Indexed OCR Text
Pages 561-580
ربع العادات كتاب الأمر بالمعروف لها في تلكَ الحالةِ : ( لا تكشفي وجهَكِ) واجبٌ، أَوْ مباحٌ ، أو حرامٌ ؟ فإنْ قلتُمْ: ( إِنَّهُ واجبٌ ) .. فهوَ الغرضُ؛ لأنَّ الكشفَ معصيةٌ ، والنهيُ عنِ المعصيةِ حٌّ . وإنْ قلتُمْ: (إِنَّهُ مباحٌ) .. فإذاً لهُ أنْ يقولَ ما هوَ مباحٌ ، فما معنى قولِكُمْ : ( ليسَ للفاسقِ الحِسبةُ ) ؟ وإنْ قلتُمْ: (إنَّهُ حرامٌ) .. فنقولُ: كان هذا واجباً، فمِنْ أينَ حَرُمَ بإقدامِهِ على الزنا ؟! ومِنَ الغريبِ أنْ يصيرَ الواجبُ حراماً بسببِ ارتكابِ حرامٍ آخرَ ! وأمَّا نفرةُ الطباع عنهُ واستنكارُها لهُ .. فهوَ لسببينٍ : أحدُهُما : أنَّهُ تركَ الأهمَّ واشتغلَ بما هوَ مهمٌّ، وكما أنَّ الطباعَ تنفرُ عنْ تركِ المهمّ إلى ما لا يعني .. فتنفرُ أيضاً عنْ تركِ الأهمِّ والاشتغالِ بالمهمِّ ، كما تنفرُ عمَّنْ يتحرَّجُ عنْ تناولِ طعامِ مغصوبٍ وهوَ مواظبٌ على الربا ، وكما تنفرُ عمَّنْ يتصاونُ عنِ الغيبةِ ويشهدُ بالزورِ ؛ لأنَّ الشهادةَ بالزورِ أفحشُ وأشدُّ مِنَ الغيبةَ التي هيَ إخبارٌ عنْ كائنٍ يصدقُ فيهِ المخبرُ ، وهذا الاستبعادُ في النفوسِ لا يدلُّ على أنَّ تركَ الغيبةِ ليسَ بواجبٍ وأنَّهُ لوِ اغتابَ أوْ أكلَ لقمةٌ مِنْ حرامٍ .. لمْ تزدْ بذلكَ عقوبتُهُ، فكذلكَ ضررُهُ في الآخرةِ مِنْ معصيتِهِ أكثرُ مِنْ ضررِهِ مِنْ معصيةٍ غيرِهِ ، فاشتغالُهُ بالأقلِّ عنِ الأكثرِ مستنكرٌ ٥٦١ كتاب الأمر بالمعروف ربع العادات في الطبع مِنْ حيثُ إنَّهُ تركَ الأكثرَ ، لا مِنْ حيثُ إِنَّهُ أتى بالأقلِّ. فمَنْ غُصِبّ فرسُهُ ولجامُ فرسِهِ ، فاشتغلَ بطلبِ اللجام وتركَ الفرسَ .. نفرَتْ عنهُ الطباعُ ، ويُرىُ مسيئاً إِذْ قدْ صدرَ منهُ طلبُ اللجامِ ، وهوَ غيرُ منكرٍ مِنْ هذا الوجهِ ، ولكنِ المنكرُ تركُهُ لطلبِ الفرسِ بطلبِ اللجام ، فاشتدَّ الإنكارُ عليهِ لتركِهِ الأهمَّ بما هوَ دونَهُ ؛ فكذلكَ حِسبةُ الفاسقِ تُستبعدُ مِنْ هذا الوجهِ ، وهذا لا يدلُّ على أنَّ حِسبتَهُ مِنْ حيثُ إنَّها حِسبةٌ مستنكرةٌ . الثاني : أنَّ الحِسبةَ تارةً تكونُ بالنهي بالوعظِ ، وتارةً بالقهرِ ، ولا ينجعُ وعظُ مَنْ لا يتعظُ أوَّلاً ، ونحنُ نقولُ : مَنْ علمَ أنَّ قولَهُ لا يُقبلُ في الحِسبةِ لعلمِ الناسِ بفسقِهِ .. فليسَ عليهِ الحسبةُ بالوعظِ ؛ إذْ لا فائدةَ في وعظِهِ ، فالفسقُ يؤثِّرُ في إسقاطِ فائدةِ كلامِهِ ، ثمَّ إذا سقطَتْ فائدةُ كلامِهِ .. سقطَ وجوبُ الكلامِ . ٠۶٧ " ٠ ,, ـة فأمَّا إِذا كانَتِ الحِسبةُ بالمنع .. فالمرادُ منُه القهرُ، وتمامُ القهرِ أنْ يكونَ بالفعلِ والحجَّةِ جميعاً، وإذا كانَ فاسقاً . . فإنْ قهرَ بالفعلِ فقدْ قهرَ بالحجَّةِ، إذْ يتوجَّهُ عليهِ؟ أنْ يُقالَ لهُ : فأنتَ لِمَ تقدمُ عليهِ فتنفرُ الطباعُ عنْ قهرِهِ بالفعلِ معْ كونِهِ مقهوراً بالحجَّةِ ، وذلكَ لا يخرجُ الفعلَ عنْ كونِهِ حقّاً ، كما أنَّ مَنْ يذبُّ الظالمَ عنْ آحادِ المسلمينَ ويهملُ أباهُ وهوَ مظلومٌ معَهُمْ تنفرٌ الطباعُ عنهُ، ولا يخرجُ دفعُهُ عنِ المسلمِ عنْ كونِهِ حقّاً . فخرجَ مِنْ هذا أنَّ الفاسقَ ليسَ عليهِ الحِسبةُ بالوعظِ على مَنْ يعرفُ ٥٦٢ ربع العادات كتاب الأمر بالمعروف فسقَهُ ؛ لأنَّهُ لا يتعظُ ، وإذا لمْ يكنْ عليهِ ذلكَ وعلمَ أنَّهُ يفضي إلى تطويلٍ اللسانِ في عرضِهِ بالإنكارِ .. فَنقولُ: ليسَ لهُ ذلكَ أيضاً ، فرجعَ الكلامُ إلى أنَّ أحدَ نوعي الاحتسابِ - وهوَ الوعظيُّ - قدْ بطلَ بالفسقِ ، وصارَتِ العدالةُ مشروطةٌ فيهِ . وأمَّا الحِسبةُ القهريةُ .. فلا يُشترطُ فيها ذلكَ ، فلا حجرَ على الفاسقِ في إراقةِ الخمورِ وكسْرِ الملاهي وغيرِها إذا قدرَ ، وهذا غايةُ الإنصافِ والكشفِ في المسألةِ . وأمَّا الآياتُ التي استدلُوا بها .. فهوَ إنكارٌ عليهِمْ مِنْ حيثُ تركُهُمُ المعروفَ ، لا مِنْ حيثُ أمرُهُم بهِ ، ولكنَّ أمرَهُمْ دلَّ على قوَّةِ علمِهِمْ، وعقابُ العالمِ أشدُّ؛ لأنَّهُ لا عذرَ لهُ معَ قوَّةِ علمِهِ . وقولُهُ تعالى: ﴿لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ﴾ المرادُ بهِ : الوعدُ الكاذبُ(١). وقولُهُ تعالى: ﴿وَتَنسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ﴾ إنكارٌ مِنْ حيثُ إنَّهُمْ نسوا أنفسَهُمْ ، لا مِنْ حيثُ إنَّهُمْ أمروا غيرَهُمْ ، ولكنْ ذكرَ أمرَ الغيرِ استدلالاً بهِ على علمِهِمْ وتأكيداً للحجَّة عليهِمْ . وقولُهُ تعالى: ( يا بنَ مريمَ ؛ عِظْ نفسَكَ) الحديثَ .. هوَ في الحِسبةِ بالوعظِ ، وقدْ سلَّمْنا أنَّ وعظَ الفاسقِ ساقطُ الجدوىُ عندَ مَنْ يعرفُ فسقَهُ ، (١) فهو ليس من باب الحسبة، وانظر ((تفسير الطبري)) (١٠٣/٢٨/١٤). ٥٦٣ كتاب الأمر بالمعروف ربع العادات ثمَّ قولُهُ : ( فاستحي مِنِّي) لا يدلُّ على تحريمِ وعظِ الغيرِ ، بلْ معناهُ : استحي منّي فلا تتركِ الأهمَّ وتشتغلَ بالمهمّ ، كما يُقالُ: احفظْ أباكَ ثمّ جارَكَ وإلا .. فاستحي . فإنْ قيلَ : فليجزْ للكافِر الذميِّ أنْ يحتسبَ على المسلمِ إذا رآهُ يزني ؛ لأنَّ قولَهُ : ( لا تزنٍ ) حقٌّ في نفسِهِ ، فمحالٌ أنْ يكونَ حراماً عليهِ ، بلْ ينبغي أنْ يكونَ مباحاً أوْ واجباً . قلنا : الكافرُ إنْ منعَ المسلمَ بفعلِهِ .. فهوَ تسلُّطْ عليهِ، فيمنعُهُ مِنْ حيثُ إِنَّهُ تسلُّطٌ ، وما جعل الله للكافرين على المؤمنين سبيلاً، وأمَّا مجرّدُ قولِهِ : ( لا تزنٍ ) .. فليسَ بمحرَّم عليهِ مِنْ حيثُ إنَّهُ نهيٌّ عنِ الزنا ، ولكنْ مِنْ حيثُ إنَّهُ إظهارُ دالَّةِ الاحتكام على المسلمِ ، وفيهِ إذلالٌ للمتحكّمِ عليهِ والفاسقُ يستحقُّ الإِذلالَ ، ولكنْ لا مِنَ الكافرِ الذي هوَ أولى بالذلِّ منهُ . جن. فهذا وجهُ منعِنا إيَّاهُ مِنَ الحِسبةِ ، وإلا .. فلسنا نقولُ: إنَّ الكافرَ يُعاقبُ بسببٍ قولِهِ : ( لا تزنٍ ) مِنْ حيثُ إنَّهُ نهيٌ ، بلْ نقولُ: إنَّهُ إذا لمْ يقلْ: ( لا تزنٍ ) يُعاقبُ عليهِ إنْ رأينا خطابَ الكافرِ بفروع الدينِ ، وفيهِ نظرٌ استوفيناهُ في الفقهياتِ ، وليسَ يليقُ بغرضِنا الآنَ. ٥٦٤ ربع العادات كتاب الأمر بالمعروف الشرطُ الرابعُ : كونُهُ مأذوناً مِنْ جهةِ الإمامِ والوالي : فقدْ شرطَ قومٌ هذا الشرطَ ، ولمْ يثبتوا للآحادِ مِنَ الرعيَّةِ الحِسبةَ، وهُذا الاشتراطُ فاسدٌ ؛ فإنَّ الآياتِ والأخبارَ التي أوردْناها تدلُّ على أنَّ كلَّ مَنْ رأى منكراً فسكتَ عليهِ .. عصى؛ إذْ يجبُ نهيُّهُ أينَما رآهُ وكيفَما رآهُ على العموم ، والتخصيصُ بشرطِ التفويضِ مِنَ الإمام تحكّمٌ لا أصلَ لهُ . والعجبُ أنَّ الروافضَ زادوا على هذا، فقالوا : لا يجوزُ الأمرُ بالمعروفِ ما لمْ يخرج الإمامُ المعصومُ ، وهوَ الإمامُ الحقُّ عندَهُمْ، وهؤلاءِ أخسُّ رتبةً مِنْ أنْ يُكلَّموا ، بلْ جوابُهُمْ أنْ يُقالَ لهم إذا جاؤوا إلى القضاةِ طالبينَ لحقوقِهِمْ في دمائِهِمْ وأموالِهِمْ : إنَّ نصرتَكُمْ أمرٌ بالمعروفِ ، واستخراجَ حقوقِكُمْ مِنْ أيدي مَنْ ظلمَكُمْ نهيٌّ عنِ المنكرِ ، وطلبَكُمْ لحقَّكُمْ مِنْ جملةِ المعروفِ ، وما هذا زمانَ النهي عنِ الظلمِ وطلبِ الحقوقِ ؛ لأنَّ الإمامَ الحقَّ بعدُ لمْ يخرِجْ ! فإنَّ قيلَ : في الأمرِ بالمعروفِ إثباتُ سلطنةٍ وولايةٍ ، واحتكامٌ على المحكوم عليهِ ، ولذلكَ لمْ يثبتْ للكافرِ على المسلمِ معَ كونِهِ حقّاً ، فينبغي ألا يثبتَ لآحادِ الرعيَّةِ إلا بتفويضٍ مِنَ الوالي وصاحبِ الأمرِ . فنقولُ : أمَّا الكافرُ .. فممنوعٌ؛ لما فيهِ مِنَ السلطنةِ وعزِّ الاحتكام ، والكافرُ ذليلٌ لا يستحقُّ أنْ ينالَ عزَّ التحكُّمِ على المسلمِ . ٥٦٥ كتاب الأمر بالمعروف ربع العادات وأمَّا آحادُ المسلمينَ .. فيستحقُّونَ هذا العزَّ بالدينِ والمعرفةِ ، وما فيهِ مِنْ عزِّ السلطنةِ والاحتكام لا يحوجُ إلى تفويضٍ ، كعزِّ التعليمِ والتعريفِ ؛ إذْ لا خلافَ في أنَّ تعريفَ التحريمِ والإيجابِ لمَنْ هوَ جاهلٌ ومقدمٌ على المنكرِ بجهلِهِ .. لا يحتاجُ إلى إذْنِ الوالي، وفيهِ عزُّ الإرشادِ وعلى المعرَّفِ ذلُّ التجهيلِ ، وذلكَ يكفي فيهِ مجرَّدُ الدينِ ؛ فكذلكَ النهيُ . وشرحُ القولِ في هذا : أنَّ الحسبةَ لها خمسُ مراتبَ كما سيأتي : أولاها : التعريفُ. والثانيةُ : الوعظُ بالكلام اللطيفِ . والثالثةُ : السبُّ والتعنيفُ، ولستُ أعني بالسبِّ الفحشَ ، بلْ أنْ يقولَ: يا جاهلُ، يا أحمقُ ، يا فاسقُ ؛ ألا تخافُ مِنَ اللهِ ؟ وما يجري هذا المجرى. والرابعةُ : المنعُ بالقهرِ بطريقِ المباشرةِ ؛ ككسرِ الملاهي ، وإراقةٍ الخمرِ ، واختطافِ الثوبِ الحريرِ مِنْ بدنِهِ (١) ، واستلابِ الثوبِ المغصوبِ منهُ وردِّهِ علی صاحبِهِ . والخامسةُ : التخويفُ والتهديدُ بالضربِ ، أَوْ مباشرةُ الضربِ لهُ حتَّى يمتنعَ عمَّا هوَ عليهِ ؛ كالمواظبِ على الغيبةِ والقذفِ ، فإِنَّ سلبَ لسانِهِ غيرُ ممكنٍ ، ولكنْ يُحملُ على اختيارِ السكوتِ بالضربِ ، وهذا قدْ يحوجُ إلى (١) في غير (أ): (من رأسه)، وفي (ق): (من لا بسه). ٥٦٦ ربع العادات كتاب الأمر بالمعروف استعانةٍ وجمع أعوانٍ مِنَ الجانبينِ ، ويجرُّ ذلكَ إلى قتالٍ . وسائرُ المراتبِ لا يخفى وجهُ استغنائها عنْ إذنِ الإمام إلا المرتبةَ الخامسةَ ، فإنَّ فيها نظراً سيأتي . أمَّا التعريفُ والوعظُ .. فكيفَ يحتاجُ إلى إذنِ الإمام ؟! وأمَّا التجهيلُ والتحميقُ والنسبةُ إلى الفسقِ وقلَّةِ الخوفِ مِنَ اللهِ وما يجري مجراهُ .. فهوَ كلامٌ صدقٌ ، والصدقُ مستحقٌّ ، بلْ أفضلُ الدرجاتِ كلمةُ حقِّ عندَ سلطانٍ جائرٍ كما وردَ في الحديثِ(١)، فإذا جازَ الحكمُ على الإِمام على مراغمتِهِ .. فكيفَ يُحتاجُ إلى إذنِهِ ؟! وكذلكَ كسرُ الملاهي وإراقةُ الخمورِ فإنَّهُ تعاطي ما يُعرفُ كونُّهُ حقّاً مِنْ غيرِ اجتهادٍ ، فلمْ يفتقرْ إلى الإمامِ . فأمَّا جمعُ الأعوانِ وشهرُ الأسلحةِ .. فذلكَ قدْ يجرُّ إلى فتنةٍ عامَّةٍ ، ففيهِ نظرٌ سيأتي . واستمرارُ عاداتِ السلفِ على الحِسبةِ على الولاةِ قاطعٌ بإجماعِهِمْ على الاستغناءِ عنِ التفويضِ ، بلْ كلُّ مَنْ أمرَ بمعروفٍ ؛ فإنْ كانَ الوالي راضياً بهِ .. فذاكَ، وإنْ كانَ ساخطاً لهُ .. فسخطُهُ لهُ منكرٌ يجبُ الإنكارُ عليهِ ، فكيفَ يُحتاجُ إلى إذنِهِ في الإنكارِ عليهِ ؟! ويدلُّ على ذلكَ عادةُ السلفِ في الإنكارِ على الأئمةِ رضيَ اللهُ عنهُمْ (١) رواه أبو داوود (٤٣٤٤)، والترمذي (٢١٧٤)، وابن ماجه (٤٠١١). ٥٦٧ کتاب الأمر بالمعروف ربع العادات أجمعينَ ؛ كما رُوِيَ أنَّ مروانَ بنَ الحكمِ خطبَ قبلَ الصلاةِ في العيدِ ، فقالَ لهُ رجلٌ: إنَّما الخطبةُ بعدَ الصلاةِ ، فقالَ لهُ مروانُ : تُرِكَ ذلكَ يا أبا فلانٍ ، فقالَ أبو سعيدٍ : أمَّا هذا .. فقدْ قضى ما عليهِ، قالَ لنا رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ : « مَنْ رأى منكُمْ منكراً .. فلينكرْهُ بيدِهِ ، فإنْ لمْ يستطعْ .. فبلسانِهِ ، فإنْ لمْ يستطعْ .. فبقلبهِ، وذلكَ أضعفُ الإِيمانِ))(١) ، فلقدْ كانوا فهموا مِنْ هذهِ العموماتِ دخولَ السلاطينِ تحتَها ، فكيفَ يُحتاجُ إلى إذنِهِمْ ؟! ورُوِيَ أنَّ المهديَّ لمَّا قدمَ مكةَ .. لبثَ بها ما شاءَ اللهُ، فلمَّا أَخِذَ في الطوافِ .. نخَّى الناسَ عنِ البيتِ، فوثبَ عبدُ اللهِ بنُ مرزوقٍ فليََّهُ بردائِهِ ثمَّ هزَّهُ وقالَ لهُ : انظرْ ما تصنعُ ! مَنْ جعلَكَ بهذا البيتِ أحقَّ ممَّنْ أَتَاهُ مِنَ البعدِ أوِ القربِ، وقَدْ قالَ اللهُ تعالى: ﴿سَوَّةَ الْعَكِّفُ فِيهِ وَالْبَادِ﴾، حتَّى إذا صارَ عندَهُ حُلْتَ بِينَهُ وبينَهُ؟! مَنْ جعلَ لكَ هذا؟! فنظرَ في وجهِهِ وكانَ يعرفُهُ لأَنَّهُ مِنْ مواليهِمْ ، فقالَ : أَعبدُ اللهِ بنُ مرزوقٍ ؟ قالَ : نعمْ، فَأُخِذَ ، فجيءَ بهِ إلى بغدادَ ، فكرهَ أنْ يُعاقبَهُ عقوبةً يشنَّعُ عليهِ بها في العامَّةِ ، فجعلَهُ في إصطبلِ الدوابٌ ليسوسَ الدوابَّ، وضمُّوا إليهِ فرساً عَضوضاً سيِىءَ الخلقِ ليعقِرَهُ الفرسُ ، فليَّنَ اللهُ تعالى لهُ الفرسَ ، قالَ: ثمَّ صَيَّروهُ إلى بيتٍ وأغلقُوا عليهِ وأخذَ المهديُّ المفتاحَ عندَهُ، فإذا هوَ قدْ خرجَ بعدَ ثلاثٍ إلى البستانِ يأكلُ البقلَ ، فأُوذِنَ بهِ المهديُّ، فقالَ لهُ : مَنْ أخرجَكَ ؟ قالَ : (١) رواه مسلم (٤٩) . ٥٦٨ ربع العادات كتاب الأمر بالمعروف الذي حبسَني ، فضجَّ المهديُّ وصاحَ وقالَ : ما أخلقَ بنا أنْ نقتلَكَ ! فرفعَ عبدُ اللهِ إليهِ رأسَهُ يضحكُ وهوَ يقولُ : لوْ كنتَ تملكُ حياةً أوْ موتاً ، فما زالَ محبوساً حتَّى ماتَ المهديُّ، ثمَّ خلوا عنهُ، ورجعَ إلى مكَّةَ ، قالَ : وكانَ قدْ جعلَ على نفسِهِ نذراً إنْ خلَّصَهُ اللهُ مِنْ أيديهِمْ أنْ ينحرَ مئة بَدنةٍ ، فكانَ يعملُ في ذلكَ حتَّى نحرَها (١) . ورُوِيَ عنْ حبانَ بنِ عبدِ اللهِ قالَ : تَنزَّهَ هارون الرشيدُ بالدَّوِينِ ومعَهُ رجلٌ مِنْ بني هاشمٍ ، وهوَ سليمانُ بنُ أبي جعفرٍ ، فقالَ لهُ هارونُ : قدْ كانَتْ لكَ جاريةٌ تغنِّي فتحسنُ ، فجئْنا بها ، قالَ : فجاءَتْ فغنَّتْ ، فلمْ يحمدْ غناءَها ، فقالَ لها : ما شأنُكِ ؟ فقالَتْ : ليسَ هذا عودي ، فقالَ للخادم : جثْها بعودِها ، قالَ : فجاءَ بالعودِ ، فوافقَ شيخاً يلقطُ النوىُ، فقالَ : الطريقَ يا شيخُ ؛ فرفعَ الشيخُ رأْسَهُ، فرأى العودَ، فأخذَهُ مِنَ الخادم فضربَ بهِ الأرضَ وكسرَهُ، فأخذَهُ الخادمُ وذهبَ بهِ إلى صاحبِ الربع ، فقالَ : احتفظ بهذا ، فإنَّهُ طلبةُ أمير المؤمنينَ ، فقالَ لهُ صاحبُ الربع : ليسَ ببغدادَ أعبدُ مِن هذا ، فكيفَ يكونُ طلبةَ أمير المؤمنينَ ؟! فقالَ لهُ : اسمعْ ما أقولُ لكَ ، ثمّ دخلَ على هارونَ ، فقالَ : إنِّي مررتُ على شيخ يلقطُ النوىُ، فقلتُ لهُ : الطريقَ، فرفعَ رأسَهُ ، فرأى العودَ، فأخذَهُ، فضربَ بهِ الأرضَ فكسرَهُ ، فاستشاطَ هارونُ غضباً واحمرَّتْ عيناهُ ، فقالَ لهُ سليمانُ بنُ أبي جعفرٍ : (١) الإمامة والسياسة (ص ٣٢٠)، ذكر فيه ابن قتيبة إنكاره على أبي جعفر المنصور وعلى المهدي من بعده . ٥٦٩ کتاب الأمر بالمعروف ربع العادات ما هذا الغضبُ يا أميرَ المؤمنينَ ! ابعثْ إلى صاحبِ الربع يضربْ عنقَهُ ویرمِ بهِ في الدجلةِ ، فقالَ: لا ، ولكنْ نبعثُ إليهِ ونناظرُهُ أوّلاً ، فجاءَ الرسولُ فقالَ : أجبْ أميرَ المؤمنينَ ، فقالَ : نعمْ، قالَ : اركبْ ، قالَ : لا ، فجاءَ يمشي حتَّى وقفَ على بابِ القصرِ ، فقيلَ لهارونَ : قدْ جاءَ الشيخُ ، فقالَ للندماءِ : أيَّ شيءٍ ترونَ؟ نرفعُ ما ههنا مِنَ المنكرِ حتَّى يدخلَ هذا الشيخُ أوْ نقومُ إلى مجلسٍ آخرَ ليسَ فيهِ منكرٌ؟ فقالوا لهُ: نقومُ إلى مجلسٍٍ آخرَ ليسَ فيهِ منکرٌ أصلحُ ، فقاموا إلى مجلسٍ ليسَ فيهِ منكرٌ، ثمَّ أمرَ بالشيخِ فأدخلَ وفي كمِّهِ الكيسُ الذي فيهِ النوى ، فقالَ لهُ الخادم : أخرجْ هذا مِنْ كمِّكَ وادخلْ على أميرِ المؤمنينَ ، فقالَ : مِنْ هـذا عشائي الليلةَ إنْ شاءَ اللهُ تعالى ، قالَ : نحنُ نعشِّيكَ، قالَ : لا حاجةَ لي إلى عشائِكُمْ، فقالَ هارونُ للخادم : أيّ شيءٍ تريدُ منهُ، فقالَ: في كمِّهِ نوىً، فقلتُ لهُ : اطرحْهُ وادخلْ على أميرٍ المؤمنينَ ، فقالَ: دعْهُ لا يطرحْهُ، فدخلَ، فسلَّم، ثم جلسَ ، فقالَ لهُ هارونُ : يا شيخُ ؛ ما حملَكَ على ما صنعتَ ، قالَ : وأيَّ شيءٍ صنعتُ ؟ وجعلَ هارونُ يستحي أنْ يقولَ : كسرتَ عودَنا ، فلمَّا أكثرَ عليهِ .. قالَ : إِنِّي سمعتُ أباكَ وأجدادَكَ يقرؤون هذهِ الآيةَ على المنبرِ: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَاَلْإِحْسَنِ وَ إِيتَآٍ ذِى الْقُرْبَ وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَالْبَغِيِ﴾، وأنا رأيتُ منكراً فغيَّرَتُهُ، فقالَ: فغيِّرُهُ، فواللهِ ما قالَ إلا هذا، فلما خرجَ .. أعطى الخليفةُ رجلاً بدرةٌ وقالَ : اتبع الشيخَ ، فإنْ رأيتَهُ يقولُ : قلتُ لأميرٍ المؤمنينَ وقالَ لي .. فلا تعطِهِ شيئاً، وإنْ رأيتَهُ لا يكلُّمُ أحداً .. فأعطِهِ ـئة ٥٧٠ ربع العادات كتاب الأمر بالمعروف البدرةَ ، فلمَّا خرِجَ مِنَ القصرِ .. فإذا هوَ بنواةٍ في الأرضِ قدْ غاصَتْ، فجعل يعالجُها ولمْ يكلِّمْ أحداً ، فقالَ لهُ : يقولُ لكَ أميرُ المؤمنينَ : خذْ هذهِ البدرةَ ، فقالَ : قلْ لأميرِ المؤمنينَ يردُّها مِنْ حيثُ أخذَها . ورُوِيَ أنَّهُ أقبلَ بعدَ فراغِهِ مِنْ كلامِهِ على النواةِ يعالجُ قلعَها مِنَ الأرضِ وهوَ يقولُ(١): [من الوافر] هُمُوماً كُلَّمَا كَثُرَتْ لَدَيْهِ أَرَى أَلُّّنْيا لِمَنْ هِيَ فِي يَدَيْهِ وَتُكْرِمُ كُلَّ مَنْ هَانَتْ عَلَيْهِ تُهِينُ الْمُكْرِمِينَ لَها بِصُغْرٍ وَخُذْ مَا أَنْتَ مُحْتاجٌ إِلَيْهِ إِذا أَسْتَغْنَيْتَ عَنْ شَيْءٍ فَدَعْهُ وعنْ سفيان الثوريِّ رحمهُ اللهُ قالَ : حجَّ المهديُّ سنةَ ستٍّ وستينَ ومئةٍ، فرأيتُهُ يرمي جمرة العقبةِ والناسُ يُخبطونَ يميناً وشمالاً بالسياطِ ، فوقفتُ فقلتُ : يا حسنَ الوجهِ ؛ حدَّثَنَا أيمنُ بنُ نابلٍ عنْ قدامةَ بنِ عبدِ اللهِ الكلابيِّ قالَ: ( رأيتُ رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ يرمي الجمرةَ يومَ النحرِ على جملٍ لا ضربَ ولا طردَ ولا جلْدَ، ولا إليكَ إليكَ)(٢)، وهلأنتَ يُخبطَ الناسُ بينَ يديكَ يميناً وشمالاً، فقالَ لرجلٍ : مَنْ هذا؟ قالَ : سفيانُ الثوريُّ، فقالَ : يا سفيانُ ؛ لوْ كانَ المنصورُ .. ما احتملَكَ على هذا، فقلتُ : لوْ أخبرَكَ المنصورُ بما لقيَ .. لأقصرتَ عمَّا أنتَ فيهِ ، قالَ : فقيلَ (١) الأبيات لأبي العتاهية في ((ديوانه)) (ص ٤١٠ - ٤١١). (٢) رواه الترمذي ( ٩٠٣)، والنسائي (٢٧٠/٥)، وابن ماجه (٣٠٣٥). ٥٧١ حر كتاب الأمر بالمعروف ربع العادات لهُ: إِنَّهُ قالَ لكَ : يا حسنَ الوجهِ ، ولمْ يقلْ لكَ : يا أميرَ المؤمنينَ ، فقالَ : اطلبوهُ ، فطُلِبَ سفيانُ ، فاختفى(١). وقدْ رُوِيَ عنِ المأمونِ أنَّهُ بلغَهُ أنَّ رجلاً محتسِباً يمشي في الناسِ يأمرُهُمْ بالمعروفِ وينهاهُمْ عنِ المنكرِ ولمْ يكنْ مأموراً مِنْ عندِهِ بذلكَ ، فأمرَ بأنْ يُدخلَ عليهِ ، فلمَّا صارَ بينَ يديهِ .. قالَ لُه: إنَّهُ بلغَني أنَّكَ رأيتَ نفسَكَ أهلاً للأمرِ بالمعروفِ والنهي عنِ المنكرِ مِنْ غيرِ أنْ نأمرَكَ ، وكانَ المأمونُ جالساً على كرسيٍّ ينظرُ في كتابٍ أوْ قصَّةٍ ، فأغفلَهُ ، فوقعَ منهُ ، فصارَ تحتَ قدمِهِ مِنْ حيثُ لمْ يشعرْ ، فقالَ لهُ المحتسبُ : ارفعْ قدمَكَ عنْ أسماءِ اللهِ تعالى ثمَّ قلْ ما شئتَ ، فلمْ يفهمِ المأمونُ مرادَهُ ، فقالَ : ماذا تقولُ ؟ حتَّى أعادَهُ ثلاثاً ، فلمْ يفهمْ ، فقالَ : إمَّا رفعتَ أوْ أذنتَ لي حتَّى أرفعَ ، فقالَ : قَدْ أذنتُ لكَ، فنظرَ المأمونُ تحتَ قدمِهِ ، فرأى الكتابَ فأخذَهُ وقَبَّلَهُ وخجلَ ، ثمَّ عَادَ وقالَ : لِمَ تأمرُ بالمعروفِ وقدْ جعلَ اللهُ ذلكَ إلينا أهلَ البيتِ ؟ ونحنُ الذينَ قال اللهُ تعالى فيهمْ: ﴿ الَّذِينَ إِن ◌َّكَّتَّهُمْ فِى الْأَرْضِ أَقَامُواْ الصَّلَوةَ وَءَاتَواْ الزَّكَوَةَ وَأَمَرُواْ بِالْمَعْرُوفِ وَنَهُواْ عَنِ الْمُنكَرِ﴾، فقالَ: صدقتَ يا أميرَ (١) روى أبو نعيم في ((الحلية)) (٣٧٧/٦) نحو هذا، قال الحافظ الزبيدي فى ((إتحافه)) (٢٢/٧) : (هكذا أورد المصنف هذه القصة تبعاً لغيره ، وقد عرفت أن سفيان توفي قبل هذه المدة بخمس سنوات ، ولكن ثبت أنه اختفى من المهدي حين طلبه ، وأنه كان ذلك بسبب أمره بالمعروف ) ، ثم ساق الحافظ الزبيدي حديث أبي نعيم وقال : ( فبان بهذا أن للقصة المذكورة أصلاً ، وإنما الغلط جاء من التاريخ ، وكان تولية المهدي سنة ثمان وخمسين ، فلعل حقه سنة ستين ، فتأمل ) . ٥٧٢ ربع العادات کتاب الأمر بالمعروف المؤمنينَ ، أنتَ كما وصفتَ نفسَكَ مِنَ السلطانِ والتمكينِ ، غيرَ أنَّا أعوانُكَ وأولياؤُكَ فِيهِ ، ولا ينكرُ ذلكَ إلا مَنْ جهلَ كتابَ اللهِ تعالى وسنَّةَ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ ، قالَ اللهُ تعالى: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَآءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ ... ﴾ الآيةَ، وقالَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: ((المؤمنُ للمؤمنِ كالبنيانِ يشدُّ بعضُهُ بعضاً))(١) ، وقدْ مُكِّنتَ في الأرضِ ، وهذا كتابُ اللهِ وسنَّةُ نبيِّهِ عليهِ الصلاةُ والسلامُ ، فإِنِ انقدتَ لهُما .. شكرتَ لمَنْ أعانَكَ بجزءٍ منهُما، وإن استكبرتَ عنهُما ولمْ تنقدْ لما لزمَكَ منهُما .. فإِنَّ الذي إليهِ أمرُكَ وبيدِهِ عزّكَ وذلُكَ قدْ شرطَ أنَّهُ لا يضيعُ أجرَ مَنْ أحسنَ عملاً ، فقلِ الآنَ ما شئتَ ، فأُعجبَ المأمونُ بكلامِهِ وسَُّ بِهِ ، وقالَ : مثلُكَ يجوزُ لهُ أنْ يأمرَ بالمعروفِ ، فامضٍ على ما كنتَ عليهِ بأمرِنا وعنْ رأيِنا ، فاستمرَّ الرجلُ على ذلكَ . ففي سياقِ هذِه الحكاياتِ بيانُ الدليلِ على الاستغناءِ عنِ الإذنِ . فإنْ قيلَ : أفتثبتُ ولايةَ الحِسبةِ للولدِ على الوالدِ ، والعبدِ على السيِّدِ ، والزوجةِ على الزوج ، والتلميذِ على الأستاذِ ، والرعيَّةِ على الوالي مطلقاً .. كما يثبتُ للوالدِ على الولدِ ، والسيِّدِ على العبدِ ، والزوج على الزوجةِ ، والأستاذِ على التلميذِ ، والسلطانِ على الرعيَّةِ ، أو بينَهُما فرقٌ ؟ (١) رواه البخاري (٤٨١)، ومسلم (٢٥٨٥) . ٥٧٣ كتاب الأمر بالمعروف ربع العادات فاعلمْ : أنَّ الذي نراهُ أنَّهُ يثبتُ أصلُ الولايةِ ، ولكنْ بِينَهُما فرقٌ في التفصيل ، ولنفرضْ ذلكَ في الولدِ معَ الوالِدِ ، فنقولُ : قدْ رتَبْنا للحِسبةِ خمسَ مراتبَ ، وللولدِ الحِسبةُ بالرتبتينِ الأوليينِ ، وهما التعريفُ ، ثمَّ الوعظُ والنصحُ باللطفِ ، وليسَ لهُ الحِسبةُ بالسبِّ والتعنيفِ ، والتهديدِ ، ولا بمباشرةِ الضرْبِ ، وهما الرتبتانِ الأخيرتانِ . وهلْ لهُ الحسبةُ بالرتبةِ الثالثةِ(١)، حيثُ تؤدّي إلى أذى الوالدِ وسخطِهِ ؟ هذا فيهِ نظرُ(٢)، وهوَ بأنْ يكسرَ مثلاً عودَهُ، ويريقَ خمرَهُ، ويحلَّ الخيوطَ عنِ ثيابِهِ المنسوجةِ مِنَ الحريرِ ، ويردَّ إلى الملَّكِ ما يجدُهُ في بيتِهِ مِنَ المالِ الحرام الذي غصبَهُ أوْ سرقَهُ أوْ أخذَهُ عنْ إدرارٍ ورزقٍ مِنْ ضريبةٍ المسلمينَ إذا كانَ صاحبُهُ معيَّناً ، ويبطلَ الصورَ المنقوشةَ على حيطانِهِ ، والمنقورةَ في خشبٍ بيتِهِ ، ويكسرَ أوانيَ الذهبِ والفضةِ ، فإنَّ فعلَهُ في هذهِ الأمورِ ليسَ يتعلَّقُ بذاتِ الأَبِ ، بخلافِ الضرْبِ والسبِّ ، ولكنَّ الوالدَ يتأذَّى بهِ ويسخطُ بسببهِ ، إلا أنَّ فعلَ الولدِ حقٌّ ، وسخطُ الأبِ منشؤُهُ حبُّهُ للباطلِ وللحرامِ ! والأظهرُ في القياسِ : أنَّهُ يثبتُ للولدِ ذلكَ ، بلْ يلزمُهُ أنْ يفعلَ ذلكَ ، ـكن (١) كذا في النسخ، ولعل الصواب: ( بالرتبة الرابعة ) حسبما ذكره سابقاً . (٢) ووجه النظر: أن رضا الوالد مطلوب على كل حال ، فهل يقدَّم على الاحتساب ؟ والاحتساب أيضاً مأمور به ، فهل يقدم عليه ولو أدى ذلك إلى السخط ؟ فصار الأمر ملتبساً. ((إتحاف )) ( ٧ /٢٤ ) . ٥٧٤ ربع العادات كتاب الأمر بالمعروف ولا يبعدُ أنْ ينظرَ فيهِ إلى قبح المنكرِ وإلى مقدارِ الأذى والسخطِ ، فإنْ كانَ المنكرُ فاحشاً وسخطُهُ عليهِ قريباً ؛ كإراقةٍ خمرٍ مَنْ لا يشتدُّ غضبُهُ .. فذلكَ ظاهرٌ ، وإنْ كانَ المنكرُ قريباً والسخطُ شديداً؛ كما لوْ كانَتْ لهُ آنيةٌ مِنْ بِلَّورِ أوْ زجاجٍ على صورةٍ حيوانٍ وفي كسرِها خسرانُ مالٍ كثيرٍ .. فهذا ممَّا يشتدُّ فيهِ الغضبُ ، وليسَ تجري هذهِ المعصيةُ مَجرى الخمرِ وغيرِهِ ، فهذا كلُّهُ مجالُ النظرِ . فإنْ قيلَ : ومِنْ أينَ قلتُمْ: ليسَ لهُ الحِسبةُ بالتعنيفِ والضربِ والإرهاقِ إلى تركِ الباطلِ والأمرُ بالمعروفِ في الكتابِ والسنَّةِ وردَ عامّاً مِنْ غيرِ تخصيصٍ ، وأمَّا النهيُ عنِ التأفيفِ والإيذاءِ .. فقدْ ورَد وهوَ خاصٌّ فيما لا يتعلَّقُ بارتكابِ المنكراتِ ؟ فنقولُ : قدْ وردَ في حقِّ الأبِ على الخصوصِ ما يوجبُ الاستثناءَ عنِ العموم ؛ إذْ لا خلافَ في أنَّ الجلأَدَ ليسَ لهَ أنْ يقتلَ أباهُ حداً في الزنا ، ولا لهُ أنْ يباشرَ إقامةَ الحدِّ عليهِ ، بلْ لا يباشرُ قتلَ أبيهِ الكافرِ ، بلْ لَوْ قطعَ يدَهُ .. لمْ يلزمْهُ قصاصٌ، ولمْ يكنْ لَهُ أنْ يؤذيَهُ في مقابلتِهِ ، وقدْ وردَ في ذلكَ أخبارٌ(١) ، وثبتَ بعضُها بالإجماع . (١) منها حديث الذي حذف ابنه بسيف ، فأصاب ساقه ، فنزا في جرحه ، فمات ، فأخذ منه عمر رضي الله عنه ديته ودفعها إلى ورثته دونه ، روى ذلك الشافعي في (( الأم)) (٨٥/٧)، وعبد الرزاق في ((المصنف)) (٤٠٣/٩)، والبيهقي في «السنن = ٥٧٥ كتاب الأمر بالمعروف ربع العادات فإذا لمْ يجزْ لُهُ إِيذاؤُهُ بعقوبةٍ هيَ حقٌّ على جنايةٍ سابقةٍ .. فلا يجوزُ لهُ إيذاؤُهُ بعقوبةٍ هيَ منعٌ عنْ جنايةٍ مستقبلةٍ متوقَّعةٍ ، بلْ أولى . وهذا الترتيبُ أيضاً ينبغي أن يجريَ في العبدِ والزوجةِ معَ السيِّدِ والزوجِ فهما قريبانِ مِنَ الوالدِ في لزوم الحقِّ ، وإِنْ كانَ ملكُ اليمينِ آكدَ مِنْ ملكِ النكاحِ ، ولكنْ في الخبرِ : ( أنَّهُ لَوْ جازَ السجودُ لمخلوقٍ .. لأمرتُ المرأةَ بالسجودِ لبعلها)(١)، وهذا يدلُّ على تأكيدِ الحقِّ أيضاً . وأمَّا الرعيَّةُ معَ السلطانِ .. فالأمرُ فيها أشدُّ مِنَ الوالِدِ، فليسَ لهُمْ معَهُ إلا التعريفُ والنصحُ ، فأما الرتبةُ الثالثةُ .. ففيها نظرٌ مِنْ حيثُ إنَّ الهجومَ على أخذِ الأموالِ مِنْ خزانتِهِ وردِّها إلى الملأَّكِ ، وعلى تحليلِ الخيوطِ مِنْ ثيابِهِ الحريرِ ، وكسرِ آنيةِ الخمورِ في بيتِهِ .. يكادُ يفضي إلى خرْقِ هيبِهِ وإسقاطٍ حشمتِهِ ، وذلكَ محظورٌ وردَ النهيُ عنْه(٢)، كما ورَد النهيُ عنِ السكوتِ الكبرى)) (٣٨/٨)، وروى أحمد فى ((المسند)) (١٦/١)، والترمذي (١٤٠٠)، = من حديث عمر رضي الله عنه - وهو في الخبر السابق كذلك - مرفوعاً: (( لا يقاد الوالد بالولد ))، ورواه البيهقي في ((السنن الكبرى)) (٣٩/٨)، من حديث ابن عباس رضي الله عنه كذلك . (١) رواه الترمذي ( ١١٥٩). (٢) كما روى الحاكم في ((المستدرك)) (٢٩٠/٣)، والبيهقي في (( السنن الكبرى)) (١٦٤/٨) من حديث عياض بن غنم رضي الله عنه مرفوعاً: (( من كانت عنده نصيحة لذي سلطان .. فلا يكلمه بها علانية ، وليأخذ بيده فليخل به، فإن قبلها .. قبلها، =بـ ٥٧٦ ربع العادات حن كتاب الأمر بالمعروف على المنكرِ ، فقدْ تعارضَ فيهِ أيضاً محذورانٍ ، والأمرُ فيهِ موكولٌ إلى و اجتهادٍ منشؤُهُ النظرُ في تفاحشِ المنكرِ ، ومقدارِ ما يسقطُ مِنْ حشمتِهِ بسببٍ الهجومِ عليهِ ، وذلكَ ممَّا لا يمكنُ ضبطُهُ . وأمَّا التلميذُ والأستاذُ .. فالأمرُ فيما بينَهُما أخفتُّ ؛ لأنَّ المحترمَ هوّ الأستاذُ المفيدُ للعلم مِنْ حيثُ الدينُ ، ولا حرمةَ لعالمٍ لا يعملُ بعلمِهِ ، فلهُ أنْ يعاملَهُ بموجَبٍ علمِهِ الذي تعلَّمَهُ منهُ . ورُوِيَ أنَّهُ سُئِلَ الحسنُ عنِ الولدِ كيفَ يحتسبُ على والدِهِ ؟ فقالَ: يعظُهُ ما لمْ يغضبْ ، فإنْ غضبَ .. سكتَ عنهُ . الشرطُ الخامسُ : كونُهُ قادراً: ولا يخفى أنَّ العاجزَ ليسَ عليهِ حِسبةٌ إلا بقلبهِ ؛ إذْ كلُّ مَنْ أحبَّ اللهَ تعالى فيكرهُ معاصيَهُ وينكرُها ، وقالَ ابنُ مسعودٍ رضيَ اللهُ عنهُ : ( جاهدوا الكفَّارَ بأيديكُمْ، فإنْ لمْ تستطيعوا إلا أنْ تكفهرُّوا في وجوهِهِمْ .. فافعلوا)(١). - وإلا .. كان قد أدى الذي عليه والذي له))، وللترمذي (٢٢٢٤)، من حديث = أبي بكرة الثقفي رضي الله عنه مرفوعاً: ((من أهان سلطان الله في الأرض .. أهانه الله))، قاله أبو بكرة لرجل سمعه يقول : ( انظروا إلى أميرنا يلبس ثياب الفساق ) . (١) رواه ابن المبارك في ((الزهد)) (١٣٧٧) ولفظه : ( جاهدوا المنافقين بأيديكم ، فإن لم تستطيعوا .. فبألسنتكم ، فإن لم تستطيعوا إلا أن تكفهروا في وجوههم .. فاكفهروا في وجوههم ) . ٥٧٧ حر كتاب الأمر بالمعروف ربع العادات 57 واعلمْ : أَنَّهُ لا يقفُ سقوطُ الوجوبِ على العجْزِ الحسِّيِّ ، بلْ يلتحقُ بهِ ما يخافُ عليهِ مكروهاً ينالُهُ، فذلكَ في معنى العجْزِ ، وكذلكَ إذا لمْ يخفْ مكروهاً ولكنْ علمَ أنَّ إنكارَهُ لا ينفعُ ، فليلتفتْ إلى معنيينِ : أحدُهُما : عدمُ إفادةِ الإنكارِ امتناعاً . والآخرُ : خوفُ مكروهٍ . ويحصلُ منِ اعتبارِ المعنيينِ أربعةُ أحوالٍ : أحدُها : أنْ يجتمعَ المعنيانِ : بأنْ يعلمَ أنَّهُ لا ينفعُ كلامُهُ ، ويُضربُ إنْ تكلَّمَ ، فلا تجبُ عليهِ الحِسبةُ ، بلْ ربَّما تحرمُ في بعضِ المواضعِ . نعمْ ، يلزمُهُ أَلا يحضرَ مواضعَ المنكرِ ، ويعتزلَ في بيتِهِ حتَّى لا يشاهدَهُ، ولا يخرجُ إلا لحاجةٍ مهمَّةٍ أوْ واجبٍ، ولا يلزمُهُ مفارقةُ تلكَ البلدةِ والهجرةُ إلا إذا كانَ يرهقُ إلى الفسادِ (١) ، أوْ يحملُ على مساعدةِ السلاطينِ في الظلمِ والمنكراتِ ، فتلزمُهُ الهجرةُ إنْ قدرَ عليها ، فإنَّ الإكراهَ لا يكونُ عذراً في حقِّ مَنْ يقدرُ على الهربِ مِنَ الإكراهِ . الحالةُ الثانيةُ : أنْ ينتفيَ المعنيانِ جميعاً : بأنْ يعلمَ أنَّ المنكرَ يزولُ بقولِهِ وفعلِهِ ، ولا يقدرُ لهُ على مكروهٍ ، فيجبُ عليهِ الإنكارُ ، وهذهِ هيَ القدرةُ المطلقةُ . الحالةُ الثالثةُ : أَنْ يعلمَ أنَّهُ لا يفيدُ إنكارُهُ، لكنَّهُ لا يخافُ مكروهاً : فلا (١) يرهق هنا : يقترب ويدنو منه . ٥٧٨ ربع العادات کتاب الأمر بالمعروف تجبُ عليهِ الحِسبةُ ؛ لعدم فائدتِها ، ولكنْ تُستحبُّ لإظهارِ شعائرِ الإسلامِ ، وتذكيرِ الناسِ بأمرِ الدينِ . الحالةُ الرابعةُ : عكسُ هذهِ : وهوَ أنْ يعلمَ أنَّهُ يصابُ بمكروهٍ ، ولكنْ يبطلُ المنكرَ بفعلِهِ ، كما يقدرُ على أنْ يرميَ زجاجةَ الفاسقِ بحجرٍ فيكسرَها ويريقَ الخمرَ ، أَوْ يضربَ العودَ الذي في يدِهِ ضربةً مختطفةً فيكسرَهُ في الحالِ ، ويتعطّلَ عليهِ هذا المنكرُ ، ولكنَّهُ يعلمُ أنَّهُ يرجعُ إليهِ فيضربُ رأسَهُ ، فهذا ليسَ بواجبٍ وليسَ بحرام ، بل هوَ مستحبٌّ ، ويدلُّ عليهِ الخبرُ الذي أوردناهُ في فضلٍ كلمةٍ حقٌّ عندَ إمام جائرٍ ، ولا شكّ في أنَّ ذلكَ مَظِنَّةُ الخوفِ . ويدُّ عليهِ ما رُوِيَ عنْ أبي سليمانَ الدارانيِّ رحمهُ اللهُ تعالى أنَّهُ قَالَ : ( سمعتُ مِنْ بعضِ الخلفاءِ كلاماً ، فأردتُ أنْ أنكرَ عليهِ وعلمتُ أنِّي أقتلُ ، ولمْ يمنعْني القتلُ ، ولكنْ كانَ في ملأٍ مِنَ الناسِ ، فخشيتُ أنْ يعتريَني التزيُنُ للخلقِ ، فأقتلَ مِنْ غيرِ إخلاصٍ في الفعلِ )(١) . عن ٠٨٥٠٠, فإنْ قيلَ : فما معنى قولِهِ تعالى: ﴿ وَلَا تُلْقُواْ بِأَيَدِيَكُمْ إِلَى النَّْلُكَةِ ﴾؟ قلنا : لا خلافَ في أنَّ المسلمَ الواحدَ لهُ أنْ يهجمَ على صفِّ الكفَّار ويقاتلَ وإنْ علمَ أنَّهُ يُقتلُ ، وهذا ربَّما يُظْنُّ أنَّهُ مخالفٌ لموجَبِ الآيةِ ، وليسَ كذلكَ ، فقدْ قالَ ابنُ عباسٍ رضيَ اللهُ عنهُما : ( ليسَ التهلكةُ ذلكَ ، (١) قوت القلوب (١٣٧/٢). ٥٧٩ كتاب الأمر بالمعروف ربع العادات بلْ تركُ النفقةِ في طاعةِ اللهِ تعالى)(١) أيْ: مَنْ لمْ يفعلْ ذلكَ .. فقدْ أهلكَ نفسَهُ . وقالَ البراءُ بنُ عازبٍ : ( التهلكةُ : هوَ أنْ يذنبَ الذنبَ ثمَّ يقولَ : لا يُتابُ عليّ)(٢) . وقالَ عَبيدةُ : ( هوَ أنْ يذنبَ ثمَّ لا يعملَ بعدَهُ خيراً حتَّى يهلكَ)(٣). وإذا جازَ أنْ يقاتلَ الكفَّارَ حتَّى يُقتلَ .. جازَ أيضاً لهُ ذلكَ في الحِسبةِ ، ولكنْ لَوْ علمَ أنَّهُ لا نكايةَ لهجومِهِ على الكفَّارِ ؛ كالأعمىُ يطرحُ نفسَهُ على الصفِّ أوِ العاجزِ .. فذلكَ حرامٌ، وداخلٌ تحتَ عموم آيةِ التهلكةِ ، وإنَّما جازَ لهُ الإقدامُ إذا علمَ أنَّهُ يقاتلُ إلى أنْ يُقْتَلَ، أَوْ علمَ أنَّهُ يكسرُ قلوبَ الكفَّارِ بمشاهدتِهِمْ جراءتَهُ ، واعتقادِهِمْ في سائرِ المسلمينَ قلَّةَ المبالاةِ وحبَّهُمْ للشهادةِ في سبيلِ اللهِ ، فتُكسرُ بذلكَ شوكتُهُمْ ؛ فكذلكَ يجوزُ للمحتسبِ ، بلْ يُستحبُّ لهُ أنْ يعرِّضَ نفسَهُ للضربِ والقتلِ إذا كانَ لحسبتِهِ تأثيرٌ في رفع المنكرِ ، أوْ في كسرِ جاهِ الفاسقِ ، أوْ في تقويةِ قلوبِ أهلِ الدينِ . فأمَّا إِنْ رأى فاسقاً متغلباً وحدَهُ وعندَهُ سيفٌّ وبيدِهِ قدحٌ ، وعلمَ أنَّهُ لوْ أنكرَ عليهِ لشربَ القدحَ وضربَ رقبتهُ .. فهذا ممَّا لا أرى للحسبةِ فيهِ (١) رواه الطبري في تفسيره)) (٢٦٥/٢/٢). (٢) رواه الطبري في (تفسيره)) (٢٦٨/٢/٢). (٣) رواه الطبري في ((تفسيره)) (٢٦٨/٢/٢)، وعبيدة هو السلماني ، وروى نحوه عن ابن سيرين كذلك . ٥٨٠