: (( مهلاً، فإنِّي أحبُّهُ، ولوْ أصبتُهُ ..
لأكلتُهُ، ولوْ سألتُ اللهَ .. لأطعمَنِيهِ)) (٢).
0
سسـ
(١) رواه البخاري (٥٢٦٩) بنحوه .
(٢) رواه الحكيم في ((نوادر الأصول)) (ص٣٤٦)، وابن الجوزي في (( تلبيس إبليس)»
(ص١٩٥) عن سعيد بن المسيب مرسلاً ، وبعضه متناثر في أحاديث متفرقة ، فعند
البخاري (٥٠٧٤ )، ومسلم ( ١٤٠٢) عن سعد بن أبي وقاص : (رد رسول الله
صلى الله عليه وسلم على عثمان بن مظعون التبتل ، ولو أذن له .. لاختصينا)، وعند
الدارمي (٢٢١٥) عنه كذلك قال : لما كان من أمر عثمان بن مظعون الذي كان من ترك
النساء .. بعث إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: (( يا عثمان ؛ إني لم أومر
بالرهبانية، أرغبت عن سنتي؟!)) قال: لا يا رسول الله، قال: ((إن من سنتي أن
أصلي وأنام، وأصوم وأطعم، وأنكح وأطلق ، فمن رغب عن سنتي .. فليس مني)).
١٤٨
مدن
عن
حن

ربع المهلكات
كتاب عجائب القلب
كن
فهذهِ الخواطرُ التي ليسَ معها عزمٌ على الفعلِ هيَ حديثُ النفسِ ،
ولذلكَ شاورَ رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ ؛ إذْ لمْ يكنْ معَهُ عزمٌ وهمٌّ
بالفعلِ .
وأمَّا الثالثُ وهوَ الاعتقادُ، وحكْمُ القلبِ بأنَّهُ ينبغي أنْ يفعلَ : فهذا
مردّدٌ بينَ أنْ يكونَ اضطراراً أوِ اختياراً ، والأحوالُ تختلفُ فيهِ ، فالاختيارِيُّ
منهُ يُؤاخذُ بهِ ، والاضطراريُّ لا يُؤاخذُ بهِ .
2
حم
وأمَّا الرابعُ وهوَ الهمُّ بالفعلِ: فإنَّهُ مؤاخذٌ بهِ ، إلا أنَّهُ إنْ لمْ يفعلْ .. نُظُرَ؛
فإنْ كانَ قدْ تركَهُ خوفاً مِنَ اللهِ تعالى ، وندماً على همِّهِ .. كُتَبَتْ لهُ حسنةٌ؛ لأنَّ
همَّهُ سيئةٌ، وامتناعَهُ ومجاهدتَهُ نفسَهُ حسنةٌ، والهمُّ علىُ وَفْقِ الطبع ممَّا يدلُّ على
تمامِ الغفلةِ عنِ اللهِ تعالىُ ، والامتناعُ بالمجاهدةِ على خلافِ الطبع يحتاجُ إلى
قوَّةٍ عظيمةٍ ، فجدُّهُ في مخالفةِ الطبع - وهوَ العملُ اللهِ تعالى - أشدُّ مِنْ جدِّهِ في
موافقةِ الشيطانِ بموافقةِ الطبع ، فَكُتِبَ لهُ حسنةٌ ؛ لأنَّهُ رجحَ جهدُهُ في الامتناع
وهمُّه بهِ على همِّهِ بالفعلِ ، وإنْ تعوَّقَ الفعلُ بعائقٍ ، أوْ تركَهُ لعذرٍ ، لا خوفاً
ولابن سعد في « الطبقات)» (٣٦٧/٣) أن ابن مظعون رضي الله عنه قال للنبي صلى الله
=
عليه وسلم : يا رسول الله ؛ إني رجل تشق علي هذه العزبة في المغازي ، فتأذن لي -
يا رسول الله - في الخصاء فأختصي؟ قال: (( لا ، ولكن عليك يا بن مظعون بالصيام ؛
فإنه مجفر)). ولأبي نعيم في ((معرفة الصحابة)) (٤/ ١٩٥٧) عن أنس قال : مات ابن
لعثمان بن مظعون ، فاشتد حزنه عليه حتى اتخذ مسجداً في داره يتعبد فيه ، فقال
رسول الله صلى الله عليه وسلم: (( إنها لم تكتب علينا الرهبانية يا عثمان ، إن رهبانية
أمتي الجلوس في المساجد وانتظار الصلوات، والحج والعمرة ... )) الحديث .
