Indexed OCR Text

Pages 681-700

ربع العادات
كتاب الأمر بالمعروف
يا أميرَ المؤمنينَ؛ أتدري ما جاءَ في تأويلِ هذهِ الآيةِ عنْ جَدِّكَ: ﴿مَالِ
هَذَا الْكِتَبِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّ أَحْصَنِهَا﴾؟
قالَ : الصغيرةُ التبسُّمُ، والكبيرةُ الضحكُ (١) ، فكيفَ بما عملتْهُ الأيدي
وحصدتْهُ الألسنُ ؟!
يا أميرَ المؤمنينَ ؛ بلغَني أنَّ عمرَ بنَ الخطابِ رضيَ اللهُ عنهُ قالَ : لوْ
ماتَتْ سخلةٌ على شاطىءِ الفراتِ ضيعةً .. لخشيتُ أنْ أُسألَ عنها (٢) ، فكيفَ
بِمَنْ حُرِمَ عدلَكَ وهوَ على بساطِكَ ؟!
يا أميرَ المؤمنينَ ؛ أتدري ما جاءَ في تأويلِ هذهِ الآيةِ عنْ جدِّكَ :
﴿يَدَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَكَ خَلِيفَةً فِ الْأَرَضِ فَأَحْكُبَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَشَِّعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَن
سَبِيلِ اللَّهِ ... ﴾؟
قالَ اللهُ تعالى في الزبورِ : يا داوودُ ؛ إذا قعدَ الخصمانِ بينَ يديكَ فكانَ
لكَ في أحدِهِما هوىّ .. فلا تتمنَّيَّنَّ في نفسِكَ أنْ يكونَ الحقُّ لهُ فيفلحَ على
صاحبهِ فأمحوَكَ منْ نبوَّتِي ، ثمَّ لا تكونَ خليفتي ولا كرامةً ، يا داوودُ ؛ إنَّما
جعلتُ رسلي إلى عبادي رعاءً كرعاءِ الإبلِ ؛ لعلمِهِمْ بالرعايةِ ، ورفقِهِمْ
بالسياسةِ ، ليجبروا الكسيرَ، ويدلُّوا الهزيلَ على الكلأِ والماءِ (٣).
(١) رواه ابن أبي الدنيا في ((الصمت وآداب اللسان)) ( ٢٩٢) عن ابن عباس رضي الله
عنهما موقوفاً عليه .
(٢) رواه الدينوري في ((المجالسة وجواهر العلم)) (ص ١٦٩).
(٣) هو عند مخرجي مجمل الخبر .
٦٨١

كتاب الأمر بالمعروف
ربع العادات
يا أميرَ المؤمنينَ ؛ إنَّكَ بُليتَ بأمرٍ لوْ عُرضَ على السماواتِ والأرضِ
والجبالِ لأَبينَ أنْ يحملنَهُ وأشفقنَ منهُ .
يا أميرَ المؤمنينَ ؛ حدَّثَنَي يزيدُ بنُ جابرٍ ، عنْ عبدِ الرحمنِ بنِ
أبي عمرةَ الأنصاريِّ؛ أنَّ عمرَ بنَ الخطابِ رضيَ اللهُ عنهُ استعملَ رجلاً مِنَ
الأنصارِ على الصدقةِ، فرآهُ بعدَ أيام مقيماً ، فقالَ لهُ : ما منعَكَ مِنَ الخروج
إلى عملِكَ؟! أما علمتَ أنَّ لكَ مثلَ أجرِ المجاهدِ في سبيلِ اللهِ ؟ قالَ :
لا ، قالَ : وكيفَ ذلكَ؟ قالَ: لأنَّهُ بلغَني أنَّ رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ
وسلَّمَ قالَ : (( ما مِنْ والٍ يلي شيئاً مِنْ أمورِ الناسِ إلا أَتِيَ بهِ يومَ القيامةِ
مغلولةٌ يدُهُ إلى عنقِهِ لا يفكُّها إلا عدلُهُ، فيوقَفُ على جسرٍ مِنَ النارِ ينتفضُ
بهِ ذلكَ الجسرُ انتفاضةً تزيلُ كلَّ عضوٍ منهُ عنْ موضعِهِ ، ثمَّ يُعادُ فيُحاسبُ ،
فإنْ كانَ محسناً .. نجا بإحسانِهِ ، وإنْ كان مسيئاً .. انخرقَ بهِ ذلكَ الجسرُ،
فيهوي بهِ في النارِ سبعينَ خريفاً » (١) ، فقالَ لهُ عمرُ رضيَ اللهُ عنهُ: ممَّنْ
سمعتَ هذا؟ قالَ : مِنْ أبي ذرٍّ وسلمانَ ، فأرسلَ إليهما عمرُ ، فسألَهُما ،
فقالا : نعمْ ، سمعناهُ مِنْ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ ، فقالَ عمرُ :
واعمراهُ ، مَنْ يتولاَها بما فيها ؟ !! فقالَ أبو ذرٍّ رضيَ اللهُ عنهُ: مَنْ سلتَ اللهُ
أنفَهُ وألصقَ خذَّهُ بالأرضِ .
قالَ : فأخذَ المنديلَ ، فوضعَهُ على وجهِهِ ، ثمَّ بكى وانتحبَ حتَّى
(١) رواه ابن أبي شيبة في ((المصنف)) (٣٥٣٢٠)، والطبراني في ((الكبير)) (٣٩/٢).
٦٨٢

ربع العادات
كتاب الأمر بالمعروف
أبكاني ، فقلتُ : يا أميرَ المؤمنينَ ؛ قدْ سألَ جدُّكَ العباسُ النبيَّ صلَّى اللهُ
عليهِ وسلَّمَ إمارةَ مكَّةَ أوِ الطائفِ أوِ اليمنِ ، فقالَ لهُ النبيُّ عليهِ الصلاةُ
والسلامُ : (( يا عباسُ، يا عمَّ النبيِّ؛ نفسٌ تنجيها خيرٌ مِنْ إمارةٍ
لا تحصيها)) (١)، نصيحةً منهُ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ لعمُّهِ وشفقةٌ عليهِ ،
وأخبرَهُ أنَّهُ لا يغني عنهُ مِنَ الله شيئاً؛ إذْ أوحى اللهُ إليهِ: ﴿ وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ
اَلْأَقْرَبِينَ﴾ فقالَ: (( يا عباسُ، ويا صفيَّةُ عمَّي النبيِّ، ويا فاطمةُ
بنتَ محمدٍ ؛ إنِّي لستُ أغني عنكُمْ مِنَ اللهِ شيئاً ، إنَّ لي عملي ولَكُمْ
عملُكُمْ))(٢) .
وقدْ قالَ عمرُ بنُ الخطابِ رضيَ اللهُ عنهُ: ( لا يقيمُ أمرَ الناسِ إلا
حصيفُ العقلِ ، أريبُ العقدِ ، لا يُطَّلِعُ منهُ على عورةٍ ، ولا يحنقُ منه على
جِرَّةٍ ، ولا تأخذُهُ في الله لومةُ لائمٍ )(٣).
وقالَ : ( الأمراءُ أربعةٌ :
فأميرٌ قويٍّ، ظلفَ نفسَهُ وعمَّالَهُ ، فذلكَ كالمجاهدِ في سبيلِ اللهِ ،
يدُ اللهِ باسطةٌ عليهِ بالرحمةِ .
: 2
(١) رواه ابن أبي شيبة في ((المصنف)) (٣٣٢١١)، والبيهقي كذلك في «السنن الكبرى))
(٩٦/١٠) من حديث ابن المنكدر .
(٢) رواه البخاري ( ٢٧٥٣) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه .
(٣) هو عند مخرجي مجمل الخبر، ومعنى ( أريب العقد) : شديده، و( لا يحنق على
جِرَّةٍ) : لا يحقد على أحد ، سليم الباطن .
٦٨٣

كتاب الأمر بالمعروف
ربع العادات
وأميرٌ فيهِ ضعفٌ، ظلفَ نفسَهُ وأرتعَ عمَّالَهُ لضعفِهِ ، فهوَ على شفا هلاكٍ
إلا أنْ يرحمَهُ اللهُ .
وأميرٌ ظلفَ عمَّالَهُ وأرتعَ نفسَهُ ، فذلكَ الحطمةُ الذي قالَ فيهِ رسولُ اللهِ
صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: ((شرُّ الرعاءِ الحطمةُ)) (١)، فهوَ الهالكُ وحدَهُ.
وأميرٌ أرتعَ نفسَهُ وعمَّالَهُ، فهلكوا جميعاً)(٢).
وقدْ ـ بلغَني يا أميرَ المؤمنينَ - أنَّ جبريلَ عليهِ السلامُ أتى النبيَّ صلَّى اللهُ
عليهِ وسلَّمَ فقالَ : أتيتُكَ حينَ أمرَ اللهُ بمنافيخ النارِ ، فَوُضعَتْ على النارِ
تسعرُ ليوم القيامةِ، فقالَ لهُ: ((يا جبريلُ ؛ صفْ ليَ النارَ))، فقالَ: إِنَّ اللهَ
تعالى أمرَ بها فأَوقَدَ عليها ألفَ عام حتَّى احمرَّتْ ، ثمَّ أَوقدَ عليها ألفَ عام
حتَّى اصفرَّتْ ، ثمّ أُوقدَ عليها ألفَ عام حتَّى اسودَّتْ ، فهيَ سوداءُ مظلمةٌ ،
لا يضيءُ لهبُها ولا جمرُها (٣)، والذي بعثَكَ بالحقِّ؛ لوْ أَنَّ ثوباً منْ ثيابِ
أهلِ النارِ أَظهرَ لأهلِ الأرضِ .. لماتوا جميعاً، ولوْ أنَّ ذَنوباً مِنْ شرابِها
صُبَّ في مياهِ الأرضِ جميعاً .. لقتلَ مَنْ ذاقَهُ، ولوْ أنَّ ذراعاً مِنَ السلسلةِ
التي ذكرَها اللهُ وُضعَ على جبالِ الأرضِ جميعاً .. لذابَتْ وما استقلَّتْ، ولوْ
أنَّ رجلاً أُدخلَ النارَ ثمّ أُخرِجَ منها .. لماتَ أهلُ الأرضِ مِنْ نتنِ ريحِهِ
(١) رواه مسلم (١٨٣٠) من حديث عائذ بن عمرو رضي الله عنه .
(٢) هو عند مخرجي مجمل الخبر ، وظلف : منع ، والمراد : المنع عما نهى الله من تعدي
مرعى حرماته .
(٣) كذا في النسخ ، وفي نسخة الحافظ الزبيدي : ( لا يضيء جمرها ، ولا يطفأ لهيبها ) .
٦٨٤

ربع العادات
ـحر
كتاب الأمر بالمعروف
وتشويهِ خلقِهِ وعظْمِهِ . فبكى النبيُّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ ، وبکی جبريلُ عليهِ
السلامُ لبكائِهِ ، وقالَ : أتبكي يا محمدُ وقدْ غفرَ اللهُ لكَ ما تقدَّمَ مِنْ ذنبكَ
وما تأخّرَ ؟! قالَ : ((أفلا أكونُ عبداً شكوراً، ولِمَ بِكَيْتَ يا جبريلُ وأنتَ
الروحُ الأمينُ أمينُ اللهِ على وحيِهِ؟ )) قالَ: أخافُ أنْ أُبتلى بما ابتليَ بهِ
هاروتُ وماروتُ ، فهوَ الذي منعَني مِنِ اتكالي على منزلتِي عندَ ربِّي ،
فأكونُ قدْ أمنتُ مكرَهُ . فلمْ يزالا يبكيانِ حتَّى تُوديا مِنَ السماءِ : يا جبريلُ
ويا محمدُ ؛ إنَّ اللهَ قدْ آمنكما أنْ تعصياهُ فيعذبَكُما ، وفضْلُ محمدٍ على سائرٍ
الأنبياءِ كفضلٍ جبريلَ على سائرِ ملائكةِ السماءِ(١).
وقدْ بلغَني يا أميرَ المؤمنينَ أنَّ عمرَ بنَ الخطابِ رضيَ اللهُ عنهُ قالَ :
( اللهمَّ ؛ إنْ كنتَ تعلمُ أنِّي أبالي إذا قعدَ الخصمانِ بينَ يديَّ على مَنْ مالَ
الحقُّ مِنْ قريبٍ أوْ بعيدٍ .. فلا تمهلْني طرفةَ عينٍ ) .
٨٠٠ - مالى.
يا أميرَ المؤمنينَ ؛ إنَّ أشدَ الشدّةِ القيامُ للهِ بحقُّهِ ، وإنَّ أكرمَ الكرمِ
عندَ اللهِ التقوى، وإنَّهُ مَنْ طلبَ العزَّ بطاعةِ اللهِ .. رفعَهُ اللهُ وأعزَّهُ ، ومَنْ
طلبَهُ بمعصيةِ اللهِ .. أذلَّهُ اللهُ ووضعَهُ . فهذهِ نصيحتي إليكَ والسلامُ عليكَ.
ثمَّ نهضتُ ، فقالَ لي : إلى أينَ ؟ فقلتُ : إلى الولدِ والوطنِ بإذنِ أميرٍ
المؤمنينَ إنْ شاءَ اللهُ ، قالَ : قدْ أذنتُ لكَ ، وشكرتُ لكَ نصيحتَكَ وقبلتُها
(١) رواه ابن أبي الدنيا في ((صفة النار)) (١٥٧) من حديث عمر بن الخطاب رضي الله
عنه .
٦٨٥

