Indexed OCR Text
Pages 621-640
ربع العادات كتاب الأمر بالمعروف نسخُهُ ، ولكنْ كانَتِ الحاجةُ إلى الزجرِ والفطام شديدةً ، فإذا رأى الوالي باجتهادِهِ مثلَ تلكَ الحاجةِ .. جازَ لهُ مثلُ ذلكَ ، وإذا كانَ هذا منوطاً بنوع اجتهادٍ دقيقٍ .. لمْ يكنْ ذلكَ لآحادِ الرعيَّةِ . فإنْ قلتَ : فليجزْ للسلطانِ زجرُ الناسِ عنِ المعاصي بإتلافٍ أموالِهِمْ وتخريبٍ دورِهِمُ التي فيها يشربونَ ويعصونَ ، وإحراقِ أموالِهِمُ التي بها يتوصَّلونَ إلى المعاصي ! فاعلمْ : أنَّ ذلكَ لوْ وردَ الشرعُ بهِ .. لمْ يكنْ خارجاً عنْ سننِ المصالحِ ، ولكنَّا لا نبتدعُ المصالحَ ، بلْ نتبعُ فيها، وكسرُ ظروفِ الخمرِ قَدْ ثبتَ عندَ شدَّةِ الحاجةِ ، وتركُهُ بعدَ ذلكَ لعدم شدّةِ الحاجةِ لا يكونُ نسخاً ، بلِ الحكمُ يزولُ بزوالِ العلَّةِ ، ويعودُ بعودِها، وإنَّما جوزْنا ذلكَ للإمامِ بحكمٍ الاتباع ، ومنعْنا آحادَ الرعيَّةِ منهُ لخفاءِ وجهِ الاجتهادِ فیهِ . بلْ نقولُ : لوْ أُريقَتِ الخمورُ أوَّلاً .. فلا يجوزُ كسْرُ الأواني بعدَها ، وإنَّما جازَ كسرُها تبعاً للخمرِ ، فإذا خلَتْ عنها .. فهوَ إتلافُ مالٍ ، إلا أنْ تكونَ ضاريةً بالخمرِ لا تصلحُ إلا لها(١) . ـو فكأنَّ الفعلَ المنقولَ عنِ العصرِ الأوَّلِ كانَ مقروناً بمعنيينِ : (١) الإناء الضاري: هو الذي ضَرِيّ بالخمر وعوِّد بها، فإذا وضع فيها شيء آخر .. فد، ولم ينتفع به . ٦٢١ كتاب الأمر بالمعروف ربع العادات أحدُهُما : شدّةُ الحاجةِ إلى الزجرِ . والآخرُ : تبعيَّةُ الظروفِ للخمرِ التي هيَ مشغولةٌ بها . وهما معنيانِ مؤثِّرانِ لا سبيلَ إلى حذِفِهما . ومعنىَّ ثالثٌ: وهوَ صدورُهُ عنْ رأيٍ صاحبِ الأمرِ ؛ لعلمِهِ بشدّةِ الحاجةِ إلى الزجرِ ، وهوَ أيضاً مؤثِّرٌ ، فلا سبيلَ إلى إلغائِهِ . فهذهِ تصرُّفاتٌ دقيقةٌ فقهيةٌ يحتاجُ المحتسِبُ - لا محالةَ - إلى معرفتِها . الدرجةُ السادسةُ : التهديدُ والتخويفُ : كقولهِ: دعْ عنكَ هذا أوْ لأكسرنَّ رأسَكَ، أوْ لأضربنَّ رقبتكَ ، أَوْ لآمرنَّ بكَ ، وما أشبهَهُ . وإلا. ٠٥٨ وهذا ينبغي أنْ يُقدَّمَ على تحقيقِ الضربِ إذا أمكنَ تقديمُهُ . والأدبُ في هذهِ الرتبةِ : ألا يهدِّدَهُ بوعيدٍ لا يجوزُ لهُ تحقيقُهُ؛ كقولِهِ : لأنهبنَّ دارَكَ ، أَوْ لأضربنَّ ولدَكَ ، أوْ لأسبينَّ زوجتَكَ ، وما يجري مَجراهُ ، بلْ ذلكَ إنْ قالَهُ عنْ عزمٍ .. فهوَ حرامٌ، وإنْ قالَهُ عنْ غيرِ عزمٍ .. فهوَ كذبٌ . نعمْ ، إذا تعرَّضَ لوعيدِهِ بالضربِ والاستخفافِ .. فلهُ العزمُ عليهِ إلى حدٍّ معلومٍ يقتضيهِ الحالُ ، ولهُ أنْ يزيدَ في الوعيدِ على ما هوَ في عزمِهِ الباطنِ إذا علمَ أنَّ ذلكَ ممَّا يقمعُهُ ويردعُهُ ، وليسَ ذلكَ مِنَ الكذبِ ٦٢٢ 1 ربع العادات كتاب الأمر بالمعروف 1 المحذورِ ، بلِ المبالغةُ في مثلِ ذلكَ معتادةٌ ، وهوَ في معنى مبالغةِ الرجلِ في إصلاحِهِ بينَ شخصينٍ ، وتأليفِهِ بينَ الضرَّتينِ ، وذلكَ ممَّا رُخِّصَ فيهِ للحاجةِ ، وهذا في معناهُ ؛ فإنَّ القصدَ بهِ إصلاحُ ذلكَ الشخصِ . وإلى هذا المعنى أشارَ بعضُ الناسِ أنَّهُ لا يقبحُ مِنَ اللهِ سبحانَهُ أنْ يتوغَّدَ بما لا يفعلُ ؛ لأنَّ الخلفَ في الوعيدِ كرمٌ ، وإنَّما يقبِحُ أنْ يَعِدَ بما لا يفعلُ ، وهذا غيرُ مرضيٍّ عندَنا ؛ فإنَّ الكلامَ القديمَ لا يتطرّقُ إليهِ الخلْفُ ، وعداً كانَ أوْ وعيداً ، وإنَّما يتصوَّرُ هذا في حقِّ العبادِ ، وهوَ كذلكَ ، إِذِ الخلفُ في الوعيدِ ليسَ بحرامٍ (١). (١) وعليه ؛ فلا بد أن يصدق الوعيد ولو على فرد واحد ، ويقول إمام الحرمين في ((الإرشاد)) (ص ٣٩٢) في سياق رده على من أوجب على الله تعالى عقاب المصر على المعاصي : ( فإذا حَسُنَ من الواحد منا الصفح مع تلذذه بالانتقام والتشفي ، وتعرضه للمضار لو كظم غيظه .. فلأن يحسن العفو من الرب تعالى المتنزه عن الحاجة ، المنعوت بالغنى حقاً .. أولى وأحرى، وما ذكروه إبطال لفضل الله ورحمته) . ويقول أبو المظفر الإسفرايني في (( التبصير في الدين)) ( ص ١٦١): ( ولم يكن من مشاهيرهم - أهل السنة والجماعة - من تدنس بشيء من بدع الروافض والخوارج والقدرية ، مثل أبي عمرو بن العلاء ، الذي قال له عمرو بن عبيدي القدري : قد ورد من الله تعالى الوعد والوعيد ، والله تعالى يصدق وعده ووعيده ، فأراد بههذا الكلام أن ينصر بدعته التي ابتدعها في أن العصاة من المؤمنين خالدون مخلدون ، فقال أبو عمرو : فأين أنت من قول العرب إن الكريم إذا أوعد .. عفا ، وإذا وعد .. وفى ، وافتخار قائلهم بالعفو عند الوعيد حيث قال : وإني إذا أوعدته أو وعدته لمخلف إيعادي ومنجز موعدي فعدَّه من الكرم ، لا من الخلق المذموم) . ٦٢٣ قامـ كتاب الأمر بالمعروف ربع العادات الدرجةُ السابعةُ : مباشرةُ الضربِ باليدِ والرِّجْلِ ، وغيرِ ذلكَ ممَّا ليسَ فيهِ شهرٌ سلاح : وذلكَ جائزٌ للآحادِ ، بشرطِ الضرورةِ والاقتصارِ على قدْرِ الحاجةِ في الدفع ، فإذا اندفعَ المنكرُ .. فينبغي أنْ يكفَّ . والقاضي قدْ يرهقُ مَنْ ثبتَ عليهِ الحقُّ إلى الأداءِ بالحبسِ ، فإنَّ أصرّ المحبوسُ ، وعلمَ القاضي قدرتَهُ على أداءِ الحقِّ، وكونَهُ معانداً .. فلهُ أنْ يلزمَهُ الأداءَ بالضربِ على التدريجِ كما يُحتاجُ إليهِ ، وكذلكَ المحتسبُ يراعي التدريجَ ، فإنِ احتاجَ إلى شهْرِ سلاحٍ وكانَ يقدرُ على دفع المنكرِ بشهْرِ السلاحِ وبالجرحِ .. فلهُ أنْ يتعاطىُ ذلكَ ما لمْ تثُرْ فتنةٌ ، كما لوْ قبضَ فاسقٌ مثلاً على امرأةٍ ، أَوْ كانَ يضربُ بمزمارِ معَهُ وبينَهُ وبينَ المحتسبِ نهرٌ حائلٌ أوْ جدارٌ مانعٌ ؛ فيأخذُ قوسَهُ ويقولُ لهُ: خلِّ عنها أوْ لأرمينَّكَ ، فإنْ لمْ يخلِّ عنها .. فلهُ أنْ يرميَ ، وينبغي ألا يقصدَ المقتلَ ، بلِ الساقَ والفخذَ وما أشبهَهُ ، ويراعيَ فيهِ التدريجَ، وكذلكَ يسلُّ السيفَ ويقولُ : اتركْ هذا المنكرَ أوْ لأضربنَّكَ ، فكلُّ ذلكَ دفعٌ للمنكرِ ، ودفعُهُ واجبٌ بكلِّ ممكنٍ ، ولا فرقَ في ذلكَ بينَ ما يتعلَّقُ بخاصٌّ حقِّ اللهِ وما يتعلَّقُ بحقِّ الآدميينَ . وقالَتِ المعتزلةُ: ما لا يتعلَّقُ بالآدميينَ .. فلا حسبةَ فيهِ إلا بالكلام أوْ بالضربِ ، ولكنْ للإمام لا للآحادِ . ٦٢٤ ربع العادات كتاب الأمر بالمعروف الدرجةُ الثامنةُ: ألا يقدرَ عليهِ بنفسِهِ ويحتاجَ فيهِ إلى أعوانٍ يشهرونَ السلاحَ : وربّما يستمدُّ الفاسقُ أيضاً بأعوانِهِ ، ويؤدِّي ذلكَ إلى أنْ يتقابلَ الصفَّانِ ويتقاتلا ، فهذا قدْ ظهرَ الاختلافُ في احتياجِهِ إلى إذنِ الإمامِ . فقالَ قائلونَ : لا يستقلُّ آحادُ الرعيَّةِ بذلكَ ؛ لأنَّهُ يؤدي إلى تحريكِ الفتنِ وهیجانِ الفسادِ وخرابِ البلادِ . وقالَ آخرونَ : لا يحتاجُ إلى الإذنِ ، وهوَ الأقيسُ؛ لأنَّهُ إذا جازَ للآحادِ الأمرُ بالمعروفِ وأوائلُ درجاتِهِ تدعو إلى ثوانيهِ ، وقدْ تنتهي - لا محالةَ - إلى التضارب ، والتضاربُ يدعو إلى التعاونِ .. فلا ينبغي أنْ يباليَ بلوازمٍ الأمرِ بالمعروفِ ، ومنتهاهُ تجنيدُ الجنودِ في رضا اللهِ ودفع معاصيهِ ، ونحنُ نجوِّزُ للآحادِ مِنَ الغزاةِ أنْ يجتمعوا ويقاتلوا مَنْ أرادوا مِنْ فرقِ الكفَّارِ ؛ قمعاً الأهلِ الكفرِ ، فكذلكَ قمعُ أهلِ الفسادِ جائزٌ؛ لأنَّ الكافرَ لا بأسَ بقتلِهِ ، والمسلمُ إنْ قُتِلَ فهوَ شهيدٌ ؛ فكذلكَ الفاسقُ المناضلُ عنْ فسقِهِ لا بأسَ بقتلِهِ ، والمحتسبُ المحقُّ إِنْ قُتِلَ مظلوماً .. فهوَ شهيدٌ . وعلى الجملةِ : فانتهاءُ الأمرِ إلى هذا مِنَ النوادرِ في الحِسبةِ ، فلا يُغيّرُ بهِ قانونُ القياس ، بلْ يُقالُ : كلُّ مَنْ قدرَ على دفع منكرٍ .. فلهُ أنْ يدفعَ ذلكَ بيدِهِ ، وسلاحِهِ ونفسِهِ وبأعوانِهِ ، فالمسألةُ إذاً محتملةٌ كما ذكرنا . فهذهِ درجاتُ الاحتسابِ ، فلنذكرْ آدابَها ، واللهُ الموفِّقُ . ٦٢٥ 5 كتاب الأمر بالمعروف ربع العادات بيان آداب المحتيب قدْ ذكرْنا تفاصيلَ الآدابِ في آحادِ الدرجاتِ ، ونذكرُ الآنَ جملَها ومصادرَها ، فنقولُ : جميعُ آدابِ المحتسبِ مصدرُها ثلاثُ صفاتٍ في المحتسِبِ : العلمُ ، والورعُ ، وحسنُ الخلقِ . أمَّا العلمُ : فليعلمَ مواقعَ الحسبةِ وحدودَها ومجاريَها وموانعَها ؛ ليقتصرَ على حدِّ الشرعِ فيها . وأمَّا الورعُ: فِلِيزعجَهُ(١) عنْ مخالفةِ معلومِهِ، فما كلُّ مَنْ علمَ عملَ بعلمِهِ ، بلْ ربَّما يعلمُ أنَّهُ مسرفٌ في الحسبةِ وزائدٌ على الحدِّ المأذونِ فيهِ شرعاً ، ولكنْ يحملُهُ عليهِ غرضٌ مِنَ الأغراضِ ، وليكونَ كلامُهُ ووعظُهُ مقبولاً ؛ فإنَّ الفاسقَ يُهزأُ بهِ إذا احتسبَ ، ويورثُ ذلكَ جراءةٌ عليهِ . وأمَّا حسنُ الخلقِ : فليتمكَّنَ بهِ مِنَ اللطفِ والرفقِ ، وهوَ أصلُ البابِ وأساسُهُ ، والعلمُ والورعُ لا يكفيانِ فيهِ ؛ فإنَّ الغضبَ إذا هاجَ .. لا يكفي مجرَّدُ العلمِ والورع في قمعِهِ ما لمْ يكنْ في الطبعِ قبولٌ لهُ بحسنِ الخلقِ . وعلى التحقيقِ : فلا يتمُّ الورعُ إلا معَ حسنِ الخلقِ ، والقدرةِ على ضبطٍ الشهوةِ والغضبِ ، وبهِ يصبرُ المحتسبُ على ما أصابَهُ في دينِ اللهِ تعالى ، (١) كذا في (ب)، وفي (أ): (ليزعه)، وفي (هـ، ط): (ليردعه)، وفي (ي) : ( لينزعه ) . ٦٢٦ ربع العادات كتاب الأمر بالمعروف وإلا .. فإذا أُصيبَ عرضُهُ أوْ مالُهُ أَوْ نفسُهُ بشتمٍ أوْ ضربٍ .. نسيَ الحِسبةَ، وغفلَ عنْ دينِ اللهِ ، واشتغلَ بنفسِهِ ، بلْ ربَّما يقدمُ عليهِ ابتداءً لطلبِ الجاهِ والاسمِ . فهذهِ الصفاتُ الثلاثُ بها تصيرُ الحِسبةُ مِنَ القرباتِ ، وبها تندفعُ المنكراتُ ، وإنْ فُقدَتْ .. لمْ يندفع المنكرُ، بلْ ربَّما كانَتِ الحِسبةُ أيضاً منكرةً ؛ لمجاوزةِ حدِّ الشرع فيها . ودلَّ على هذهِ الآدابِ قولُهُ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: (( لا يأمرُ بالمعروفِ ولا ينهى عنِ المنكرِ إلا رفيقٌ فيما يأمرُ بهِ، رفيقٌ فيما ينهى عنهُ، حليمٌ فيما يأمرُ بهِ، حليمٌ فيما ينهى عنهُ، فقيهٌ فيما يأمرُ بهِ، فقيهٌ فيما ينهى عنهُ))(١) ، وهذا يدلُّ على أنَّهُ لا يُشترطُ أنْ يكونَ فقيهاً مطلقاً ، بلْ فيما يأمرُ بهِ وينهى عنهُ ، وكذا الحلْمُ . وقالَ الحسنُ البصريُّ رحمهُ اللهُ تعالى: ( إذا كنتَ ممَّنْ يأمرُ بالمعروفِ .. فكنْ مِنْ آخذِ الناسِ بهِ، وإلا .. هلكتَ)(٢). (١) روى نحوه مرفوعاً من حديث أنس رضي الله عنه الديلميُّ في ((مسند الفردوس)) (٧٧٤١) ولفظه: (( لا ينبغى للرجل أن يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر حتى يكون فيه خصال ثلاثة : رفيق بما يأمر رفيق بما ينهى ، عالم فيما يأمر عالم فيما ينهى ، عدل فيما يأمر عدل فيما ينهى)) . (٢) رواه ابن أبي الدنيا في ((الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر)) (٩١). G ٦٢٧ کتاب الأمر بالمعروف ربع العادات ولأبي العتاهيةِ(١): [من الطويل] أَيَا مَنْ يُداوِي النَّاسَ وَهْوَ سَقِيمُ تَدُلُّ عَلَى التَّقْوَىُ وَأَنْتَ مُقَصِّرٌ وَلَوْ كانَتِ الدُّنْيَا لَهُ لَعَدِيمُ وَإِنَّ أَمْرَأَ لَمْ يَجْعَلِ آلْبِرَّ كَنْزَهُ وقدْ قيلَ(٢): [من السريع] وَأَنْتَ مَنْسُوبٌ إِلَى مِثْلِهِ لا تَلُمِ الْمَرْءَ عَلَى فِعْلِهِ فَإِنَّمَا يَزْرِي عَلَىْ عَقْلِهِ مَنْ ذَمَّ شَيْئاً وَأَتَى مِثْلَهُ. و ولسنا نعني بهذا أنَّ الأمرَ بالمعروفِ يصيرُ ممنوعاً بالفسقِ، ولكنْ يسقطَ أثرُهُ عنِ القلوبِ بظهورِ فسقِهِ للناسِ ، فقدْ رُوِيَ عنْ أنسٍ رضيَ اللهُ عنهُ أنَّهُ قالَ : قلنا : يا رسولَ اللهِ ؛ ألا نأمرُ بالمعروفِ حتى نعملَ بهِ کلُّهِ ، ولا ننهى عن المنكرِ حتَّى نجتنبَهُ كلَّهُ؟ فقالَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: (( بلْ مروا بالمعروفِ وإنْ لمْ تعملوا بهِ كلِّهِ، وانهوا عن المنكرِ وإنْ لمْ تجتنبوهُ كلَّهُ)) (٣). وأوصىُ بعضُ السلفِ بنيهِ فقالَ : (إنْ أرادَ أحدُكُمْ أنْ يأمرَ بالمعروفِ .. فليوطُّنْ نفسَهُ على الصبرِ ، وليثقْ بالثوابِ مِنَ اللهِ ، فمَنْ وثقَ بالثوابِ مِنَ اللهِ .. لمْ يجدْ مسَّ الأذى)(٤) . (١) ديوانه ( ص ٣٤٨). (٢) البيتان لمحمد بن عيسى التميمي. انظر ((معجم الشعراء)) (ص ٤٠٨). (٣) رواه الطبراني في ((الأوسط)) (٦٦٢٤)، و((الصغير)) (٧٨/٢). (٤) رواه ابن أبي شيبة في (( المصنف)) (٢٦١٠٣)، والموصي هو عمير بن حبيب . ٦٢٨ ربع العادات كتاب الأمر بالمعروف فإذاً ؛ مِنْ آدابِ الحِسبةِ توطينُ النفسِ على الصبرِ، ولذلكَ قرنَ اللهُ الصيرَ بالأمرِ بالمعروفِ، فقالَ حاكياً عنْ لقمانَ: ﴿يَبُنَّ أَقِمِ الصَّلَوَةَ وَأَمُرْ ◌ِاَلْمَعْرُوفِ وَأَنّهَ عَنِ الْمُنكَرِ وَأَصْبِرْ عَلَى مَآ أَصَابَكَ﴾ . ومِنَ الآدابِ تقليلُ العلائقِ؛ حتَّى لا يكثرَ خوفُهُ ، وقطعُ الطمعِ عنِ الخلائقِ ؛ حتَّى تزولَ عنهُ المداهنةُ ، فقدْ رُوِيَ عنْ بعضِ المشايخ أنَّهُ كانَ لهُ سِنَّورٌ، وكانَ يأخذُ مِنْ قصَّابٍ في جوارِهِ كلَّ يومٍ شيئاً مِنَ الغددِ لسِنَّرِهِ ، فرأى على القصَّابِ منكراً، فدخلَ الدارَ أوَّلاً وأخرجَ السنَّورَ، ثمَّ جاءً واحتسبَ على القصَّابِ، فقالَ لهُ القصَّابُ: لا أعطيكَ بعدَ هذا شيئاً لسِنَّورِكَ ، فقالَ : ما احتسبتُ عليكَ إلا بعدَ إخراج السِّنَّورِ وقطعِ الطمعِ منكَ . وهوَ كما قالَ ، فمَنْ لمْ يقطع الطمعَ مِنَ الخلقِ .. لمْ يقدرْ على الحِسبةِ ، ومَنْ طمعَ في أنْ تكونَ قلوبُ الناسِ عليهِ طيِّةً ، وألسنتُهُمْ بالثناءِ عليهِ مطلقةً .. لمْ تتيسّرْ لُهُ الحِسبةُ. قالَ كعبُ الأحبارِ لأبي مسلم الخولانيِّ : كيفَ منزلتُكَ بينَ قومِكَ ؟ قالَ : حسنةٌ، قالَ: إنَّ التوراةَ تقولُ: إنَّ الرجلَ إذا أمرَ بالمعروفِ ونهى عنِ المنكرِ .. ساءَتْ منزلتُهُ عندَ قومِهِ! فقالَ : أبو مسلم : صدقتِ التوراةُ وكذبَ أبو مسلمٍ (١). (١) رواه الخولاني في (( تاريخ داريا)) (ص ٦٢)، وابن عساكر في (( تاريخ دمشق)) ( ٢٧ /٢٠٣ ) . ٦٢٩ کتاب الأمر بالمعروف ربع العادات ويدلُّ على وجوبِ الرفقِ ما استدلَّ بهِ المأمونُ إذْ وعظَهُ واعظٌ وعنَّفَ لهُ في القولِ ، فقالَ : يا رجلُ؛ ارفقْ؛ فقدْ بعثَ اللهُ مَنْ هوَ خيرٌ منكَ إلى مَنْ هو شرٌّ مِنِّي وأمرَهُ بالرفقِ، فقالَ تعالى: ﴿فَقُولَا لَهُ قَوْلاً لَِّنَا لَّعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى﴾(١). 5 فليكنِ اقتداءُ المحتسبِ في الرفقِ بالأنبياءِ صلواتُ اللهِ عليهِمْ ، فقدْ روى أبو أمامةَ أنَّ غلاماً شابّاً أتى النبيَّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ فقالَ : يا نبيَّ اللهِ ؛ أتأذنُ لي في الزنا؟ فصاحَ الناسُ بهِ، فقالَ النبيُّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ : ((أقرُّوهُ، ادنُ))، فدنا حتَّى جلسَ بينَ يديهِ، فقالَ النبيُّ عليهِ الصلاةُ والسلامُ: ((أتحبُّهُ لأمِّكَ؟)) فقالَ: لا، جعلَني اللهُ فداكَ، قالَ: (( كذلكَ الناسُ لا يحبُّونَهُ لأمَّهاتِهِمْ، أتحبُّهُ لابنِتِكَ؟ )) قالَ: لا، جعلَني اللهُ فداكَ ، قالَ: ((كذلكَ الناسُ لا يحبُّونَهُ لبناتِهِمْ، أتحبُّهُ لأختِكَ؟ )) وزادَ ابنُ عوفٍ أنَّهُ ذكرَ العمَّةَ والخالةَ ، وهوَ يقولُ في كلِّ واحدٍ : لا، جعلَني اللهُ فداكَ ، وهوَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ يقولُ: ((وكذلكَ الناسُ لا يحبُّونَهُ))، وقالا جميعاً في حديثهما - أعني: ابنَ عوفٍ والراويَ الآخرَ - : فوضعَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ يدَهُ على صدرِهِ وقالَ: (( اللهمَّ ؛ طهِّرْ قلبَهُ ، واغفرْ ذنبَهُ، وحصِّنْ فرجَهُ))، فلمْ يكنْ شيءٌ أبغضَ إليهِ منهُ ؛ يعني مِنَ الزنا(٢). (١) روى نحوها ابن الجوزي في ((المنتظم)) (٢٤٧٦/٥)، وأوردها عن المأمون ابن عبد ربه في ((العقد الفريد)) (٥٧/١) وكان الواعظ له هو الحارث بن مسكين. (٢) رواه أحمد في ((المسند)" (٢٥٦/٥)، والطبراني في (( الكبير)) (١٦٢/٨). ٦٣٠ ربع العادات كتاب الأمر بالمعروف وقيلَ للفضيلِ بنِ عياضٍ : إنَّ سفيانَ بنَ عيينةَ قَبَلَ جوائزَ السلطانِ ، فقالَ الفضيلُ : ما أخذَ منهُمْ إلا دونَ حَقِّهِ ، ثمَّ خلا بهِ وعذلَهُ ووبَّخَهُ ، فقالَ سفيانُ: ( يا أبا عليٍّ؛ إنْ لمْ نكنْ مِنَ الصالحينَ .. فإنَّا لنحبُّ الصالحينَ)(١) . وقالَ حمَّدُ بنُ سلمةً : إنَّ صلةَ بنَ أشيمَ مرَّ عليهِ رجلٌ قدْ أسبلَ إزارَهُ ، فهمَّ أصحابُهُ أنْ يأخذوهُ بشدّةٍ ، فقالَ : دعوني ، أنا أكفيكُمْ ، فقالَ : يا بنَ أخي ؛ إنَّ لي إليكَ حاجةٌ ، قالَ : وما حاجتُكَ يا عمّ؛ قالَ : أحبُّ أنْ ترفعَ مِنْ إزارِكَ، فقالَ : نعمْ وكرامةً، فرفعَ إزارَهُ ، فقالَ لأصحابِهِ : لوْ أخذ تموهُ بشدّةٍ .. لقالَ: لا ولا كرامةَ، وشتمَكُمْ (٢). وقالَ محمدُ بنُ زكريّا الغِلابيُّ : شهدتُ عبيدَ اللهِ بنَ محمدِ بنِ عائشةَ ليلةً وقدْ خرجَ مِنَ المسجدِ بعدَ المغربِ يريدُ منزلَهُ ، وإذا في طريقِهِ غلامٌ مِنْ قريشٍ سكرانُ ، وقدْ قبضَ على امرأةٍ فجذبَها ، فاستغاثَتْ ، فاجتمعَ الناسُ عليهِ يضربونَهُ ، فنظرَ إليهِ ابنُ عائشةَ فعرفَهُ ، فقالَ للناسِ : تنخّوا عنِ ابنِ أخي ، ثمّ قالَ : إليَّ يا بن أخي، فاستحيا الغلامُ ، فجاءَ إليهِ فضمَّهُ إلى نفسِهِ ، ثمَّ قالَ لهُ : امضٍ معي ، فمضى معه حتَّى صارَ إلى منزِلِهِ وأدخلَهُ (١) رواه ابن الطيوري في ((الطيوريات)) (٢٤١). (٢) رواه ابن أبي الدنيا في ((الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر)) (٤٥)، وأبو نعيم في ((الحلية)) (٢٣٨/٢) . ٦٣١ كتاب الأمر بالمعروف ربع العادات الدارَ ، وقالَ لبعضٍ غلمانِهِ : بيِّتْهُ عندَكَ، فإذا أفاقَ مِنْ سكرِهِ فأعلمْهُ بما كانَ منهُ ، ولا تدعْهُ ينصرفُ حتَّى تأتيَني بهِ ، فلمَّا أفاقَ .. ذكرَ لهُ ما جرى ، فاستحيا منهُ وبكى ، وهمَّ بالانصرافِ ، فقالَ الغلامُ : قدْ أمرَ أنْ تأتيَهُ ، فأدخلَهُ عليهِ ، فقالَ لهُ : أما استحييتَ لنفسِكَ ، أما استحييتَ لشرفِكَ ، أما ترىُ مَنْ وَلَدَكَ ؟! فاتقِ اللهَ وانزعْ عمَّا أنتَ عليهِ ، فبكى الغلامُ منكِّساً رأسَهُ ، ثُمَّ رفعَ رأسَهُ وقالَ : عاهدتُ اللهَ تعالى عهداً يسألُني عنهُ يومَ القيامةِ : أنيٍّ لا أعودُ لشربِ النبيذِ، ولا لشيءٍ ممَّا كنتُ فيهِ، وأنا تائبٌ، فقالَ : ادنُ مِنِّي ، فقبَّلَ رأسَهُ وقالَ : أحسنتَ يا بنيَّ ، فكانَ الغلامُ بعدَ ذلكَ يلزمُهُ ويكتبُ الحديثَ ، وكانَ ذلكَ ببركةِ رفقِهِ ، ثُمَّ قالَ: إنَّ الناسَ يأمرونَ بالمعروفِ ويكونُ معروفُهُمْ منكراً، فعليكُمْ بالرفقِ في جميعِ أمورِكُمْ .. تنالوا بهِ ما تطلبونَ . وعنِ الفتحِ بنِ شَخرفٍ قالَ : تعلَّقَ رجلٌ بامرأةٍ وتعرَّضَ لها ، وبيدِهِ سكينٌ لاَ يدنو منهُ أحدٌ إلا عقرَهُ، وكانَ الرجلُ شديدَ البدنِ ، فبينا الناسُ كذلكَ والمرأةُ تصيحُ مِنْ يدهِ . . إذْ منَّ بشرُ بنُ الحارثِ ، فدنا منهُ ، وحكَّ كتفَهُ بكتفِ الرجلِ ، فوقعَ الرجلُ على الأرضِ ، ومشى بشرٌ ، فدنوا مِنَ الرجلِ وهوَ يترشَّحُ عرقاً كثيراً، ومضتِ المرأةُ بحالِها ، فسألوهُ : ما حالُكَ ؟ فقالَ : ما أدري، ولكنْ حاكَّنِي شيخٌ وقالَ لي: إنَّ اللهَ عَزَّ وجلَّ ناظرٌ إليكَ وإلى ما تعملُ ، فضعفَتْ لقولِهِ قدمايَ ، وهبتُهُ هيبةٌ شديدةٌ ، ولا أدري مَنْ ذلكَ الرجلُ ، فقالوا لهُ : ذاكَ بشرُ بنُ الحارثِ ، فقالَ : ٩٠ ٦٣٢ ربع العادات كتاب الأمر بالمعروف واسوءتاهُ ، كيفَ ينظرُ إليَّ بعدَ اليوم، وحُمَّ الرجلُ مِنْ يومِهِ ، وماتَ يومَ السابع(١) . وهكذا كانَتْ عادةُ أهلِ الدينِ في الحِسبةِ ، وقدْ نقلنا فيها آثاراً وأخباراً في بابِ البغضِ في اللّهِ والحبِّ في اللهِ مِنْ كتابِ آدابِ الصحبةِ ، فلا نطوِّلُ بالإعادةِ . فهذا تمامُّ النظرِ في درجاتِ الاحتسابِ وآدابِهِ ، واللهُ الموفَّقُ بكرمِهِ ، والحمدُ للهِ على جميع نعمِهِ . (١) رواه ابن قدامة في ((التوابين)) (ص٢١٣). ٦٣٣ كتاب الأمر بالمعروف ربع العادات البَابُ الثَّالِثُ في المنكرات المألوفة في العادات نشيرُ إلى جملٍ منها ؛ ليُستدلَّ بها على أمثالِها ، إذْ لا مطمعَ في حصرِها واستقصائِها ، فمِنْ ذلكَ : منكرات المساجد اعلمْ : أَنَّ المنكراتِ تنقسمُ إلى مكروهةٍ ، وإلى محظورةٍ : فإذا قلنا : ( هذا منكرٌ مكروهٌ) .. فاعلمْ أنَّ المنعَ منهُ مستحبٌّ ، والسكوتَ عليهِ مكروهٌ وليسَ بحرامٍ ، إلا إذا لمْ يعلمِ الفاعلُ أنَّهُ مكروهٌ، فيجبُ ذكرهُ لهُ؛ لأنَّ الكراهةَ حكْمٌ في الشرع يجبُ تبليغُهُ إلى مَنْ لا يعرفُهُ . وإذا قلنا : ( منكرٌ محظورٌ)، أوْ قلنا : ( منكرٌ) مطلقاً .. فنريدُ بهِ المحظورَ ، ويكونُ السكوتُ عليهِ معَ القدرةِ محظوراً . فممَّا يُشاهدُ كثيراً في المساجدِ : إساءةُ الصلاةِ بتركِ الطمأنينةِ في ركوعِها وسجودِها ، وهوَ منكرٌ مبطلٌ للصلاةِ بنصِّ الحديثِ ، فيجبُ النهيُ عنهُ ، إلا ٦٣٤ ربع العادات كتاب الأمر بالمعروف عندَ الحنفيِّ الذي يعتقدُ أنَّ ذلكَ لا يمنعُ صحَّةَ الصلاةِ ، إذْ لا ينفعُ النهيُ معهُ(١) . ومَنْ رأى مسيئاً في صلاتِهِ ، فسكتَ عليهِ . . فهوَ شریکُهُ ، هكذا وردَ بهِ الأثرُ(٢)، وفي الخبرِ ما يدلُّ عليهِ؛ إذْ وردَ في الغيبةِ أنَّ المستمعَ شريكُ القائل(٣)، وكذلكَ كلُّ ما يقدحُ في صحَّةِ الصلاةِ؛ مِنْ نجاسةٍ على ثوبِهِ لا يراها ، أوِ انحرافٍ عنِ القبلةِ بسببٍ ظلامِ أوْ عمىّ ، فكلُّ ذلكَ تجبُ الحِسبةُ فیهِ . ومنها : قراءةُ القرآنِ باللحنِ ، يجبُ النهيُ عنهُ ، ويجبُ تلقينُ الصحيح . فإنْ كانَ المعتكفُ في المسجدِ يضيِّعُ أكثرَ أوقاتِهِ في أمثالِ ذلكَ ، (١) وفيه خلاف مشهور في مذهب أبي حنيفة ، والقول المفتى به عن أبي يوسف وجوب التعديل في الأركان. ((إتحاف)) ( ٥٣/٧). (٢) روى ابن أبي الدنيا في ((الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر)) (٨٨) عن مالك بن دينار قال : ( قرأت في التوراة : من كان له جار يعمل بالمعاصي فلم ينهه .. فهو شريكه ) ، وقال الإمام أبو طالب في ((القوت)) (٢٦٤/٢): ( وكل معين لمبتدع أو عاصيٍ .. فهو شريكه في بدعته ومعصيته ) . (٣) إذ روى أبو نعيم في ((الحلية)) (٩٣/٤)، والخطيب في ((تاريخ بغداد)) (٢٢١/٨) عن ابن عمر رضي الله عنهما : ( نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الغناء والاستماع إلى الغناء ، ونهى عن الغيبة وعن الاستماع إلى الغيبة ، وعن النميمة والاستماع إلى النميمة ) . ٦٣٥ G كتاب