جو
G
١٤٩
D:

كتاب عجائب القلب
ربع المهلكات
مِنَ اللهِ عزَّ وجلَّ .. كتبَتْ عليهِ سيئةٌ ؛ فإنَّ همَّهُ فعلٌ مِنَ القلبِ اختياريٌّ .
والدليلُ على هذا التفصيلِ: ما وردَ في (( الصحيح)) مفصَّلاً في لفظٍ
الحديثِ: قالَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ : (( قالَتِ الملائكةُ عليهِمُ
السلامُ : ربِّ؛ ذاكَ عبدُكَ يريدُ أنْ يعملَ سيئةً - وهوَ أبصرُ بهِ - فقالَ :
أرقبوهُ؛ فإنْ هوَ عملَها .. فاكتبوها لهُ بمثلها، وإنْ تركَها .. فاكتبوها لهُ
حسنةً ، إنَّما تركَها مِنْ جِرَّائي)» (١)، وحيثُ قالَ: (لمْ يعملْها ) أرادَ بهِ :
تركها للهِ ، فأمَّا إذا عزمَ على فاحشةٍ ، فتعذَّرَتْ عليهِ بسببٍ أوْ بغفلةٍ ..
فكيفَ تُكتبُ لهُ حسنةً ؟!
وقدْ قالَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: ((إنما يُحشرُ الناسُ علىَ نَيَّاتِهِمْ))(٢)،
ونحن نعلمُ أنَّ مَنْ عزمَ ليلاً على أنْ يصبحَ ليقتلَ مسلماً ، أو يزنيَ بامرأةٍ ،
فماتَ تلكَ الليلةَ .. ماتَ مصرّاً ، ويُحشرُ علىَ نيَتِهِ ، وقدْ همَّ بسيئةٍ ولمْ
يعملْها .
تن حن حة
والدليلُ القاطعُ فيهِ : ما رُويَ عنِ النبيِّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ أنَّهُ قالَ :
(( إذا التقى المسلمانِ بسيفيهما .. فالقاتلُ والمقتولُ في النارِ)) ، فقيلَ :
يا رسولَ اللهِ؛ هذا القاتلُ، فما بال المقتولِ؟ قالَ: «لأنَّهُ أرادَ قتلَ
صاحبهِ))(٣).
عن حن من حق
(١) رواه مسلم (١٢٩) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه ، ومن جرَّائي: من أجلي.
(٢) رواه ابن ماجه (٤٢٢٩، ٤٢٣٠) من حديث أبي هريرة وجابر رضي الله عنهما.
(٣) رواه البخاري (٣١)، ومسلم (٢٨٨٨) من حديث أبي بكرة الثقفي رضي الله عنه.
١٥٠
مكن
مكن
حن
ف:
فء

ربع المهلكات
600
۴٤.
كتاب عجائب القلب
وهذا نصٌّ في أنَّهُ صارَ بمجرَّدِ الإرادةِ مِنْ أهلِ النارِ ، معَ أَنَّهُ قُتِل
مظلوماً ، فكيفَ يُظْنُّ أنَّ اللهَ لا يؤاخذُ بالنيّةِ والهمّ ؟! بلْ كلُّ همَّ دخلَ تحتَ
اختيارِ العبدِ فهوَ مأخوذٌ بهِ ، إلا أنْ يكفِّرَهُ بحسنةٍ ، ونقضُ العزمِ بالندمِ
حسنةٌ ، فلذلكَ كُتَبَتْ لهُ حسنةً، فأمَّا فوتُ المرادِ بعائقٍ .. فليسَ بحسنةٍ .
