Indexed OCR Text
Pages 361-380
ربع العادات كتاب آداب السفر ويُستحبُّ أنْ يبتدىءَ بالخروج يومَ الخميسِ ، فقدْ روى كعبُ بنُ مالكٍ عنْ أبيهِ قالَ: قلمًا كانَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ يخرجُ إلى سفرٍ إلا يومَ الخميسِ(١). وروى أنسٌ أنَّهُ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ قالَ: ((اللهمَّ؛ بارْ لأمَّتي في بكورِها يومَ السبتِ ))(٢). وكانَ عليهِ الصلاةُ والسلامُ إذا بعثَ سريَّةً .. بعثَها أوَّلَ النهارِ(٣). وروى أبو هريرةَ رضيَ اللهُ عنهُ أنَّهُ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ قالَ: (( اللهمَّ ؛ بارهْ لأمَّتي في بكورِها يومَ خميساتِها )» (٤). وقالَ عبدُ اللهِ بنُ عباسٍ : إذا كانَ لكَ إلى رجلِ حاجةٌ .. فاطلبْها إليهِ نهاراً ، ولا تطلبْها ليلاً، واطلبْها بكرةً ؛ فإنِّي سمعتُ رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ يقولُ: ((اللهمَّ؛ باركْ لأمَّتي في بكورِها))(٥) . ولا ينبغي أنْ يسافرَ بعدَ طلوع الفجرِ مِنْ يوم الجمعةِ ، فيكونَ عاصياً بتركِ الجمعةِ ، واليومُ منسوبٌ إليها ، فكانَ أوَّلُهُ مِنْ أسبابٍ وجوبِها . (١) رواه البخاري (٢٩٤٩)، وهو عن عبد الرحمن بن كعب بن مالك عن أبيه كعب رضي الله عنه ، وسقط من النسخ اسم الابن ، وقد أشار لههذا أيضاً الحافظ الزبيدي في (( إتحافه)) (٦ /٤٠٥) . ـو (٢) رواه الخرائطي في ((مكارم الأخلاق)) ( ٨٣٧ ). (٣) هو في حديث صخر الغامدي رضي الله عنه المتقدم قريباً . (٤) رواه ابن ماجه (٢٢٣٧)، والخرائطي في ((مكارم الأخلاق)) ( ٨٤١). (٥) رواه الخرائطى فى ((مكارم الأخلاق)) ( ٨٤٢). ٣٦١ كتاب آداب السفر ربع العادات والتشبيعُ للوداع سنَّةٌ، قالَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: ((لأنْ أشيِّعَ مجاهداً في سبيلِ اللهِ فأكنفَهُ على رحلِهِ غدوةٌ أوْ روحةً .. أحبُّ إليَّ مِنَ الدنيا وما فيها )»(١). السابعُ : ألا ينزلَ حتى يحمى النهارُ : فهوَ السنَّةُ ، ويكونُ أكثرُ سیرِهِ في الليلِ، قالَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: ((عليكُمْ بالدُّلجةِ؛ فإنَّ الأرضَ تُطوى بالليلِ ما لا تُطوى بالنهارِ))(٢). ومهما أشرفَ على المنزلِ .. فليقلِ: اللهمَّ، ربَّ السمواتِ السبع وما أظللن ، وربَّ الأرضينَ السبع وما أقللْنَ ، وربَّ الشياطينِ وما أضللْنَ ، وربَ الرياحِ وما ذرينَ ، وربَ البحارِ وما جرينَ ؛ أسأَلُكَ خيرَ هذا المنزلِ وخيرَ أهلِهِ ، وأعوذُ بكَ مِنْ شرِّ هذا المنزلِ وشرٍّ ما فيهِ ، اصرفْ عنِّي شرَّ شرارِهِمْ(٣). فإذا نزلَ المنزلَ .. فليصلِّ فيهِ ركعتينِ ، ثمَّ ليقلْ: اللهمَّ ، إنِّي أعوذُ بكلماتِ اللهِ التّامَّاتِ التي لا يجاوزُهُنَّ بَرٍّ ولا فاجرٌ مِنْ شرِّ ما خلقَ (٤). (١) رواه ابن ماجه (٢٨٢٤)، وأكتفه : أعينه عليه. (٢) رواه أبو داوود (٢٥٧١) دون: ((ما لا تطوى بالنهار))، وهي عند مالك في ((الموطأ)) (٩٧٩/٢) مرسلةً . (٣) رواه النسائي في (( السنن الكبرى)) ( ٨٧٧٦) . (٤) رواه مسلم ( ٢٧٠٨ ) بنحوه . ٣٦٢ ربع العادات کتاب آداب السفر خرج فإذا جنَّ عليهِ الليلُ . . فليقلْ : يا أرضُ ؛ ربِّي وربُّكِ اللهُ ، أعوذُ باللهِ مِنْ شرِّكِ، ومِنْ شرِّ ما فيكِ، وشرِّ ما دَّ عليكِ، أعوذُ باللهِ مِنْ شرِّ كلِّ أسدٍ وأسودَ وحيَّةٍ وعقربٍ ، ومِنْ ساكنِ البلدِ ووالدٍ وما ولدَ(١)، ﴿ وَلَهُمَاسَكَنَ فِى اَلَيْلِ وَالنَّهَارِ وَهُوَ السَّمِيعُ اَلْعَلِيمُ﴾. ومهما علا نشزاً مِنَ الأرضِ في وقتِ السيرِ .. فينبغي أنْ يقولَ: ( اللهمَّ ، لكَ الشرفُ على كلِّ شرفٍ ، ولكَ الحمدُ على كلِّ حالٍ )(٢)، ومهما هبطَ .. سبَّحَ، ومهما خافَ الوحشةَ في سفره .. قالَ: ( سبحانَ الملكِ القُّوسِ ، ربِّ الملائكةِ والروحِ ، جللتَ السماواتِ بالعزَّةِ والجبروتِ )(٣). الثامنُ : أَنْ يحتاطَ بالنهارِ : فلا يمشي منفرداً خارجَ القافلةِ ؛ لأنَّهُ رَبَّما يُغْتَالُ أوْ ينقطعُ ، ويكونَ بالليلِ متحفِّظاً عندَ النوم ، كانَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ إذا نامَ في ابتداءِ الليلِ في السفرِ . . افترشَ ذراعَهُ ، وإنْ نامَ في آخرِ الليلِ .. نصبَ ذراعَهُ نصباً ، وجعلَ رأسَهُ في كفُّهِ(٤) . (١) رواه أبو داوود (٢٦٠٣)، وسكّان البلد: الجن، ووالد وما ولد هنا: إبليس والشياطين. (٢) رواه أحمد في ((المسند)) (٢٣٩/٣)، وأبو يعلى في (( المسند)) ( ٤٢٩٧)، وابن السني في ((عمل اليوم والليلة)) (٥٢٢). (٣) رواه الطبراني في ((الكبير)) (٢٤/٢). (٤) كما في ((مسلم)) ( ٦٨٣) عن أبي قتادة قال: ( كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا كان في سفر ، فعرَّس بليل .. اضطجع على يمينه ، وإذا عرَّس قبيل الصبح .. نصب ذراعه ، ووضع رأسه على كفه ) . ٣٦٣ كتاب آداب السفر ربع العادات والغرضُ مِنْ ذلكَ : ألا يستثقلَ في النومِ فتطلعَ الشمسُ وهوَ نائمٌ لا يدري فيكونَ ما يفوتُهُ مِنَ الصلاةِ أفضلَ ممَّا يطلبُهُ بسفرِهِ . والمستحبُّ بالليلِ أنْ يتناوبَ الرفقاءُ في الحراسةِ ، فإذا نامَ واحدٌ .. حرسَ آخرُ ، فهوَ السنَّةُ(١) . ومهما قصدَهُ عدوٌّ أوْ سبعٌ في ليلِ أوْ نهارٍ .. فليقرأ آية الكرسيِّ ، و﴿ شَهِدَ اللَّهُ﴾، وسورةَ الإخلاصِ ، والمعوِّذتينِ ، وليقلْ: باسم اللهِ ، ما شاءَ اللهُ، لا قوَّةَ إلا باللهِ، حسبيَ اللهُ، توكَّلتُ على اللهِ، ما شاءَ اللهُ، لا يأتي بالخيرِ إلا اللهُ، ما شاءَ اللهُ، لا يصرفُ السوءَ إلا اللهُ، حسبِيَ اللهُ وكفى ، سمعَ اللهُ لمَنْ دعا ، ليسَ وراءَ اللهِ منتهى ، ولا دونَ اللهِ ملجا ، ﴿كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِيَرَ أَنَا وَرُسُلِىُّ إِنَّ اللَّهُ قَوِىُّ عَزِيزٌ﴾، تحصنتُ باللهِ العظيمِ ، واستعنتُ بالحيِّ القيومِ الذي لا يموتُ ، اللهمَّ ؛ احرسْنا بعينِكَ التي لا تنامُ، واكنفْنا بركنِكَ الذي لا يرامُ ، اللهمَّ ؛ ارحمْنا بقدرتِكَ علينا ، فلا نهلَكُ وأنتَ ثقتُنًا ورجاؤُنا ، اللهمَّ ؛ اعطفْ علينا قلوبَ عبادِكَ وإمائِكَ برأفةٍ ورحمةٍ ؛ إنَّكَ أنتَ أرحم الراحمينَ . التاسعُ : أنْ يرفقَ بالدابَّةِ: إنْ كانَ راكباً .. فلا يحمِّلُها ما لا تطيقُ، (١) رواه ابن خزيمة في ((صحيحه)) (٣٦)، وابن حبان في ((صحيحه)) ( ١٠٩٦)، وأبو داوود (١٩٨)، وأحمد فى ((المسند)) ( ٣/ ٣٤٣). ٣٦٤ ربع العادات كتاب آداب السفر ولا يضربُها في وجهِها ؛ فإنَّهُ منهيٌّ عنهُ، ولا ينامُ عليها ؛ فإنَّهُ يثقلُ بالنوم ، وتتأذَّى بهِ الدابَّةُ، كانَ أهلُ الورع لا ينامونَ على الدوابِّ إلا غفوةً . وقالَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ : ((لا تتخذوا ظهورَ دوابِّكُمْ كراسيَّ)) (١). ويُستحبُّ أنْ ينزلَ عنِ الدابَةِ غَدوةً وعشيَّةٌ يروحُها بذلكَ، فهوَ سنَّةٌ (٢)، وفيهِ آثارٌ عنِ السلفِ (٣). وكانَ بعضُ السلفِ يكتري بشرطِ ألا ينزلَ ويوفِّي الأجرةَ ، ثمَّ كانَ ينزلُ ؛ ليكونَ بذلكَ محسناً إلى الدائَّةِ ، فيوضعَ في ميزان حسناتِهِ لا في ميزانِ حسناتِ المكاري (٤) . ومَنْ آذى الدابَّةَ بضربٍ أوْ حملٍ ما لا تطيقُ .. طُولبَ بهِ يومَ القيامةِ، إذْ في كلِّ كبدٍ حزَّاءَ أجرٌ(٥). وقالَ أبو الدرداءِ رضيَ اللهُ عنهُ لبعيرِ لهُ عندَ الموتِ : ( أيُّها البعيرُ ؛ (١) رواه أحمد في ((المسند)) (٤٤١/٣)، والحاكم في (( المستدرك)) (٤٤٤/١). (٢) روى البيهقي في ((السنن الكبرى)) (٢٥٥/٥) عن أنس رضي الله عنه قال : ( كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا صلى الفجر في السفر .. مشئ ــ زاد فيه غيره: قليلاً - وناقته تقاد ) . (٣) روى ابن عساكر في ((تاريخ دمشق)) (٤٠٦/٦١): ( أن نافع بن جبير كان يحج ماشياً وناقته أو راحلته تقاد معه ) . (٤) قوت القلوب (١١٦/٢) . (٥) كما روى ذلك ابن ماجه (٣٦٨٦)، وفيه: (حرَّى) بوزان فعلى، وحرَّى وحرَّاء : للدلالة على الحياة . ٣٦٥ كن. حن: ح ـنـ کتاب آداب السفر ربع العادات لا تخاصمْني إلى ربِّكَ، فإنِّي لمْ أكنْ أحملُكَ فوقَ طاقتِكَ )(١). وفي النزولِ ساعةً صدقتانِ : إحداهما : ترويحُ الدابَةِ ، والثانيةُ : إدخالُ السرورِ على قَلْبِ المكاري . وفيهِ فائدةٌ أخرى ، وهيَ رياضةُ البدنِ ، وتحريكُ الرجلينِ ، والحذرُ مِنْ خدرِ الأعصابِ بطولِ الركوبِ . وينبغي أنْ يقرِّرَ معَ المكاري ما يحملُهُ عليها شيئاً شيئاً ويعرضَهُ عليهِ ، ويستأجرَ الدائَّةَ بعقدٍ صحيحٍ ؛ لئلا يثورَ بينَهُما نزاعٌ يؤذي القلبَ ويحملُ على ء الزيادةِ في الكلام ، فما يلفظُ العبدُ مِنْ قولٍ إلا لديهِ رقيبٌ عتيدٌ ، فليحترزْ عنْ كثرةِ الكلامِ واللجاجٍ معَ المكاري . ولا ينبغي أنْ يحملَ فوقَ المشروطِ شيئاً وإنْ خفَّ ؛ فإنَّ القليلَ يجرُّ إلى الكثيرِ ، ومَنْ حامَ حولَ الحمىُ . . يوشكُ أنْ يقعَ فيهِ . قالَ رجلٌ لابنِ المباركِ وهوَ على دابَتِهِ : احملْ لي هذهِ الرقعةَ إلى فلانٍ ، فقالَ : حتَّى أستأذنَ الجمَّالَ ؛ فإنِّي لمْ أشارطْهُ على هذهِ الرقعةِ . فانظر كيف لمْ يلتفتْ إلى قولِ الفقهاءِ: إنَّ ههذا ممَّا يتسامحُ بهِ ، ولكنْ سلكَ طريقَ الورعِ . (١) رواه ابن المبارك في ((الزهد)) (١١٧٣)، واسم بعيره هذا : دمون . ٣٦٦ --- ربع العادات كتاب آداب السفر العاشرُ : ينبغي أنْ يستصحبَ ستةَ أشياءَ : قَالَتْ عائشةُ رضيَ اللهُ عنها : ( كانَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ إذا سافرَ .. حملَ معهُ خمسةً أشياءَ : المرآةُ، والمُكْحُلةُ، والمِدرى، والسواكُ، والمشطُ )(١) ، وفي روايةٍ أخرى عنها ستةُ أشياءَ : ( المرآةُ، والقارورةُ، والمقراضُ ، والسواكُ، والمُكْحُلُةُ، والمشطُ )(٢). وقالَتْ أُمُ سعدٍ الأنصاريَّةُ : ( كانَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ لا يفارقُهُ في السفرِ المرآةُ والمُكْحُلةُ)(٣). وقالَ صهيبٌ: قالَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: ((عليكُمْ بالإثمدِ عندَ مضجعِكُمْ، فإنَّهُ ممَّا يزيدُ في البصرِ، وينبتُ الشعرَ)) (٤). ورُوِيَ أنَّهُ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ كانَ يكتحلُ ثلاثاً ثلاثاً ، وفي روايةٍ أخرى أنَّهُ اكتحلَ لليمنى ثلاثاً ، ولليسرى ثنتينٍ (٥) . وقد زادَ الصوفيَّةُ الرَّكوةَ والحبلَ ، وقالَ بعضُ الصوفيّةِ : ( إذا لمْ يكنْ (١) رواه الخرائطي في ((مكارم الأخلاق )) (٨٢٨) واللفظ له، والطبراني في « الأوسط )) (٥٢٣٨)، والمدرى : شيء يعمل من حديد أو خشب على شكل سن من أسنان المشط وأطول منه، يسرح به الشعر الملبد. ((إتحاف)) (٤١٠/٦). (٢) رواه الخرائطي في ((مكارم الأخلاق)) ( ٨٢٩). (٣) رواه الخرائطي في ((مكارم الأخلاق)) (٨٢٧)، وأبو نعيم في (( معرفة الصحابة)) (٣٥٠٩/٦) في ترجمة أم سعد بنت زيد بن ثابت ، أو امرأته . (٤) رواه الخرائطي في ((مكارم الأخلاق)) ( ٨٣٠ ). (٥) رواه ابن سعد في ((طبقاته)) (٤١٦/١)، وابن أبي شيبة في ((المصنف)) (٢٣٩٥٣). ٣٦٧ کتاب آداب السفر ربع العادات معَ الفقيرِ رَكوةٌ وحبلٌ .. دلَّ على نقصانِ دينِهِ)(١)، وإنَّما زادوا هذا لما رأوهُ مِنَ الاحتياطِ في طهارةِ الماءِ وغسلِ الثيابِ ، فالرَّكوةُ لحفظِ الماءِ الطاهرِ ، والحبلُ لتجفيفِ الثوبِ المغسولِ ، ولنزحِ الماءِ مِنَ الآبارِ . وكانَ الأوَّلونَ يكتفونَ بالتيُّمِ ، ويغنونَ أَنفسَهُمْ عنْ نقلِ الماءِ ، ولا يبالونَ بالوضوءِ مِنَ الغدرانِ ومِنَ المياهِ كلِّها ما لمْ يتيقَّنوا نجاستَها ، حتَّى توضَّأَ عمرُ رضيَ اللهُ عنهُ مِنْ ماءٍ في جرَّةٍ نصرانيَّةٍ (٢) ، وكانوا يكتفون بالأرضِ والجبالِ عنِ الحبلِ ، فيفرشونَ الثيابَ المغسولةَ عليها ، فهذهِ بدعةٌ ، إلا أنَّها بدعةٌ حسنةٌ ، وإنَّما البدعةُ المذمومةُ ما تضادُ السننَ الثابتةَ ، أمَّا ما يعينُ على الاحتياطِ في الدينِ .. فمستحسنٌ . وقدْ ذكرنا أحكامَ المبالغةِ في الطهاراتِ في كتابِ الطهارةِ ، وأنَّ المتجرِّدَ لأمرِ الدينِ لا ينبغي أنْ يؤثرَ طريقَ الرخصةِ ، بلْ يحتاطُ في الطهارة ما لمْ يمنعْهُ ذلكَ عنْ عملٍ أفضلَ منهُ . وقيلَ : كانَ الخوَّاصُ مِنَ المتوكلينَ ، وكانَ لا يفارقُهُ أربعةُ أشياءَ في السفرِ والحضرِ : الرَّكوةُ، والحبْلُ، والإبرةُ بخيوطِها ، والمقراضُ ، وكانَ يقولُ: هذهِ ليسَتْ مِنَ الدنيا(٣). (١) قوت القلوب (٢٠٧/٢). (٢) قوت القلوب (٢٠٧/٢). (٣) كذا في ((قوت القلوب)) (٢٠٧/٢)، و((الرسالة القشيرية)) (ص ٤٨٢). ٣٦٨ بون ربع العادات كتاب آداب السفر مصر الحاديَ عشرَ : في آدابِ الرجوعِ مِنَ السفرِ : كانَ النبيُّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ إذا قفلَ مِنْ غزوٍ أوْ حجٍّ أوْ عمرةٍ أوْ غيرِهِ .. يكبِّرُ على كلِّ شرفٍ مِنَ الأرضِ ثلاثَ تكبيراتٍ ويقولُ: ((لا إلهَ إلا اللهُ وحدَهُ لا شريكَ لهُ، لهُ الملكُ ولهُ الحمدُ، وهوَ على كلِّ شيءٍ قديرٌ، آيبونَ تائبونَ عابدونَ ساجدونَ لريّا حامدونَ، صدقَ اللهُ وعدَهُ، ونصرَ عبدَهُ ، وهزمَ الأحزابَ وحدَهُ ))(١) . وإذا أشرفَ على مدينِهِ .. فليقلِ: ( اللهمَّ؛ اجعلْ لنا بها قراراً ورزقاً حسناً)(٢)، ثمَّ ليرسلْ إلى أهلِهِ مَنْ يبشِّرُهُمْ بقدومِهِ؛ كي لا يقدمَ عليهِمْ بغتةً فيرى ما يكرهُ ، ولا ينبغي لهُ أن يطرقَهُمْ ليلاً، فقدْ وردَ النهيُ عنهُ(٣). وكان النبيُّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ إذا قدمَ .. دخلَ المسجدَ أوَّلاً وصلَّى ركعتينِ ، ثمَّ دخلَ البيتَ(٤)، وإذا دخلَ .. قالَ: (( توباً توباً ، لربَّنا أوْباً ، لا يغادرُ علينا حوباً»(٥). 6 وينبغي أنْ يحملَ لأهلِ بيتِهِ ولأقارِبِهِ تحفةً مِنْ مطعومٍ أوْ غيرِهِ ، على قدْرٍ إمكانِهِ ، فهوَ سنَّةٌ، فقدْ رُوِيَ أنَّهُ إنْ لمْ يجدْ شيئاً .. فليضعْ في مخلاتِهِ (١) رواه البخاري ( ١٧٩٧)، ومسلم (١٣٤٤). (٢) رواه المحاملي في (( الدعاء)) (٩٥). (٣) رواه البخاري (٥٠٧٩)، ومسلم ( ١٨١/١٩٢٨). (٤) رواه البخاري ( ٤٤١٨)، ومسلم ( ٧١٦). (٥) رواه أحمد في ((المسند)) (٢٥٥/١) . ٣٦٩ كتاب آداب السفر ربع العادات 2 حجراً(١) ، وكأنَّ هذا مبالغةٌ في الاستحثاثِ على هذهِ المكرمةِ ؛ لأنَّ الأعينَ تمتدُّ إلى القادمِ مِنَ السفرِ ، والقلوبَ تفرحُ بهِ ، فيتأكَّدُ الاستحبابُ في تأكيدِ فرحِهِمْ وإظهارِ التفاتِ القلبِ في السفرِ إلى ذكرِهِمْ بما يستصحبُ في الطريقِ لَهُمْ . فهذهِ جملةٌ مِنَ الآدابِ الظاهرةِ . فأمّا الآدابُ الباطنةُ .. ففي الفصلِ الأوَّلِ بيانُ جملةٍ منها . وجملتُهُ : ألا يسافرَ إلا إذا كانَ زيادةُ دينِهِ في السفرِ ، ومهما وجدَ قلبَهُ متغيراً إلى نقصانٍ .. فليقفْ ولينصرفْ . ولا ينبغي أنْ يجاوزَ هُّهُ منزِلَهُ ، بلْ ينزلُ حيثُ ينزلُ قلبُهُ ، وينوي في دخولِ كلِّ بلدةٍ أنْ يرى شيوخَها ، ويجتهدُ أنْ يستفيدَ مِنْ كلِّ واحدٍ أدباً أَوْ كلمةً لينتفعَ بها ، لا ليحكيَ ذلكَ ويظهرَ أنَّهُ لقيَ المشايخَ . ولا يقيمُ ببلدةٍ أكثرَ مِنْ أسبوع أوْ عشرة أيام ، إلا أنْ يأمرَهُ الشيخُ المقصودُ بذلكَ ، ولا يجالسُ في مدَّةِ الإقامةِ إلا الفقراءَ الصادقينَ ، وإنْ كانَ قصدُهُ زيارةَ أخ . . فلا يزيدُ على ثلاثة أيام ، فهوَ حدُّ الضيافةِ ، إلا إذا شقَّ على أخيهِ مفارقتُهُ . (١) روى الدارقطني في ((سننه)) (٣٠٠/٢) من حديث عائشة مرفوعاً: ((إذا قدم أحدكم من سفر .. فليهد إلى أهله، وليطرفهم ولو كانت حجارة)). ٣٧٠ ربع العادات كتاب آداب السفر وإذا قصدَ زيارةَ شيخ .. فلا يقيمُ عندَهُ أكثرَ مِنْ يوم وليلةٍ ، ولا يشتغلُ بالعِشْرةِ ؛ فإنَّ ذلكَ يقطعُ بركةَ سفرِهِ . وكلَّما يدخلُ البلدَ .. فلا يشتغلُ بشيءٍ سوى زيارةِ الشيخِ بزيارةٍ منزلِهِ ، فإنْ كانَ في بيتِهِ .. فلا يدقُّ عليهِ بابَهُ ولا يستأذنُ عليهِ إلىُ أنْ يخرجَ ، فإذا خرجَ .. تقدَّمَ إليهِ بأدبٍ فسلَّمَ عليهِ ، ولا يتكلَّمُ بينَ يديهِ إلا أنْ يسألَهُ ، فإنْ سألَهُ .. أجابَ بقدْرِ السؤالِ، ولا يسألُّهُ عنْ مسألةٍ ما لمْ يستأذنْ أوَّلاً (١). وإذا كانَ في السفرِ .. فلا يكثرُ ذكرَ أطعمةِ البلدانِ وأسخيائِها ، ولا ذكْرَ أصدقائِهِ فيها ، وليذكرْ مشايخَها وفقراءَها . ولا يهملُ في سفرِهِ زيارة قبورِ الصالحينَ ، بلْ يتفقدُها في كلِّ قريةٍ وبلدةٍ ، ولا يظهرُ حاجتَهُ إلا بقدْرِ الضرورةِ ، ومعَ مَنْ يقدرُ على إزالتِها ، ويلازمُ في الطريقِ الذكْرَ وقراءةَ القرآنِ بحيثُ لا يسمعُ غيرَهُ، وإذا كلَّمَهُ إنسانٌ .. فليتركِ الذكرَ وليجبُهُ ما دامَ يحدِّثُهُ ، ثمَّ ليرجعْ إلى ما كانَ عليهِ . 2 فإنْ تبرَّمَتْ نفسُهُ بالسفرِ أوْ بالإقامةِ .. فليخالفْها ، فالبركةُ في مخالفةِ النفسِ ، فإذا تيسّرَتْ لهُ خدمةُ قوم صالحينَ .. فلا ينبغي لهُ أنْ يسافرَ تبرُّماً بالخدمةِ ، فذلكَ كفرانُ نعمةٍ(٢). (١) وقال الإمام أبو طالب في ((القوت)) (١٦٤/١): (كانوا يقعدون على أبوابهم وفي مساجدهم ينتظرون خروجهم لأوقات الصلاة ؛ إجلالاً للعلم ، وهيبة للعلماء ) . (٢) فإن خدمة الصالحين نعمة من الله، فإذا تركها تبرماً .. دل على كفرانه لها. ((إتحاف)) (٦ / ٤١٤ ) . ٣٧١ ١ كتاب آداب السفر ربع العادات ومهما وجدَ نفسَهُ في نقصانٍ عمَّا كانَ عليهِ في الحضرِ .. فليعلمْ أنَّ سفرَهُ معلولٌ، وليرجعْ ؛ إذْ لَوْ كانَ بحقِّ .. لظهرَ أثرُهُ . قالَ رجلٌ لأبي عثمانَ المغربيِّ : خرجَ فلانٌ مسافراً ، فقالَ : ( السفرُ غربةٌ، والغربةُ ذِلَّةٌ، وليسَ للمؤمنِ أنْ يذلَّ نفسَهُ)(١) ، وأشارَ بهِ إلى أنَّ مَنْ ليسَ لهُ في السفرِ زيادةُ دينِ فقدْ أذلَّ نفسَهُ ، وإلاَّ .. فعزّ الدينِ لا يُنالُ إلا بذلَّةِ الغربةِ . ء فليكنْ سفرُ المريدِ مِنْ وطنِ هواهُ ومرادِهِ وطبعِهِ حتى يعزَّ في هذهِ الغربةِ ولا يذلَّ ؛ فإنَّ مَنِ اتبعَ هواهُ في سفرِهِ .. ذلَّ ــ لا محالةَ - إمَّا عاجلاً وإمَّا آجلاً . (١) رواه الأزدي في ((طبقات الصوفية)) (ص٣٥٩)، وعند الترمذي (٢٢٥٤)، وابن ماجه (٤٠١٦): (( لا ينبغي للمؤمن أن يذل نفسه » مرفوعاً . ٣٧٢ ربع العادات كتاب آداب السفر البَابُ الثّاني فيما لا بد للمسافر من علمه من رخص الشَّفر وأولّةُ القَّلة والأوقات اعلمْ : أنَّ المسافرَ يحتاجُ في أوَّلِ سفرِهِ إلى أنْ يتزوَّدَ لدنياهُ ولآخرتِهِ . أما زادُ الدنيا : فالطعامُ والشرابُ ، وما يحتاجُ إليهِ مِنَ النفقةِ . فإنْ خرجَ متوكُّلاً مِنْ غيرِ زادٍ .. فلا بأسَ بهِ إذا كانَ سفرُهُ في قافِلةٍ أَوْ بينَ قرىٌ متصلةٍ . جير دں وإِنْ ركبَ الباديةَ وحدَهُ أوْ معَ قومٍ لا طعامَ معهُمْ ولا شرابَ ؛ فإنْ كانَ ممَّنْ يصبرُ على الجوع أسبوعاً أوْ عشراً مثلاً ، ويقدرُ على أنْ يجتزىءَ بالحشيشِ .. فلهُ ذلكَ ، وإنْ لمْ يكنْ لهُ قوَّةُ الصبرِ على الجوعِ ولا القدرةُ على الاجتزاءِ بالحشيشِ .. فخروجُهُ مِنْ غيرِ زادٍ معصيةٌ؛ فإنَّهُ ألقى نفسَهُ بيدِهِ إلى التهلكةِ ، ولهذا سرٍّ سيأتي في كتابِ التوكُّلِ . ـجــ "G وليسَ معنى التوُّلِ التباعدَ عنِ الأسبابِ بالكليّةِ ، ولوْ كانَ كذلكَ .. البطلَ التوكُّلُ بطلبِ الدلوِ والحبلِ ، ونزحِ الماءِ مِنَ البئرِ، ولوجبَ أنْ يصبرَ حتَّى يسخِّرَ اللهُ ملكاً أوْ شخصاً آخرَ حتَّىُ يصبّ الماءَ في فيهِ ، فإنْ كانَ حفظَ الدلوِ والحبلِ لا يقدحُ في التوكُّلِ وهوَ آلةُ الوصولِ إلى المشروبِ .. فحملُ عينِ المطعومِ والمشروبِ حيثُ لا يُنتظرُ لهُ وجودٌ أولى بألا يقدحَ فيهِ . ٣٧٣ كتاب آداب السفر ربع العادات وستأتي حقيقةُ التوكُّلِ في موضعِهِ ؛ فإنَّهُ ملتبسٌ إلا على المحققينَ مِنْ علماءِ الدينِ . وأمَّا زادُ الآخرةِ : فهوَ العلمُ الذي يحتاجُ إليهِ في طهارتِهِ وصومِهِ وصلاتِهِ وعباداتِهِ ، فلا بدَّ أنْ يتزوَّدَ منهُ ؛ إذِ السفرُ تارةً يخففُ عنهُ أموراً فيحتاجُ إلى معرفةِ القدْرِ الذي يخفِّفُهُ السفرُ ؛ كالقصرِ ، والجمع ، والفطرِ ، وتارةً يشدِّهُ عليهِ أموراً كانَ مستغنياً عنها في الحضرِ ؛ كالعلمِ بالقبلةِ ، وأوقاتِ الصلواتِ ؛ فإنَّه في البلدِ مكفيٌّ بغيرِهِ مِنْ محاريبِ المساجدِ ، وأذانِ المؤذنينَ ، وفي السفرِ قدْ يحتاجُ إلى أنْ يتعرَّفَ بنفسِهِ . فإذاً؛ ما يفتقرُ إلى تعلُّمِهِ ينقسمُ إلى قسمينِ : ـدن ٣٧٤ ربع العادات كتاب آداب السفر القسم الأول: المسلم برخص الشَفر والسفرُ يفيدُ في الطهارةِ رخصتينٍ : مسحُ الخفَينِ والتيُمُ ، وفي صلاةِ الفرضِ رخصتينِ : القصرُ والجمعُ ، وفي النفلِ رخصتينٍ : أداؤُهُ على الراحلةِ وأداؤُهُ ماشياً ، وفي الصوم رخصةً واحدةً ، وهيَ الفطرُ ، فهلذهِ سبعُ رخصٍ . الرخصةُ الأولىُ : المسحُ على الخفينِ : قالَ صفوانُ بنُ عسَّال : ( أمرنا رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ إذا كنّا مسافرينَ أَوْ سَفْراً ألا ننزعَ خفافَنا ثلاثةَ أيام ولياليَهُنَّ)(١) ، فكلُّ مَنْ لبسَ الخفّ على طهارةٍ مبيحةٍ للصلاةِ ثمَّ أحدثَ .. فلهُ أنْ يمسحَ على خفِّهِ مِنْ وقتِ حدثِهِ ثلاثةَ أيَّام ولياليَهُنَّ إنْ كانَ مسافراً ، ويوماً وليلةً إنْ كانَ مقيماً ، ولكنْ بخمسةِ شروطٍ : حن .