كتاب الأمر بالمعروف
ربع العادات
بقبولها ، واللهُ الموفَّقُ للخيرِ والمعينُ عليهِ، وبهِ أستعينُ، وعليهِ أتوكَّلُ ،
وهوَ حسبي ونعم الوكيلُ ، فلا تخلِني من مطالعتِك إيَّايَ بمثلِ هذا ، فإنَّكَ
المقبولُ القولِ غيرُ المتهمِ في النصيحةِ ، قلتُ : أفعلُ إنْ شاءَ اللهُ .
قالَ محمدُ بنُ مصعبٍ : فأمرَ لهُ بمالٍ يستعينُ بهِ على خروجِهِ ، فلمْ
يقبلْهُ، وقالَ : أنا في غنىً عنهُ ، وما كنتُ لأبيعَ نصيحتي بعرضٍ مِنَ الدنيا ،
وعرفَ المنصورُ مذهبَهُ ، فلمْ يجدْ عليهِ في ذلكَ(١) .
وعنِ ابنِ المهاجرِ قالَ : قدمَ أميرُ المؤمنينَ المنصورُ مَكَّةَ شرَّفَها اللهُ
حاجّاً ، فكانَ يخرجُ مِنْ دارِ الندوةِ إلى الطوافِ في آخرِ الليلِ ، يطوفُ
ويصلِّي ولا يُعلمُ بهِ ، فإذا طلعَ الفجرُ .. رجعَ إلى دارِ الندوةِ، وجاءَ
المؤذنونَ فسلَّموا عليهِ ، وأُقيمتِ الصلاةُ ، فيصلِّي بالناسِ ، فخرجَ ذاتَ ليلةٍ
حينَ أسحرَ ، فبينا هوَ يطوفُ .. إذْ سمعَ رجلاً عندَ الملتزم وهوَ يقولُ :
اللهمَّ ؛ إنِّي أشكو إليكَ ظهورَ البغي والفسادِ في الأرضِ ، وما يحولُ بينَ
الحقِّ وأهلِهِ مِنَ الظلم والطمعِ ، فأسرعَ المنصورُ في مشيِهِ حتَّى ملأَ مسامعَهُ
مِنْ قولِهِ، ثمَّ خرجَ فجلسَ ناحيةً مِنَ المسجدِ ، وأرسلَ إليهِ فدعاهُ ، فأتاهُ
(١) هنا تنتهي موعظة الأوزاعي للمنصور ، وقد تقدم تخريجها في الحديث الأول منها ،
وقال الحافظ العراقي كذلك : ( قصة الأوزاعي هذه مع المنصور وموعظته له وفيه
عشرة أحاديث مرفوعة ، وهي بجملتها رواها ابن أبي الدنيا في (( مواعظ الخلفاء))،
ورويناها في ((مشيخة الخفاف)) و(( مشيخة ابن طبرزد))، وفي إسنادها أحمد بن
عبيد بن ناصح ، قال ابن عدي : يحدث بمناكير ، وهو عندي من أهل الصدق ) .
٦٨٦
------

ربع العادات
كتاب الأمر بالمعروف
الرسولُ، فقالَ لهُ : أجبْ أميرَ المؤمنينَ ، فصلَّى ركعتينِ ، واستلمَ
الركنَ ، وأقبلَ معَ الرسولِ ، فَسلَّمَ عليهِ ، فقالَ لهُ المنصورُ : ما هذا الذي
سمعتُكَ تقولُهُ مِنْ ظهورِ البغي والفسادِ في الأرضِ ، وما يحولُ بينَ الحقِّ
وأهلِهِ مِنَ الطمع والظلمِ ؟! فواللهِ لقدْ حشوتَ مسامعي ما أمرضَني
وأقلقَني ، فقالَ : يا أميرَ المؤمنينَ ؛ إنْ أُمَّنْتَنَي على نفسي .. أنبأتُكَ بالأمورِ
مِنْ أصولِها ، وإلا .. اقتصرتُ على نفسي، ففيها لي شغلٌ شاغلٌ ، فقالَ
لهُ : أنت آمنٌ على نفسِكَ، فقالَ : إنَّ الذي دخلَهُ الطمعُ حتَّى حالَ بينَهُ وبينَ
الحقِّ وإصلاحِ ما ظهرَ مِنَ البغي والفسادِ في الأرضِ أنتَ .
قالَ : ويحَكَ ، وكيفَ يدخلُني الطمعُ والصفراءُ والبيضاءُ على يديَّ ،
والحلوُ والحامضُ في قبضتي ؟!
.
قالَ : وهلْ دخلَ أحداً مِنَ الطمع ما دخلَكَ يا أميرَ المؤمنينَ ؟! إنَّ اللهَ
تعالى استرعاكَ أمورَ المسلمينَ وأموالَهُمْ، فأغفلتَ أمورَهُمْ واهتممتَ بجمعِ
أموالِهِمْ ، وجعلتَ بينَكَ وبينَهُمْ حجاباً مِن الجِصِّ والآجُرِّ وأبواباً مِنَ الحديدِ ،
وحجبةً معهُمُ السلاحُ ، ثمَّ سجنتَ نفسَكَ فيها منهُمْ ، وبعثتَ عمَّالَكَ في جمع
الأموالِ وجبايتِها ، واتخذتَ وزراءَ وأعواناً ظلمةً ، إنْ نسيتَ .. لمْ يذكِّرُوكَ ،
وإنْ ذكرْتَ .. لمْ يعينوكَ، وقوَّيتَهُمْ على ظلمِ الناسِ بالأموالِ والكراع
والسلاحِ ، وأمرتَ ألا يدخلَ عليكَ مِنَّ الناسِ إلا فلانٌ وفلانٌ ، نفرٌ سمَّيتَهُمْ ،
ولمْ تأمر بإيصالِ المظلومِ ولا الملهوفِ ، ولا الجائع ولا العاري ،
ولا الضعيفِ ولا الفقيرِ ، ولا أحدَ إلا ولهُ في هذا المالِ حقٌّ .
٦٨٧

@
كتاب الأمر بالمعروف
ربع العادات
و
فلمَّا رآكَ هؤلاءِ النفرُ الذين استخلصتَهُمْ لنفسِكَ ، وآثرتَهُمْ على
رعيَّكَ، وأمرتَ ألا يُحجبوا عنكَ تجبي الأموالَ ولا تقسمُها .. قالوا: هذا
قدْ خانَ اللهَ، فما لنا لا نخونُهُ وقدْ سُخِّرَ لنا ، فأتمروا على ألا يصلَ إليكَ مِنْ
علمٍ أخبارِ الناسِ إلا ما أرادوا ، وألا يخرجَ لكَ عاملٌ فيخالفَ لهُمْ أمراً إلا
أقصَوْهُ حتَّى تسقطَ منزلتُهُ ، ويصغرَ قدرُهُ .
فلمَّا انتشرَ ذلكَ عنكَ وعنهُمْ .. أعظمَهُمُ الناسُ وهابوهُمْ، وكانَ أوَّلَ مَنْ
صانعَهُمْ عمَّلُكَ بالهدايا والأموالِ ؛ ليتقوَّوا بهِ على ظلمٍ رعيَّتِكَ ، ثمَّ فعلَ
ذلكَ ذوو القدرةِ والثروةِ مِنْ رعيَِّّكَ ؛ لينالوا ظلْمَ مَنْ دونَهُمْ من الرعيَّةِ .
فامتلأَتْ بلادُ اللهِ بالطمع بغياً وفساداً ، وصارَ هؤلاءِ القومُ شركاءَكَ في
سلطانِكَ وأنتَ غافلٌ .
فإنْ جاءَ متظلِّمٌ .. حيلَ بينَهُ وبينَ الدخولِ إليكَ، وإنْ أرادَ رفعَ قصَّةٍ
إِليكَ عندَ ظهورِكَ .. وجدَكَ قدْ نهيتَ عنْ ذلكَ ، ووقفتَ للناسِ رجلاً ينظرُ
في مظالمِهِمْ ، فإنْ جاءَ ذلكَ الرجلُ فبلغَ بطانتَكَ .. سألوا صاحبَ المظالمِ
ألا يرفعَ مظلمتَهُ، وإنْ كانَتْ للمتظلِّم بهِ حرمةٌ وإجابةٌ .. لمْ يمكنْهُ ما يريدُ
خوفاً منهُمْ ، فلا يزالُ المظلومُ يختلفُ إليهِ ويلوذُ بهِ ويشكو ويستغيثُ وهوَ
يدفعُهُ ويعتلُّ عليهِ ، فإذا جهدَ وأُحرجَ وظهرتَ .. صرخَ بينَ يديكَ ، فيُضربُ
ضرباً مبرِّحاً ؛ ليكونَ نكالاً لغيرِهِ ، وأنتَ تنظرُ ولا تنكرُ ولا تغيّرُ، فما بقاءُ
الإسلامِ وأهلِهِ على هذا ؟!
٦٨٨

