Indexed OCR Text
Pages 761-780
ربع العادات كتاب آداب المعيشة وحُمِلَ إليهِ سبعونَ ألفَ درهمٍ ، فوضعَها على حصيرٍ ، ثمَ قامَ إليها فقسمَها، فما ردَّ سائلاً حتَّى فرغَ منهُ(١) . وجاءَهُ رجلٌ يسألُهُ، فقالَ: (( ما عندي شيءٌ، ولكنِ ابتعْ عليَّ ، فإذا جاءَنا شيءٌ .. قضيناهُ))، فقالَ عمرُ: يا رسولَ اللهِ؛ ما كلَّفَكَ اللهُ ما لا تقدرُ عليهِ ، فكرةَ النبيُّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ ذلكَ، فقالَ الرجلُ : أنفقْ ولا تخشَ مِنْ ذي العرشِ إقلالاً ، فتبسَمَ النبيُّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ ، وعُرفَ السرورُ في وجهِهِ (٢) . ولمَّا قفلَ مِنْ حنينٍ .. جاءَتِ الأعرابُ يسألونَهُ، حتَّى اضطروهُ إلى شجرةٍ، فخطفَتْ رداءَهُ ، فوقفَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ وقالَ : ((أعطوني ردائي ، لوْ كانَ لي عددُ هذهِ العِضاهِ نعماً .. لقسمتُهُ بينَكُمْ، ثمّ لا تجدوني بخيلاً ولا كذاباً ولا جياناً ))(٣). (١) رواه أبو الشيخ في ((أخلاق النبي صلى الله عليه وسلم وآدابه)) (٩٥)، وفي ( أ، ي ) : ( تسعون ألف ) . (٢) رواه الترمذي في ((الشمائل)) ( ٣٥٥)، وأبو الشيخ في (( أخلاق النبي صلى الله عليه وسلم وآدابه)) ( ٩٩ ) . (٣) رواه البخاري (٢٨٢١) من حديث جبير بن مطعم رضى الله عنه. ٧٦١ كتاب آداب المعيشة ربع العادات بيان شجاعة صلى الله عليه وسلم كانَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ أنجدَ الناسِ وأشجعَهُمْ ، قالَ عليٍّ رضيَ اللهُ عنهُ: ( لقدْ رأيتُني يومَ بدرِ ونحنُ نلوذُ بالنبيِّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ وهوَ أقربُنا إلى العدوِّ، وكانَ مِنْ أشدِّ الناسِ يومئذٍ بأساً)(١) . وقال أيضاً: ( كثَّا إذا احمرّ البأسُ، ولقيّ القومُ القومَ .. اتقينا برسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ ، فما يكونُ أحدٌ أقربَ إلى العدوِّ منهُ)(٢). وقيلَ : ( كانَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ قليلَ الكلام ، قليلَ الحديثِ ، فإذا أمرَ الناسَ بالقتالِ .. تشمَّرَ، وكانَ منْ أشدِّ الناس بأساً )(٣). وكانَ الشجاعُ هوَ الذي يقربُ منهُ في الحربِ، لقرِبِهِ مِنَ العدوِّ(٤). (١) رواه أبو الشيخ في (( أخلاق النبي صلى الله عليه وسلم وآدابه)) (١٠٤). (٢) رواه أحمد في ((المسند)) (١٥٦/١)، وأبو الشيخ في ((أخلاق النبي صلى الله عليه وسلم وآدابه)) (١٠٥)، وعند مسلم (١٧٧٦) من حديث البراء بن عازب : ( كنّا - والله - إذا احمر البأس .. نتقي به ، وإن الشجاع منا للذي يحاذي به) يعني النبي صلى الله عليه وسلم . (٣) رواه أبو الشيخ في ((أخلاق النبي صلى الله عليه وسلم وآدابه)) (١٠٦) عن سعيد بن عياض الثمالي . (٤) هذا مفاد من حديث البراء المتقدم تعليقاً، وفيه : (وإن الشجاع منا للذي يحاذي به ) . ٧٦٢ ربع العادات كتاب آداب المعيشة وقالَ عمرانُ بنُ حصينِ : ( ما لقيَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ كتيبةً إلا كانَ أوَّلَ مَنْ يضربُ فيها)(١) . وقالوا : ( كانَ قويّ البطشِ )(٢). ولمَّا غشيَهُ المشركونَ .. نزلَ ، فجعلَ يقولُ : (( أَنا النَّبِيُّ لا كَذِبْ أَنَا أَبْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبْ)) فما رُئِيَ يومئذٍ أحدٌ كانَ أشدَّ منهُ(٣). ٠٥٨ (١) رواه أبو الشيخ في ((أخلاق النبي صلى الله عليه وسلم وآدابه)) (١١٠). (٢) رواه أبو الشيخ في (( أخلاق النبي صلى الله عليه وسلم وآدابه)) (١١٤ ) من رواية أبي جعفر معضلاً بلفظ : ( كان شديد البطش ) . (٣) رواه أبو الشيخ في ((أخلاق النبي صلى الله عليه وسلم وآدابه)) (١١٩) بتمام لفظ المصنف ، وهو عند البخاري (٢٨٦٤)، ومسلم ( ١٧٧٦ ) . ٧٦٣ كتاب آداب المعيشة ربع العادات بيان تواضعه صلى الله عليه وسلم كانَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ أشدَّ الناسِ تواضعاً في علوِّ منصبهِ ، قالَ ابنُ عامرٍ : ( رأيتُهُ يرمي الجمرةَ على ناقةٍ شهباءَ ، لا ضربَ ولا طردَ ، ولا إليكَ إليكَ)(١) . وكانَ يركبُ الحمارَ موكفاً عليهِ قطيفةٌ ، وكانَ معَ ذلكَ يستردفُ (٢). وكانَ يعودُ المريضَ ، ويتبعُ الجنازةَ، ويجيبُ دعوةَ المملوكِ(٣)، ويخصفُ النعلَ ، ويرقعُ الثوبَ ، وكانَ يصنعُ في بيتِهِ معَ أهْلِهِ في ٥(٤) حاجتِهِمْ(٤). وكانَ أصحابُهُ لا يقومونَ لهُ؛ لما عرفوا مِن كراهتِهِ لذلكَ(٥). (١) رواه أبو الشيخ في (( أخلاق النبي صلى الله عليه وسلم وآدابه)) (١٢٠) من حديث قدامة بن عبد الله بن عامر كما ذكره المصنف ، وهو عند الترمذي ( ٩٠٣)، والنسائي (٢٧٠/٥)، وابن ماجه (٣٠٣٥). (٢) روى البخاري (٢٩٨٧)، ومسلم (١٧٩٨) من حديث أسامة بن زيد رضي الله عنهما : أن النبي صلى الله عليه وسلم ركب على حمار على إكاف عليه قطيفة ، وأردف أسامة وراءه . (٣) رواه أبو الشيخ في ((أخلاق النبي صلى الله عليه وسلم وآدابه)) ( ١٢١ )، وقد تقدم نحوه . (٤) رواه أبو الشيخ في (( أخلاق النبي صلى الله عليه وسلم وآدابه)) ( ١٢٢). (٥) تقدم هذا والحديث عنه، وهو عند أبي الشيخ في (( أخلاق النبي صلى الله عليه وسلم وآدابه )) ( ١٢٦ ) . ٧٦٤ ربع العادات كتاب آداب المعيشة وكانَ يمرُّ على الصبيانِ فيسلِّمُ عليهِمْ . وأُّتَيّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ برجلٍ، فَأَرعدَ مِنْ هيبتِهِ، فقالَ: «هوِّنْ عليكَ، فلستُ بملكِ، إنَّما أَنَا ابنُ امرأَةٍ مِنْ قريشٍ تأكلُ القديدَ)) (١) . وكانَ يجلسُ بينَ أصحابِهِ مختلطاً بِهِمْ كأنَّهُ أحدُهُمْ ، فيأتي الغريبُ فلا يدري أيُّهُمْ هوَ حتَّى يسألَ ، حتَّى طلبوا إليهِ أنْ يجلسَ مجلساً يعرفُهُ الغريبُ، فبنوا لهُ دُكَّاناً مِنْ طينٍ فَكانَ يجلسُ عليهِ(٢). وقالَتْ لهُ عائشةُ رضيَ اللهُ عنها : كُلْ - جعلَني اللهُ فداكَ - متكئاً ؛ فإِنَّهُ أهونُ عليكَ، قالَتْ: فأصغى برأسِهِ حتَّى كادَ أَنْ تصيبَ جبهتُهُ الأرضَ ، ثمَّ قالَ: (( بلْ آكلُ كما يأكلُ العبدُ، وأجلسُ كما يجلسُ العبدُ)) (٣). وكانَ لا يأكلُ على خوانٍ ولا فِي سُكُرِّجَةٍ حتَّى لحقَ باللهِ تعالى (٤) وكانَ لا يدعوهُ أحدٌ مِنْ أَصحابِهِ وغيرِهِمْ إِلا قالَ: ((لِيَّيكَ))(٥). (١) رواه أبو الشيخ في ((أخلاق النبي صلى الله عليه وسلم وآدابه)) (١٣٨)، ونحوه عند ابن ماجه (٣٣١٢) من حديث أبي مسعود الأنصاري رضي الله عنه . (٢) تقدم ، ولفظه هنا عند أبي الشيخ في ((أخلاق النبي صلى الله عليه وسلم وآدابه )) ( ١٣٩ ) . (٣) رواه أبو الشيخ في ((أخلاق النبي صلى الله عليه وسلم وآدابه)) ( ١٤٠ ). (٤) رواه أبو الشيخ في ((أخلاق النبي صلى الله عليه وسلم وآدابه)) (١٤١)، وأصله عند البخاري ( ٥٣٨٦ ) ، وقد تقدم . (٥) رواه أبو الشيخ في ((أخلاق النبي صلى الله عليه وسلم وآدابه)) (٢)، وعند النسائي في ((السنن الكبرى)) (١٠٧٩٧) عن محمد بن حاطب قال : تناولتُ قدراً كانت لي ، = جيد ٧٦٥ كتاب آداب المعيشة ربع العادات وكانَ إذا جلسَ معَ الناسِ إنْ تكلَّموا في معنى الآخرةِ .. أخذَ معَهُمْ، وإنْ تحدَّثوا في طعام أو شرابٍ .. تحدَّثَ معَهُمْ، وإنْ تكلَّموا في الدنيا .. تحدَّثَ مَعَهُمْ (١) ؛ رفقاً بهِمْ ، وتواضعاً لهُمْ . وكانوا يتناشدونَ الشعرَ بينَ يديهِ أحياناً ، ويذكرونَ أشياءَ مِنْ أمرٍ الجاهلية، ويضحكونَ ، فيتبسمُ هوَ إذا ضحكوا ، ولا يزجرُهُمْ إلا عنْ حرام (٢) . فاحترقت يدي ، فانطلقت بي أمي إلى رجل جالس ، فقالت له : يا رسول الله ؛ فقال : = (( لبيك وسعديك )) الحديث . (١) رواه أبو الشيخ في ((أخلاق النبي صلى الله عليه وسلم وآدابه)) (٤). (٢) رواه مسلم (٢٣٢٢)، وأبو الشيخ في (( أخلاق النبي صلى الله عليه وسلم وآدابه)) (٦) . ٧٦٦ ربع العادات كتاب آداب المعيشة بيان صورته وخلقه صلّى الله عليه وسلم كانَ مِنْ صفةِ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ في قامتِهِ أنَّهُ لمْ يكنْ بالطويلِ البائنِ ، ولا بالقصيرِ المتردِّدِ ، بلْ كانَ يُنسبُ إلى الرَّبعةِ إذا مشى وحدَهُ ، ومعَ ذلكَ فلمْ يكنْ يماشيهِ أحدٌ مِنَ الناسِ يُنسبُ إِلى الطولِ إلا طالَهُ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ ، ولربما اكتنفَهُ الرجلانِ الطويلانِ فيطولُهُما، فإِذا فارقاهُ .. نُسبا إلى الطولِ، ونُسبَ هوَ عليهِ الصلاةُ والسلامُ إلى الربعةِ، ويقولُ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: (( جُعلَ الخيرُ كلُّهُ فِي الرَّبعةِ))(١). وأمّا لونُهُ : فقدْ كانَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ أزهرَ اللونِ ، ولمْ يكنْ بالآدم ، ولا بالشديدِ البياضِ ، والأزهرُ : هوَ الأبيضُ الناصعُ الذي لا تشوبُهُ صفرةٌ ولا حمرةٌ ولا شيءٌ مِنَ الألوانِ . ماك ونعتَهُ عمُّهُ أبو طالبٍ فقالَ(٢): [من الطويل] ثِمالُ الْيَامَى عِصْمَةٌ لِلأَرامِل (٣) وَأَنْيَضَ يُسْتَسْقَى الْغَمَامُ بِوَجْهِهِ (١) رواه البيهقي في (( دلائل النبوة)) (٢٩٨/١) من حديث عائشة رضي الله عنها ضمن خبر طويل سيأتي تمامه ، وسياق المصنف في هذا البيان عنده ، ورواه أيضاً ابن عساكر في ((تاريخ دمشق)) ( ٣٥٦/٣) من طريق البيهقي . (٢) ديوانه ( ص ٧٥ ) . (٣) رواه البخاري (١٠٠٩)، وابن ماجه (١٢٧٢)، والثمال: العِماد والملجأ، والعصمة : ما يعتصم به ويتمسك . ٧٦٧ حرة ـرة كتاب آداب المعيشة ربع العادات ونعتَهُ بعضُهُمْ بأنَّهُ مشربٌ بحمرةٍ ، فقالَ : إنَّما كانَ المشربُ منهُ بالحمرةِ ما ظهرَ للشمسِ والرياحِ ؛ كالوجهِ والرقبة ، والأزهرُ الصافي عنِ الحمرةِ ما تحتَ الثيابِ منهُ . وكانَ عرقُهُ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ في وجهِهِ كاللؤلؤِ أطيبَ مِنَ المسكِ الأَذْفَرِ. وأمَّا شعرُهُ : فقدْ كانَ رجْلَ الشعرِ حسنَهُ، ليسَ بالسبْطِ ، ولا الجعْدِ القِطَطِ، وكانَ إذا مشطَهُ بالمشطِ .. يأتي كأنَّهُ حُبُكُ الرمْلِ (١). وقيلَ : كانَ شعرُهُ يضربُ منكبيهِ ، وأكثرُ الروايةِ أنَّهُ كانَ إلى شحمةِ أذنيهِ . وربَّما جعلَهُ غدائرَ أربعاً تخرجُ كلُّ أَذُنِ مِن بينِ غديرتينٍ ، وربَّما جعلَ شعرَهُ على أذنيهِ ، فتبدو سوالفُهُ تتلألأُ . وكانَ شَيْئُهُ في الرأسِ واللحيةِ سبعَ عشرةَ شعرةً ، ما زادَ على ذلكَ . وكانَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ أحسنَ الناسِ وجهاً وأنورَهُمْ، لمْ يصفْهُ واصفٌ إلا شبَّهَهُ بالقمرِ ليلةَ البدرِ ، وكانَ يُرى رضاهُ وغضبُهُ في وجهِهِ لصفاءِ بشرتِهِ ، وكانوا يقولونَ : هوَ كما وصفَهُ صاحبُهُ أبو بكرِ الصديقُ رضِيَ اللهُ عنه حيثُ يقولُ(٢): [من الوافر ] أَمِينٌ مُصْطَفىٌ لِلْخَيْرِ يَدْعُو كَضَوْءِ الْبَدْرِ زايَلَهُ الظَّلامُ (١) أي : فيه شيء لطيف من التكسر . (٢) ديوانه ( ص ٣٦). ٧٦٨ ربع العادات كتاب آداب المعيشة وكانَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ واسعَ الجبهةِ ، أزجَّ الحاجبينِ سابغَهُما ، وكانَ أبلجَ ما بينَ الحاجبينِ ، كأنَّ ما بينَهُما الفضةُ المخلصةُ . حن وكانَتْ عيناهُ نجلاوينِ أدعجَهُما ، وكانَ في عينيهِ تمزُّجٌ منْ حمرةٍ ، وكانَ أهدبَ الأشفارِ ، حتَّى تكادُ تلتبسُ مِنْ كثرتِها . وكانَ أقنى العِرنينِ ؛ أيْ : مستويّ الأنفِ . وكانَ مفلَّجَ الأسنانِ ؛ أيْ : متفرُقَها ، وكانَ إذا افترَّ ضاحكاً .. افترَّ عنْ مثلِ سنا