كن
وأمَّا الخواطرُ وحديثُ النفسِ وهيجانُ الرغبةِ .. فكلُّ ذلكَ لا يدخلُ
تحتَ الاختيارِ ، فالمؤاخذةُ بهِ تكليفُ ما لا يطاقُ، ولذلكَ لمَّا نزلَ قولُهُ
تعالى: ﴿وَإِن تُبْدُواْمَا فِيَّ أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُم بِهِ اَللَّهُ﴾ .. جاءَ ناسٌ
مِنَ الصحابةِ إلى رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ وقالوا: كُلِّفنا ما لا نطيقُ ،
إِنَّ أحدنا ليحدِّثُ نفسَهُ بما لا يحبُّ أنْ يثبتَ في قلبهِ ، ثمَّ يُحاسبُ بذلكَ ؟!
فقالَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: ((لعلَّكُمْ تقولونَ كما قالتِ اليهودُ: سمعنا
وعصينا؟! قولوا: سمعنا وأطعنا))، فقالوا: سمعنا وأطعنا، فأنزلَ اللهُ
الفرجَ بعدَ سنةٍ بقولِهِ: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾(١).
فظهرَ بهِ أَنَّ كلَّ ما لا يدخلُ تحتَ الوسع مِنْ أعمالِ القلبِ فهوَ الذي
لا يُؤاخذُ بهِ .
فهذا هوَ كشفُ الغطاءِ عنْ هذا الالتباس ، وكلُّ مَنْ يظنُ أنَّ كلَّ
(١) رواه مسلم (١٢٥) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه .
١٥١
شي ش حي حن

كتاب عجائب القلب
ربع المهلكات
ما يجري على القلبِ يُسمَّى حديثَ النفسِ ، ولمْ يفرِّقْ بينَ هذهِ الأقسام
الثلاثةِ .. فلا بدَّ وأنْ يغلطَ .
وكيفَ لا يُؤاخذُ بأعمالِ القلبِ والكبرُ والعجبُ والرياءُ والنفاقُ والحسدُ
وجملةُ الخبائثِ مِنْ أعمالِ القلبِ ؟! بلِ السمعُ والبصرُ والفؤادُ كلُّ أولئكَ
كانَ عنهُ مسؤولاً ؛ أيْ : ما يدخلُ تحتَ الاختيارِ ؟!
فلوْ وقعَ البصرُ بغيرِ اختيارٍ على غيرِ ذي محرمٍ .. لمْ يؤاخذْ بهِ ، فإِنْ
أتبعَها نظرةً ثانيةً .. كانَ مؤاخذاً بها؛ لأنَّهُ مختارٌ ، فكذا خواطرُ القلبِ
تجري هذا المجرى ، بلِ القلبُ أولى بمؤاخذتِهِ ؛ لأنَّهُ الأصلُ ، قالَ
رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: ((التقوى هلهنا)) وأشارَ إلى القلبِ(١).
وقالَ اللهُ تعالى: ﴿لَنْ يَنَالَ اَللَّهَ لُومُهَا وَلَا دِمَآؤُهَا وَلَكِن يَنَالُهُ النَّقْوَى
مِنْكُمْ﴾
وقالَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: ((الإثمُ حوَازُّ القلوبِ))(٢).
حر
(١) رواه مسلم (٢٥٦٤)، وفيه: ( ويشير إلى صدره ثلاث مرات ).
(٢) رواه الطبراني في «الكبير)) (١٤٩/٩)، والبيهقي في (( الشعب)) ( ٦٨٩٢)، وهو
موقوف على عبد الله بن مسعود رضي الله عنه ، وحوازُّ القلوب - بتشديد الزاي - : جمع
حازَّة ، وهي الأمور التي تحزُّ فيها ؛ أي : تؤثر كما يؤثر الحزُّ في الشيء ، وهو ما يخطر
فيها من أن تكون معاصي لفقد الطمأنينة إليها. ورواه شمر (( الإثم حوَّاز القلوب))
بتشديد الواو ؛ أي: يحوزها ويتملكها ويغلب عليها، ويروى (( الإثم حزَّاز القلوب))
بزايين ، الأولى مشددة ، وهي فعّال من الحزّ .