ربع العادات
کتاب الأمر بالمعروف
وقدْ كانَتْ بنو أميَّةَ وكانَتِ العربُ لا ينتهي إليهِمُ المظلومُ إلا رُفعَتْ
ظُلامتُهُ إليهِمْ فَيُنْصَفُ ، ولقدْ كانَ الرجلُ يأتي مِنْ أقصى البلادِ حتَّى يبلغَ بابَ
سلطانِهِمْ، فينادي : يا أهلَ الإسلام ؛ فيبتدرونَهُ ما لكَ ما لكَ ؟ فيرفعونَ
مظلمتهُ إلى سلطانِهِمْ ، فَيُنتصَفُ لهُ .
ولقدْ كنتُ - يا أميرَ المؤمنينَ - أسافرُ إلى أرضِ الصينِ وبها ملكٌ ، فقدمتُها
مرَّةً وقدْ ذهبَ سمْعُ ملِكِهِمْ، فجعلَ يبكي ، فقالَ لهُ وزراؤُهُ : ما لكَ تبكي
لا بكتْ عيناكَ ؟ فقالَ : أما إنِّي لستُ أبكي على المصيبةِ التي نزلَتْ بي ، ولكنْ
أبكي لمظلومٍ بالبابِ يصرخُ فلا أسمعُ صوتَهُ، ثمَّ قالَ : أما إنْ كانَ قدْ ذهبَ
سمعي .. فإنَّ بصري لمْ يذهبْ ، نادوا في الناسِ ألا يلبسَ ثوباً أحمرَ إلا مظلومٌ ،
فكانَ يركبُ الفيلَ ويطوفُ طرفَي النهارِ ؛ هلَ يرى مظلوماً فينصفَهُ .
هذا - يا أميرَ المؤمنينَ - مشركٌ باللهِ! قدْ غلبَتْ رأفتُهُ بالمشركينَ ورقّتُهُ
على شحِّ نفسِهِ في ملكِهِ ، وأنتَ مؤمنٌ باللهِ وابنُ عمِّ نبيِّ اللهِ لا تغلبُكَ رأفتُكَ
بالمسلمينَ ورقَّتُكَ على شحِّ نفسِكَ؛ فإنَّكَ لا تجمعُ الأموالَ إلا لواحدٍ مِنْ
ثلاثةٍ :
إِنْ قلتَ : أجمعُها لولدي .. فقدْ أراكَ اللهُ عبراً في الطفلِ الصغيرِ ،
يسقطَ مِنْ بطنِ أمِّهِ وما لهُ على الأرضِ مالٌ، وما مِنْ مالٍ إلا ودونَهُ يدٌ
ء
شحيحةٌ تحويهِ ، فما يزالُ اللهُ تعالى يلطفُ بذلكَ الطفلِ حتَّى تعظمَ رغبةُ
الناسِ إليهِ ، ولستَ الذي تعطي، بلِ اللّهُ يُعطي مَنْ يشاءُ .
٦٨٩
حز
حر

كتاب الأمر بالمعروف
ربع العادات
وإنْ قلتَ : أجمعُ المالَ لأشيدَ سلطاني .. فقدْ أراكَ اللهُ عبراً فيمَنْ كانَ
قبلَكَ ، ما أغنىُ عنهُمْ ما جمعوهُ مِنَ الذهبِ والفضةِ ، وما أعدُّوا مِنَ الرجالِ
والسلاحِ والكُراع، وما ضرَّكَ وولدَ أبيكَ ما كنتُمْ فيهِ مِنْ قَلَّةِ الجِدَةِ والضعفِ
حينَ أرادَ اللهُ بِكُمْ ما أرادَ .
وإنْ قلتَ : أجمعُ المالَ لطلبٍ غايةٍ هيَ أجسمُ مِنَ الغايةِ التي أنتَ
فيها .. فواللهِ ما فوقَ ما أنتَ فيهِ إلا منزلةٌ لا تدركُ إلا بالعملِ الصالحِ .
يا أميرَ المؤمنينَ ؛ هلْ تعاقبُ مَنْ عصاكَ مِنْ رعيَِّّكَ بأشدَّ مِنَ القتلِ ؟
قالَ : لا ، قالَ : فكيفَ تصنعُ بالملكِ الذي خوَّلَكَ اللهُ وما أنتَ فيهِ مِنْ ملكِ
الدنيا وهوَ تعالى لا يعاقبُ مَنْ عصاهُ بالقتلِ ، ولكنْ يعاقبُ مَنْ عصاهُ
بالخلودِ في العذابِ الأليمِ ؟! وهوَ الذي يرىُ منكَ ما عقدَ عليهِ قلبُكَ ،
وأضمرَتُهُ جوارحُكَ ، فماذا تقولُ إذا انتزعَ الملكُ الحقُّ المبينُ ملكَ الدنيا
مِنْ يدكَ ، ودعاكَ إلى الحسابِ ؟ هلْ يغني عنكَ عندَهُ شيءٌ ممَّا كنتَ فيهِ ممَّا
شححتَ علیهِ مِنْ ملكِ الدنيا ؟
فبكى المنصورُ بكاءً شديداً حتَّى نحبَ وارتفعَ صوتُهُ ، ثمَ قالَ : يا ليتَي
لمْ أُخلقْ ولمْ أكُ شيئاً ، ثمَّ قالَ: كيفَ احتيالي فيما خُوِّلْتُ ولمْ أَرَ مِنَ الناسِ
إلا خائناً ؟
قالَ : يا أميرَ المؤمنينَ ؛ عليكَ بالأئمَّةِ الأعلام المرشدينَ ، قالَ : ومَنْ
هُم ؟ قالَ : العلماءُ ، قالَ : قد فرُّوا مِنِّي ، قالَ : هربوا منكَ مخافةَ أنْ
٦٩٠

ربع العادات
مصر
كتاب الأمر بالمعروف
تحملَهُمْ على ما ظهرَ مِنْ طريقتِكَ مِنْ قَبلِ عمَّالِكَ ، ولكنِ افتحِ الأبوابَ ،
وسهّلِ الحجابَ ، وانتصرْ للمظلوم ، وامنع الظالمَ، وخذِ الشيءَ ممَّا حلَّ
وطابَ ، واقسمْهُ بالحقِّ والعدلِ ، وأنا ضامنٌ عمَّنْ هربَ منكَ أنْ يأتيَكَ
فيعاونَكَ على صلاح أمرٍكَ ورعيَتِكَ ، فقالَ المنصورُ : اللهَّم ؛ وفِّقْنِي أنْ
أعملَ بما قالَ هذا الرجلُ .
وجاءَ المؤذِّنون فَسلَّموا عليهِ ، وأُقيمتِ الصلاةُ ، فخرجَ فصلَّى بِهِمْ ، ثمَّ
قالَ للحرسيِّ : عليكَ بالرجلِ ، لئنْ لمْ تأتني بهِ .. لأضربنَّ عنقَكَ، واغتاظَ
عليهِ غيظاً شديداً إذْ لمْ يُوجدْ ، فخرجَ الحرسيُّ يطلبُ الرجلَ ، فبينا هوَ
يطوفُ .. فإذا هوَ بالرجلِ يصلِّي في بعض الشعابِ، فقعدَ حتَّى صلَّى، ثمَّ
قالَ : يا ذا الرجلُ ؛ أما تتقي اللهَ؟ قالَ : بلى ، قالَ : أما تعرفُهُ ؟ قالَ :
بلى ، قالَ : فانطلقْ معي إلى الأميرِ ؛ فقدْ آلى أنْ يقتلَني إنْ لم آتِهِ بكَ ،
قالَ : ليسَ إلى ذلكَ مِنْ سبيلٍ ، قالَ: يقتلُني؟ قالَ: لا ، قالَ : وكيفَ ؟
قال : تحسنُ تقرأُ ؟ قالَ : لا ، فأخرجَ مِنْ مزودٍ كانَ معَهُ رقّاً مكتوباً فيهِ
شيءٌ، فقالَ: خذْهُ فاجعلْهُ في جيبكَ، فإنَّ فيهِ دعاءَ الفرج ، قالَ :
وما دعاءُ الفرج؟ قالَ : لا يُرزقُهُ إلا الشهداءُ، قلتُ: رحمَكَ اللهُ، قدْ
أحسنتَ إليَّ، فإنْ رأيتَ أنْ تخبرَني ما هذا الدعاءُ وما فضلُهُ ، قالَ : مَنْ
دعا بهِ مساءً وصباحاً .. هُدمَتْ ذنوبُهُ، ودامَ سرورُهُ، ومُحيَتْ خطاياهُ،
واستُجِيبَ دعاؤُهُ، وبُسِطَ لهُ في رزقِهِ ، وأُعطيَ أملَهُ، وأُعينَ على عدوِّهِ ،
وكُتِبَ عندَ اللهِ صدِّيقاً ، ولا يموتُ إلا شهيداً ، تقولُ :
٠ والر
٦٩١

كتاب الأمر بالمعروف
ربع العادات
اللهمَّ ؛ كما لطفتَ في عظمتِكَ دونَ اللطفاءِ ، وعلوتَ بعظمتِكَ على
العظماءِ ، وعلمتَ ما تحتَ أرضِكَ كعلمِكَ بما فوقَ عرشِكَ ، وكانَتْ
وساوسُ الصدورِ كالعلانيةِ عندَكَ ، وعلانيةُ القولِ كالسرِّ في علمِكَ، وانقادَ
كلُّ شيءٍ لعظمتِكَ ، وخضعَ كلُّ ذي سلطانٍ لسلطانِكَ ، وصارَ أمرُ الدنيا
والآخرةِ كلُّهُ بيدِكَ .. اجعلْ لي مِنْ كلِّ همَّ أمسيتُ فيهِ فرجاً ومخرجاً .
اللهمَّ ؛ إنَّ عفوَكَ عنْ ذنوبي ، وتجاوزَكَ عنْ خطيئِتي ، وسترَكَ على قبيحِ
عملي .. أطمعَني أنْ أسألَكَ ما لا أستوجبُهُ ممَّا قصرتُ فيهِ ، أدعوكَ آمناً ،
وأسألُكَ مستأنساً ، وإنَّكَ المحسنُ إليَّ وأنا المسيءُ إلى نفسي فيما بيني
وبينَكَ ، تتوذَّدُ إلي بنعمِكَ وأتبغَّضُ إليكَ بالمعاصي ، ولكنَّ الثقةَ بكَ حملَتْني
على الجُرأةِ عليكَ ، فَعُدْ بفضلِكَ وإحسانِكَ عليَّ ؛ إنَّكَ أنتَ التَوَّابُ الرحيمُ .
قالَ : فأخذتُهُ ، فصيَّرتُهُ في جيبي ، ثمَّ لمْ يكنْ لي همٌّ غيرَ أميرٍ
المؤمنينَ ، فدخلتُ فسلَّمْتُ عليهِ ، فرفعَ رأسَهُ ، فنظرَ إليَّ وتبسَّمَ ، ثمَّ
قالَ : ويلكَ! وتحسنُ السحرَ ؟ فقلتُ : لا واللهِ يا أميرَ المؤمنينَ ، ثمَّ
قصصْتُ عليهِ أمري معَ الشيخ ، فقالَ : هاتِ الرقَّ الذي أعطاكَ ، ثمَّ جعلَ
يبكي ، وقالَ : قدْ نجوتَ، وأمرَ بنسخِهِ، وأعطاني عشرةَ آلافِ درهمٍ ، ثمَّ
قالَ : أتعرفُهُ ؟ قلتُ : لا ، قالَ ذاكَ الخضرُ عليهِ السلامُ(١).
(١) خبر المنصور هذا مع الخضر عليه السلام أورده بطوله ابن قتيبة في (( عيون الأخبار)»
(٣٣٣/٢)، ولم يذكر القطعة الأخيرة منه، ورواه كما هو هنا عند المصنف ابنُ
الجوزي في ((المنتظم )" (١٠٩/٥).
٦٩٢
..----

ربع العادات
كتاب الأمر بالمعروف
وعنْ أبي عمرانَ الجونيِّ قالَ: لمَّا وليَ هارونُ الرشيدُ الخلافةَ .. زارَهُ
العلماءُ ، فهنَّوهُ بما صارَ إليهِ منْ أمرِ الخلافةِ ، ففتحَ بيوتَ الأموالِ ، وأقبلَ
يجيزُهُمْ بالجوائزِ السنيّةِ ، وكانَ قبلَ ذلكَ يجالسُ العلماءَ والزُّهَّادَ ، وكانَ
يظهرُ النسكَ والتقشُّفَ ، وكانَ مؤاخياً لسفيانَ بنِ سعيدِ بنِ المنذرِ الثوريِّ
قديماً(١) ، فهجرَهُ سفيانُ ولمْ يزرْهُ ، فاشتاقَ هارونُ إلى زيارتِهِ ليخلوَ بهِ
ويحدِّثَهُ ، فلمْ يزرْهُ ولمْ يعبأ بموضعِهِ ولا بما صارَ إليهِ ، فاشتدَّ ذلكَ على
هارونَ ، فکتبَ إلیهِ كتاباً يقولُ فیهِ :
بسمِ اللهِ الرحمنِ الرحيمِ ، مِنْ عِبْدِ اللهِ هارون الرشيدِ أميرِ المؤمنينَ إلى
أخيهِ سفيانَ بنِ سعيدِ بنِ المنذرِ ؛ أمَّا بعدُ : يا أخي ؛ قدْ علمتَ أنَّ اللهَ تباركَ
وتعالى آخى بينَ المؤمنينَ ، وجعلَ ذلكَ فيهِ ولهُ ، واعلمْ أنِّي آخيتُكَ مؤاخاةً
لمْ أصرمُ منها حبلَكَ ، ولمْ أقطعْ منها وُدَّكَ ، وإنِّي منطوٍ لكَ على أفضلٍ
المحبَّةِ والإرادةِ ، ولولا هذهِ القلادةُ التي قلَّدنيها اللهُ تعالى .. لأتيتُكَ ولوْ
حبْواً ؛ لما أجدُ لكَ في قلبِي مِنَ المحبَّةِ .
واعلمْ يا أبا عبدِ اللهِ ؛ أنَّهُ ما بقيَ مِنْ إخواني وإخوانِكَ أحدٌ إلا وقدْ
زارَني وهنَّأَني بما صرتُ إليهِ ، وقدْ فتحتُ بيوتَ الأموالِ وأعطيتُهُمْ مِنَ
الجوائزِ السنيّةِ ما فرحَتْ بها نفسي وقرَّتْ بها عيني ، وإنّي استبطأَتُكَ ،
فلمْ تأتني ، وقدْ كتبتُ إليكَ كتاباً شوقاً مِنِّي إليكَ شديداً، وقدْ علمتَ
(١) لعل الحكاية وقعت مع المهدي أو المنصور وليس الرشيد .
٦٩٣
تن
لے

