Indexed OCR Text
Pages 501-520
ربع العادات بو كتاب السماع والوجد حن تمامِ التأمُّلِ وإحضارِ الذهنِ ، ثمَّ يصيرُ ذلكَ ديدناً للسانِ مطرداً ، حتى يجري بهِ لسانُهُ في الصلاةِ وغيرِها وهوَ غافلٌ ، فيقرأ تمامَ السورةِ وتثوبُ نفسُهُ إليهِ بعدَ انتهائِهِ إلى آخرِها ، ويعلمُ أنَّهُ قرأَها في حالٍ غفلتِهِ ؟! وكذلكَ الكاتبُ يكتبُ في الابتداءِ بجهدٍ شديدٍ ، ثمَّ تمرُنُ عليهِ يدُهُ ، فتصيرُ الكتابةُ لهُ طبعاً ، فيكتبُ أوراقاً كثيرةٌ وهوَ مستوفي القلبِ بفكرٍ آخرَ . فجميعُ ما تحتملُهُ النفسُ والجوارحُ مِنَ الصفاتِ لا سبيل إلى اكتسابِهِ إلا بالتكلُّفِ والتصنُّع أوَّلاً ، ثمَّ يصيرُ بالعادةِ طبعاً ، وهوَ المرادُ بقولِ بعضِهِمْ: ( العادةُ طبيعةٌ خامسةٌ) ، فكذلكَ الأحوالُ الشريفةُ لا ينبغي أنْ يقعَ اليأسُ منها عندَ فقدِها ، بلْ ينبغي أنْ يُتكلّفَ اجتلابُها بالسماع وغيرِهِ ، فلقدْ شُوهدَ في العاداتِ مَنِ اشتهى أنْ يعشقَ شخصاً ولمْ يكنْ يعشقُهُ ، فلمْ يزلْ يردِّدُ ذكرَهُ على نفسِهِ ، ويديمُ النظرَ إليهِ ، ويقرِّرُ على نفسِهِ الأوصافَ المحبوبةَ والأخلاقَ المحمودةَ فيهِ .. حتَّى عشقَهُ ، ورسخَ ذلكَ في قلبِهِ رسوخاً خرجَ عنْ حدِّ اختيارِهِ ، واشتهىُ بعدَ ذلكَ الخلاصَ منهُ فلمْ يتخلَّصْ . فكذلكَ حبُّ اللهِ تعالى ، والشوقُ إلى لقائِهِ ، والخوفُ مِنْ سخطِهِ ، وغيرُ ذلكَ مِنَ الأحوالِ الشريفةِ، إذا فقدَها الإنسانُ .. فينبغي أنْ يتكلَّفَ اجتلابَها بمجالسةِ الموصوفينَ بها ، ومشاهدةِ أحوالِهِمْ ، وتحسينِ صفاتِهِمْ في النفسِ ، وبالجلوسِ معَهُمْ في السماع ، وبالدعاءِ والتضرُّع إلى اللهِ تعالى في أنْ يرزقَهُ تلكَ الحالةَ بأنْ ييسِّرَ لهُ أسبابَها ، ومِنْ أسبابِها السماعُ ومجالسةُ الصالحينَ والخائفينَ والمحبِّينَ والمشتاقينَ والخاشعينَ ، فمَنْ ٥٠١ كتاب السماع والوجد ربع العادات جالسَ شخصاً .. سرتْ إليهِ صفاتهُ مِنْ حيثُ لا يدري . ويدلُّ على إمكانِ تحصيلِ الحبِّ وغيرِهِ مِنَ الأحوالِ بالأسبابِ قولُ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ في دعائِهِ: «اللهمَّ؛ ارزقْني حبَّكَ، وحبَّ مَنْ أحبَّكَ، وحبَّ ما يقرِّبُني إلى حبِّكَ)) (١) ، فقدْ فِعَ عليهِ الصلاةُ والسلامُ إلى الدعاءِ في طلبِ الحبِّ . فهذا بيانُ انقسامِ الوجدِ إلى مكاشفاتٍ وإلى أحوالٍ، وانقسامِهِ إلى ما يمكنُ الإفصاحُ عنهُ ، وإلى ما لا يمكنُ ، وانقسامِهِ إلى المتكلّفِ وإلى المطبوع . فإنْ قلتَ : فما بالُ هؤلاءِ لا يظهرُ وجدُهُمْ عندَ سماع القرآنِ وهوَ كلامُ اللهِ سبحانَهُ، ويظهرُ عندَ الغناءِ وهوَ كلامُ الشعراءِ ؟! فلوَ كانَ ذلكَ حقّاً مِنْ لطفِ اللهِ تعالى، ولمْ يكنْ باطلاً مِنْ غرورِ الشيطانِ .. لكانَ القرآنُ أولی بهِ مِنَ الغناءِ . فنقولُ : الوجدُ الحقُّ هوَ ما ينشأُ مِنْ فَرْطِ حبِّ اللهِ تعالى ، وصدْقٍ إرادتِهِ ، والشوقِ إلى لقائِهِ ، وذلكَ يهيجُ بسماع القرآنِ أيضاً ، وإنَّما الذي لا يهيجُ بسماع القرآنِ حتُّ الخلقِ والعشقُ للمخلوقِ . ويدلُّ على ذلكَ قولُهُ تعالى: ﴿أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾، وقولُهُ تعالى: ﴿مَثَانِىَ نَقْشَعِرٌ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّتَلِيِنُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى حسن (١) رواه الترمذي (٣٢٣٥) . ٥٠٢ ربع العادات كتاب السماع والوجد ذِكْرِ اللَّهِ﴾، وكلُّ ما يُوجدُ عَقيبَ السماع بسببِ السماع في النفسِ فهوَ وجْدٌ، فالطمأنينةُ والاقشعرارُ والخشيةُ ولينُ القلبِ كلُّ ذلكَ وجْدٌ ، وقدْ قالَ اللهُ تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اَللَّهُ وَحِلَتْ قُلُوبُهُمْ﴾، وقالَ تعالى: ﴿ لَوْ أَنزَلْنَا هَذَا الْقُرْءَانَ عَلَى جَبَلٍ لََّأَيْتَهُ خَشِعًا مُتَصَدِّعًا مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ﴾ ، فالوجلُ والخشوعُ وجْدٌ مِنْ قبيلِ الأحوالِ ، وإنْ لمْ يكنْ مِنْ قبيلٍ المكاشفاتِ ، ولكنْ قدْ يصيرُ سبباً للمكاشفاتِ والتنبيهاتِ ، ولهذا قالَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: ((زيَّنوا القرآنَ بأصواتِكُمْ))(١)، وقالَ لأبي موسى الأشعريِّ: ((لقدْ أُوتِي مِزماراً مِنْ مزاميرٍ آلِ داوودَ عليهِ السلامُ»(٢). وأمَّا الحكاياتُ الدالَّةُ على أنَّ أربابَ القلوبِ ظهرَ عليهِمُ الوجدُ عندَ سماع القرآنِ .. فكثيرةٌ؛ فقولُهُ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: ((شيَبَتْي هودٌ وأخواتُها)) (٣) خبرٌ عنِ الوجْدِ ، فإنَّ الشيبَ يحصلُ مِنَ الحزنِ والخوفِ ، وذلكَ وجْدٌ . ورُوِيَ أنَّ ابنَ مسعودٍ رضيَ اللهُ عنهُ قرأَ على رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ ( سورةَ النساءِ)، فلمَّا انتهى إلى قولِهِ تعالى: ﴿ فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِن كُلِّ أُمَّتِ بِشَهِيدٍ وَجِثْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلَاءِ شَهِيدًا﴾ .. قالَ: ((حسبُكَ))، وكانَتْ عيناه تذرفانٍ بالدمع (٤) . (١) رواه أبو داوود (١٤٦٨)، والنسائي (١٧٩/٢)، وابن ماجه (١٣٤٢). (٢) رواه البخاري (٥٠٤٨)، ومسلم ( ٧٩٣) . (٣) رواه الترمذي (٣٢٩٧). (٤) رواه البخاري (٤٥٨٢)، ومسلم (٨٠٠). ٥٠٣ كتاب السماع والوجد ربع العادات وفي روايةٍ أنَّهُ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ قرأَ هِهذهِ الآيةَ أوْ قُرِىءَ عندَهُ: ﴿إِنَّ لَدَيْنَا أَنْكَلًا وَحَجِيمًا ﴾ وَطَعَامًا ذَا غُصَّةٍ وَعَذَابًا أَلِيمًا﴾ فصعقَ(١). وفي روايةٍ أنَّهُ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ قرأ: ﴿ إِن تُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ ﴾ فیکی(٢). وكانَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ إذا مرَّ بآيةِ رحمةٍ دعا واستبشرَ (٣)، والاستبشارُ وجْدٌ . وقدْ أثنى الله تعالى على أهلِ الوجدِ بالقرآنِ فقال تعالى: ﴿وَإِذَا سَمِعُواْ مَاً أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الذَّمْعِ مِمَّا عَرَفُواْ مِنَ الْحَقِّ﴾. ورُوِيَ أنَّ رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ كانَ يصلِّي ولصدرِهِ أزيزٌ كأزيزِ المرجلِ (٤) . وأمَّا ما نُقُلَ مِنَ الوجدِ بالقرآنِ عنِ الصحابةِ رضيَ اللهُ عنهُمْ والتابعينَ .. فكثيرٌ ، فمنهُمْ مَنْ صعقَ ، ومنهُمْ مَنْ بكى ، ومنهُمْ مَنْ غُشِيَ عليهِ ، ومنهُمْ مَنْ ماتَ في غشيتِهِ، ورُويَ أنَّ زرارةَ بنَ أبي أوفى وكانَ مِنَ التابعينَ كانَ يؤمُ الناسَ (١) رواه ابن عدي في ((الكامل)) (٤٣٦/٢) عن أبي حرب بن أبي الأسود مرسلاً ، وعن حمران بن أعين يرفعه للنبي صلى الله عليه وسلم ، وعن حمران أيضاً رواه هناد في ((الزهد)) ( ٢٦٧ ). (٢) رواه مسلم (٢٠٢ ). (٣) رواه مسلم ( ٧٧٢)، ولم يذكر فيه الاستبشار، بل هو عند الطوسي في ((اللمع)) ( ص ٣٥٣) . (٤) رواه أبو داوود (٩٠٤)، والنسائي (١٣/٣). ٥٠٤ ربع العادات كتاب السماع والوجد بالرقَّةِ، فقرأَ: ﴿فَإِذَا نُقِرَ فِى النَّاقُرِ﴾ فصعقَ وماتَ في محرابِهِ رحمهُ اللهُ (١). وسمع عمرُ رضيَ اللهُ عنهُ رجلاً يقرأُ: ﴿إِنَّ عَذَابَ رَيِّكَ لَوَفِعٌ ﴿٤: مَّالَهُ مِن دَافِعٍ﴾، فصاحَ صيحةً وخرّ مغشياً عليهِ ، فحُملَ إلى بيتِهِ ، فلمْ يزلْ مريضاً في بيتِهِ شهرا(٢) . وأبو جهيرٍ مِنَ التابعينَ قرأْ عليهِ صالحٌ المريُّ، فشهقَ وماتَ(٣). وسمعَ الشافعيُّ رحمهُ اللهُ قارئاً يقرأُ: ﴿هَذَا يُؤْمُ لَا يَنْطِقُونَ ﴾: وَلَا يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَغَنَّذِرُونَ﴾ فغُشيَ عليهِ (٤) . وسمعَ عليُّ بنُ الفضيلِ قارئاً يقرأُ: ﴿ يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَلَمِينَ﴾، فسقطَ مغشياً عليهِ ، فقالَ الفضيلُ : شكرَ اللهُ لكَ ما قدْ علمَهُ منكَ(٥). ٢٧. وكذلكَ نُّقُلَ عنْ جماعةٍ منهُمْ، وكذلكَ الصوفيّةُ ، فقدْ كانَ الشبليُّ في مسجدِهِ ليلةً مِنْ رمضانَ وهوَ يصلِّي خلفَ إمام لهُ، فقرأَ الإمامُ: ﴿ وَلَيِن شِئْنَا لَنَذْهَبَنَّ بِالَّذِىّ أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ﴾، فزعقَ الشبليُّ زعقةً ظنَّ الناسُ أنَّهُ قَدْ طارَتْ روحُهُ ، واحمرَّ وجهُهُ، وارتعدَتْ فرائصُهُ ، فكانَ يقولُ : ( بمثلِ (١) رواه الترمذي (٤٤٥ ) بنحوه . (٢) رواه القاسم بن سلام في (( فضائل القرآن)) ( ص ١٣٧) وذكر أنه بقي ناقهاً عشرين يوماً . (٣) روى ذلك ابن عساكر في ((تاريخ دمشق)) (١٤٦/٥٦) ضمن خبر طريف . (٤) مناقب الشافعي (١٧٦/٢ - ١٧٧ ). (٥) رواه أبو نعيم في ((الحلية)) (٢٩٧/٨)، وانظر ((تهذيب الكمال)) (١٠٠/٢١). ٥٠٥ بحنحن ـون كتاب السماع والوجد ربع العادات هذا يُخاطبُ الأحبابُ)، يردِّدُ ذلكَ مراراً(١) . وقالَ الجنيدُ : دخلتُ على سريٍّ السقطيِّ، فرأيتُ بينَ يديهِ رجلاً قدْ غُشِيَ عليهِ ، فقالَ لي : هذا رجلٌ قدْ سمعَ آيَةً مِنَ القرآنِ فَغُشيَ عليهِ ، فقلتُ : اقرؤوا عليهِ تلكَ الآيةَ بعينِها ، فقُرتَتْ ، فأفاقَ ، فقالَ : مِنْ أينْ قلتَ هذا؟ فقلتُ : رأيتُ يعقوبَ عليهِ السلامُ كانَ عماهُ مِنْ أجلِ مخلوقٍ ، فبمخلوقٍ أبصرَ ، ولوْ كانَ عماهُ مِنْ أجلْ الحقِّ ما أبصرَ بمخلوقٍ ، فاستحسنَ ذلكَ(٢). ويشيرُ إلى ما قالَهُ الجنيدُ قولُ الشاعرِ(٣): [من المتقارب] وَكَأْسٍ شَرِبْتُ عَلَى لَذَّةٍ وَأُخْرَى تَدَاوَيْتُ مِنْهَا بِها وقالَ بعضُ الصوفيةِ : كنتُ أقرأُ ليلةَ هذهِ الآيَةَ: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَابِقَةُ اٌلْمَوْتِ﴾، فجعلتُ أردِّدُها، فإذا هاتفٌ يهتفُ بي : كمْ تردِّدُ هذهِ الآيةَ ؟! فقدْ قتلتَ أربعةً من الجنِّ لمْ يرفعوا رؤوسَهُمْ إلى السماءِ منذُ خُلقوا (٤). وقالَ أبو عليٍّ المغازليُّ للشبليِّ : ربَّما تطرقُ سمعي آيةٌ مِنْ كتابِ اللهِ تعالى فتحدوني على الإعراضِ عنِ الدنيا ، ثمَّ أرجعُ إلى أحوالي وإلى الناسِ ، فلا أبقى على ذلكَ ، فقالَ : ما طرقَ سمعَكَ مِنَ القرآنِ فاجتذَبَكَ بهِ إليهِ .. فذلكَ عطفٌ منهُ عليكَ، ولطفٌ منهُ بكَ، وإذا ردَّكَ إلى نفسِكَ .. ـحن (١) رواه الطوسي في ((اللمع)) (ص ٣٥٥)، والقشيري في (( الرسالة)) (ص ٥٥٣). (٢) اللمع (ص ٣٥٤)، والرسالة القشيرية ( ص ٥٥٣). (٣) البيت للأعشى الكبير في ((ديوانه)) (ص ٢٢٣). (٤) اللمع (ص٣٥٤) . ٥٠٦ ربع العادات كتاب السماع والوجد فهوَ شفقةٌ منهُ عليكَ؛ فإنَّهُ لا يصلحُ لكَ إلا التبرِّي مِنَ الحولِ والقوَّةِ في التوجُّهِ إليهِ(١) . وسمعَ رجلٌ مِنْ أهلِ التصؤُّفِ قارئاً يقرأُ: ﴿يَأَيُّهَا النَّفْسُ الْمُطْمَيِنَّةُ أَرْجِعِىّ إِلَى رَيِّكِ رَاضِيَةً مَّهِيَّةً﴾، فاستعادَها مِنَ القارىءِ ، وقالَ : كمْ أقولُ لها : ( ارجعي) وليسَتْ ترجعُ، وتواجدَ، وزعقَ زعقةٌ فخرجَتْ روحُهُ . وسمعَ بكرُ بنُّ معاذٍ قارئاً يقرأُ: ﴿وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْأَزِفَةِ ... ﴾ الآيةَ، فاضطربَ، ثمَّ صاحَ : ارحمْ مَنْ أنذرتَهُ ولمْ يُقْبِلْ إليكَ بعدَ النذيرِ بطاعتِكَ ، ثمَّ غُشِيَ عليهِ (٢). وكانَ إبراهيمُ بنُ أدهمَ رحمَهُ اللهُ إذا سمعَ أحداً يقرأُ: ﴿إِذَا السَّمَآءُ اُنْشَقَّتْ﴾ .. اضطربَتْ أوصالُهُ حتَّى كانَ يرتعدُ . وعنْ محمدِ بنِ صبيح قالَ : كانَ رجلٌ يغتسلُ في الفراتِ ، فمرَّ بهِ رجلٌ على الشاطىءٍ يقرأُ: ﴿ وَأَمْتَزُواْ أَلْيَوْمَ أَيُّهَا الْمُجْرِمُونَ﴾، فلمْ يزلِ الرجلُ يضطربُ حتَّى غرقَ وماتَ . ٢٧٠٠ وذُكرَ أنَّ سلمانَ الفارسيَّ أبصرَ شاباً يقرأُ ، فأتى على آيةٍ ، فاقشعرَّ جلدُهُ، فأحبَّهُ سلمانُ ، وفقدَهُ، فسألَ عنهُ، فقيلَ لهُ : إنَّهُ مريضٌ ، فأتاهُ يعودُهُ، فإذا هوَ في الموتِ ، فقالَ : يا أبا عبدِ اللهِ ؛ أرأيتَ تلكَ القشعريرةَ (١) اللمع (ص٣٥٤)، والرسالة القشيرية ( ص ٥٥٣) . (٢) رواه ابن حبيب في ((عقلاء المجانين)) (ص٦٥). ٥٠٧ كتاب