ـحن
١٥٢
سكن كن

ربع المهلكات
كتاب عجائب القلب
وقالَ: ((البرُّ ما اطمأنَّ إليهِ القلبُ وإنْ أفتوكَ وأفتوكَ))(١).
حتَّى إِنَّا نقولُ : إذا حكمَ قلبُ المفتي بإيجابِ شيءٍ وكانَ مخطئاً فيهِ ..
صارَ مثاباً عليهِ ، بلْ مَنْ قدْ ظنَّ أنَّهُ تطهّرَ .. فعليهِ أنْ يصلِّيَ، فإنْ صلَّى ثمَّ
تذكَّرَ أنَّهُ لمْ يتوضَّأُ .. كانَ لهُ ثوابٌ بفعلِهِ، وإنْ تركَ ثمَّ تذكَّرَ(٢) .. كانَ
معاقباً عليهِ ، ومَنْ وجدَ على فراشِهِ امرأةً فظنَّ أنَّها زوجتُهُ .. لمْ يعصِ بوطئِها
وإنْ كانَتْ أجنبيّةً ، وإنْ ظنَّ أنَّها أجنبيةٌ ثمَّ وطئِها .. عصى بوطئِها وإنْ كانَتْ
زوجته .
كلُّ ذلكَ نظراً إلى القلبِ دونَ الجوارحِ .
(١) رواه أحمد في ((المسند)) (٢٢٨/٤)، قال الإمام أبو طالب المكي في «قوت
القلوب)) (١١٥/١) بعد إيراده لهذا الحديث: (فهذا وصف قلب مكاشف بالذكر ،
ونعت نفس ساكنة بمزيد السكينة والبر ) ، فليس هو نعتاً لأي قلب .
(٢) في (أ) : ( فإن تذكر ثم تركه ) .
١٥٣
حن
ـمحة
?

كتاب عجائب القلب
أمر
ربع المهلكات
بيان أن الوسواس حل بصور أن يُقطع بالكلية عند الذكر .. أم لا؟
اعلمْ : أنَّ العلماءَ المراقبينَ للقلوبِ ، الناظرينَ في صفاتِها وعجائبها ..
اختلفوا في هذهِ المسألةِ على خمسٍ فرقٍ :
فقالتْ فرقةٌ : الوسوسةُ تنقطعُ بذكرِ اللهِ عزَّ وجلَّ ؛ لأنَّهُ عليهِ الصلاةُ
والسلامُ قالَ: ((فإذا ذكرَ اللهَ .. خنسَ))(١)، والخنسُ هوَ السكوتُ، فكأنَّهُ
یسکتُ .
وقالتْ فرقةٌ : لا ينعدمُ أصلُهُ ، ولكنْ يجري في القلبِ ولا يكونُ لهُ
أثرٌ ؛ لأنَّ القلبَ إذا صارَ مستوعباً بالذكرِ .. كانَ محجوباً عنِ التأثّرِ
بالوسوسةِ ؛ كالمشغولِ بهمِّهِ ؛ فإنَّهُ قدْ يكلَّمُ ولا يفهمُ وإنْ كانَ الصوتُ يمُ
على سمعِهِ .
وقالتْ فرقةٌ : لا تسقطُ الوسوسةُ ولا أثرُها أيضاً ، ولكنْ تسقطُ غلبتُها
للقلبِ ، فكأنَّهُ يوسوسُ مِنْ بعدٍ وعلى ضعفٍ .
C
حن حزن
وقالتْ فرقةٌ : ينعدمُ عندَ الذكرِ في لحظةٍ ، وينعدمُ الذكرُ في لحظةٍ بها ،
ويتعاقبانِ في أزمنةٍ متقاربةٍ ، يُظَنُّ لتقاربِها أنَّها متساوقَةٌ ، وهيَ كالكرةِ التي
(١) رواه أبو يعلى في ((مسنده)) (٤٣٠١)، وابن عدي في (( الكامل)) (١٨٦/٣)،
وأبو نعيم في (( الحلية)) (٢٨٦/٦) .