كتاب الأمر بالمعروف
ربع العادات
- يا أبا عبدِ اللهِ - ما جاءَ في فضلِ المؤمنِ وزيارتِهِ ومواصلتِهِ ، فإذا وردَ عليكَ
كتابي .. فالعجلَ العجلَ .
قالَ : فلمَّا كتبَ الكتابَ .. التفتَ إلى مَنْ عندَهُ، فإذا كلُّهُمْ يعرفونَ
سفيانَ الثوريَّ وخشونتَهُ ، فقالَ : عليَّ برجلٍ مِنَ البابِ ، فأَدخلَ عليهِ رجلٌ
يُقالُ لهُ : عبَّادٌ الطالقانيُّ، فقالَ: يا عبَّدُ؛ خذْ كتابي هذا فانطلقْ بهِ إلى
الكوفةِ ، فإذا دخلتَها .. فسلْ عنْ قبيلة بني ثورٍ ، ثمَّ سلْ عنْ سفيانَ
الثوريِّ ، فإذا رأيتَهُ .. فألقِ كتابي هذا إليهِ ، وعِ بسمعِكَ وقلبِكَ جميعَ
ما يكونُ ، فأحصِ عليهِ دقيقَ أمرِهِ وجليلَهُ لتخبرني بهِ .
٠٠- ٥٠٠٨٥
فأخذَ عبَّدٌ الكتابَ ، وانطلقَ بهِ حتَّى وردَ الكوفةَ، فسألَ عنِ القبيلةِ ،
فَأُرشدَ إليها ، ثمّ سألَ عنْ سفيانَ ، فقيلَ لهُ : هوَ في المسجدِ ، قالَ عبَّادٌ :
فأقبلتُ إلى المسجدِ ، فلمَّا رآني .. قامَ قائماً وقالَ: أعوذُ باللهِ السميع
العليمِ مِنَ الشيطانِ الرجيمِ ، وأعوذُ بكَ اللهمَّ مِنْ طارقٍ يطرقُ إلا بخيرٍ ،
قالَ عبَّادٌ : فوقعَتِ الكلمةُ في قلبي ، فخرجتُ ، فلمَّا رآني نزلتُ ببابِ
المسجدِ .. قامَ يصلِّ ولمْ يكنْ وقتَ صلاةٍ ، فربطتُ فرسي ببابِ المسجدِ
ودخلتُ ، فإذا جلساؤُهُ قعودٌ قدْ نكسوا رؤوسَهُمْ كأنَّهُمْ لصوصٌ قدْ وردَ
عليهِمُ السلطانُ ، فهُمْ خائفونَ مِنَ العقوبةِ، فسلَّمْتُ فما رفعَ أحدٌ إليَّ
رأسَهُ، وردُوا السلامَ عليَّ برؤوسِ الأصابع(١) ، فبقيتُ واقفاً، ما منهُمْ أحدٌ
(١) الإشارة بالسلام بالرأس أو باليد بدعة حدثت بعد العصر الأول ، وكيف يجوز لأصحاب =
٦٩٤

ربع العادات
كتاب الأمر بالمعروف
يعرضُ عليَّ الجلوسَ ، وقدْ علاني مِنْ هيبتِهِمْ الرعدةُ ، ومددتُ عيني إليهِمْ
فقلتُ : إنَّ المصلِّيَ هوَ سفيانُ ، فرميتُ بالكتابِ إليهِ ، فلمَّا رأى الكتابَ ..
ارتعدَ وتباعدَ عنهُ كأنَّهُ حيَّةٌ عرضَتْ لهُ في محرابِهِ ، فركعَ وسجدَ وسلَّمَ ،
وأدخلَ يدَهُ في كمِّهِ ولفَّها بعباءتِهِ وأخذَهُ فقلبَهُ بيدِهِ ، ثمَّ رماهُ إلى مَنْ كانَ
خلفَهُ ، وقالَ : يأخذُهُ بعضُكُمْ يقرؤُهُ؛ فإنِّي أستغفرُ اللهَ أنْ أمسَّ شيئاً مسَّهَ
ظالمٌ بیدِهِ .
قالَ عبَّادٌ: فمدَّ بعضُهُمْ يدَهُ إليهِ، فحلَّهُ كأنَّهُ خائفٌ مِنْ فم حيَّةٍ تنهشُهُ ،
ثمَّ فضَّهُ وقرأَهُ ، وأقبلَ سفيانُ يتبسَّمُ تبُمَ المتعجّبِ ، فلمَّا فرغَ مِنْ قراءتِهِ ..
قالَ : اقلبوهُ واكتبوا إلى الظالمٍ في ظهرِ كتابِهِ ، فقيلَ لهُ: يا أبا عبدِ اللهِ ؛ إنَّهُ
خليفةٌ ، فلوْ كتبتَ إليهِ في قرطاسٍ نقيٍّ ، فقالَ : اكتبوا إلى الظالمِ في ظهرِ
كتابِهِ ، فإنْ كانَ اكتسبَهُ مِنْ حلالٍ .. فسوفَ يُجزىُ بهِ ، وإنْ كانَ اكتسبَهُ مِنْ
حرام .. فسوفَ يُصلىُ بهِ ، ولا يبقى شيءٌ مسَّهُ ظالمٌ عندَنا فيفسدَ علينا
دينَنَا ، فقيلَ لهُ : ما نكتبُ إليهِ ؟ فقالَ : اكتبوا :
بحن
بسمِ اللهِ الرحمنِ الرحيمِ ، مِنَ العبدِ الميِّتِ (١) سفيانَ بنِ سعيدِ بنِ المنذرِ
الثوريٌّ ، إلى العبدِ المغرورِ بالآمالِ هارونَ الذي سُلبَ حلاوةَ الإيمانِ ، أمَّا
بعدُ : فإنِّي قدْ كتبتُ إليكَ أعلمُكَ أَنِّي قَدْ صرمتُ حبلَكَ، وقطعتُ وُذَّكَ ،
سفيان أن يتركوا رد السلام باللسان؟! هذا بعيد عن مثلهم. ((إتحاف )) ( ٧ /٨٣)،
=
وهذا من الحافظ الزبيدي مبني على أساس رفض الخبر كما سبق بيانه .
(١) في (ط ، ي): (المذنب ) بدل ( الميت ) .
٦٩٥
ه

كتاب الأمر بالمعروف
ربع العادات
وقليتُ موضعَكَ ، وإنَّكَ قدْ جعلتَي شاهداً عليكَ بإقرارِكَ على نفسِكَ في
كتابِكَ ، بما هجمتَ بهِ على بيتِ مالِ المسلمينَ فأنفقتَهُ في غيرِ حقِّهِ ،
وأنفذتَهُ في غيرِ حكمِهِ ، ثمَّ لمْ ترضَ بما فعلتَهُ وأنتَ ناءِ عنِّي حتَّى كتبتَ إليَّ
تشهدُني على نفسِكَ ، أما إنِّي قدْ شهدتُ عليكَ أنا وإخواني الذينَ شهدوا
قراءةً كتابِكَ ، وسنؤدِّي الشهادةَ عليكَ غداً بينَ يدي الله تعالى .
يا هارونُ ؛ هجمتَ على بيتِ مالِ المسلمينَ بغيرِ رضاهُمْ ، هلْ رَضِيَ
بفعلِكَ المؤلّفَةُ قلوبُهُمْ، والعاملونَ عليها في أرضِ اللهِ تعالى ،
والمجاهدونَ في سبيلِ اللهِ ، وابنُ السبيلِ ، أمْ رضيَ بذلكَ حملةُ القرآنِ ،
وأهلُ العلمِ ، والأراملُ والأيتامُ ، أمْ هلْ رضيَ بذلكَ خلقٌ مِنْ رعيَّكَ ؟!
فشُدَّ - يا هارونُ - مزرَكَ، وأعدَّ للمسألة جواباً، وللبلاءِ تِجفافاً(١) ،
واعلمْ أنَّكَ سوفَ تقفُ بينَ يدَي الحكَمِ العدْلِ ، فقدْ رُزئتَ في نفسِكَ ؛ إذْ
سُلبتَ حلاوةَ العلمِ والزهدِ ، ولذيذَ القرآنِ ومجالسةَ الأخيارِ ، ورضيتَ
لنفسِكَ أنْ تكونَ ظالماً ، وللظالمينَ إماماً .
يا هارونُ ؛ قعدتَ على السريرِ ، ولبستَ الوثيرَ ، وأسبلتَ ستراً دونَ
بابِكَ ، وتشبهتَ بالحجبةِ بربِّ العالمينَ، ثمَّ أقعدتَ أجنادَكَ الظلمةَ دونَ
بابِكَ وسترِكَ ، يظلمونَ الناسَ ولا ينصفونَ ، يشربونَ الخمورَ ، ويضربونَ
(١) التِّجفاف: ما يلبسه الإنسان ليقيه في الحرب، كناية عن الحذر هنا، وفي (ج ):
( جلباباً)، وفى ( هـ): ( تجفافاً وجلباباً ).
٦٩٦

ربع العادات
کتاب الأمر بالمعروف
مَنْ يشربُها ، ويزنونَ ويحدُّونَ الزانيَ ، ويسرقونَ ويقطعونَ السارقَ ، أفلا
كانَتْ هذهِ الأحكامُ عليكَ وعليهِمْ قبلَ أنْ تحكمَ بها على الناسِ ؟
فكيفَ بكَ - يا هارونُ - غداً إذا نادى المنادي مِنَ قِبَلِ اللهِ تعالى :
أَحْشُرُواْ الَّذِينَ ظَلَمُواْ وَأَزْوَجَهُمْ ﴾ أينَ الظلمةُ وأَعوانُ الظلمةِ ؟ فقدمتَ بينَ
يديِ اللهِ تعالى ويداكَ مغلولتانِ إلى عنقِكَ لا يفكُّهُما إلا عدْلُكَ وإنصافُكَ ؟
والظالمونَ حولَكَ وأنتَ لهُمْ سابقٌ وإمامٌ إلى النارِ ؟
كأنِّي بكَ - يا هارونُ - وقدْ أخذتَ بضيقِ الخناقِ ، ووردتَ المساقَ ،
وأنتَ ترى حسناتِكَ في ميزانٍ غيرِكَ ، وسيئاتِ غيرِكَ في ميزانِكَ زيادةً على
سيئاتِكَ ، بلاءً على بلاءٍ ، وظلمةً فوقَ ظلمةٍ ، فاحتفظْ بوصيَّي واتعظّ
بموعظتي التي وعظتُكَ بها .
واعلمْ أنِّي قدْ نصحتُكَ ، وما أبقيتُ لكَ في النصح غايةً ، فاتقِ اللهَ -
يا هارونُ - في رعيَّكَ، واحفظْ محمداً صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ في أمَّتِهِ ،
وأحسنِ الخلافةَ عليهِمْ .
المنعسـ
واعلمْ أنَّ هذا الأمرَ لوْ بقيَ لغيرِكَ .. لمْ يصلْ إليكَ، وهوَ صائرٌ إلى
غيرِكَ، وكذا الدنيا تنتقلُ بأهلِها واحداً بعدَ واحدٍ ، فمنهُمْ مَنْ تزوَّدَ زاداً
نفعَهُ، ومنهُمُ مَنْ خسرَ دنياهُ وآخرتَهُ ، وإنِّي أحسبُكَ ـــ يا هارونُ - ممَّنْ خسرَ
دنياهُ وآخرتَهُ، فإِيَّاكَ إِيَّاكَ أنْ تكتبَ إليَّ كتاباً بعدَ هذا ، فلا أجيبُكَ عنهُ ،
والسلامُ .
٦٩٧