السماع والوجد ربع العادات التي كانَتْ منِّي ، فإنَّها أتتني في أحسنِ صورةٍ ، فأخبرَتني أنَّ اللهَ قدْ غفرَ لي بها كلَّ ذنبٍ . وبالجملةِ : لا يخلو صاحبُ القلبِ عنْ وجْدٍ عندَ سماع القرآنِ ، فإنْ كانَ القرآنُ لا يؤثِّرُ فيهِ أصلاً .. فمثلُهُ كمثلِ الذي ينعقُ بما لا يسمعُ إلا دعاءً ونداءً ، صمِّ بكمِّ عميٌّ فَهُمْ لا يعقلونَ ، بلْ صاحبُ القلبِ تؤثِّرُ فِيهِ الكلمةُ مِنَ الحكمةِ يسمعُها ، قالَ جعفرٌ الخلديُّ : دخلَ رجلٌ مِنْ أهلِ خراسانَ على الجنيدِ وعندَهُ جماعةٌ ، فقالَ للجنيدِ : متى يستوي عندَ العبدِ حامدُهُ وذاقُّهُ ؟ فقالَ بعضُ الشيوخ : إذا دخلَ المارستانَ وقَيِّدَ بقيدينِ ، فقالَ الجنيدُ : ليسَ هذا مِنْ شأنِكَ، ثمَّ أقبلَ على الرجلِ ، وقالَ : إذا تحقَّقَ أنَّهُ مخلوقٌ ، فشهقَ الرجلُ شهقةٌ وخرجَتْ روحُهُ (١) . فإنْ قلتَ : فإنْ كانَ سماعُ القرآنِ مفيداً للوجدِ .. فما بالُهُمْ يجتمعونَ على سماع الغناءِ مِنَ القوَّالينَ دونَ القارئينَ؟! فكانَ ينبغي أنْ يكونَ اجتماعُهُمْ وتواجدُهُمْ في حلقِ القرَّاءِ لا حلقِ المغنِينَ ، وكانَ ينبغي أنْ يُطلبَ عندَ كلِّ اجتماع في كلِّ دعوةٍ قارىءٌ لا قوَّالٌ، فإنَّ كلامَ اللهِ تعالى أفضلُ مِنَ الغناءِ لا محالةَ . مية فاعلم : أنَّ الغناءَ أشدُّ تهييجاً للوجدِ مِنَ القرآنِ مِنْ سبعةِ أوجهٍ : (١) اللمع (ص٣٦٨). ٥٠٨ 78 G ربع العادات كتاب السماع والوجد الوجهُ الأوَّلُ : أَنَّ جميعَ آياتِ القرآنِ لا تناسبُ حالَ المستمع ولا تصلحُ لفهمِهِ وتنزيلِهِ على ما هوَ ملابسٌ لهُ : فمنِ استولىُ عليهِ حزنٌ أوْ شوقٌ أوْ ندمٌ .. فَمِنْ أينَ يناسبُ حالَهُ قولُهُ تعالى: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَدِ كُمٌّ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنثَيَيْنِ﴾، وقولُهُ تعالى: ﴿ وَالَّذِينَ يَزْمُونَ الْمُحْصَنَتِ﴾، وكذلكَ جميعُ الآياتِ التي فيها بيانُ أحكام الميراثِ والطلاقِ والحدودِ وغيرِها ؟! وإنَّما المحرَّكُ لما في القلبِ ما يناسبُهُ ، والأبياتُ إنَّما نظمَها الشعراءُ إعراباً بها عن أحوالِ القلبِ ، فلا يُحتاجُ في فهمِ الحالِ منها إلى تكلُّفٍ . نعمْ ، مَنْ يستولي عليهِ حالةٌ غالبةٌ قاهرةٌ .. لمْ تُبُقِ فيهِ متَّسعاً لغيرِها ، ومعهُ تيقُظُ وذكاءٌ ثاقبٌ يتفطَّنُ بهِ للمعاني البعيدةِ مِنَ الألفاظِ .. فقدْ يحضرُ وجْدُهُ على كلِّ مسموع ؛ كمَنْ يخطرُ لهُ عندَ ذكرٍ قولِهِ تعالى: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِى أَوْلَدِكُمْ ﴾ حالةُ الموتِ المحوجِ إلى الوصيةِ، وأنَّ كلَّ إنسانٍ لا بدَّ أنْ يخلفَ مالَهُ وولدَهُ، وهما محبوباهُ مِنَ الدنيا ، فيتركَ أحدَ المحبوبينِ للثاني ويهجرَهُما جميعاً ، فيغلبُ عليهِ الخوفُ والجزعُ . 3 أوْ يسمعُ ذكرَ اللهِ في قولِهِ: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ﴾، فيدهشُهُ مجرَّدُ الاسمِ عمَّا قبلَهُ وبعدَهُ ، أوْ يخطرُ لهُ رحمةُ اللهِ على عبادِهِ وشفقتُهُ بأنْ تولَّى قَسْمَ مواريثِهِمْ بنفسِهِ نظراً لهُمْ في حياتِهِمْ وموتِهِمْ ، فيقولُ : إذا نظرَ لأولادِنا بعدَ موتِنا .. فلا نشكُّ أنَّهُ ينظرُ لنا ، فيهيجُ منهُ حالُ الرجاءِ ، ويورثُهُ ذلكَ استبشاراً وسروراً . ٥٠٩ کتاب السماع والوجد ربع العادات أوْ يخطرُ لهُ مِنْ قولِهِ تعالى: ﴿لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ﴾ تفضيلُ الذكرِ بكونِهِ رجلاً على الأنثى، وأنَّ الفضلَ في الآخرةِ لرجالٍ لا تلهيهِمْ تجارةً ولا بيعٌ عنْ ذكرِ اللهِ ، وأنَّ مَنْ ألهاهُ غيرُ اللهِ تعالى عنِ اللهِ تعالى .. فهوَ مِنَ الإناثِ لا مِنَ الرجالِ تحقيقاً، فيخشى أنْ يُحجبَ أوْ يُؤخَّرَ في نعيمِ الآخرةِ كما أُخِّرَتِ الأنثى في أموالِ الدنيا . فأمثالُ هذا قدْ يحرِّكُ الوجدَ ، ولكنْ لمَنْ فيهِ وصفانِ : أحدُهُما : حالةٌ غالبةٌ مستغرقةٌ قاهرةٌ . والآخرُ : تفطُّنٌ بليغٌ وتيقُّظُ كاملٌ للتنبيهِ بالأمورِ القريبةِ على المعاني البعيدةِ . وذلكَ ممَّا يعزُّ ، فلأجلِ ذلكَ يُفزعُ إلى الغناءِ الذي هوَ ألفاظٌ مناسبةٌ للأحوالِ ، حتى يتسارعَ هيجانُها . ورُوِيَ أنَّهُ كانَ أبو الحسينِ النوريُّ معَ جماعةٍ في دعوةٍ ، فجرىُ بِينَهُمْ مسألةٌ في العلمٍ وأبو الحسينِ ساكتٌ، ثمَّ رفعَ رأسَهُ وأنشدَهُمْ: [من الرمل] ذاتِ شَجْوٍ صَدَحَتْ فِي فَنَنِ رُبَّ وَرْقَاءَ هَتُوفٍ فِي الصُّحَى وَبَكَتْ حُزْناً فَهَاجَتْ حَزَنِي ذَكَرَتْ إِلْفاً وَدَهْراً صالِحاً وَبُكاها رُبَّمَا أَرَّقَنِي فَبُكَائِي رُبَّما أَرَّقَها وَلَقَدْ أَشْكُو فَمَا تَفْهَمُنِي وَلَقَدْ تَشْكُو فَمَا أَفْهَمُها وَهْيَ أَيْضاً بِالْجَوَىْ تَغْرِفُنِي غَيْرَ أَنِّي بِالْجَوَى أَعْرِفُها ٥١٠ ربع العادات كتاب السماع والوجد قالَ : فما بَقِيَ أحدٌ مِنَ القومِ إلا قامَ وتواجدَ ، ولمْ يحصلْ لهُمْ هذا الوجْدُ مِنَ العلمِ الذي خاضوا فيهِ ، وإنْ كانَ العلمُ جدّاً وحقًّ(١). الوجهُ الثاني : أنَّ القرآنَ محفوظٌ للأكثرينَ ، ومتكرِّرٌ على الأسماعِ والقلوبِ : وكلُّ ما سُمعَ أوَّلاً .. عظُمَ أثرُهُ في القلوبِ ، وفي الكرّةِ الثانيةِ يضعفُ أثرُهُ ، وفي الثالثةِ يكادُ يسقطُ أثرُهُ، ولوْ كُلِّفَ صاحبُ الوجدِ الغالبِ أنْ يحضرَ وجدَهُ على بيتٍ واحدٍ على الدوامِ في مرَّاتٍ متقاربةٍ في الزمانِ ، في يومٍ أوْ أسبوع .. لمْ يمكنْهُ ذلكَ، ولوْ أُبدلَ ببيتٍ آخرَ .. لتجدَّدَ لهُ أثرٌ في قلبهِ وإنْ كانَ معرباً عنْ عينِ ذلكَ المعنى ، ولكنْ كونُ النظْم واللفظِ غريباً بالإضافةِ إلى الأوَّلِ يحرِّكُ النفسَ وإنْ كانَ المعنى واحداً . وليسَ يقدرُ القارىءُ على أنْ يقرأَ قرآناً غريباً في كلِّ وقتٍ ودعوةٍ ، فإنَّ القرآنَ محصورٌ لا يمكنُ الزيادةُ عليهِ ، وكلُّهُ محفوظٌ ومتكرِّرٌ . وإلى ما ذكرناهُ أشارَ الصدِّيقُ رضيَ اللهُ عنهُ حيثُ رأى الأعرابَ يقدمونَ فيستمعونَ القرآنَ ويبكونَ ، فقالَ : ( كنَّا كما كنتُمْ، ثمَّ قسَتْ قلوبُنا)(٢)، ولا تظنَّنَّ أنَّ قلْبَ الصدِّيقِ رضيَ اللهُ عنهُ كانَ أقسىُ مِنْ قلوبِ الأجلافِ مِنَ (١) اللمع (ص٣٧٩)، والأبيات حكيت عن الشبلي كما في (( ديوانه)) (ص ١٥٢)، والورقاء : الحمامة ، والهتوف : كثيرة الهدير ، والشجو : الحزن ، والحَزَن : لغة في الحُزْن ، والإِلْف : الصاحب الأليف ، والجوى : وجد الباطن وحرقته . (٢) رواه أبو نعيم في ((الحلية)) (٣٣/١). ٥١١ مائلا ن كتاب السماع والوجد ربع العادات العرب ، وأنَّهُ كانَ أخلى عنْ حبِّ اللهِ تعالى وحبٌّ كلامِهِ مِنْ قلوبِهِمْ ، ولكنَّ التكرارَ على قلبهِ اقتضى المرونَ عليهِ ، وقلَّةَ التأثُرِ بهِ، لما حصلَ لهُ مِنَ الأنْسِ بكثرةِ سماعِهِ ؛ إذْ محالٌ في العادةِ أنْ يسمعَ السامعُ آيَةً لمْ يسمعْها قبلُ فيبكيَ ، ثمَّ يدومُ بكاؤُهُ عليها عشرينَ سنةً يردِّدُها ويبكي ، ولا يفارقُ الأوَّلُ الآخرَ إلا في كونِهِ غريباً جديداً ، ولكلٍّ جديدٍ لذَّةٌ ، ولكلٍّ طارىءٍ صدمةٌ ، ومعَ كلِّ مألوفٍ أنسٌ يناقضُ الصدمةَ . G ولهذا همَّ عمرُ رضيَ اللهُ عنهُ أنْ يمنعَ الناسَ مِنْ كثرةِ الطوافِ ، وقالَ : ( قدْ خشيتُ أنْ يتساهلَ الناسُ بهذا البيتِ ) أيْ : يأنسوا بهِ ، ومَنْ قدمَ حاجّاً ، فرأى البيتَ أوَّلاً .. بكى وزعقَ، وربَّما غُشِيَ عليهِ إذا وقعَ عليهِ بصرُهُ ، وقدْ يقيمُ بمكَّةَ شهراً ولا يحسُّ مِنْ ذلكَ في نفسِهِ بأثرٍ . فإذاً ؛ المغنِّي يقدرُ على الأبياتِ الغريبةِ في كلِّ وقتٍ ، ولا يقدرُ في كلِّ وقتٍ على آيَةٍ غريبةٍ . الوجهُ الثالثُ : أنَّ لوزنِ الكلام بذوقِ الشعرِ تأثيراً في النفسِ : فليسَ الصوتُ الموزونُ الطِّبُ كالصوتِ الطيِّبِ الذي ليسَ بموزونٍ ، وإنَّما يُوجدُ الوزنُ في الشعرِ دونَ الآياتِ ، ولَوْ زحفَ المغنِّي البيتَ الذي ينشدُهُ ، أوْ لحنَ فيهِ ، أَوْ مالَ عنْ حدِّ تلكَ الطريقةِ في اللحنِ .. لاضطربَ قلبُ المستمع ، وبطلَ وجْدُهُ وسماعُهُ ، ونفرَ طبعُهُ ؛ لعدم المناسبةِ ، وإذا نفرَ ٥١٢ ربع العادات كتاب السماع والوجد الطبعُ .. اضطربَ القلبُ وتشوَّشَ، فالوزنُ إذاً مؤثِّرٌ، فلذلكَ طُلِبَ الشعرُ . الوجهُ الرابعُ : أنَّ الشعرَ الموزونَ يختلفُ تأثيرُهُ في النفسِ بالألحانِ التي تُسمَّى الطرقَ والدستاناتِ(١) : وإنَّما اختلافُ تلكَ الطرقِ بمدِّ المقصورِ وقصْرِ الممدودِ ، والوقفِ في أثناءِ الكلماتِ ، والقطع والوصلِ في بعضِها ، وهذا التصرُّفُ جائزٌ في الشعرِ ، ولا يجوزُ في القرآنِ إلا التلاوةُ كما أُنزلَ ، فقصرُهُ ومدُّهُ ، والوقفُ والوصلُ والقطعُ فيهِ على خلافِ ما تقتضيهِ التلاوةُ .. حرامٌ أَوْ مكروهٌ، وإذا رتَّلَ القرآنَ كما أُنزِلَ .. سقطَ عنهُ الأثرُ الذي سببُهُ وزْنُ الألحانِ ، وهوَ سببٌ مستقلٌّ بالتأثيرِ وإنْ لمْ يكنْ مفهوماً ؛ كما في الأوتارِ والشاهينِ وسائرِ الأصواتِ التي لا تفهمُ . الوجهُ الخامسُ : أنَّ الألحانَ الموزونةَ تُعضدُ وتُؤْكَّدُ بإيقاعاتٍ وأصواتٍ أخرَ موزونةٍ خارجَ الحلقِ : كالضربِ بالقضيبِ والذُّفِّ وغيرِهِ ؛ لأنَّ الوجدَ الضعيفَ لا يُستثارُ إلا بسببٍ قويٍّ(٢)، وإنَّما يقوى بمجموع هذهِ الأسبابِ ، (١) الدستانات: الأعواد التي عليها يعوَّل في لين الوتر وشدَّته ، وتعديل رئَتِهِ ، تكون على طرف العود ، وهي لفظة فارسية . (٢) وسبب ضعفه : سذاجة القلب ، وبلادة الطبع ، واستحكام الشواغل الفكرية ، أو رداءة المزاج. ((إتحاف)) (٦/ ٥٥٧ ) . ٥١٣ كتاب السماع والوجد ربع العادات ولكلِّ واحدٍ منها حظٌّ في التأثيرِ ، وواجبٌ أنْ يُصانَ القرآنُ عنْ مثلِ هذهِ القرائنِ ؛ لأنَّ صورتَها عندَ عامَّةِ الخلقِ صورةُ اللهوِ واللعبِ ، والقرآنُ جٌّ كلُّهُ عندَ كافَّةِ الخلقِ ، فلا يجوزُ أنْ يُمزجَ بالحقِّ المحضٍ ما هوَ لهوٌ عندَ العامَّةِ ، وصورتُهُ صورةُ اللهوِ عندَ الخاصَّةِ ، وإنْ كانوا لا ينظرونَ إليها مِنْ حيثُ إنَّها لهوٌ ، بلْ ينبغي أنْ يُوقَّرَ القرآنُ ، فلا يُقرأُ على شوارع الطرقِ ، بلْ في مجلسٍ ساكنٍ ، ولا في حالِ الجنابةِ ، ولا على غيرِ طهارةٍ ، ولا يقدرُ على الوفاءِ بحقِّ حرمةِ القرآنِ في كلِّ حالٍ إلا المراقبونَ لأحوالِهِمْ، فيُعدلُ إلى الغناءِ الذي لا يستحقُّ هذهِ المراقبةَ والمراعاةَ . ولذلكَ لا يجوزُ الضربُ بالدفِّ معَ قراءةِ القرآنِ ليلةَ العرسِ ، وقدْ أمرَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ بضرْبِ الدفِّ في العرسِ وقالَ: ((أظهروا النكاحَ ولوْ بضربِ الغربالِ)) (١)، أوْ بلفظِ هذا معناهُ، وذلكَ جائزٌ معَ الشعرِ دونَ القرآنِ . ولذلكَ لمَّا دخلَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ بيتَ الرُّبَيِّع بنتِ معوِّدٍ وعندَها جوارٍ يغنينَ ، فسمعَ إحداهُنَّ تقولُ : ( وَفِيْنَا نَبِيِّ يَعْلَمُ ما في غَدٍ ) على وجهِ الغناءِ، فقالَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ : ((دعي هذا، وقولي ما كنتِ تقولينَ))(٢)، وهذهِ شهادةٌ ـرة (١) رواه الترمذي ( ١٠٨٩). (٢) رواه البخاري (٤٠٠١ ). ٥١٤ ربع العادات كتاب السماع والوجد بالنبوَّةِ ، فزجرَها عنها ، وردّها إلى الغناءِ الذي هوَ لهوٌ؛ لأنَّ هذا جدٌّ محضٌ ، فلا يُقرِنُ بصورةِ اللهوِ . فإِذاً ؛ يتعذَّرُ بسببهِ تقويةُ الأسبابِ التي بها يصيرُ السماعُ محرِّكاً للقلبِ ، فواجبٌ في الاحترامِ العدولُ إلى الغناءِ عنِ القرآنِ ، كما وجبَ على تلكَ الجاريةِ العدولُ عنْ شَهادةِ النبوّةِ إلى الغناءِ . ئن. الوجهُ السادسُ : أنَّ المغنيَ قدْ يغني ببيتٍ لا يوافقُ حالَ المستمع ، فيكرهُهُ ، وينهاهُ عنهُ ، ويستدعي غيرَهُ : فليسَ كلُّ كلام موافقاً لكلِّ حالٍ ، فلو اجتمعوا في الدعواتِ على القارىءٍ .. فربما يقرأ آيةٌ لا توافقُ حالَهُمْ؛ إذِ القرآنُ شفاءٌ للناسِ كلِّهِمْ على اختلافِ الأحوالِ ، فَآيَاتُ الرحمةِ شفاءُ الخائفِ ، وآياتُ العذابِ شفاءُ المغرورِ الآمن ، وتفصيلُ ذلكَ ممَّا