شن وح
١٥٤

ربع المهلكات
كتاب عجائب القلب
عليها نقط متفرّقةٌ ؛ فإنَّكَ إذا أدرتَها بسرعةٍ .. رأيتَ النقطَ دوائرَ ؛ لسرعةٍ
تواصلها بالحركةِ .
حن
واستدلَّ هؤلاءِ بأنَّ الخنسَ قدْ وردَ ، ونحنُ نشاهدُ الوسوسةَ معَ الذكرِ ،
ولا وجه لهُ إلا هذا .
وقالتْ فرقةٌ : الوسوسةُ والذكرُ يتساوقانِ في القلب على الدوام تساوقاً
لا ينقطعُ، وكما أنَّ الإنسانَ قدْ يرى بعينيهِ شيئينٍ في حالةٍ واحدةٍ ، فكذلكَ
القلبُ قدْ يكونُ مَجرىّ لشيئينِ، فقدْ قالَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ : (( ما مِنْ عبدٍ
إلَّ ولهُ أربعةُ أعْينِ : عينانٍ في رأسهِ يبصرُ بهما أمرَ دنياهُ ، وعينانِ في قلبِهِ
يبصرُ بهما أمرَ دِينِهِ))(١). وإلى هذا ذهبَ المحاسبيُّ(٢).
بچہ
حن
والصحيحُ عندَنا : أنَّ كلَّ هذهِ المذاهب صحيحةٌ ، ولكنْ كلُّها قاصرةٌ
عنِ الإحاطةِ بأصنافِ الوسواسِ ، وإنَّما نظرَ كلُّ واحدٍ منهُمْ إلى صنفٍ واحدٍ
مِنَ الوسواسِ ، فأخبرَ عنهُ .
والوسواسُ أصنافٌ :
الأَوَّلُ : أنْ يكونَ مِنْ جهةِ التلبيسِ بالحقِّ :
فإِنَّ الشيطانَ قدْ يلِّسُ بالحقِّ، فيقولُ للإنسانِ : ( لا تتركِ التنثُمَ
(١) رواه الديلمي فى (( مسند الفردوس)) (٦٠٤٠) بنحوه .
(٢) ذكر نحو هذا بتفصيل في ((الرعاية)) (ص٢٠٢ -٢٠٥).
١٥٥

كتاب عجائب القلب
ربع المهلكات
باللَّذاتِ ؛ فإنَّ العمرَ طويلٌ ، والصبرَ عنِ الشهواتِ طولَ العمرِ ألمُهُ عظيمٌ ) ،
فعندَ هذا إذا ذكرَ العبدُ عظيمَ حقِّ اللهِ تعالى ، وعظيمَ ثوابِهِ وعقابِهِ ، وقالَ
لنفسِهِ : ( الصبرُ عنِ الشهواتِ شديدٌ ، ولكنَّ الصبرَ على النارِ أشدُّ منهُ، ولا بدَّ
مِنْ أحدِهِما ) ، فإذا ذكرَ العبدُ وعدَ اللهِ تعالى ووعيدَهُ، وجدَّدَ إيمانَهُ ويقينَهُ ..
خنسَ الشيطانُ وهربَ ؛ إذْ لا يستطيعُ أنْ يقولَ لهُ : ( النارُ أيسرُ مِنَ الصبرِ على
المعاصي )، ولا يمكنُهُ أنْ يقولَ : ( المعصيةُ لا تفضي إلى النارِ ) فإنَّ إيمانَةً
بكتابِ اللهِ عزَّ وجلَّ يدفعُهُ عنْ ذلكَ ، فينقطعُ وسواسُهُ .
