Indexed OCR Text
Pages 441-460
ربع العادات كتاب السماع والوجد صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ عنْ وجهِهِ فقالَ: ((دعْهُما يا أبا بكرٍ؛ فإنَّها أيامُ عيدٍ ))(١). وقالَتْ عائشةُ رضيَ اللهُ عنها : رأيتُ النبيَّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ يسترُّني بردائِهِ وأنا أنظرُ إلى الحبشةِ وهمْ يلعبونَ في المسجدِ ، فزجرَهُمْ عمرُ رضيَ اللهُ عنهُ، فقالَ النبيُّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: (( أمناً يا بني أرْفِدةَ))(٢) يعني مِنَ الأمنِ ، وفي حديثٍ عمرو بنِ الحارثِ عنِ ابنِ شهابٍ نحوُه ، وفيهِ : ( تغنِّيَانِ وتضربانٍ )(٣). وفي حديثٍ أبي طاهرٍ ، عنِ ابنِ وهبٍ : ( واللهِ ؛ لقدْ رأيتُ رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ يقومُ على بابِ حجرتي والحبشةُ يلعبونَ بحرابِهِمْ في مسجدِ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ ، وهوَ يسترُني بردائِهِ لكيْ أنظرَ إلى لعبِهِمْ، ثمَّ يقومُ مِنْ أجلي حتَّى أكونَ أنا الذي أنصرفُ )(٤). ورُوِيَ عنْ عائشةَ رضيَ اللهُ عنها أنَّها قالَتْ : ( كنتُ ألعبُ بالبناتِ عندَ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ ، قالت : وكانَ يأتيني صواحبُ لي ، فكنَّ يتقنَّعْنَ مِنْ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ، وكانَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ يُسرِّبُهُنَّ إليَّ فيلعبنَ معي)(٥) . (١) رواه البخاري (٩٨٨)، ومسلم (٨٩٢). (٢) رواه البخاري (٩٨٨)، ومسلم ( ٨٩٣). (٣) رواه مسلم (١٧/٨٩٢)، وانظر ((الإتحاف)) (٤٩١/٦). (٤) رواه مسلم (١٨/٨٩٢). (٥) رواه البخاري (٦١٣٠)، ومسلم (٢٤٤٠)، ويسربهن : يرسلهن. ٤٤١ كتاب السماع والوجد ربع العادات وفي روايةٍ : أنَّ النبيَّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ قالَ لها يوماً: ((ما هذا؟)) قالَتْ: بناتي، قالَ: ((فما هذا الذي أرى في وَسْطِهِنَّ؟ )) قالَتْ: فرسٌ، قالَ: (( ما هذا الذي عليهِ؟)) قالَتْ: جناحانِ، قالَ: ((فرسٌ لهُ جناحانٍ؟! )) قالَتْ: أوَما سمعتَ أنَّهُ كانَ لسليمانَ بنِ داوودَ عليهِ السلامُ خيلٌ لها أجنحةٌ ، قالَتْ: فضحكَ رسولُ الله صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ حتَّى بِدَتْ نواجذُهُ(١) . والحديثُ محمولٌ عندَنا على عادةِ الصبيانِ في اتخاذِ اللعبِ مِنَ الخزفِ والرقاعِ مِنْ غيرِ تكميلٍ صورتِهِ ، بدليلٍ ما رُوِيَ في بعضٍ الرواياتِ أنَّ الفرسَ كانَ لهُ جناحانِ مِنْ رقاعِ . وقالَتْ عائشةُ رضيَ اللهُ عنها : دخلَ عليَّ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ وعندي جاريتانِ تغنِّيّانِ بغناءِ بُعاثٍ ، فاضطجعَ على الفراشِ وحوَّلَ وجهَهُ ، فدخلَ أبو بكرٍ رضيَ اللهُ عنهُ فانتهرَني وقالَ : مزمارُ الشيطانِ عندَ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ ؟! فأقبلَ عليهِ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ وقالَ : ((دعْهُما))، فلمَّا غفلَ .. غمزتُهُما، فخرجَتا، وكانَ يومَ عيدٍ يلعبُ فيهِ السودانُ بالدَّرَقِ والحِرابِ ، فإمَّا سألتُ رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ وإمّا قالَ : (( تشتهينَ تنظرينَ ؟)) فقلتُ: نعمْ، فأقامَني وراءَهُ وخدِّي على خدِّهِ، ويقولُ: ((دونَكُمْ يا بني أرْفِدةَ)) حتَّى إذا مَلِلْتُ .. قالَ: (١) رواها أبو داوود ( ٤٩٣٢). ٤٤٢ ربع العادات كتاب السماع والوجد ((حسْبُّكِ؟)) قلتُ: نعمْ، قالَ: ((فاذهبي))، وفي ((صحيح مسلم)) : ( فوضعتُ رأسي على منكبهِ ، فجعلتُ أنظرُ إلى لعبهِمْ، حتَّى كنتُ أنا الذي انصرفتُ)(١) . فهذهِ الأحاديثُ كلُّها في (( الصحيحين))(٢)، وهوَ نصٌّ صريحٌ في أنَّ الغناءَ واللعبَ ليسَ بحرامٍ ، وفيها دلالةٌ على أنواعٍ مِنَ الرخصِ : الأوَّلُ : اللعبُ ، ولا تخفى عادةُ الحبشةِ في الرقْصِ واللعبِ . والثاني : فعلُ ذلكَ في المسجدِ . والثالثُ: قولُهُ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: (( دونَكُمْ يا بني أرْفِدةَ )) وهوَ أمرٌ باللعبِ ، والتماسٌ لهُ، فكيفَ يُقدَّرُ كونُهُ حراماً ؟! والرابعُ : منعُهُ لأبي بكرٍ وعمرَ رضيَ اللهُ عنهما عنِ الإنكارِ والتغييرِ ، وتعليلُهُ بأنَّهُ يومُ عيدٍ ؛ أي : هوَ وقتُ السرورِ ، وهذا مِنْ أسبابِ السرورِ . والخامسُ : وقوفُهُ طويلاً في مشاهدةِ ذلكَ وسماعِهِ لموافقةٍ عائشةً رضيَ اللهُ عنها، وفيهِ دليلٌ على أنَّ حسْنَ الخلقِ في تطييبٍ قلوبِ النساءِ والصبيانِ بمشاهدةِ اللعبِ أحسنُ مِنْ خشونةِ الزهدِ والتقشُّفِ في الامتناع والمنع منهُ . (١) رواه البخاري (٩٥٠)، ومسلم (٨٩٢)، ويوم بُعاث: من أيام الأوس والخزرج بين المبعث والهجرة ، كانت الغلبة فيه للأوس ، وهو اسم حصن لهم . (٢) سوى بعض الروايات، كرواية أبي داوود السابقة، وأصلها في ((الصحيحين ))، فلا اعتراض ، وثمَّ نصوص أخرى في بيان جواز الغناء واللعب والترخيص بذينك ، أورد بعضها الحافظ الزبيدي في « إتحافه )) ( ٦/ ٤٩٣) . ٤٤٣ كتاب السماع والوجد ربع العادات G. والسادسُ: قولُهُ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ ابتداءً لعائشةَ: ((أتشتهينَ أنْ تنظري ؟ )) فلمْ يكنْ ذلكَ عنِ اضطرارٍ إلى مساعدةِ الأهلِ خوفاً مِنْ غضبٍ أوْ وحشةٍ ، فإنَّ الالتماسَ إذا سبقَ .. ربَّما كانَ الردُّ سببَ وحشةٍ ، وهوَ محذورٌ، فيُقدَّمُ محذورٌ على محذورٍ، فأمَّا ابتداءُ السؤالِ .. فلا حاجةً فیهِ . G والسابعُ : الرخصةُ في الغناءِ والضربِ بالدفِّ مِنَ الجاريتينِ معَ أَنَّهُ شبَّةَ ذلكَ بمزاميرِ الشيطانِ ، وفيهِ بيانُ أنَّ المزمارَ المحرَّمَ غيرُ ذلكَ . والثامنُ : أَنَّ رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ كانَ يقرعُ سمعَةُ صوتُ الجاريتينِ وهوَ مضطجعٌ ، ولوْ كانَ يضربُ بالأوتارِ في موضع .. لما جوَّزَ الجلوسَ هناكَ ليقرعَ صوتُ الأوتارِ سمعَهُ ، فيدلُّ هذا على أنَّ صوتَ النساءِ غيرُ محرَّمٍ تحريمَ صوتِ المزاميرِ ، بلْ إنَّما يُحرَّمُ عندَ خوفِ الفتنةِ . فهذهِ المقاييسُ والنصوصُ تدلُّ على إباحةِ الغناءِ ، والرقصِ ، والضربِ بالدفِّ، واللعبِ بالدَّرَقِ والحرابِ ، والنظرِ إلى رقصِ الحبشةِ والزنوجِ في أوقاتِ السرورِ كلُّها قياساً على يوم العيدِ ؛ فإنَّهُ وقتُ سرورٍ ، وفي معناهُ يومُ العرسِ ، والوليمةِ ، والعقيقةِ ، والختانِ ، ويومُ القدومِ مِنَ السفرِ ، وسائرُ أسبابِ الفرحِ، وهوَ كلُّ ما يجوزُ الفرحُ بهِ شرعاً . ويجوزُ الفرحُ بزيارةِ الإخوانِ ولقائِهِمْ واجتماعِهِمْ في موضع واحدٍ على طعامٍ أوْ كلام ، فهوَ أيضاً مظِنَّةُ السماع . ٤٤٤ ربع العادات كتاب السماع والوجد السادسُ : سماعُ العشاقِ تحريكاً للشوقِ وتهييجاً للعشقِ وتسليةً للنفسِ : فإنْ كانَ في مشاهدةِ المعشوقِ .. فالغرضُ تأكيدُ اللذَّةِ ، وإنْ كانَ معَ المفارقةِ .. فالغرضُ تهييجُ الشوقِ، والشوقُ وإنْ كانَ ألماً ففيهِ نوعُ لذَّةِ إذا انضافَ إليهِ رجاءُ الوصالِ ، فإنَّ الرجاءَ لذيذٌ ، واليأسَ مؤلمٌ، وقوَّةُ لذَّةِ الرجاءِ بحسَبٍ قوَّةِ الشوقِ والحبِّ للشيءِ المرجوِّ . ففي هذا السماع تهييجُ العشقِ ، وتحريكُ الشوقِ ، وتحصيلُ لذَّةِ الرجاءِ المقدَّرِ في الوصالِ ، معَ الإطنابِ في وصْفِ حسنِ المحبوبِ . وهذا حلالٌ إنْ كانَ المشتاقُ إليهِ ممَّنْ يُباحُ وصالُهُ ؛ كمَنْ يعشقُ زوجتَهُ أَوْ سُرِّيَّتَهُ ، فيُصغي إلى غنائِها لتتضاعفَ لذتهُ في لقائها ، فيحظى بالمشاهدةِ البصرُ ، وبالسماع الأذنُ ، ويفهمَ لطائفَ معاني الوصالِ والفراقِ القلبُ ، فتترادفَ أسبابُ اللذَّةِ ، فهذا نوعُ تمتُّع مِنْ جملةِ مباحاتِ الدنيا ومتاعِها ، وما الحياةُ الدنيا إلا لعبٌ ولهوٌ ، وهذا منهُ . وكذلكَ إنْ غضبَتْ منهُ جاريتُهُ ، أَوْ حيلَ بينَهُ وبينَها بسببٍ مِنَ الأسبابِ .. فلهُ أنْ يحرِّكَ بالسماع شوقَهُ، وأنْ يستثيرَ بهِ لذَّةً رجاءَ الوصالِ ، فإنْ باعَها أوْ طلَّقَها .. حرمَ عليهِ ذلكَ بعدَهُ ؛ إذْ لا يجوزُ تحريكُ الشوقِ حيثُ لا يجوزُ تحقيقُهُ بالوصالِ واللقاءِ . وأمَّا مَنْ يتمثَّلُ في نفسِهِ صورةَ صبيٍّ أوِ امرأةٍ لا يحلُّ لهُ النظرُ إليها ، وكانَ ينزِّلُ ما يسمعُ على ما تمثَّلَ في نفسِهِ .. فهذا حرامٌ؛ لأنَّهُ محرِّكٌ ٤٤٥ كتاب الماع والوجد ربع العادات