يطولُ. فإذاً؛ لا يُؤمنُ ألا يوافقَ المقروءُ الحالَ، وتكرهَهُ النفسُ ، فيتعرَّضَ بهِ لخطرِ كراهةٍ كلام اللهِ سبحانَهُ مِنْ حيثُ لا يجدُ سبيلاً إلى دفعِهِ ، فالاحترازُ عنْ خطرِ ذلكَ حزمٌ بالغٌ وحتمٌ واجبٌ ؛ إذْ لا يجدُ الخلاصَ عنهُ إلا بتنزيلِهِ علىْ وَفْقِ حالِهِ ، ولا يجوزُ تنزيلُ كلام اللهِ تعالى إلا على ما أرادَ اللهُ تعالى. وأمَّا قولُ الشاعرِ .. فيجوزُ تنزيلُهُ على غيرِ مرادِهِ ، ففيهِ خطرُ الكراهةِ أوْ خطرُ التأويلِ الخطأِ لموافقةِ الحالِ ، فيجبُّ توقيرُ كلام اللهِ وصيانتُهُ عنْ ذلكَ . ٥١٥ کتاب السماع والوجد ربع العادات هذا ما ينقدحُ لي في عللِ انصرافِ الشيوخِ إلى سماع الغناءِ عنْ سماع القرآنِ في حالةِ الجمع والأوقاتِ . وهلهنا وجهٌ سابعٌ ذكرَهُ أبو نصرٍ السرَّاجُ الطوسيُّ في الاعتذارِ عنْ ذلكَ : فقالَ : القرآنُ كلامُ اللهِ وصفةٌ مِنْ صفاتِهِ ، وهوَ حقٌّ لا تطيقُهُ القوَّةُ البشريّةُ ؛ لأنَّهُ غيرُ مخلوقٍ ، فلا تطيقُهُ الصفاتُ المخلوقةُ ، ولوْ كُشفَ للقلوبِ ذَرَّةٌ مِنْ معناهُ وهيتِهِ .. لتصدَّعَتْ ودَهِشَتْ وتحيَّرَتْ ، والألحانُ الطيِبَةُ مناسبةٌ للطباع ، ونسبتُها نسبةُ الحظوظِ لا نسبةُ الحقوقِ، والشعرُ نسبتُهُ نسبةٌ الحظوظِ ، فإذا علقَتِ الألحانُ والأصواتُ بما في الأبياتِ مِنَ الإشاراتِ واللطائفِ .. شاكلَ بعضُها بعضاً، وكانَ أقربَ إلى الحظوظِ وأخفَّ على القلوبِ ؛ لمشاكلةِ المخلوقِ المخلوقَ ، فما دامَتِ البشريّةُ باقيةً ، ونحنُ بصفاتِنا وحظوظِنا نتنعَّمُ بالنغماتِ الشجيّةِ والأصواتِ الطيِّيةِ .. فانبساطُنا بمشاهدةِ بقاءِ هذِهِ الحظوظِ إلى القصائدِ أولىُ مِنِ انبساطِنا إلى كلامِ اللهِ تعالى الذي هوَ صفتُهُ وكلامُهُ ، الذي منهُ بدأَ وإليهِ يعودُ . هذا حاصلٌ المقصودِ مِنْ كلامِهِ واعتذارِهِ(١) . وقدْ حُكِيَ عنْ أبي الحسينِ الدَّرَّاجِ أنَّهُ قالَ : قصدتُ يوسفَ بنَ الحسينِ الرازيَّ مِنْ بغدادَ للزيارةِ والسلام عليهِ ، فلمَّا دخلتُ الريَّ وكنتُ أسألُ (١) اللمع (ص٣٥٦). ٥١٦ ربع العادات كتاب السماع والوجد ـحر عنُه .. فكلُّ مَنْ سألتُهُ قالَ : أيشٍ تعملُ بذلكَ الزنديقِ ؟! فضيّقوا صدري حتَّى عزمتُ على الانصرافِ ، ثمَّ قلتُ في نفسي : قدْ جبتُ هذا الطريقَ كلَّهُ ، فلا أقلَّ مِنْ أَنْ أراهُ ، فلمْ أزلْ أسألُ عنهُ حتَّى دخلتُ عليهِ في مسجدٍ وهوَ قاعدٌ في المحرابِ، وبينَ يديهِ رحلٌ، وبيدِهِ مصحفٌ وهوَ يقرأُ ، وإذا هوَ شيخٌ بهيٌّ حسنُ الوجهِ واللحيةِ ، فسلمتُ عليهِ ، فأقبلَ عليَّ وقالَ : مِنْ أينَ أقبلتَ ؟ فقلتُ : مِنْ بغدادَ ، فقالَ : وما الذي جاءَ بكَ ؟ فقلتُ : قصدتُكَ للسلام عليكَ ، فقالَ : لَوْ أنَّ في بعضِ هذهِ البلدانِ قالَ لكَ إنسانٌ : أقمْ عندَنا حتَّى نشتريَ لكَ داراً أوْ جاريةٌ .. أكانَ يقعدُكَ ذلكَ عنِ المجيءِ؟ فقلتُ : ما امتحنَي اللهُ بشيءٍ مِنْ ذلكَ، ولوٍ امتحنَتي .. ما كنتُ أدري كيفَ أكونُ، ثمَّ قالَ لي: أتحسنُ أنْ تقولَ شيئاً ؟ فقلتُ : نعمْ ، فقالَ : هاتِ ، فابتدأتُ أقولُ : [من الطويل] ولوَ كُنْتَ ذَا حَزْمِ لَهَذَّمْتَ ما تَبَّنِي رَأَيْتُكَ تَنَّنِي دائِباً فِي قَطِيعَتِي كَأَنِّي بِكُمْ وَاللَّيْتُ أَفْضَلُ قَوْلِكُمْ أَلَا لَيْتَا كُنَّا إِذا اللَّيْتُ لا يُغْنِي قالَ : فأطبقَ المصحفَ ، ولمْ يزلْ يبكي حتَّى ابتلَّتْ لحيتُهُ وابتلَّ ثوبُهُ حتَّى رحمتُهُ مِنْ كثرةِ بكائِهِ ، ثمَّ قالَ : يا بنيَّ ؛ تلومُ أهلَ الريِّ يقولونَ : ( يوسفُ زنديقٌ ) ، هذا أنا مِنْ صلاةِ الغداةِ أقرأ في المصحفِ لمْ تقطرْ مِنْ عيني قطرةٌ ، وقدْ قامَتِ القيامةُ عليَّ بهذين البيتينِ ؟!(١). (١) رواه أبو نعيم في ((الحلية)) (٢٤٠/١٠)، والقشيري في ((الرسالة)) (ص٥٥٤)، والبيتان للوليد بن يزيد في (( ديوانه)) ( ص ٨٥ - ٨٦ ). ٥١٧ كتاب السماع والوجد ربع العادات فإذاً ؛ القلوبُ وإنْ كانَتْ محترقةً بحبِّ الله تعالى ، فإنَّ البيتَ الغريبَ يهيِّجُ منها ما لا تهيِّجُ تلاوةُ القرآنِ ، وذلكَ لوزنِ الشعرِ ومشاكلتِهِ للطباعِ، ولكونِهِ مشاكلاً للطبع اقتدرَ البشرُ على نظم الشعرِ، وأمَّا القرآنُ .. فنظمُهُ خارجٌ عنْ أساليبِ الكلام ومنهاجِهِ ، وهوَ لذلكَ معجزٌ لا يدخلُ في قوَّةِ البشرِ ؛ لعدمِ مشاكلتِهِ لطبعِهِ . ورُوِيَ أنَّ إسرافيلَ أستاذَ ذي النونِ المصريِّ دخلَ عليهِ رجلٌ ، فرآهُ وهوَ ينكتُ الأرضَ بإصبعِهِ ، ويترنَّمُ ببيتٍ ، فقالُ : هلْ تحسنُ أنْ تترنَّمَ بشيءٍ ؟ فقالَ : لا ، فقالَ : فأنتَ بلا قلبٍ . إشارةً إلى أنَّ مَنْ لهُ قلبٌ وعرفَ طبعَهُ .. علمَ أنَّهُ تحرِّكُهُ الأبياتُ والنغماتُ تحريكاً لا يُصادفُّ في غيرِها، فيتكلَّفُ طريقَ التحريكِ؛ إِمَّا بصوتِ نفسِهِ أوْ بغيرِهِ . فقدْ ذكرنا حكمَ المقام الأوَّلِ في فهمِ المسموعِ وتنزيلِهِ ، وحكمَ المقامِ الثاني في الوجْدِ الذي يُصادفُ في القلبِ ، فلنذكرِ الآنَ أثرَ الوجْدِ ؛ أعني : ما يترشَّحُ منهُ إلى الظاهرِ ؛ مِنْ صعقةٍ ، وبكاءٍ ، وحركةٍ ، وتمزيقِ ثوبٍ وغيرِهِ ، فنقولُ : ٥١٨ ربع العادات كتاب السماع والوجد المقام الثالث من الشماع: تذكر في آداب السماع ظاهراً وباطناً وماأحمَد من آثار الوجد وما يُؤَّمَ فأمَّا الآدابُ .. فهيَ خمسُ جملٍ : الأوَّلُ : مراعاةُ الزمانِ والمكانِ والإخوانِ : قالَ الجنيدُ : (السماعُ يحتاجُ إلى ثلاثةِ أشياءَ ، وإلا .. فلا تسمعْ: الزمانُ، والمكانُ، والإخوانُ)(١) ، ومعناهُ : أَنَّ الاشتغالَ بهِ في وقتِ حضورِ طعامٍ ، أوْ خصامٍ ، أوْ صلاةٍ ، أَوْ صارفٍ مِنَ الصوارفِ معَ اضطرابِ القلبِ .. لا فائدةَ فيهِ ، فهذا معنى مراعاةِ الزمانِ ، فيراعي حالةَ فراغ القلبِ لهُ . وأمَّا المكانُ .. فقدْ يكونُ شارعاً مطروقاً ، أوْ موضعاً كريهَ الصورةِ ، أوْ فيهِ سببٌ يشغلُ القلبَ ، فيجتنبُ ذلكَ . وأمَّا الإخوانُ .. فسببُهُ أنَّهُ إذا حضرَ غيرُ الجنسِ ؛ مِنْ منكرٍ للسماعِ ، متزهِّدٍ بالظاهرِ ، مفلسٍ مِنْ لطائفِ القلوبِ .. كانَ مستثقَلاً في المجلسِ ، واشتغلَ القلبُ بهِ ، وكذلكَ إذا حضرَ متكبِّرٌ مِنْ أهلِ الدنيا يُحتاجُ إلى مراقبِهِ ومراعاتِهِ ، أوْ متكلِّفٌ متواجدٌ مِنْ أهلِ التصوُّفِ يرائي بالوجدِ والرقصِ وتمزيقِ الثيابِ ، فكلُّ ذلكَ مشوِّشاتٌ ، فتركُ السماع عندَ فقدِ هذهِ الشروطِ أولىُ ، ففي هذهِ الشروطِ نظرٌ للمستمعِ. (١) أورده الطوسي في ((اللمع)) (ص٣٤٢)، والقشيري في ((رسالته)) (ص٥٤٨). ٥١٩ ٹ. :در كتاب السماع والوجد ربع العادات الأدبُ الثاني : وهوَ نظرُ الحاضرينَ أنَّ الشيخَ إذا كانَ حولَهُ مريدونَ يضرُّهُمُ السماعُ . . فلا ينبغي أنْ يسمعَ في حضورِهِمْ : فإِنْ سمعَ . . فليشغلْهُمْ بشغلٍ آخرَ . والمريدُ الذي يستضرُّ بالسماع أحدُ ثلاثةٍ : - أقلُّهُمْ درجةً : هوَ الذي لمْ يدركْ مِنَ الطريقِ إلا الأعمالَ الظاهرةَ ، ولمْ يكنْ لهُ ذوقُ السماع ، فاشتغالُهُ بالسماع اشتغالٌ بما لا يعنيهِ ؛ فإنَّهُ ليسَ مِنْ أهلِ اللهوِ فيلهوَ ، ولا مِنْ أهلِ الذوقِ فيتنعَّمَ بذوقِ السماع ، فليشتغلْ بذكرٍ أوْ خدمةٍ ، وإلا .. فهوَ تضييعٌ لزمانِهِ . - الثاني : هوَ الذي لهُ ذوقُ السماع ، ولكنْ فيهِ بقيّةٌ مِنَ الحظوظِ والالتفاتِ إلى الشهواتِ والصفاتِ البشريّةِ ، ولمْ ينكسرْ بعدُ انكساراً تُؤْمنُ غوائلُهُ ، فربَّما يهيِّجُ السماعُ منهُ داعيةَ اللهوِ والشهوةِ ، فيقطعُ عليهِ طريقَهُ ، ويصدُّهُ عنِ الاستكمالِ . - الثالث : أنْ يكونَ قدِ انكسرَتْ شهوتُهُ، وأُمنَتْ غائلتُهُ، وانفتحَتْ بصيرتُهُ ، واستولى على قلبِهِ حبُّ اللهِ تعالى ، ولكنَّهُ لمْ يحكمْ ظاهرَ العلمِ ، ولمْ يعرفْ أسماءَ اللهِ تعالى وصفاتِهِ ، وما يجوزُ عليهِ وما يستحيلُ(١) ، فإذا فُتِحَ لهُ بابُ السماع .. نزَّلَ المسموعَ في حقِّ اللهِ تعالى على ما يجوزُ وما لا يجوزُ ، فيكونُ ضررُهُ مِنْ تلكَ الخواطرِ التي هيَ كفرٌ أعظمَ مِنْ نفعِ السماعِ . C (١) اللمع (ص٣٥٩) . ٥٢٠