قہّ
وكذلكَ يوسوسُ إليهِ بالعجْبِ بعملِهِ ، فيقولُ : ( أيُّ عبدٍ يعرفُ اللهَ كما
تعرِفُهُ ، ويعبدُهُ كما تعبدُهُ ؟! فما أعظمَ مكانَكَ عندَ اللهِ تعالى! ) ، فيتذكَّرُ
العبدُ حينئذٍ أنَّ معرفتهُ وقدرتَهُ وقلبَهُ وأعضاءَهُ التي بها علمُهُ وعملُهُ كلُّ ذلكَ
مِنْ خلْقِ اللهِ تعالى ، فمِنْ أينَ يُعجبُ بهِ ؟! فيخسُ الشيطانُ؛ إذْ لا يمكنُهُ
أنْ يقولَ : ( ليسَ هذا مِنَ اللهِ) لأنَّ المعرفةَ والإيمانَ يدفعُهُ .
فهذا نوعٌ مِنَ الوسواسِ ينقطعُ بالكليّةِ عنِ العارفينَ المستبصرينَ بنورِ
الإيمانِ والمعرفةِ .
الصنفُ الثاني : أنْ يكونَ وسواسُهُ بتحريكِ الشهوةِ وهيجانِها :
وهذا ينقسمُ إلى ما يعلمُ العبدُ يقيناً أنَّهُ معصيةٌ ، وإلى ما يظنُّهُ بغالب
الظنِّ .
ـحن
١٥٦
حن حن
....

ربع المهلكات
كتاب عجائب القلب
فإنْ عَلِمَهُ يقيناً .. خنسَ الشيطانُ عنْ تهييج يؤثِّرُ في تحريكِ الشهوةِ ، ولمْ
يخنْ عنِ التهييج، وإنْ كانَ مظنوناً .. فربّما يبقى مؤثِّراً بحيثُ يحتاجُ إلى
مجاهدةٍ في دفعِهِ ، فتكونُ الوسوسةُ موجودةً ، ولكنَّها مدفوعةٌ غيرُ غالبةٍ .
الصنفُ الثالثُ : أنْ تكونَ وسوسةٌ بمجرَّدِ الخواطرِ :
وتذكُّرِ الأحوالِ الغائبةِ ، والتفكُّرِ في غيرِ الصلاةِ مثلاً(١) ، فإذا أقبلَ على
الذكرِ .. تُصوَّرَ أنْ يندفعَ ساعةً ويعودَ ، ويندفعَ ويعودَ ، فيتعاقبُ الذكرُ
والوسوسةُ ، ويُتصوَّرُ أنْ يتساوقا جميعاً، حتَّى يكونَ الفهمُ مشتملاً على فهْمِ
معنى القراءةِ ، وعلى تلكَ الخواطرِ ، كأنَّهُما في موضعينٍ مِنَ القلبِ .
٧٠
وبعيدٌ جداً أنْ يندفعَ هذا الخسُ بالكليّةِ بحيثُ لا يخطرُ ، ولكنَّهُ ليسَ
محالاً؛ إذْ قالَ عليهِ الصلاةُ والسلامُ: ((مَنْ صلَّى ركعتينِ لمْ يحدِّثْ فيهما
نفسَهُ بشيءٍ مِنْ الدنيا .. غُفرَ لهُ ما تقدَّمَ مِنْ ذَنْهِ))(٢)، فلولا أنَّهُ متصوَّرٌ ..
لما ذكرَهُ .
إلا أنَّهُ لا يُتصوَّرُ ذلكَ إلا في قلبِ استولىُ عليهِ الحبُّ ، حتَّى صارَ
كالمستهتَرِ ؛ فإنَّا قدْ نرى المستوعبَ القلبِ بعدوٍّ تأذَّى بهِ قدْ يتفكّرُ بمقدار
(١) أي : يتفكر في غير الصلاة وهو يصلي .
(٢) رواه البخاري (١٦٤)، ومسلم (٢٢٦) بغير زيادة: ( بشيء من الدنيا ) ، وبها رواه
ابن أبي شيبة في ((مصنفه)) ( ٧٧١٣) مرسلاً .