البرقِ إذا تلألاً . وكانَ مِنْ أحسنِ عبادِ اللهِ شفتينِ ، وألطفِهِمْ ختْمَ فمٍ . وكانَ سهلَ الخدَّينِ صلبَهُما، ليسَ بالطويلِ الوجهِ ولا المُكَلْثَمِ(١) ، كثَّ اللحيةِ ، وكانَ يعفي لحيتَهُ ويأخذُ منْ شارِبِهِ . وكانَ أحسنَ عبادِ اللهِ عنقاً ، لا يُنسبُ إلى الطولِ ولا إلى القصرِ ، ما ظهرَ مِنْ عنقِهِ لِلشمسِ والرياحِ فكأنَّهُ إبريقُ فضَّةٍ مشربٌ ذهباً ، يتلألأُ فى بياضِ الفضةِ وفي حمرةِ الذهبِ . وكانَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ عريضَ الصدرِ ، لا يعدو لحمُ بعضٍ بدِهِ بعضاً ، كالمرايا في استوائِهِ ، وكالقمرِ في بياضِهِ(٢)، موصولَ ما بينَ ليَِّهِ (١) المكلثم : المدور الوجه . (٢) وعبارة البيهقي في ((دلائل النبوة)) (٣٠٤/١): (وكان عريض الصدر ممسوحه ، كأنه المرايا في شدتها واستوائها ، لا يعدو بعض لحمه بعضاً ، على بياض القمر ليلة البدر ) . ٧٦٩ كتاب آداب المعيشة ربع العادات وسرَّتِهِ بشعرٍ منقادٍ كالقضيبِ ، لمْ يكنْ في صدرِهِ ولا بطنِهِ شعرٌ غيرُهُ . وكانتْ لهُ عُكَنٌ ثلاثٌ يغطِّي الإزارُ منها واحدةٌ ويظهرُ اثنتانٍ (١). وكانَ عظيمَ المنكبينِ أشعرَهُما ، ضخمَ الكراديسِ ؛ أيْ : رؤوسٍ العظامِ مِنَ المنكبينِ والمرفقينِ والوَرِكَينِ . وكانَ واسعَ الظهرِ ، ما بينَ كتفيهِ خاتمُ النبوَّةِ ، وهوَ ممَّا يلي منكبَهُ الأيمنَ ، فيهِ شامةٌ سوداءُ تضربُ إلى الصفرةِ ، حولَها شعراتٌ متوالياتٌ كأنَّها مِنْ عُرْفِ فرسٍ . وكانَ عَبْلَ العضدينِ والذراعينِ ، طويلَ الزَّنْدينِ ، رَحْبَ الراحتينِ ، سائلَ الأطرافِ ، كأنَّ أصابعَهُ قضبانُ الفضَّةِ، كفُّهُ ألينُ مِنَ الخزِّ ، كأنَّ كفَّهُ كفتُّ عطَّارٍ طيباً ، مسَّها بطيبٍ أوْ لمْ يمسَّها ، يصافحُهُ المصافحُ فيظلُّ يومَهُ يجدُ ريحَها ، ويضعُ يدَهُ على رأسِ الصبيِّ فيُعرفُ مِنْ بينِ الصبيانِ بريحِها على رأسِهِ . وكانَ عَبْلَ ما تحتَ الإزارِ مِنَ الفخذِ والساقِ . وكانَ معتدلَ الخَلْقِ في السمنِ ، بدنَ في آخرِ زمانِهِ ، وكَانَ لحمُهُ متماسكاً يكادُ يكونُ على الخلقِ الأوَّلِ لمْ يضرُّهُ السمنُ . ـحر وأمَّا مشيُّهُ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ : فكانَ يمشي كأنَّما يتقلَّعُ مِنْ صخرٍ ، ـحن ـكن (١) وعند البيهقي روايتان، فقال زيادة على ما هنا: ( ومنهم من قال : يغطي الإزار منها ثنتين وتظهر واحدة ، تلك العكن أبيض من القباطي المطواة وألين مسّاً) . ٧٧٠ ربع العادات كتاب آداب المعيشة وينحدرُ مِنْ صببٍ ، يخطو تكفّياً ، ويمشي الهوينى بغيرِ تبخترٍ : والهوينى : تقاربُ الخطا . وكانَ عليهِ الصلاةُ والسلامُ يقولُ: ((أنا أشبهُ النّاسِ بآدمَ عليهِ السلامُ، وكانَ أبي إبراهيمُ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ أشبهَ النّاسِ بي خَلْقاً وخُلُقاً)(١) . وكانَ يقولُ : ((إنَّ لي عندَ ربِّي عشرةَ أسماءٍ : أنا محمَّدٌ ، وأنا أحمدُ ، وأنا الماحي الّذي يمحو اللهُ بي الكفرَ، وأنا العاقبُ الذي ليسَ بعدَهُ أحدٌ ، وأنا الحاشرُ يحشرُ اللهُ العبادَ على قدمي، وأنا رسولُ الرّحمةِ ، ورسولُ التّوبةِ، ورسولُ الملاحمِ، والمقفِّي قفيتُ النّاسَ جميعاً، وأنا قُثَمُ))(٢)، قال أبو البختري : والقئمُ : الكاملُ الجامعُ ، واللهُ أعلمُ . (١) هنا تمَّ الحديث الذي ابتدأ ببداية البيان الذي ساقه المصنف، وهذا الحديث قطعة منه، وقد تصرف المصنف رحمه الله تعالى ببعض ألفاظه ، وسبقت الإشارة إلى تخريجه . (٢) رواه ابن عدي في (( الكامل)) (٦٤/٧)، ونحوه بزيادة ونقص عند ابن عساكر في ((تاريخ دمشق)) (٢٨/٣) عن أبي الطفيل وقال: ( حفظت منها ثمانية) ، وذكر سيف بن وهب أن أبا جعفر قال : ( إن الاسمين الباقيين يس وطه ) . وعند البخاري (٣٥٣٢)، ومسلم (٢٣٥٤) مرفوعاً: (( لي خمسة أسماء: أنا محمد ، وأحمد ، وأنا الماحي الذي يمحو الله به الكفر ، وأنا الحاشر الذي يحشر الناس على قدمي، وأنا العاقب)). وعند مسلم ( ٢٣٥٥) عن أبي موسى الأشعري قال : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يسمي لنا نفسه أسماء فقال: « أنا محمد ، وأحمد ، والمقفي ، والحاشر ، ونبي التوبة ، ونبي الرحمة)) . ٧٧١ كتاب آداب المعيشة ربع العادات بيان معجزاته وآياته الدالّة على صدقه صلّى الله عليه وسلم اعلمْ : أنَّ مَنْ شاهدَ أحوالَهُ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ ، أَوْ أصغى إلى سماعِ أخبارِهِ المشتملةِ على أخلاقِهِ ، وأفعالِهِ وأحوالِهِ ، وعاداتِهِ وسجاياهُ ، وسياستِهِ لأصنافِ الخلقِ ، وهدايتِهِ إلى ضبطِهِمْ وتألْفِهِ أصنافَ الخلقِ ، وقودِهِ إِيَّاهُمْ إلى طاعتِهِ ، معَ ما يُحكى مِنْ عجائبِ أجوبتِهِ في مضايقٍ الأسئلةِ ، وبدائع تدبيراتِهِ في مصالحِ الخلقِ ، ومحاسنِ إشاراتِهِ في تفصيلٍ ظاهرِ الشرع ، الذي يعجزُ الفقهاءُ والعقلاءُ عنْ إدراكِ أوائلِ دقائقِها في طولٍ أعمارِهِمْ .. لمْ يبقَ لهُ ريبٌ ولا شكّ في أنَّ ذلكَ لمْ يكنْ مكتسباً بحيلةٍ تقومُ بها القوَّةُ البشريَّةُ، بلْ لا يُتصوَّرُ ذلكَ إلا بالاستمدادِ مِنْ تأييدٍ سماويٍّ وقوَّةٍ إلىهيّةٍ، وأنَّ ذلكَ كلَّهُ لا يُتصوَّرُ لكذَّابٍ ولا ملِّسٍ، بلْ كانَتْ شمائلُهُ وأحوالُهُ شواهدَ قاطعةً بصدقِهِ ، حتَّى إِنَّ العربيَّ القُحَّ كانَ يراهُ فيقولُ : ( واللهِ؛ ما هذا وجهَ كذَّابٍ)(١) ، فكانَ يشهدُ لهُ بالصدْقِ بمجرَّدٍ شمائلِهِ ، فكيفَ مَنْ شاهدَ أخلاقَهُ ، ومارسَ أحوالَهُ في جميع مصادرِهٍ ومواردِهِ ؟! وإنَّما أوردْنا بعضَ أخلاقِهِ لتُعرفَ محاسنُ الأخلاقِ ، وليُنَّهَ لصدقِهِ (١) روى الترمذي (٢٤٨٥)، وابن ماجه (١٣٣٤) عن عبد الله بن سلام رضي الله عنه قال : ( فلما استثبتُ وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم .. عرفت أن وجهه ليس بوجه كذاب ) . ٧٧٢ ربع العادات كتاب آداب المعيشة صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ وعلوٍّ منصبهِ ومكانتِهِ العظيمةِ عندَ اللهِ تعالى ؛ إذْ آتَاهُ اللهُ جميعَ ذلكَ ، وهوَ رجلٌ أميٌّ لم يمارسِ العلمَ ، ولمْ يطالع الكتبَ ، ولمْ يسافر قطَّ في طلبٍ علمٍ ، ولمْ يزلْ بينَ أظهرِ الجهَّالِ مِنَ الأعرابِ يتيماً ضعيفاً مستضعفاً ، فمِنْ أينَ حصلَ لَهُ مِنْ محاسنِ الأخلاقِ والآدابِ ومعرفةٍ مصالح الفقْهِ مثلاً فقطْ دونَ غيرِهِ مِنَ العلومِ فضلاً عنْ معرفتِهِ باللهِ تعالى وملائكتِهِ وكتبهِ ، وغيرِ ذلكَ مِنْ خواصِّ النبوَّةِ .. لولا صريحُ الوحي؟! ومِنْ أينَ للبشرِ الاستقلالُ بذلكَ ؟! فلو لمْ يكنْ لهُ إلا هذهِ الأمورُ الظاهرةُ . . لكانَ فيهِ كفايةٌ . وقدْ ظهرَ مِنْ آياتِهِ ومعجزاتِهِ ما لا يستريبُ فيهِ محصِّلٌ ، فلنذكرْ مِنْ جملتِها ما استفاضَتْ بهِ الأخبارُ ، واشتملَتْ عليهِ الكتبُ الصحيحةُ ، إشارةً إلى مجامعِها مِنْ غيرِ تطويلٍ بحكايةِ التفصيلِ . فقدْ خرقَ اللهُ العادةَ على يدِهِ غيرَ مرَّةٍ ؛ إذْ شقَّ لهُ القمرَ بمكَّةَ لمَّا سألتْهُ قريشٌ آيةً(١). وأطعمَ النفرَ الكثيرَ في منزلِ جابرٍ (٢) ، وفي منزلِ أبي طلحةَ، ويومَ الخندقِ(٣) . (١) رواه البخاري (٣٦٣٦، ٣٨٦٨)، ومسلم (٢٨٠٠، ٢٨٠٢). (٢) رواه البخاري (٤١٠١، ٤١٠٢)، ومسلم (٢٠٣٩). (٣) رواه البخاري (٣٥٧٨)، ومسلم (٢٠٤٠). ٧٧٣ ـدر كتاب آداب المعيشة ربع العادات ومرَّةً أطعمَ ثمانينَ مِنْ أربعةِ أمدادِ شعيرٍ وعناقٍ ، وهوَ مِنْ أولادِ المعزِ فوقَ العتودِ (١). ومرَّةً أكثرَ مِنْ ثمانينَ رجلاً مِنْ أقراصٍ شعيرٍ حملها أنسٌ في يدِهِ (٢). ومزَّةُ أهلَ الجيشِ مِنْ تمرٍ يسيرٍ ساقَتْهُ بنتُ بشيرٍ في يدِها ، فأكلوا كلُّهُمْ حتَّى شبعوا مِنْ ذلكَ وفضلَ لَهُمْ(٣) . ونبعَ الماءُ مِنْ بينِ أصابعِهِ عليهِ الصلاةُ والسلامُ ، فشربَ أهلُ العسكرِ كلُّهُمْ وهمْ عطاشٌ ، وتوضَّؤُوا مِنْ قدحٍ صغيرٍ ضاقَ عنْ أنْ يبسطَ عليهِ الصلاةُ والسلامُ يدَهُ فيهِ (٤) . وأهراقَ عليهِ الصلاةُ والسلامُ وضوءَهُ في عينٍ تبوكَ ولا ماءَ فيها ، ومَرَّةٌ (١) كذا في النسخ: ( ثمانين)، والصواب : ثمان مئة كما يدل له سياق القصة . ((إتحاف)) ( ١٦٧/٧)، قال الحافظ العراقي: (رواه الإسماعيلي في ((صحيحه )"، ومن طريقه البيهقي في ((الدلائل)) [٤٢٢/٣] من حديث جابر ، وفيه: إنهم كانوا مئة أو ثلاث مئة ، وهو عند البخاري دون ذكر العدد ، وفي رواية لأبي نعيم: وهم ألف ) ، وقوله : ( مرة) فيما يأتي : إشارة إلى زمن غزوة الخندق . (٢) رواه مسلم (٢٠٤٠) من حديث أنس رضي الله عنه . (٣) رواه البيهقي في ((دلائل النبوة)) (٤٢٧/٣) من حديث ابنة بشير بن سعيد ، وكان ذلك مع أهل الخندق . (٤) نبع الماء الشريف من بين أصابعه صلى الله عليه وسلم لوضوء أصحابه رضي الله عنهم عند البخاري (١٦٩)، ومسلم (٢٢٧٩) من حديث أنس رضي الله عنه ، وحديث شربهم وهم عطاش عند البخاري (٣٥٧٦)، ومسلم ( ١٨٥٦) من حديث جابر رضي الله عنه . ٧٧٤ ربع العادات كتاب آداب المعيشة أخرى في بئرِ الحديبيةِ فجاشتا بالماءِ ، فشربَ مِنْ عينِ تبوكَ أهلُ الجيشِ وهمْ ألوفُ حتَّى رووا ، وشربَ مِنْ بئرِ الحديبيةِ ألفٌ وخمسُ مئةٍ ، ولمْ يكنْ فيها قبلَ ذلكَ ماءٌ(١) . وأَمَرَ عليهِ الصلاةُ والسلامُ عمرَ بنَ الخطابِ رضيَ اللهُ عنهُ أنْ يزوِّدَ أربعَ مئةِ راكبٍ مِنْ تمرِ كانَ في اجتماعِهِ کربضةِ البعيرِ ، وهوَ موضعُ بروكِهِ ، فزوَّدَهُمْ كلَّهُمْ منهُ ، وبقيَ بجئتِهِ(٢) . % ورمى الجيشَ بقبضةٍ مِنْ ترابٍ فعمَيَتْ عيونُهُمْ ، ونزلَ بذلكَ القرآنُ في قولِهِ تعالى: ﴿ وَمَا رَمَيْنَ إِذْرَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى﴾(٣). وأبطلَ اللهُ تعالى الكهانةَ بمبعثِهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ فعُدمَتْ ، وكانَتْ ظاهرةٌ موجودةٌ (٤) . وحنَّ الجذعُ الذي كانَ يخطبُ إليهِ إذْ عُمِلَ لهُ المنبرُ ، حتَّى سمعَ منهُ (١) خبر عين تبوك رواه مسلم (٧٠٦) من حديث معاذ رضي الله عنه ، وخبر بئر الحديبية عند البخاري ( ٢٧٣٤)، ومسلم (١٨٠٧ )، وكانوا ألفاً وأربع مئة . (٢) رواه أحمد في ((المسند)) (٤٤٥/٥) من حديث النعمان بن مقرن رضي الله عنه ، وفيه : ( وكنت أنا في آخر القوم ، قال : فالتفت وما أفقد موضع تمرة وقد احتمل منه أربع مئة رجل ) . (٣) رواه مسلم ( ١٧٧٧ ) من حديث سلمة بن الأكوع رضي الله عنه . (٤) رواه الخرائطي في ((هواتف الجِنَّان)) (٤) ضمن خبر طويل مفاده ما نقله المصنف هنا ، وأصل هذا عند البخاري ( ٧٧٣)، ومسلم ( ٤٤٩). ٧٧٥ حنحن كتاب آداب المعيشة ربع العادات جميعُ أصحابِهِ مثل صَوتِ الإبلِ ، فضمَّهُ إليهِ فسكنَ (١). ودعا اليهودَ إلى تمنِّي الموتِ ، وأخبرَهُمْ بأنَّهُمْ لا يتمنَّونَهُ ، فحيلَ بينَهُمْ وبينَ النطقِ بذلكَ، وعجزوا عنهُ(٢) ، وهذا مذكورٌ في سورةٍ يُقرأ بها في جميعٍ جوامع أهل الإسلامِ مِنْ شرقِ الأرضِ إلى غرِبِها يومَ الجمعةِ جهراً ؛ تعظيماً للآية التي فيها(٣). وأخبرَ عليهِ الصلاةُ والسلامُ بالغيوبِ : وأنذرَ بأنَّ عثمانَ تصيبُهُ بلوى بعدَها الجنّهُ(٤) ٠ وبأنَّ عمَّاراً تقتلُهُ الفئةُ الباغيةُ(٥) . وأنَّ الحسنَ يُصلِحُ اللهُ بِهِ بينَ فئتينٍ مِنَ المسلمينَ عظيمتينِ (٦). وأخبرَ عليهِ الصلاةُ والسلامُ عنْ رجلٍ قاتلَ في سبيلِ اللهِ أَنَّهُ مِنْ أهلِ النارِ ، فظهرَ ذلكَ بأنَّ ذلكَ الرجلَ قتلَ نفسَهُ(٧) . (١) رواه البخاري ( ٩١٨ ). (٢) رواه النسائي في ((السنن الكبرى)) (١٠٩٩٥) من حديث ابن عباس رضي الله عنهما . (٣) وهي قوله عز شأنه: ﴿قُلْ يَأَيُّهَا الَّذِينَ هَادُواْ إِن زَعَمْتُمْ أَنَّكُمْ أَوْلِيَاءٌ لِلَّهِ مِن دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوْاْ أَوْتَ إِن كُنتُمْ صَِقِينَ ﴿﴿ وَلَا يَنَّمْتَوْنَهُ أَبَدًا بِمَا قَدَّمَتْ أَيَدِيهِمَّ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالَِّينَ﴾. (٤) رواه البخاري (٣٦٧٤)، ومسلم ( ٢٤٠٣) . (٥) رواه البخاري (٤٤٧)، ومسلم (٢٩١٥). حن: (٦) رواه البخاري (٢٧٠٤). (٧) رواه البخاري (٢٨٩٨)، ومسلم (١١٢) . ٧٧٦ ربع العادات حر كتاب آداب المعيشة وهذهِ كلُّها أشياءُ لا تُعرفُ ألبتةَ بشيءٍ مِنْ وجوهِ تَقْدمَةِ المعرفةِ (١)؛ لا بنجوم ولا بكتفٍ (٢)، ولا بخطّ ولا بزجرٍ (٣)، لكنْ بإعلام اللهِ تعالى لهُ ووحیه إليه . واتبعَهُ سراقةُ ابنُ جُعْشُم، فساخَتْ قدما فرسِهِ بالأرضِ واتَّبعهُ دخانٌ (٤) ، حتَّى استغاثَهُ، فدعا لهُ فانطلقَتِ الفرسُ، وأنذرَهُ بأنْ سيُوضعُ في ذراعيهِ سوارا كسرى ، فكانَ كذلكَ(٥) . وأخبرَ بمقتلِ الأسودِ العَنْسيِّ الكذَّابِ ليلةً قتلِهِ وهوَ بصنعاءِ اليمنِ ، وأخبرَ بمَنْ قتلَهُ(٦). ٠٩٧ (١) كذا في النسخ، وعند الحافظ الزبيدي في «إتحافه)) (١٧٩/٧): (تقدمت المعرفةُ بها). في (ب، هـ): (ولا بكهن ) بدل ( ولا بكتف ) . (٢) (٣) كما كانت أهل الجاهلية تفعله ، فكان بعضهم ينظر في النجوم وما في أحكامها من التسديس والتثليث والتربيع والمقابلة ، ومنهم من ينظر في الكتف فيخبر عن حوادث كونية ، ومنهم من يخط على الرمل خطوطاً فيخير به عن غائب ، ومنهم من يزجر الطيور والسوانح والبوارح فيخبر بها عن أمور ستقع ، وكل ذلك حرمها الشارع وأبطل الاشتغال بها. ((إتحاف)) ( ٧/ ١٨٠). (٤) أي : غبار من الأرض ؛ أي : مع يبوسة الأرض . (٥) أصل القصة عند البخاري (٣٦١٥)، ومسلم (٢٠٠٩ ) ، وقصة إلباسه سواري كسرى رواها البيهقي في (( دلائل النبوة)) (٣٢٥/٦)، وسراقة هو ابن مالك بن جعشم . (٦) روى البخاري (٤٣٧٥)، ومسلم ( ٢٢٧٣) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه مرفوعاً: (( بينما أنا نائم أُتيت بخزائن الأرض ، فوضع في كفي سواران من ذهب ، فكَبُرا عليَّ ، فأوحى الله إلي أن أنفخهما ، فنخفتهما فذهبا ، فأوَّلتهما الكذابين اللذين أنا بينهما ، صاحب صنعاء وصاحب اليمامة)). II ٧٧٧ كتاب آداب المعيشة ربع العادات وخرجَ على مئةٍ مِنْ قريشٍ ينتظرونَهُ ، فوضعَ الترابَ على رؤوسِهِمْ ولِمْ يروهُ(١) . وشكا إليهِ البعيرُ بحضرةِ أصحابِهِ وتذلَّلَ لهُ (٢). وقالَ لنفرٍ مِنْ أصحابِهِ مجتمعينَ : (( أحدُكُمْ في النارِ ضرسُهُ مثلُ أحدٍ » فماتوا كلُّهُمْ على استقامةٍ وارتدَّ منهُمْ واحدٌ فقتلَ مرتداً(٣). وعند ابن عساكر في «تاريخ دمشق)) (١٦/٤٩) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه : = أن النبي صلى الله عليه وسلم ذكر الأسود العنسي فقال: (( قتله الرجل الصالح فيروز بن الديلمي ، رجل من فارس)). (١) جوامع السيرة (ص ١١)، ورواه الطبري في ((تاريخه)) (٣٧٢/٢) عن محمد بن كعب القرظي مرسلاً . (٢) رواه أبو داوود (٢٥٤٩)، وخبر سجود الجمل له صلى الله عليه وسلم رواه أحمد في ((المسند)) (١٥٨/٣). (٣) روى الطبراني في ((الكبير)) (٢٨٣/٤) عن رافع بن خديج قال : كان بالرجال بن عُنْفُوة من الخشوع واللزوم لقراءة القرآن والخير فيما يرى رسول الله صلى الله عليه وسلم شيء عجب ، فخرج علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم يوماً والرجَّال معنا جالس مع نفر، فقال: ((أحد هؤلاء النفر في النار))، قال رافع : فنظرت في القوم ، فإذا بأبي هريرة الدوسي ، وأبي أروى الدوسي ، والطفيل بن عمرو الدوسي ، ورجَّال بن عنفوة ، فجعلت أنظر وأتعجب ، وأقول : من هذا الشقي ؟! ولما توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم .. رجعت بنو حنيفة ، فسألت : ما فعل الرجَّال بن عنفوة ؟ فقالوا : فتن ، هو الذي شهد لمسيلمة على رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه أشركه في أمره من بعده ، فقلت : ما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم فهو حق ، وسمع الرجال يقول: كبشان انتطحا، فأحبهما إلينا كبشنا. وانظر ((جوامع السيرة)) ( ص ١١) . ٧٧٨ ربع العادات كتاب آداب المعيشة حن وقالَ لآخرينَ منهُمْ: ((آخرُكُمْ موتاً في النارِ ، فسقطَ آخرُهُمْ موتاً في النار فاحترقَ فيها فماتَ(١) . ودعا شجرتينٍ فأتتاهُ واجتمعتا ، ثمَّ أمرَهُما فافترقَتَا(٢). وكانَ عليهِ الصلاةُ والسلامُ نحوَ الربعةِ، فإذا مشى معَ الطوالِ .. طالَهُمْ. ودعا عليهِ الصلاةُ والسلامُ النصارى إلى المباهلةِ ، فامتنعوا ، وأخبرَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ أنَّهُمْ إنْ فعلوا ذلكَ .. هلكوا ، فعلموا صحَّةً قولِهِ ، فامتنعوا(٣). وأتاهُ عامرُ بنُ الطفيلِ بنِ مالكِ ، وأربدُ بنُ قيسٍ - وهما فارسا العرب وفاتكاهُمْ - عازمَيْنِ على قتلِهِ عليهِ الصلاةُ والسلامُ ، فحيلَ بينَهُما وبينَ ذلكَ، ودعا عليهما، فهلكَ عامرٌ بغدَّةٍ، وهلكَ أربدُ بصاعقةٍ أحرقَتْهُ(٤). وأخبرَ عليهِ الصلاةُ والسلامُ أنَّهُ يقتلُ أبيَّ بنَ خلفِ الجمحيَّ ، فخدشَهُ يومَ أحدٍ خدشاً لطيفاً ، فكانَتْ فيهِ منيتُهُ(٥) . (١) رواه الدولابي في ((الكنى والأسماء)) (١١٥/١)، والبيهقي في (( دلائل النبوة)) (٤٥٨/٦ ) . (٢) رواه مسلم (٣٠١٢) وهو قطعة من حديث جابر رضي الله عنه الطويل. (٣) رواه النسائي في ((السنن الكبرى)) (١٠٩٩٥) من حديث ابن عباس رضي الله عنهما ، وقد تقدمت قطعة منه قريباً . (٤) رواه الطبراني في «الأوسط)) (٩١٢٣) من حديث ابن عباس رضي الله عنهما مفصلاً، وخبر مقتل عامر أيضاً عند أحمد في « المسند» (٢١٠/٣) من حديث أنس رضي الله عنه . (٥) رواه ابن سعد في ((طبقاته)) (٤٣/٢)، والبيهقي في ((دلائل النبوة)) (٢١١/٣) . ٧٧٩ كتاب آداب المعيشة ربع العادات وأُطعمَ عليهِ الصلاةُ والسلامُ السمَّ ، فماتَ الذي أكلَ معَهُ ، وعاشَ هوَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ بعدَهُ أربعَ سنينَ وكلَّمَهُ الذراعُ المسمومُ . وأخبرَ عليهِ الصلاةُ والسلامُ يومَ بدرٍ بمصارع صناديدٍ قريشٍ ، ووقفَهُمْ على مصارعِهِمْ رجلاً رجلاً، فلم يتعدَّ واحدٌ منهُمْ ذلكَ الموضعَ(١). وأنذرَ عليهِ الصلاةُ والسلامُ بأنَّ طوائفَ مِنْ أَمَّتِهِ يغزونَ في البحرِ ، فكانَ كذلكَ (٢). وزُويَتْ لهُ الأرضُ فأُريَ مشارقَها ومغاربها ، وأخبرَ بأنَّ ملكَ أمَّتِهِ سيبلغُ ما زُوِيَ لهُ منها ، فكانَ كذلكَ ، فقدْ بلغَ ملكُهُمْ مِنْ أَوَّلِ المشرقِ ومِنْ بلادٍ التركِ ، إلى آخرِ المغربِ مِنْ بحرِ الأندلسِ وبلادِ البربرِ ، ولم يتَّسعوا في الجنوبِ ولا في الشمالِ، كما أخبرَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ سواءً بسواءٍ(٣). وأخبرَ فاطمةَ ابنتَهُ رضيَ اللهُ عنها بأنَّها أوَّلُ أهلِهِ لحاقاً بهِ ، فكانَ كذلكَ (٤) . وأخبرَ نساءَهُ بأنَّ أطولَهُنَّ يداً أسرعُهُنَّ لحاقاً بهِ ، فكانَتْ زينبُ بنتُ جحشِ الأسديَّةُ أطولَهُنَّ يداً بالصدقةِ وأَوَّلَهُنَّ لحوقاً بهِ رضيَ اللهُ عنها(٥) . (١) رواه مسلم ( ٢٨٧٣) . (٢) رواه البخاري (٢٧٨٩)، ومسلم (١٩١٢) ، وفيه خبر أم حرام بنت ملحان رضي الله عنها . (٣) رواه مسلم (٢٨٨٩). (٤) رواه البخاري (٣٦٢٤)، ومسلم (٢٤٥٠) . (٥) رواه مسلم (٢٤٥٢) من حديث عائشة رضي الله عنها، وفيه قولها : ( فكنَّ يتطاولن =2 ٧٨٠