الأمر بالمعروف ربع العادات G ويشتغلُ بهِ عنِ التطوُّع والذكرِ .. فليشتغلْ بهِ ؛ فإنَّ هذا أفضلُ لهُ مِنْ ذكرِهِ وتطوّعِهِ ؛ لأنَّ هذا فرضٌ، وهيَ قربةٌ تتعدَّى فائدتُها ، فهيَ أفضلُ مِنْ نافلةٍ تقتصرُ عليهِ فائدتُها . وإنْ كانَ ذلكَ يمنعُهُ عنِ الوِراقةِ مثلاً أوْ عنِ الكسبِ الذي هوَ طعمتُهُ ؛ فإنْ كانَ معَهُ مقدارُ كفايتِهِ .. لزمَهُ الاشتغالُ بذلكَ، ولمْ يجزْ لهُ تركُ الحِسبةِ لطلبٍ زيادةِ الدنيا ، وإن احتاجَ إلى الكسبِ لقوتِ يومِهِ .. فهوَ عذرٌ لهُ، فيسقطَ الوجوبُ عنهُ لعجزِهِ . والذي يكثرُ اللحنَ في القرآنِ ؛ إنْ كانَ قادراً على التعلُّم .. فليمتنعْ عنِ القراءةِ قبلَ التعلُّمِ ، فإنَّهُ عاصٍ بهِ ، وإنْ كانَ لا يطاوعُهُ اللسانُ ؛ فإنْ كانَ أكثرُ ما يقرؤُهُ لحناً .. فليتركْهُ، وليجتهدْ في تعلُّم الفاتحةِ وتصحيحِها ، وإنْ كانَ الأكثرُ صحيحاً وليسَ يقدرُ على التسويةِ .. فلا بأسَ لهُ أنْ يقرأَ ، ولكنْ ينبغي أنْ يخفضَ بهِ الصوتَ ؛ حتَّى لا يسمعَ غيرُهُ ، ولمنعِهِ سرّاً منهُ أيضاً وجهٌ، ولكنْ إذا كانَ ذلكَ منتهى قدرتِهِ ، وكانَ لهُ أنسٌ بالقراءةِ وحَرصَ عليها .. فلستُ أرىُ بهِ بأساً ، واللهُ أعلمُ . ومنها : تراسلُ المؤذنينَ في الأذانِ، وتطويلُهُمْ بمدِّ كلماتِهِ(١)، (١) وتراسل المؤذنين : أن يجتمعوا على الأذان ، يبتدىء هذا ويمد صوته ، فيقبض ويسكت ، ويأخذ غيره في مد الصوت ، ويرجع الأول ، وهكذا إلى أن ينتهي ، وهو منهي عنه. (« إتحاف)) (٥٣/٧ ) . ٦٣٦ ربع العادات كتاب الأمر بالمعروف جنة وانحرافُهُمْ عنْ صوبِ القبلةِ بجميع الصدْرِ في الحَيْعلتينِ ، أوِ انفرادِ كلِّ واحدٍ بأذانٍ ولكنْ مِنْ غيرِ توقُّفٍ إلى انقطاع أذانِ الآخرِ ، بحيثُ يضطربُ على الحاضرينَ جوابُ الأذانِ ؛ لتداخلِ الأصواتِ . فكلُّ ذلكَ منكراتٌ مكروهةٌ يجبُ تعريفُها ، وإنْ صدرَتْ عن معرفةٍ .. فيُستحبُّ المنعُ منها والحِسبةُ فيها ، وكذلكَ إذا كانَ للمسجدِ مؤذنٌ واحدٌ وهوَ يؤذُّنُ قبلَ الصبح ، فينبغي أنْ يُمنعَ مِنَ الأذانِ بعدَ الصبح ، فذلكَ مشوِّشٌ الصوم والصلاةِ على الناسِ ، إلا إذا عُرِفَ أنَّهُ يؤذُّنُ قبلَ الصبحِ(١) ، حتَّى لا يُعوَّلَ على أذانِهِ في صلاةٍ وتركِ سحورٍ ، أَوْ كانَ معَهُ مؤذِّنٌ آخرُ معروفُ الصوتِ يؤذِّنُ معَ الصبحِ . ٦٠٠ ومنَ المكروهاتِ أيضاً : تكثيرُ الأذانِ مرَّةٌ بعدَ أخرى بعدَ طلوع الفجرِ في مسجدٍ واحدٍ في أوقاتٍ متعاقبةٍ متقاربةٍ ، إمَّا مِنْ واحدٍ أوْ جماعةٍ ؛ فإنَّهُ لا فائدةَ فيهِ ، إذا لمْ يبقَ في المسجدِ نائمٌ ، ولمْ يكنِ الصوتُ ممَّا يخرجُ عنِ المسجدِ حتَّى ينبَّ غيرَهُ ، فكلُّ ذلكَ مِنَ المكروهاتِ المخالفةِ لسنَّةِ الصحابةِ والسلفِ . ومنها : أنْ يكونَ الخطيبُ لابساً لثوبٍ أسودَ يغلبُ عليهِ الإبريسمُ ، أَوْ (١) في نسخة على هامش ( ب ): زيادة ( وبعده ) . ٦٣٧ 6 كتاب الأمر بالمعروف ربع العادات ممسكاً لسيفٍ مذهبٍ ، فهوَ فاسقٌ ، والإنكارُ عليهِ واجبٌ . وأمَّا مجرَّدُ السوادِ .. فليسَ بمكروهٍ ، ولكنَّهُ ليسَ بمحبوبٍ ؛ إذ أحبُّ الثيابِ إلى اللهِ تعالى البيضُ، ومَنْ قالَ: إِنَّهُ مكروهٌ وبدعةٌ .. أرادَ بهِ أنَّهُ لِمْ يكن معهوداً في العصرِ الأوَّلِ، ولكنْ إذا لمْ يردْ فيهِ نهيٌّ .. فلا ينبغي أن يُسمَّى بدعةً ومكروهاً ، ولكنَّهُ تركٌ للأحبِّ . ومنها : كلامُ القصَّاصِ والوعّاظِ الذين يمزجونَ بكلامِهِمُ البدعةَ(١)، فالقاصُّ إنْ كانَ يكذبُ في أخبارِهِ .. فهوَ فاسقٌ ، والإنكارُ عليهِ واجبٌ ، وكذا الواعظُ المبتدعُ يجبُ منعُهُ ، ولا يجوزُ حضورُ مجلسِهِ إلا على قصْدِ إظهارِ الردِّ عليهِ ؛ إمَّا للكافَّةِ إنْ قدرَ عليهِ ، أَوْ لبعضِ الحاضرينَ حوالَيْهِ ، فإنْ لمْ يقدرْ .. فلا يجوزُ سماعُ البدعةِ، قالَ اللهُ تعالى لنبيِّهِ: ﴿فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَّى يَخُوضُواْ فِى حَدِيثٍ غَيٍّ ﴾ . ومهما كانَ كلامُهُ مائلاً إلى الإرجاءِ (٢) ، وتجرئةِ الناسِ على المعاصي ، وكانَ الناسُ يزاددونَ بكلامِهِ جُرأةً ، وبعفوِ اللهِ وبرحمتِهِ وثوقاً يزيدُ بسببهِ رجاؤُهُمْ على خوفِهِمْ .. فهوَ منكرٌ، ويجب منعُهُ منهُ؛ لأنَّ فسادَ ذلكَ عظيمٌ ، بلْ لوْ رجحَ خوفُهُمْ على رجائِهِمْ .. فذلكَ أقربُ وأليقُ بطباع (١) تقدم الحديث عن ذم القصاص وبيان المراد من ذلك . (٢) المراد بكلمة ( الإرجاء ) هنا كما يقتضيه السياق : ترجيح الرجاء على الخوف في القلب ، لا ( الإرجاء ) المنسوب إلى الفرقة المعروفة بالمرجئة . ٦٣٨ ربع العادات كتاب الأمر بالمعروف الخلقِ ؛ فإنَّهُمْ إلى الخوفِ أحوجُ ، وإنَّما العدلُ تعديلُ الخوفِ والرجاءِ كما قالَ عمرُ رضيَ اللهُ عنهُ : ( لوْ نادى منادٍ يومَ القيامةِ : ليدخلِ النارَ كلُّ الناسِ إلا رجلاً واحداً .. لرجوتُ أنْ أكونَ أنا ذلكَ الرجلَ، ولوْ نادى منادٍ : ليدخلِ الجنَّةَ كلُّ الناس إلا رجلاً واحداً .. لخفتُ أنْ أكونَ أنا ذلكَ الرجلَ )(١) . ومهما كانَ الواعظُ شابّاً متزيَّاً للنساءِ في ثيابِهِ وهيئتِهِ (٢)، كثيرَ الأشعار والإشاراتِ والحركاتِ، وقدْ حضرَ مجلسَهُ النساءُ .. فهذا منكرٌ يجبُ المنعُ منهُ؛ فإنَّ الفسادَ فيهِ أكثرُ مِنَ الصلاحِ ، ويتبيَّنُ ذلكَ منهُ بقرائنِ أحوالهِ ، بلْ لا ينبغي أنْ يُسلَّمَ الوعظُ إلا لمَنْ ظاهرُهُ الورعُ، وهيئتُهُ السكينةُ والوقارُ ، وزيُّهُ زُّ الصالحينَ ، وإلا .. فلا يزدادُ الناسُ بهِ إلا تمادياً في الضلالِ . ويجبُ أن يُضربَ بينَ الرجالِ والنساءِ حائلٌ يمنعُ مِنَ النظرِ ، فإنَّ ذلكَ أيضاً مظِنَّةُ الفسادِ ، والعاداتُ تشهدُ لهذهِ المنكراتِ . ويجبُ منعُ النساءِ مِنْ حضورِ المساجدِ للصلاةِ ولمجالسِ الذكرِ إذا خيفَتِ الفتنةُ بهنَّ ، فقدْ منعتْهُنَّ عائشةُ رضيَ اللهُ عنها ، فقيل لها : إنَّ رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ ما منعَهُنَّ مِنَ الجماعاتِ ، فقالَتْ: لوْ علمَ (١) رواه أبو نعيم في ((الحلية)) (٥٣/١) بنحوه . (٢) في (أ): ( الناس ) بدل (النساء ) . ٦٣٩ كتاب الأمر بالمعروف ربع العادات رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ ما أحدثَ النساءُ بعدَهُ .. لمنعَهُنَّ)(١). فأمَّا اجتيازُ المرأةِ بالمسجدِ مستترةً .. فلا تُمنعُ منهُ، إلا أنَّ الأولى ألا تتخذَ المسجدَ مجازاً أصلاً . وقراءةُ القرآنِ بينَ يدي الوغَّاظِ معَ التمديدِ والألحانِ على وجهٍ يغيِّرُ نظمَ القرآنِ ، ويجاوزُ حدَّ الترتيلِ .. منكرٌ مكروهٌ شديدُ الكراهةِ، أنكرَهُ جماعةٌ مِنَ السلفِ . ومنها : الحِلَقُ يومَ الجمعةِ لبيع الأدويةِ والأطعمةِ والتعويذاتِ ، وكقيام السؤَّالِ وقراءتِهِمُ القرآنَ ، وإنشادِهِمُ الأشعارَ وما يجري مجراهُ . فهذهِ الأشياءُ منها ما هوّ حرامٌ لكونِهِ تلبيساً وكذباً ، كالكذَّابينَ مِنْ طُرقِيَّةٍ الأطباءِ ، وكأهلِ الشعبذةِ والتلبيساتِ ، وكذا أربابُ التعويذاتِ في الأغلبِ يتوصَّلونَ إلى بيعِها بتلبيساتٍ على الصبيانِ والسواديَّةِ ، فهذا حرامٌ في المسجدِ وخارجَ المسجدِ ، ويجبُ المنعُ منهُ ، بلْ كلُّ بيع فيهِ كذبٌ وتلبيسٌ وإخفاءُ عيبٍ على المشتري .. فهوَ حرامٌ . ومنها ما هوَ مباحٌ خارجَ المسجدِ ؛ كالخياطةِ ، وبيع الأدويةِ والكتبِ والأطعمةِ ، فهذا في المسجدِ أيضاً لا يحرمُ إلا بعارضٍ، وهوَ أنْ يضيِّقَ (١) رواه البخاري (٨٦٩)، ومسلم (٤٤٥). ٦٤٠