١٥٧
حن جن جن حق حج"جن

كتاب عجائب القلب
ربع المهلكات
ركعتينِ وركعاتٍ في مجادلةِ عدوِّهِ ؛ بحيثُ لا يخطرُ بيالِهِ غيرُ حديثٍ
عدوِّهِ ، وكذلكَ المستغرقُ في الحبِّ قدْ يتفكّرُ في محادثةِ محبوبِهِ بقلبِهِ
ويغوصُ في فكرِهِ بحيثُ لا يخطرُ ببالِهِ غيرُ حديثٍ محبوبِهِ ، ولوْ كلَّمَهُ
غيرُهُ .. لمْ يسمعْ، ولوِ اجتازَ بينَ يديهِ أحدٌ .. لكانَ كأنَّهُ لا يراهُ .
وإذا تُصوِّرَ هذا في خوفٍ مِنْ عدوٍّ، وعندَ الحرصِ على جاهٍ ومالٍ ..
فكيفَ لا يُتصوَّرُ مِنْ خوفِ النارِ والحرصِ على الجنَّةِ ؟! ولكنْ ذلكَ عزيزٌ ؛
الضعفِ الإيمانِ باللهِ تعالى واليومِ الآخرِ .
سيديسـ
وإذا تأمَّلْتَ جملةَ هذهِ الأقسامِ وأصنافِ الوسواسِ .. علمتَ أنَّ لكلِّ
مذهبٍ مِنَ المذاهبِ وجهاً ، ولكنْ في محلِّ مخصوصٍ .
وبالجملةِ : فالخلاصُ مِنَ الشيطانِ في لحظةٍ أوْ ساعةٍ غيرُ بعيدٍ ، ولكنَّ
الخلاصَ منه عمراً طويلاً بعيدٌ جدّاً ، وهو محالٌ في الوجودِ ، ولوْ تخلَّصَ
أحدٌ مِنْ وساوس الشيطانِ بالخواطرِ وتهييج الرغبةِ .. لتخلَّصَ رسولُ اللهِ
صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ ؛ فقدْ رُوِيَ أنَّهُ نظرً إلى علمٍ ثوبِهِ في الصلاةِ ، فلمَّا
سلَّمَ .. رمى بذلكَ الثوبِ وقالَ: ((شغلَني عنِ الصلاةِ)) وقالَ: ((اذهبُوا بهِ
إلى أبي جهمٍ ، وأُتوني بأنبجانيِّهِ ))(١) ، وكانَ في يدِهِ خاتمٌ مِنْ ذهبٍ ، فنظرَ
إليهِ وهوَ على المنبرِ، ثمَّ رمىُ بهِ وقالَ: ((نظرةٌ إليهِ ونظرةٌ إليكُمْ))(٢)،
٤٠
(١) رواه البخاري ( ٣٧٣)، ومسلم (٦٢/٥٥٦) بنحوه .
(٢) رواه النسائي (١٩٤/٨).
١٥٨
جن كن

ربع المهلكات
كتاب عجائب القلب
وكانَ ذلكَ لوسوسةِ الشيطانِ بتحريكِ لذَّةِ النظرِ إلى خاتمِ الذهبِ وعلمٍ
الثوبِ ، وكانَ ذلكَ قبلَ تحريمِ الذهبِ ، فلذلكَ لبسَهُ ثمَّ رمی بهِ .
فلا تنقطعُ وسوسةُ عروضٍٍ الدنيا ونقدِها إلا بالرمي والمفارقةِ ، فما دامَ
يملكُ شيئاً وراءَ حاجتِهِ ولوْ ديناراً واحداً .. لا يدعُهُ الشيطانُ في صلاتِهِ مِنَ
الوسوسةِ في الفكرِ في دينارِهِ ، وأنَّهُ كيفَ يحفظُهُ ، وفيماذا ينفقُهُ، وكيفَ
يخفيهِ حتَّى لا يعلمَ بهِ أحدٌ ، أوْ كيفَ يُظهرُهُ حتَّى يتباهى بهِ ، إلى غيرِ ذلكَ
مِنَ الوساوسِ .
فمَنْ أنشبَ مخالبَهُ في الدنيا ، وطمعَ في أنْ يتخلَّصَ مِنَ الشيطانِ .. كانَ
كمَنِ انغمسَ في العسلِ ، وظنَّ أنَّ الذبابَ لا يقعُ عليهِ ، فهو محالٌ ؛ فالدنيا
بابٌ عظيمٌ لوساوس الشيطانِ، وليسَ لهُ بابٌ واحدٌ ، بلْ أبوابٌ كثيرةٌ .