قـ للفكرِ في الأفعالِ المحظورةِ ، ومهيِّجٌ للداعيةِ إلى ما لا يُباحُ الوصولُ إليهِ ، وأكثرُ الفساقِ والسفهاءِ مِنَ الشبانِ في وقتِ هيجانِ الشهوةِ لا ينفكُّونَ عنْ إضمارِ شيءٍ مِنْ ذلكَ ، فذلكَ ممنوعٌ في حقُّهِمْ ؛ لما فيهِ مِنَ الداءِ الدفينِ ، لا لأمرٍ يرجعُ إلى نفسِ السماعِ ، ولذلكَ سئلَ حكيمٌ عنِ العشقِ ، فقالَ : ( دخانٌ يصعدُ إلى دماغ الإنسانِ ، يزيلُهُ الجماعُ ، ويهيِّجُهُ السماعُ ) . السابعُ : سماعُ مَنْ أحبَّ اللهَ تعالى وعشقَهُ واشتاقَ إلى لقائِهِ : فلا ينظرُ إلى شيءٍ إلا رآهُ فيهِ سبحانَهُ ، ولا يقرعُ سمعَهُ قارعٌ إلا سمعَهُ منهُ أوْ فيهِ ، فالسماعُ في حقِّهِ مهيِّجٌ لشوقِهِ ، ومؤكِّدٌ لعشقِهِ وحبِّهِ(١) ، ومُورٍ زنادَ قلبِهِ ، ومستخرجٌ منهُ أحوالاً مِنَ المكاشفاتِ والملاطفاتِ لا يحيطُ الوصفُ بها ، يعرفُها مَنْ ذاقَها ، وينكرُها مَنْ كَلَّ حسُّهُ عنْ ذوقِها ، وتسمَّى تلكَ الأحوالُ بلسانِ الصوفيةِ : وَجْداً ، مأخوذاً مِنَ الوجودِ والمصادفةِ ؛ أيْ : يصادفُ مِنْ نفسِهِ أحوالاً لمْ يكنْ يصادفُها قبلَ السماع ، ثمَّ تكونُ تلكَ الأحوالُ أسباباً لروادفَ وتوابعَ لها تحرقُ القلبَ نيرانُها ، وتنقيهِ من الكدوراتِ كما تنقي النارُ الجواهرَ المعروضةَ عليها مِنَ الخَبَثِ ، ثمَّ يتبعُ الصفاءَ الحاصلَ بهِ مشاهداتٌ ومكاشفاتٌ ، وهيَ غايةُ مطالبِ المحبِّينَ للهِ تعالى ، ونهايةُ ثمرةِ (١) سيبين المصنف قريباً جواز إطلاق لفظ العشق في حقُّه عزَّ شأنه ، ويكون ذلك في حقٌّ من يفهم حقيقة المعنى ، ويمنع في حق من يوهمه معاني يجب تنزيه الحق عنها . C C ـكن ٤٤٦ ---- ربع العادات كتاب السماع والوجد القرباتِ كلِّها ، فالمفضي إليها مِنْ جملةِ القرباتِ ، لا مِنْ جملةِ المعاصي والمباحاتِ . وحصولُ هذهِ الأحوالِ للقلبِ بالسماع سببُهُ سرُّ اللهِ تعالى في مناسبةٍ النغماتِ الموزونةِ للأرواحِ ، وتسخيرُ الأرواحِ لها وتأثُّرُها بها شوقاً ، وفرحاً وحزناً ، وانبساطاً وانقباضاً ، ومعرفةُ السبب في تأثرِ الأرواحِ بالأصواتِ مِنْ دقائقٍ علومِ المكاشفاتِ ، والبليدُ الجامدُ القاسي القلبِ ، المحرومُ عَنْ لذَّةِ السماع .. يتعجَّبُ مِنِ التذاذِ المستمع ووَجْدِهِ واضطرابِ حالِهِ وتغيُّرِ لونِهِ تعجّبَ البهيمةِ مِنْ لذَّةِ اللَّوزِينَجِ(١)، وتعُّبَ العنينِ مِنْ لذَّةِ المباشرةِ، وتعجُّبَ الصبيِّ مِنْ لذَّةِ الرئاسةِ واتساع أسبابِ الجاهِ ، وتعُّبَ الجاهلِ مِنْ لذَّةِ معرفةِ اللهِ تعالى ومعرفةِ جلالِهِ وعظمتِهِ وعجائبٍ صنعِهِ . جر ولكلِّ ذلكَ سببٌ واحدٌ، وهوَ أنَّ اللذَّةَ نوعُ إدراكِ، والإدراكُ يستدعي مُدرَكاً ويستدعي قوَّةً مدرِكةً، فمَنْ لمْ تكملْ قوَّةُ إدراكِهِ .. لمْ يُتصوَّرْ منهُ التلُّذُ ، فكيفَ يدركُ لذَّةَ الطعوم مَنْ فقدَ الذوقَ ؟ وكيفَ يدركُ لذَّةَ الألحانِ مَنْ فقدَ السمعَ ، ولذَّةَ المعقولاتِ مَنْ فقدَ العقلَ ؟ فكذلكَ ذوقُ السماع بالقلبِ بعدَ وصولِ الصوتِ إلى السمع يدركُ بحاسَّةٍ باطنةٍ في القلبِ ، مَنْ فقدَها .. عدمَ - لا محالةَ - لذَّتَهُ. (١) اللوزينج : نوع من الحلواء شبه القطائف ، يؤدم بدهن اللوز ، وهي لفظة فارسية . ٤٤٧ كتاب السماع والوجد ربع العادات ولعلَّكَ تقولُ : كيفَ يُتصوَّرُ العشقُ في حقِّ اللهِ تعالىُ حتَّى يكونَ السماعُ محرِّكاً لهُ ؟ فاعلمْ : أَنَّ مَنْ عرفَ اللهَ .. أحبَّهُ لا محالةَ، ومَنْ تأكَّدَتْ معرفتُهُ .. تأكَّدَتْ محبّتُهُ بقدْر تأكُّدِ معرفِتِهِ ، والمحبَّةُ إذا تأكَّدَتْ .. سُمِّيَتْ عشقاً ، فلا معنى للعشْقِ إلا محبةٌ مؤكّدةٌ مفرطةٌ، ولذلكَ قالتِ العربُ: (إنَّ محمداً عشقَ ربَّهُ ) لمَّا رأوهُ يتخلَّى للعبادةِ في جبلِ حراءٍ(١). واعلمْ : أنَّ كلَّ جمالٍ محبوبٌ عندَ مدرِكِ ذلكَ الجمالِ ، واللهُ تعالى جميلٌ يحبُّ الجمالَ(٢) ، ولكنَّ الجمالَ إنْ كانَ بتناسبِ الخلقةِ وصفاءِ اللونِ .. أُدركَ بحاسَّةِ البصرِ، وإنْ كانَ الجمالُ بالجلالِ والعظمةِ وعلوٍّ الرتبةِ ، وحسنِ الصفاتِ والأخلاقِ ، وإرادةِ الخيراتِ لكافَّةِ الخلقِ وإفاضتِها عليهم على الدوام ، إلى غيرِ ذلكَ مِنَ الصفاتِ الباطنةِ .. أُدركَ بحاسَّةٍ القلبٍ ، ولفظ الجمالِ قدْ يُستعارُ أيضاً لها، فيُقالُ: ( إنَّ فلاناً جميلٌ (١) كونه صلى الله عليه وسلم تخلَّى للعبادة والتحنث في غار حراء رواه البخاري (٤)، ومسلم (١٦٠)، وفيه: ( ثم حُيِّبَ إليه الخلاء ، وكان يخلو بغار حراء ، فيتحنث فيه ) ، ومعنى العشق هنا : إفراط المحبة . وروى أبو نعيم في « الحلية)) (١٦٥/٦) أثراً مرسلاً عن الحسن : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (( يقول الله تعالى : إذا كان الغالب على عبدي الاشتغال بي .. جعلت نعيمه ولذته في ذكري، فإذا جعلت نعيمه ولذته في ذكري .. عشقني وعشقته ... )) الخبر . (٢) كما جاء مرفوعاً، رواه مسلم ( ٩١). ٤٤٨ ربع العادات كتاب السماع والوجد وحسنٌ) ولا تُرادُ صورتُهُ، وإنَّما يُعنى بهِ : أنَّهُ جميلُ الأخلاقِ ، محمودُ الصفاتِ ، حسنُ السيرةِ ، حتَّى قدْ يُحبُّ الرجلُ لهذهِ الصفاتِ الباطنةِ استحساناً لها كما تُحبُّ الصورةُ الظاهرةِ . وقدْ تتأكَّدُ هذهِ المحبَّةُ فتُسمَّى عشقاً ، وكمْ مِنَ الغلاةِ في حبِّ أربابِ المذاهبِ ؛ كالشافعيِّ ومالكٍ وأبي حنيفةَ رضيَ اللهُ عنهُمْ، حتَّى يبذلونَ أموالَهُمْ وأرواحَهُمْ في نصرتِهِمْ وموالاتِهِمْ، ويزيدونَ على كلِّ عاشقٍ في الغلوِّ والمبالغةِ . محى ـن ومِنَ العجبِ أنْ يُعقلَ عشقُ شخصٍ لمْ تُشاهدْ قطُّ صورتُهُ أجميلٌ هوَ أمْ قبيحٌ، وهوَ الآنَ ميِّْتُ ، ولكنْ لجمالِ صورتِهِ الباطنةِ ، وسيرتِهِ المرضيةِ ، والخيراتِ الحاصلةِ مِنْ علمِهِ لأهلِ الدينِ ، وغيرِ ذلكَ مِنَ الخصالِ .. ثمَّ لا يُعقلَ عشقُ مَنْ تُرى الخيراتُ منهُ ، بلْ على التحقيقِ مَنْ لا خيرَ ولا جمالَ ولا محبوبَ في العالمِ إلا وهوَ حسنةٌ مِنْ حسناتِهِ ، وأثرٌ مِنْ آثارِ كرمِهِ ، وغرفةٌ مِنْ بحرِ جودِهِ !! بلْ كلُّ حسنٍ وجمالٍ في العالمِ أُدركَ بالعقولِ والأبصارِ والأسماع وسائرِ الحواسِّ، مِنْ مبتدأِ العالمِ إلى منقرضِهِ ، ومِنْ ذروةِ الثريًّا إلى منتهى الثرى .. فهوَ ذرَّةٌ مِنْ خزائنٍ قدرتِهِ ، ولمعةٌ مِنْ أنوارِ حضرتِهِ . فليتَ شعري ، كيفَ لا يُعقلُ حبُّ مَنْ هذا وصفُهُ ؟! وكيفَ لا يتأكَّدُ عندَ العارفينَ بأوصافِهِ حِبُّهُ حتَّى يجاوزَ حدّاً يكونُ إطلاقُ اسم العشقِ عليهِ ظُلماً في حقُّه ؛ لقصورِهِ عنِ الإنباءِ عنْ فرطِ محبَّتِهِ ؟! فسبحانَ مَنِ احتجبَ عنِ الظهورِ بشدَّةِ ظهورِهِ ، واستترَ عنِ الأبصارِ ٤٤٩ حن كتاب السماع والوجد ربع العادات بإشراقِ نورِهِ ، ولولا احتجابُهُ بسبعينَ حجاباً مِنْ نورِهِ .. لأحرقَتْ سُبُحاتٌ وجهِهِ أبصارَ الملاحظينَ لجمالِ حضرتِهِ ، ولولا أنَّ ظهورَهُ سببُ خفائِهِ .. لِبُهْتَتِ العقولُ ، ودَهِشَتِ القلوبُ ، وتخاذلَتِ القوى ، وتناثرَتِ الأعضاءُ ، ولوْ رُكِّبَتِ القلوبُ مِنَ الحجارةِ والحديدِ .. لأصبحَتْ تحتَ مبادي أنوار تجلِّهِ دكاً دكّاً ، فأنَّى تطيقُ كنْهَ نورِ الشمسِ أبصارُ الخفافيشِ ؟! وسيأتي تحقيقُ هذهِ الإشارةِ في كتابِ المحبَّةِ ، ويتضحُ أنَّ محبَّةَ غيرِ اللهِ تعالى قصورٌ وجهلٌ ، بلِ المتحقَّقُ بالمعرفةِ لا يعرفُ غيرَ اللهِ تعالى ؛ إذْ ليسَ في الوجودِ تحقيقاً إلا اللهُ تعالى وأفعالُهُ، ومَنْ عرفَ الأفعالَ مِنْ حيثُ إنَّها أفعالٌ .. فلمْ يجاوزْ معرفةَ الفاعلِ إلى غيرِهِ ؛ فمَنْ عرفَ الشافعيَّ رحمَهُ اللهُ مثلاً وعلمَهُ وتصنيفَهُ مِنْ حيثُ إنَّهُ تصنيفُهُ ، لا مِنْ حيثُ إنَّهُ بياضٌ وجلْدٌ وحبْرٌ وورقٌ وكلامٌ منظومٌ ولغةٌ عربيةٌ فلمْ يجاوزْ معرفتَهُ الشافعيَّ إلى غيرِهِ ، ولا جاوزَتْ محبتُهُ إلى غيرِهِ ، فكلُّ موجودٍ سوى اللهِ تعالى فهوَ تصنيفُ اللهِ تعالى وفعلُهُ وبديعُ أفعالِهِ ، فَمَنْ عرفَها مِنْ حيثُ هِيَ صنعُ اللهِ تعالى ، فرأىْ مِنَ الصنعِ صفاتِ الصانع كما يرىْ مِنْ حسنِ التصنيفِ فضلَ المصنَّفِ وجلالةَ قدرِهِ .. كانَتْ معرفتُهُ ومحبَّتُهُ مقصورةٌ على اللهِ تعالى ، غيرَ مجاوزةٍ إلى سواهُ. ومِنْ حدِّ هذا العشقِ أنَّهُ لا يقبلُ الشِّرْكَةَ ، وكلُّ ما سوى هذا العشقِ فهوَ قابلٌ للشركةِ ؛ إِذْ كلُّ محبوبٍ سواهُ يُصوَّرُ لهُ نظيرٌ : إمَّا في الوجودِ ، وإمَّا في الإمكانِ ، فأمَّا هذا الجمالُ .. فلا يُتصوَّرُ لهُ ثانٍ ، لا في الإمكانِ ، ولا في الوجودِ ، فكانَ اسمُ العشْقِ على حبِّ غيرِهِ مجازاً محضاً لا حقيقةً . ٤٥٠ ۔۔۔۔ ربع العادات كتاب السماع والوجد نعم ، الناقصُ القريبُ في نقصانِهِ مِنَ البهيمةِ قَدْ لا يدركُ مِنْ لفظِ العشقِ إلا طلبَ الوصالِ الذي هوَ عبارةٌ عنْ تماسٌّ ظواهرِ الأجسامِ وقضاءِ شهوةٍ الوقاع ، فمثلُ هذا الحمارِ ينبغي ألا يُستعملَ معَهُ لفظُ العشقِ والشوقِ ء والوصالِ والأنْسِ ، بلْ يجنّبُ هذهِ الألفاظَ والمعانيَ كما تُجنَّبُ البهيمةُ النرجسَ والريحانَ ، وتُخصَّصُ بالقتِّ والحشيشِ وأوراقِ القضبانِ ؛ فإنَّ الألفاظَ إنَّما يجوزُ إطلاقُها في حقِّ اللهِ تعالى إذا لمْ تكنْ موهمةً معنىً يجبُ تقديسُ اللهِ تعالى عنهُ ، والأوهامُ تختلف باختلافِ الأفهام ، فليُنَّهْ لهذهِ الدقيقةِ في أمثالِ هذِهِ الألفاظِ . بلْ لا يبعدُ أنْ ينشأَ مِنْ مجرَّدِ سماع لصفاتِ اللهِ تعالى وجدٌ غالبٌ ينقطعُ بسببهِ نِياطُ القلبِ ، فقدْ روى أبو هريرةَ رضيَ اللهُ عنهُ عنْ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ : (( أنَّه ذكرَ غلاماً كانَ في بني إسرائيلَ على جبلٍ ، فقالَ لأمِّهِ : مَنْ خلقَ السماءَ ؟ قالَتِ : اللهُ عزَّ وجلَّ، قالَ : فمَنْ خلقَ الأرضَ ؟ قالَتِ : اللهُ عزَّ وجلَّ، قالَ : فمَنْ خلقَ الجبالَ ؟ قالَتِ : اللهُ تعالى ، قالَ : فمَنْ خلقَ هذهِ الغنمَ ؟ قالَتِ : اللهُ عزَّ وجلَّ، فقالَ : إنِّي لأسمعُ اللهِ تعالى شأناً ، ثمَّ رمى بنفسِهِ مِنَ الجبلِ، فتقطَّعَ)) (١)، وهذا كأنَّهُ سمعَ ما دلَّ على جلالِ اللهِ تعالى وتمامٍ قدرتِهِ ، فطربَ لهُ ووَجَدَ ، فرمىُ نفسَهُ مِنَ الوجْدِ . (١) رواه ابن أبي الدنيا كما في ((تفسير ابن كثير)) (٢٥٣/٣) وحكى سنده، وابن عدي في ((الكامل)) (٤/ ١٧٨) ولكن من حديث ابن عمر، وقال الحافظ العراقي: (رواه ابن حبان). ((إتحاف)» (٦/ ٥٠٠)، وعزاه ابن كثير في ((جامع المسانيد)) (٣٧٣/٢٨) لأبي يعلى في ((مسنده)). ٤٥١ حز بكر كتاب السماع والوجد ربع العادات وما أُنزِلتِ الكتبُ إلا ليطربوا بذكرِ اللهِ تعالى، قال بعضُهُمْ: رأيتُ مكتوباً في الإنجيلِ : ( غنَّْنا لكُمْ فلم تطربوا ، وزمَّرْنا لكُمْ فلمْ ترقصوا ) أيْ : شوَّقناكُمْ بذكرِ اللهِ تعالى فلمْ تشتاقوا(١). 5,0 .* G فهذا ما أردنا أنْ نذكرَهُ مِنْ أقسام السماع ، وبواعثِهِ ، ومقتضياتِهِ ، وقدْ ظهرَ على القطْعِ إباحتُهُ في بعضٍ المواضعِ، والندبُ إليهِ في بعضٍ المواضع. فإنْ قلتَ : فهلْ لهُ حالةٌ يحرمُ فيها ؟ فأقولُ : إنَّهُ يحرمُ بخمسةِ عوارضَ : عارضٌ في المُسْمِعِ ، وعارضٌ في آلةِ السماع ، وعارضٌ في نظمِ الصوتِ ، وعارضٌ في نفسِ المستمع ، أو في مواظبتِهِ ، وعارضٌ في كونِ الشخصِ منْ عوامٌ الخلقِ(٢)؛ لأنَّ أركانَ السماعِ هوَ المُسْمِعُ ، والمستمِعُ ، وآلةُ السماع . العارضُ الأوَّلُ: أنْ يكونَ المُسْمِعُ امرأَةً لا يحلُّ النظرُ إليها، وتُخشى الفتنةُ في سماعِها : وفي معناها الصبيُّ الأمردُ الذي تُخشى فتنتُّهُ ، وهذا حرامٌ؛ لما فيهِ مِنْ خوفِ الفتنةِ ، وليسَ ذلكَ لأجلِ الغناءِ ، بلْ لوْ كانَتِ المرأةُ بحيثُ (١) رواه أبو نعيم في ((الحلية)) (٣٥٨/٢)، والقشيري في (( الرسالة)) (ص ٥٣٦) عن مالك بن دينار قرأه في التوراة ، والكلام على وجه التمثيل . (٢) قوله: ( وعارض في كون الشخص من عوامّ الخلق) زيادة من (ق). ٤٥٢ ربع العادات كتاب السماع والوجد يُفتنُ بصوتِها في المحاورةِ من غيرِ ألحانٍ .. فلا يجوزُ محاورتُها ومحادثتُها، ولا سماعُ صوتِها في القرآنِ أيضاً ، وكذلكَ الصبيُّ الذي تُخاف فتنتُّهُ . فإنْ قلتَ : فهلْ تقولُ : إنَّ ذلكَ حرامٌ بكلِّ حالٍ حسماً للبابِ ، أَوْ لا يحرمُ إلا حيثُ تُخَافُ الفتنةُ في حقِّ مَنْ يخافُ الفتنة ؟ حن فأقولُ : هذهِ مسألةٌ محتملةٌ مِنْ حيثُ الفقهُ يتجاذبُها أصلانِ : أحدُهُما : أنَّ الخلوةَ بالأجنبيةِ والنظرَ إلى وجهِها حرامٌ ، سواءٌ خيفَتِ الفتنةُ أوْ لمْ تُخفْ ؛ لأنَّها مَظِنَّةُ الفتنةِ على الجملةِ ، فقضى الشرعُ بحسْمِ البابِ مِنْ غيرِ التفاتِ إلى الصورِ . مان. والثاني : أنَّ النظرَ إلى الصبيانِ مباحٌ إلا عندَ خوفِ الفتنةِ ، فلا يُلحقُ الصبيانُ بالنساءِ في عمومِ الحسمِ ، بلْ يُتَبعُ فيهِ الحالُ . وصوتُ المرأةِ دائرٌ بينَ هذينِ الأصلينِ ، فإنْ قسناهُ على النظرِ إليها .. وجبَ حسْمُ البابِ ، وهوَ قياسٌ قريبٌ ، ولكنْ بينَهُما فرقٌ ؛ إذِ الشهوةُ تدعو إلى النظرِ في أوَّلِ هيجانِها ، ولا تدعو إلى سماع الصوتِ ، وليسَ تحريكُ النظرِ لشهوةِ المماسَّةِ كتحريكِ السماع ، بلْ هوَ أشدُّ . وصوتُ المرأةِ في غيرِ الغناءِ ليسَ بعورةٍ ، فلمْ تزلِ النساءُ في زمنٍ الصحابة رضيَ اللهُ عنهُمْ يكلِّمْنَ الرجالَ في السلام والاستفتاءِ والسؤالِ والمشاورةِ وغيرِهِ ، ولكنْ للغناءِ مزيدُ أثرٍ في تحريكِ الشهوةِ ، فقياسُ هذا ٤٥٣ ـون شرة -- كتاب السماع والوجد ربع العادات على النظرِ إلى الصبيانِ أولى ؛ لأنَّهُمْ لمْ يُؤمروا بالاحتجابِ كما لمْ تؤمرٍ النساءُ بسترِ الأصواتِ ؛ فينبغي أنْ يتَّبَعَ مثارَ الفتنِ ويقتصرَ التحريمُ عليهِ ، هذا هوَ الأَشبهُ الأقيسُ عندي . ويتأيَّدُ بحديثِ الجاريتينِ المغنّيتينِ في بيتِ عائشةَ رضيَ اللهُ عنها(١) ، إذْ يُعلمُ أنَّهُ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ كانَ يسمعُ صوتَهُما ولمْ يحترزْ منهُ، ولكنْ لمْ تكنِ الفتنةُ مَخُوفَةً عليهِ ، فلذلكَ لمْ يحترزْ . فإِذاً ؛ يختلفُ هذا بأحوالِ المرأةِ ، وأحوالِ الرجلِ في كونِهِ شاباً أو شيخاً ، ولا يبعدُ أنْ يختلفَ الأمرُ في مثلِ هذا بالأحوالِ ؛ فإنَّا نقولُ للشيخ أنْ يقبّلَ زوجتهُ وهوَ صائمٌ ، وليسَ للشابِّ ذلكَ ؛ لأنَّ القبلةَ تدعو إلى وقاع في الصوم ، وهوَ محظورٌ ، والسماعُ يدعو إلى النظرِ والمقاربةِ ، وهوَ حرامٌ ، فيختلفُ ذلك أيضاً بالأشخاصِ(٢). العارضُ الثاني : في الآلة : بأنْ تكونَ مِنْ شعائرِ أهلِ الشربِ أَوِ المخنثينَ ، وهيَ المزاميرُ ، والأوتارُ ، وطبلُ الكوبةِ ، فهذهِ ثلاثةُ أنواع (١) رواه البخاري (٩٨٨)، ومسلم ( ٨٩٢). (٢) قال الأدفوي في ((الإمتاع)) أكثر من ذلك، كما نقله العلامة الحافظ الزبيدي: ( إني أقول : إذا خاف الفتنة .. فهو محل نظر أيضاً، فإن المفسدة غير حاصلة ، وإنما تتوقع ، فيحتمل حصولها ويحتمل عدمه ، والأمور المتوقعة لا تلحق بالواقعة إلا بنص أو إجماع ، فإن ورد شيء من ذلك .. فهو المعتمد ، والشافعية لا يقولون بالمصالح المرسلة، وكذلك أكثر العلماء). ((إتحاف)) (٦/ ٥٠٢ ). ٤٥٤ ربع العادات کتاب السماع والوجد ممنوعةٍ ، وما عدا ذلكَ يبقى على أصلِ الإباحةِ ؛ كالدُّفِّ وإنْ كانَ فيهِ الجلاجلُ ، وكالطبلِ والشاهينِ والضربِ بالقضيبِ وسائرِ الآلاتِ (١). العارضُ الثالثُ : في نظم الصوتِ : وهوَ الشعرُ ، فإنْ كانَ فيهِ شيءٌ مِنَ الخنا والفحشِ والهجوٍ ، أوْ ما هوَ كذبٌ على اللهِ وعلى رسولِهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ أو على الصحابةِ رضيَ اللهُ عنهُم ؛ كما رتبُّهُ الروافضُ في هجاءٍ الصحابةِ وغيرِهِمْ .. فسماعُ ذلكَ حرامٌ ، بألحانٍ وغيرِ ألحانِ ، والمستمعُ شريكُ القائلِ . وكذلكَ ما فيهِ وصفُ امرأةٍ بعينِها ، فإنَّهُ لا يجوزُ وصْفُ المرأةِ بينَ يديٍ الرجالِ . وأمَّا هجاءُ الكفَّارِ وأهلِ البدع .. فذلكَ جائزٌ ، فقدْ كانَ حسانُ بنُّ ثابتٍ ينافحُ عنْ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ ويهاجي الكفَّارَ، وأمرَهُ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ بذلكَ(٢) . (١) ذكر الحافظ الزبيدي في العود : أن المعروف في مذاهب الأئمة الأربعة أن الضرب به وسماعه حرام ، وذهبت طائفة إلى جوازه ، وحكي سماعه عن عبد الله بن جعفر وابن عمر وابن الزبير ومعاوية وعمرو بن العاص وحسان بن ثابت وابنه ، وخارجة بن زيد ، ونقله الأستاذ أبو منصور أيضاً عن مالك ، وكذلك حكاه الفوراني في كتابه (( الغمد » ، وتقدمت نقولات في سماعه إلى أن قال : ( ونقل عن العز بن عبد السلام أنه سئل عنه ، فقال: إنه مباح، وهذا هو الذي يقتضيه سياق المصنف هنا). ((إتحاف)) (٥٠٥/٦). (٢) إذ روى البخاري (٣٢١٣)، ومسلم (٢٤٨٦) مرفوعاً: ((اهجُهُمْ أو هاجهمْ وجبريل معك)». ٤٥٥ کتاب السماع والوجد ربع العادات فأمَّا النسيبُ ، وهوّ الذي فيهِ التشبيبُ بوصفِ الخدودِ والأصداغِ وحسنٍ القدّ والقامةِ وسائرٍ أوصافِ النساءِ .. فهذا فيهِ نظرٌ، والصحيحُ: أنَّهُ لا يحرمُ نظمُهُ وإنشادُهُ بصوتٍ وغيرِ صوتٍ ، وعلى المستمع ألا ينزِّلَهُ على امرأةٍ معيَّنةٍ ، وإنْ نزَّلَهُ .. نزَّلَهُ على مَنْ يحلُّ لهُ ؛ مِنْ زوجتِهِ وجاريتِهِ ، فإنْ نَزَّلَهُ على أجنبيةٍ .. فهوَ العاصي بالتنزيلِ وإجالةِ الفكرِ فيهِ ، ومَنْ هذا وصفُهُ .. فينبغي أنْ يجتنبَ السماعَ رأساً ، فإنَّ مَنْ غلبَ عليهِ عشقٌ .. نزَّلَ كلَّ ما سمعَهُ عليهِ ، سواءً كانَ اللفظُ مناسباً لهُ أوْ لمْ يكنْ ؛ إذْ ما مِنْ لفظٍ إلا ويمكنُ تنزيلُهُ على معانٍ بطريقِ الاستعارةِ ، فالذي يغلبُ على قلبهِ حبُّ اللهِ تعالى .. يتذكَّرُ بسوادِ الصدغ مثلاً ظلمةَ الكفرِ ، وبنضارةِ الخدِّ نورَ الإيمانِ ، وبذكرِ الوصالِ لقاءَ اللهِ تعالى، وبذكرِ الفراقِ الحجابَ عنِ الهِ تعالى في زمرةِ المردودينَ ، وبذكرِ الرقيبِ المشوِّشِ لروحِ الوصالِ عوائقَ الدنيا وآفاتِها المشوِّشةَ لدوام الأنسِ بالله تعالى . ولا يحتاجُ في تنزيلِ ذلكَ عليهِ إلى استنباطٍ وتفكّرٍ ومهلةٍ ، بلْ تسبقُ المعاني الغالبةُ على القلبِ إلى فهمِهِ معَ اللفظِ ؛ كما رُوِيَ عنْ بعض الشيوخِ أنَّهُ مرَّ في السوقِ ، فسمعَ واحداً يقولُ : ( الخيارُ عشرةٌ بحبَّةٍ ) ، فغلبَهُ الوجدُ ، فسُئِلَ عنْ ذلكَ، فقالَ : إذا كانَ الخيارُ عشرةٌ بحبَّةٍ .. فما قيمةُ الأشرارِ ؟!(١). (١) وصاحب القصة هو الشبلي رحمه الله تعالى. انظر ((الرسالة القشيرية)) ( ص ٥٥٧). ٤٥٦ ربع العادات كتاب السماع والوجد واجتازَ بعضُهُمْ في السوقِ ، فسمعَ قائلاً يقولُ : ( يا سعترَ برِّي ) ، فغلبَ عليهِ الوجدُ ، فقيلَ لهُ : على ماذا كانَ وجدُكَ ؟ فقالَ : سمعتُهُ كأنَّهُ يقولُ: اسعَ .. ترَ بِرِّي(١) . حتَّى إنَّ العجميَّ قدْ يغلبُ عليهِ الوجدُ على الأبياتِ المنظومةِ بلغةٍ العربِ ، فإنَّ بعضَ حروفِها يوازنُ الحروفَ العجميةَ ، فيفهمُ منها معانٍ أخرَ ، وأنشدَ بعضُهُمْ (٢): [من الطويل] وَمَا زارَنِي فِي النَّوْمِ إِلَّ خَيَالُهُ فَقُلْتُ لَهُ: أَهْلاً وَسَهْلاً وَمَرْحَبا فتواجدَ عليهِ رجلٌ أعجميٍّ ، فسُئِلَ عنْ سببٍ وجدِهِ ، فقالَ : إنَّهُ يقولُ : ( مازاريم )، وهوَ كما يقولُ، فإنَّ لفظَ (زارَ) يدلُّ في العجميةِ على المشرفِ على الهلاكِ، فتوهَّمَ أنَّهُ يقولُ : ( كلُّنا مشرفونَ على الهلاكِ ) ، فاستشعرَ عندَ ذلكَ خطرَ هلاكِ الآخرةِ . 3 والمحترقُ في حبِّ اللهِ تعالى وجدُهُ بحسَبِ فهمِهِ ، وفهمُهُ بحسَبٍ تخيُّلِهِ ، وليسَ مِنْ شرطِ تخيُلِهِ أنْ يوافقَ مرادَ الشاعرِ ولغتَهُ ، فهذا الوجدُ حقٌّ وصدقٌ، ومَنِ استشعَر خطرَ هلاكِ الآخرةِ .. فجديرٌ بأنْ يتشوَّشَ عليهِ عقلُهُ ، وتضطربَ عليهِ أعضاؤُهُ . فإذاً ؛ ليسَ في تغييرِ أعيانِ الألفاظِ كبيرُ فائدةٍ ، بلِ الذي غلبَ عليهِ عشْقُ (١) وصاحب القصة هو أبو سليمان الدمشقي. انظر ((الرسالة القشيرية)) (ص ٥٥٥). (٢) انظر ((مصارع العشاق)) (١٣٢/٢). ٤٥٧ كتاب السماع والوجد ربع العادات مخلوقٍ ينبغي أنْ يحترزَ مِنَ السماع بأيِّ لفظٍ كانَ ، والذي غلبَ عليهِ حبُّ اللهِ تعالى فلا تضرُّهُ الألفاظُ ، ولا تمنعُهُ عنْ فهم المعاني اللطيفةِ المتعلِّقةِ بمجاري همَّتِهِ الشريفةِ . العارضُ الرابعُ : في المستمع : وهوَ أنْ تكونَ الشهوةُ غالبةٌ عليهِ ، وكانَ في غُرَّةِ الشبابِ ، وكانَتْ هذهِ الصفةُ أغلبَ عليهِ مِنْ غيرِها .. فالسماعُ حرامٌ عليهِ ، سواءٌ غلبَ على قلبِهِ حبُّ شخصٍ معيَّنِ أَوْ لمْ يغلبْ ؛ فإنَّهُ كيفما كانَ .. فلا يسمعُ وصفَ الصدغِ والخدِّ ، والوصالِ والفراقِ إلا ويحرِّكُ ذلكَ شهوتَهُ ، وينزِّلُهُ على صورةٍ معيَّنةٍ ينفخُ الشيطانُ بها في قلبِهِ ، فتشتعلُ فيهِ نارُ الشهوةِ ، وتحتذُّ بواعثُ الشرِّ ، وذلكَ هوَ النصرةُ لحزبِ الشيطانِ ، والتخذيلُ للعقلِ المانع منهُ الذي هوَ حزبُ اللهِ تعالى . والقتالُ في القلبِ دائمٌ بينَ جنودِ الشيطانِ وهيَ الشهواتُ وبينَ حزبِ اللهِ تعالى وهوَ نورُ العقلِ ، إلا في قلبٍ قدْ فتحَهُ أحدُ الجندينِ واستولى عليهِ بالكلِّيَّةِ ، وغالبُ القلوبِ الآنَ قدْ فتحَها جندُ الشيطانِ ، وغلبَ عليها ، فتحتاجُ حينئذٍ إلى أنْ تستأنفَ أسبابَ القتالِ لإزعاجِها ، فكيفَ يجوزُ تكثيرٌ أسلحتِها وتشحيذُ سيوفِها وأسنَّتِها ، والسماعُ مُشَخِّذٌ لأسلحةِ جندِ الشيطانِ في حقٌّ مثلٍ هذا الشخصِ ؟! فليُخرجْ مثلُ هذا عنْ مَجْمَعِ السماعِ ؛ فإنَّهُ يُستضرُّ بِهِ (١) . (١) في (ي): ( فليتحرج) بدل ( فليخرج ) . ٤٥٨ ربع العادات كتاب السماع والوجد العارضُ الخامسُ : أنْ يكونَ الشخصُ مِنْ عوامٌّ الخلقِ(١) : ولمْ يغلبْ عليهِ حبُّ اللهِ تعالىُ ليكونَ السماعُ لهُ محبوباً ، ولا غلبَتْ عليهِ الشهوةُ ليكونَ في حقُّه محظوراً ، ولكنَّهُ أُبِيحَ في حقِّهِ كسائرِ أنواع اللذَّاتِ المباحةِ ، إلا أنَّهُ إذا اتخذَهُ ديدنَهُ وهِجِّيراهُ ، وقصرَ عليهِ أكثرَ أوقاتِهِ .. فهذا هوَ السفيهُ الذي تُردُّ شهادتُهُ ؛ فإنَّ المواظبةَ على اللهوِ جنايةٌ ، وكما أنَّ الصغيرةَ بالإصرارِ والمداومةِ تصيرُ كبيرةً .. فكذلكَ بعضُ المباحاتِ بالمداومةِ يصيرٌ صغيرةٌ ، وهوَ كالمواظبةِ على متابعةِ الزنوجِ والحبشةِ والنظرِ إلى لعبِهِمْ على الدوامِ ، فإنَّهُ ممنوعٌ وإنْ لمْ يكنْ أصلُهُ ممنوعاً ؛ إذْ فعلَهُ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ، ومِنْ هذا القبيلِ اللعبُ بالشطرنجِ ، فإنَّهُ مباحٌ ، ولكنَّ المواظبةَ عليهِ مكروهةٌ كراهةً شديدةً ، ومهما كانَ الغرضُ اللعبَ والتلُّذَ باللهوِ. فذلكَ إنَّما يُباحُ لما فيهِ مِنْ ترويحِ القلبِ ، إذْ راحةُ القلبِ معالجةٌ لَهُ في بعضِ الأوقاتِ لتنبعثَ دواعيهِ فتشتغلَ في سائر الأوقاتِ بالجدِّ في الدنيا ؛ كالكسبِ والتجارةِ ، أَوْ في الدينِ ؛ كالصلاةِ والقراءةِ ، واستحسانُ ذلكَ فيما بينَ تضاعيفِ الجدِّ كاستحسانِ الخالِ عَلَى الخدِّ ، ولوِ استوعبَتِ (١) وأراد بالعوام هنا : غير أهل المعرفة بالله تعالى ، فدخل فيه علماء الدنيا بسائر فنونهم ، والمتكلمون على العلوم الغريبة ، والمشتغلون بالتدريس والتصنيف ، وقال القاضي حسين - نقلاً عن الجنيد - في (( تعليقه)): ( الناس في السماع على ثلاثة أضرب : العوام ، والزهاد ، والعارفون ، فأما العوام .. فحرام عليهم ؛ لبقاء نفوسهم ، وأما الزهاد .. فيباح لهم ؛ لحصول مجاهداتهم ، وأما أصحابنا .. فيستحب لهم ؛ لحياة قلوبهم ). ((إتحاف)) ( ٦/ ٥١١ ). CG ٤٥٩ كتاب السماع والوجد ربع العادات الخِيلانُ الوجهَ .. لشوَّهَتْهُ، فما أقبحَ ذلكَ ! فيعودُ ذلكَ الحسنُ قبحاً بسببٍ الكثرة ، فما كلُّ حسنٍ يحسنُ كثيرُهُ ، ولا كلُّ مباحٍ يُباحُ كثيرُهُ ، بلِ الخبزُ مباحٌ، والاستكثارُ منهُ حرامٌ(١)، فهذا المباحُ كسائرِ المباحاتِ(٢). فإنْ قلتَ : فقدْ أدَّى مساقُ هذا الكلام إلى أنَّهُ مباحٌ في بعضِ الأحوالِ دونَ بعضٍ ، فلِمَ أطلقتَ القولَ أوَّلاً بالإباحةِ ؟ إذْ إطلاقُ القولِ في المفصَّلِ بـ(لا) أوْ بـ ( نعم ) خلفٌ وخطأٌ . فاعلمْ : أنَّ هذا غلطٌّ ؛ لأنَّ الإطلاقَ إنَّما يمتنعُ بتفصيلِ ينشأَ مِنْ عينٍ ما فيهِ النظرُ ، فأمَّا ما ينشأُ مِنَ الأحوالِ العارضةِ المتصلةِ بهِ مِنْ خارجٍ .. فلا يمنعُ الإطلاقَ ، ألا ترى أنَّا إذا سُئلنا عن العسلِ: أهوَ حلالٌ أمْ لا ؟ .. (١) أي: إذا كان يستضرُّ به، وكذا شراب الرمان مباح شربه، وهو شفاء ، والاستكثار منه مضرٌ بالمعدة. («إتحاف)) (٥١١/٦ ). (٢) لم يرتض الأدفوي هذا التأصيل في (( الإمتاع))، وقد نقله الحافظ الزبيدي في ((إتحافه)) (٥١١/٦)، قال: (وهذا الذي ذكره المصنف صحيح من جهة القياس، وقد ناقضه صاحب (( الإمتاع )) من أصله فقال: وأما من فرَّق بين القليل والكثير .. فغير متجه ، ولا دليل له ، والقياس أن المباح قليله يباح كثيره إلا أن يدل الدليل كسائر المباحات )، وبيَّن وجه إباحته، إلى أن قال: ( ولو قيل : إن بعض المباحات يصير بالمداومة مكروهاً .. لأمكن أن يكون له وجه ؛ فإن الاشتغال بالمباحات وترك ما هو أنفع منها في الآخرة تفريط ، والإنسان مطلوب منه الاشتغال بالطاعات بحسب القدرة ... ، وإذا صرف أكثر وقته النفيس إلى المباح .. كان تاركاً للأولى ، ولا نعني بالكراهة هنا إلا ترك الأولى ) . بان ٤٦٠