كتاب الأمر بالمعروف
ربع العادات
فعـ
قالَ عبَّادٌ: فألقى إليَّ الكتابَ منشوراً غيرَ مطويٍّ ولا مختوم ، فأخذتُهُ
وأقبلتُ إلى سوقِ الكوفةِ ، وقدْ وقعَتِ الموعظةُ مِنْ قلبي ، فناديتُ : يا أهلَ
الكوفةِ ، فأجابوني ، فقلتُ لهُمْ : يا قومُ؛ مَنْ يشتري رجلاً هربَ مِنَ اللهِ
إلى اللهِ ؟ فأقبلوا إليَّ بالدنانيرِ والدراهِمِ ، فقلتُ : لا حاجةَ لي في المالِ ،
ولكنْ جبَّةَ صوفٍ خشنةً ، وعباءةً قطوانيَّةً ، قالَ : فأُتيتُ بذلكَ ، ونزعتُ
ما كانَ عليَّ مِنَ اللباسِ الذي كنتُ ألبسُهُ معَ أميرِ المؤمنينَ ، وأقبلتُ أقودُ
البرذونَ وعليهِ السلاحُ الذي كنتُ أحملُهُ ، حتَّى أتيتُ بابَ أميرِ المؤمنينَ
هارونَ حافياً راجلاً ، فهزأَ بي مَنْ كانَ على بابِ الخليفةِ ، ثمّ استُؤذنَ لي ،
فلمَّا دخلتُ مجلسَهُ وبصرَ بي هارونُ على تلكَ الحالةِ . . قامَ وقعدَ ، ثمَّ قامَ
قائماً وجعلَ يلطمُ رأسَهُ ووجهَهُ، ويدعو بالويلِ والحزْنِ ويقولُ : انتفعَ
الرسولُ وخابَ المرسِلُ ، ما لي وللدنيا ، ما لي ولملكِ يزولُ عنِّي
سريعاً ؟!
ثُمَّ ألقيتُ الكتابَ إليهِ منشوراً كما دُفِعَ إليَّ، فأقبلَ هارونُ يقرؤُهُ ودموعُهُ
تتحذَّرُ مِنْ عينيهِ ، ويقرأُ ويشهقُ ، فقالَ بعضُ جلسائِهِ : يا أميرَ المؤمنينَ ؛
لقدْ اجترأَ عليكَ سفيانُ ، فلوْ وجَّهْتَ إليهِ فأثقلتَهُ بالحديدِ ، وضیَّقْتَ علیهِ
السجنَ .. كنتَ تجعلُهُ عبرةً لغيرِهِ ، فقالَ هارونُ : اتركونا يا عبيدَ الدنيا ،
المغرورُ مَنْ غررتموهُ ، والشقيُّ مَنْ أهلكتموهُ ، وإنَّ سفيانَ أمَّةٌ وحدَهُ ،
فاتركوا سفيانَ وشأنَّهُ ، ثمَّ لمْ يزلْ كتابُ سفيانَ إلى جنبٍ هارونَ يقرؤُهُ عندَ
كلِّ صلاةٍ ، حتَّى تُوفِّيَ رحمَهُ اللهُ .
٦٩٨

ربع العادات
كتاب الأمر بالمعروف
فرحمَ اللهُ عبداً نظرَ لنفسِهِ ، واتقى اللهَ فيما يقدمُ عليهِ غداً مِنْ عملِهِ ،
فإنَّهُ عليهِ يُحاسبُ ، وبهِ يُجازى ، واللهُ وليُّ التوفيقِ .
وعنْ عبدِ اللهِ بنِ مهرانَ قالَ : حجَّ الرشيدُ ، فوافى الكوفةَ ، فأقامَ بها
أياماً ، ثمَّ ضربَ بالرحيلِ ، فخرجَ الناسُ ، وخرجَ بهلولٌ المجنونُ فيمَنْ
خرجَ ، فجلسَ بالكناسةِ والصبيانُ يؤذونَهُ ويَولَعونَ بهِ ، إذْ أقبلَتْ هوادِجُ
هارونَ ، فكفَّ الصبيانُ عنِ الوّلوع بهِ ، فلمَّا جاءَ هارونُ .. نادى بأعلى
صوتِهِ : يا أميرَ المؤمنينَ ؛ فكشفَ هارونُ السجافَ بيدِهِ عنْ وجهِهِ ، فقالَ :
لبيكَ يا بهلولُ ؛ فقالَ: يا أميرَ المؤمنينَ؛ حدَّثَنَا أيمنُ بنُ نائلٍ ، عنْ
قدامةَ بنِ عبدِ اللهِ العامريِّ قالَ : ( رأيتُ النبيَّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ منصرفاً
مِنْ عرفةَ على ناقةٍ لهُ صهباءَ، لا ضربَ ولا طردَ ولا إليكَ إليكَ)(١) ،
وتواضعُكَ في سفرِكَ هذا يا أميرَ المؤمنينَ خيرٌ لكَ مِنْ تكبِّرِكَ وتجبُرِكَ ،
قالَ : فبكى هارونُ حتَّى سقطَتْ دموعُهُ على الأرضِ .
ثمّ قالَ: يا بهلولُ؛ زدْنا رحمَكَ اللهُ، قالَ: نعمْ يا أميرَ
المؤمنينَ، رجلٌ آتاهُ اللهُ مالاً وجَمالاً ، فأنفقَ مِنْ مالِهِ وعفَّ في
جمالِهِ .. كُتبَ في خالصِ ديوانِ اللهِ تعالىُ معَ الأبرارِ ، قالَ : أحسنتَ
يا بهلولُ ودفعَ لهُ جائزةً، فقالَ : ارددِ الجائزةَ على مَنْ أخذتَها منهُ ،
فلا حاجةً لي فيها .
(١) رواه الترمذي ( ٩٠٣)، والنسائي (٢٧٠/٥)، وابن ماجه (٣٠٣٥).
٦٩٩

كتاب الأمر بالمعروف
ربع العادات
قالَ : يا بهلولُ؛ فإنْ يكنْ عليكَ دينٌّ .. قضيناهُ، قالَ: يا أميرَ
المؤمنينَ ؛ هؤلاءِ أهلُ العلمِ بالكوفةِ متوافرونَ ، اجتمعَتْ آراؤُهُمْ أنَّ قضاءَ
الدينِ بالدينِ لا يجوزُ .
قالَ : يا بهلولُ ؛ فنجري عليكَ ما يقوتُكَ أَوْ يقيمُكَ ، قَالَ : فرفعَ
بهلولٌ رأسَهُ إلى السماءِ ثمّ قالَ: يا أميرَ المؤمنينَ ؛ أنا وأنتَ مِنْ عيالِ اللهِ ،
فمحالٌ أنْ يذكرَكَ وينساني .
قالَ : فأسبلَ هارونُ السجافَ ومضى(١).
وعنْ أبي العباسِ الهاشميِّ مِنْ ولدِ صالحِ بنِ المأمونِ(٢)، قالَ: دخلتُ
على الحارثِ المحاسبيِّ رحمَهُ اللهُ ، فقلتُ لهُ : يا أبا عبدِ اللهِ ؛ هلْ حاسبتَ
نفسَكَ ؟ قالَ : كانَ هذا مرَّةٌ ، قلتُ لهُ : فاليومَ ، قالَ : أكاتمُ حالي ، إنِّي
لأقرأُ آيةٌ مِنْ كتابِ اللهِ تعالىُ فأضنُّ بها أنْ تسمعَها نفسي ، ولولا أنْ يغلبَني
فيها فرحٌ .. ما أعلنتُ بها ، ولقدْ كنتُ ليلةً قاعداً في محرابي ، فإذا أنا بفتىّ
حسنِ الوجهِ ، طيِّبِ الرائحةِ ، فسلَّمَ عليَّ، ثمَّ قعدَ بينَ يديَّ، فقلتُ لهُ :
مَنْ أنتَ ؟ فقالَ : أنا واحدٌ مِنَ السَّاحينَ ، أقصدُ المتعبِّدينَ في محاريِهِمْ ،
ولا أرى لكَ اجتهاداً ، فأيُّ شيءٍ عملُكَ؟ قالَ : قلتُ لهُ : كتمانُ
(١) رواه ابن عساكر في ((تاريخ دمشق)) (٤٠٨/٥) بنحوه ، والبهلول: السيد الجامع لكل
خير ، ويطلق على الضَّاك من الرجال ، وبهلول هنا علم ، وهو ابن عمرو الصيرفي ،
روى عن مالك. انظر ((الإتحاف)) ( ٨٥/٧).
(٢) في (ج): ( من ولد صالح المرِّي) .
٧٠٠
ـون