قالَ حكيمٌ مِنَ الحكماءِ : ( الشيطانُ يأتي ابنَ آدَمَ مِنْ قبلِ المعاصي ،
فإنِ امتنعَ .. أتاهُ مِنْ وجهِ النصيحةِ، حتى يلقيّهُ في بدعةٍ، فإنْ أبى .. أمرَهُ
بالتحرُّجِ والشدَّةِ ، حتَّى يحرِّمَ ما ليسَ بحرام ، فإنْ أبى .. شكَّكَهُ في وضوئِهِ
وصلاتِهِ ، حتَّى يخرجَهُ عنِ العلمِ ، فإنْ أبى .. خفَّفَ عليهِ أعمالَ البرِّ ،
حتَّى يراهُ الناسُ صابراً عفيفاً، فتميلُ قلوبُهُمْ إليهِ ، فيُعجبُ بنفسِهِ ، وبهِ
يهلكُهُ ، وعندَ ذلكَ يشتدُّ لجاجُهُ؛ فإنَّها آخرُ درجةٍ ، ويعلمُ أنَّهُ لوْ
جاوزَها . . أفلتَ منهُ إلى الجنة ) .
١٥٩

كتاب عجائب القلب
ربع المهلكات
ـدرة
بيان سرعة تقلّب القلب، وانقسام القلوب في التَّغِيرِ والتَّات
ـميه
G
اعلمْ : أَنَّ القلبَ - كما ذكرناهُ - تكتنفُهُ الصفاتُ التي ذكرناها ، وتنصبُّ
إليهِ الآثارُ والأحوالُ مِنَ الأبوابِ التي وصفناها ، فكأنَّهُ هدفٌ يُصابُ على
الدوامِ مِنْ كلِّ جانبٍ ، فإذا أصابَهُ شيءٌ يتأثَّرُ بهِ .. أصابَهُ مِنْ جانبٍ آخرَ
ما يضادُّهُ، فتتغيَّرُ صفتُهُ ، فإنْ نزلَ بهِ الشيطانُ ، فدعاهُ إلى الهوى .. نزلَ بهِ
المَلَكُ وصرفَهُ عنهُ، وإنْ جذبَهُ شيطانٌ إلى شرٌّ . . جذبَهُ شيطانٌ آخرُ إلى
غيرِهِ ، وإنْ جذبَهُ ملكٌ إلى خيرٍ .. جذبَهُ آخرُ إلى غيرِهِ ، فتارةً يكونُ متنازعاً
بينَ ملكينٍ ، وتارةً بينَ شيطانينِ ، وتارةً بينَ مَلَكٍ وشيطانٍ ، ولا يكونُ قطّ
مهملاً .
وإليهِ الإشارةُ بقولِهِ تعالى: ﴿ وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَرَهُمْ﴾.
ولا طلاع رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ على عجيبٍ صنْعِ اللهِ تعالى في
عجائبِ القلبِ وتقلُّبهِ .. كانَ يحلفُ بهِ فيقولُ: ((لا ومقلِّب القلوبِ)) (١)،
وكانَ كثيراً ما يقولُ: (( يا مقلِّبَ القلوبِ ؛ ثبّتْ قلبي على دينِكَ))،
قالوا : أوَتخافُ يا رسولَ اللهِ؟ قالَ: « وما يؤمِّنُني والقلبُ بينَ إصبعينٍ مِنْ
أصابعِ الرَّحمنِ يقلِّبُهُ كيفَ يشاءُ؟!)) (٢)، وفي لفظٍ آخرَ: (( إنْ شاءَ أنْ
(١) رواه البخاري (٦٦١٧) عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما .
(٢) رواه الترمذي (٢١٤٠) من حديث أنس رضي الله عنه ، وعند مسلم (٢٦٥٤) من =
حجز حن:
١٦٠
حن
حز