شة الأوَّلُ : أنْ يكونَ اللبسُ بعدَ كمالِ الطهارةِ : فلوْ غسلَ الرجلَ اليمنى وأدخلَها في الخفِّ، ثمَّ غسلَ اليسرى وأدخلَها في الخفِّ .. لمْ يجزْ لهُ المسحُ عندَ الشافعيِّ رحمهُ اللهُ حتَّى ينزعَ خفَّ اليمنى ويعيدَ لبسَهُ . الثاني : أنْ يكونَ الخفُّ قويّاً يمكنُ المشيُ فيهِ ، ويجوزُ المسحُ على الخفِّّ وإنْ لمْ يكنْ منَّلاً؛ إذ العادةُ جاريةٌ بالتردُّدِ فيهِ في المنازلِ ؛ لأنَّ فيهِ (١) رواه الترمذي (٩٦)، والنسائي (٨٣/١)، وابن ماجه ( ٤٧٨). ٣٧٥ كتاب آداب السفر ربع العادات قوَّةٌ على الجملةِ ، بخلافِ جوربِ الصوفيّةِ ؛ فإنَّهُ لا يجوزُ المسحُ عليهِ ، وكذا الجُرْموقُ الضعيفُ . الثالثُ : ألا يكونَ في موضع فرضِ الغسلِ خرقٌ ، فإنْ تخرَّقَ بحيثُ انكشفَ محلُّ الفرضِ .. لمْ يجزِ المسحُ، وللشافعيِّ قولٌ قديمٌ أنَّهُ يجوزُ ما دامَ يستمسكُ على الرجلِ ، وهوَ مذهبُ مالكٍ رضيَ اللهُ عنهُ ، ولا بأسَ بهِ المسيسٍ الحاجةِ إليهِ ، وتعذُّرِ الخرْزِ في السفرِ في كلِّ وقتٍ . والمداسُ المنسوجُ يجوزُ المسحُ عليهِ مهما كانَ ساتراً لا تبدو بشرةُ القدم مِنْ خلالِهِ ، وكذا المشقوقُ الذي يُردُّ على محلِّ الشقِّ بشَرَجٍ(١)؛ لأنَّ الحاجةَ تمسُّ إلى جميع ذلكَ ، فلا يُعتبرُ إلا أنْ يكونَ ساتراً إلى ما فوقَ الكعبينِ كيفما كانَ، فأمَّا إذا سترَ بعضَ ظهرِ القدم وسترَ الباقيَ باللفافةِ .. لمْ يجزِ المسحُ عليهِ . الرابعُ : ألا ينزعَ الخفَّ بعدَ المسحِ عليهِ ، فإنْ نزعَ .. فالأولى استئنافُ الوضوءِ ، فإنِ اقتصرَ على غسلِ القدمينِ .. جازَ . الخامسُ : أنْ يمسحَ على الموضع المحاذي لمحلِّ فرضِ الغسلِ لا على الساقِ، وأقلُّهُ : ما يسمَّىُ مسْحاً على ظهرِ القدم مِنَ الخفِّ، وإذا مسحَ بثلاثِ أصابعَ .. خرجَ مِنْ شبهةِ الخلافِ، وأكملُهُ: أنْ يمسحَ أعلاهُ وأسفلَهُ بور حن (١) صورته: ما لو كان المداس مفتوحاً ويغطّى بما يشبه الأزرار والعُرى، والشَّرَج: العروة . ٣٧٦ ربع العادات كتاب آداب السفر دفعةً واحدةً مِنْ غيرِ تكرارِ ، كذلكَ فعلَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ(١). ووصْفُهُ : أنْ ييلَّ اليدينِ ويضعَ رؤوسَ أصابعِ اليمنىُ مِنْ يدِهِ على رؤوسِ أصابعِ اليمنى مِنْ رجلِهِ ويمسحَهُ ؛ بأنْ يجرَّ أصابعَهُ إلى جهةِ نفسِهِ ، ويضعَ رؤوسَ أصابع يدِهِ اليسرى على عقبهِ مِنْ أسفلِ الخفِّ ويمرَّها إلى رأسِ القدم . ومهما مسحَ مقيماً ثُمَّ سافرَ، أوْ مسافراً ثمَّ أقامَ .. غَلَّبَ حكْمَ الإقامةِ ، فليقتصرْ على يومٍ وليلةٍ . وعددُ الأيام الثلاثةِ محسوبٌ مِنْ وقتِ حدثِهِ بعدَ المسح على الخفِّ ، فلوْ لبسَ الخفَّ في الحضرِ ولمْ يمسحْ في الحضرِ ، ثمَّ خرجَ وأحدثَ في السفرِ وقتَ الزوالِ مثلاً .. مسحَ ثلاثةَ أيامٍ ولياليَهُنَّ، مِنْ وقتِ الزوالِ إلى الزوالِ مِنَ اليومِ الرابعِ ، فإذا زالَتِ الشمسُ مِنَ اليومِ الرابع .. لمْ يكنْ لهُ أنْ يصلََّ إلا بعدَ غسلِ الرجلينِ ، فيغسلُ رجليهِ ويعيدُ لبسَ الخفِّ ، ويراعي وقتَ الحدثِ ويستأنفُ الحسابَ مِنْ وقتِ الحدثِ . ولوْ أحدثَ بعدَ لبسِ الخفِّ في الحضرِ ثمَّ خَرِجَ بعدَ الحدثِ .. فلهُ أنْ يمسحَ ثلاثةَ أيام ؛ لأنَّ العادةَ قدْ تقتضي اللبسَ قبلَ الخروجِ ، ثمَّ لا يمكنُ الاحترازُ مِنَ الحدثِ ، فأمَّا إذا مسحَ في الحضرِ ثمَّ سافرَ .. اقتصرَ على مدَّةِ المقيمينَ . (١) رواه أبو داوود (١٦٥)، والترمذي (٩٧)، وابن ماجه (٥٥٠). ٣٧٧ كتاب آداب السفر ـيم ربع العادات ويُستحبُّ لكلِّ مَنْ يريدُ لبسَ خفٍّ في حضرٍ أوْ سفرٍ أنْ ينكسَ الخفَّ وينفضَ ما فيهِ ؛ حذراً مِنْ حِيَّةٍ أوْ عقربٍ أوْ شوكةٍ ، فقدْ رُوِيَ عنْ أبي أمامةَ أنَّهُ قالَ: دعا رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ بخفَّيهِ ، فليسَ أحدَهُما، فجاءَ غرائبٌ فاحتملَ الآخرَ ثمَّ رمى به فخرجتْ منهُ حيَّةٌ ، فقالَ النبيُّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ : (( مَنْ كانَ يؤمنُ باللهِ واليومِ الآخرِ .. فلا يلبسُ خفَيْهِ حتَّى ينفضَهُما))(١). الرخصةُ الثانيةُ : التيمُمُ : والترابُ بدلٌ عنِ الماءِ عندَ العذرِ ، وإنَّما يتعذَّرُ الماءُ بأنْ يكونَ بعيداً عنٍ المنزلِ بعداً لوْ مشى إليهِ .. لمْ يلحقْهُ غوتُ القافلةِ إنْ صاحَ أوِ استغاثَ ، وهوَ البعدُ الذي لا يعتادُ أهلُ المنزلِ في تردادِهِمْ لقضاءِ الحاجةِ التردُّدَ إليهِ ، وكذا إنْ نزلَ على الماءِ عدوٍّ أوْ سبعٌ ، فيجوزُ التيتُمُ ، وإنْ كانَ الماءُ قريباً ، وكذا إنِ احتاجَ إليهِ لعطشِهِ في يومِهِ أوْ بعدَ يومِهِ لفقدِ الماءِ بينَ يديهِ ، فلهُ التيقُّمُ، وكذا إن احتاجَ إليهِ لعطشٍ أحدٍ رفقائِهِ ، فلا يجوزُ لهُ الوضوءُ ، ويلزمُهُ بذلُهُ ، إمَّا بثمنٍ أوْ بغيرِ ثمنٍ . ولوْ كانَ يحتاجُ إليهِ لطبخ مرقةٍ أوْ لحمٍ أوْ لبلٌّ فتيتٍ يجمعُهُ بهِ .. لمْ يجزْ لهُ التيقُّمُ، بلْ عليهِ أنْ يجتزئءَ بالفتيتِ اليابسِ ويتركَ تناولَ المرقةِ ، ومهما (١) رواه الطبراني في ((الكبير)) (١٣٧/٨). ٣٧٨ ربع العادات حر کتاب آداب السفر وُهِبَ لهُ الماءُ .. وجبَ قبولُهُ، وإنْ وُهِبَ ثمنُهُ .. لمْ يجبْ قبولُهُ ؛ لما فيهِ مِنَ المِنَّةِ، وإنْ بيعَ بثمنِ المثلِ .. لزمَهُ الشراءُ، وإنْ بيعَ بغبنٍ .. لمْ يلزمْهُ. فإذا لمْ يكنْ معَهُ ماءٌ وأرادَ أنْ يتيمَّمَ .. فأوَّلُ ما يلزمُهُ طلبُ الماءِ مهما جُوَّزَ الوصولَ إليهِ بالطلبِ ، وذلكَ بالترذُّدِ حَوالَي المنزلِ ، وتفتيشٍ الرحلِ ، وطلبِ البقايا مِنَ الأواني والمطاهرِ ، فإنْ نسيَ الماءَ في رحلِهِ ، أوْ نسيَ بئراً بالقربِ منهُ .. لزمَهُ إعادةُ الصلاةِ؛ لتقصيرِهِ في الطلبِ ، وإنْ علمَ أنَّهُ سيجدُ الماءَ في آخرِ الوقتِ . . فالأولىُ أنْ يصليَ بالتيمُّمِ في أوَّلِ الوقتِ ؛ فإنَّ العمرَ لا يوثقُ بهِ ، وأوَّلُ الوقتِ رضوانُ اللهِ . تيمَّمَ ابنُ عمرَ رضيَ اللهُ عنهما ، فقيلَ لهُ : أتتيمَّمُ وجدرانُ المدينةِ تنظرُ إليكَ ؟ فقالَ : أوَأبقى إلى أنْ أدخلَها؟!(١). ومهما وجدَ الماءَ بعدَ الشروع في الصلاة .. لمْ تبطلْ صلاتُهُ ، ولمْ يلزمْهُ الوضوءُ، وإذا وجدَهُ قبلَ الشروع في الصلاةِ .. لزمَهُ الوضوءُ . ومهما طلبَ فلمْ يجدْ . . فليقصدْ صعيداً طيِّاً عليهِ ترابٌ يثورُ منهُ غبارٌ ، وليضربْ عليهِ كفَّيْهِ بعدَ ضمِّ أصابعِهِ ضربةً ، فيمسحُ بهما وجهَهُ ، ويضربُ ضربةً أخرى بعدَ نزع الخاتمِ وتفريجِ الأصابع ويمسحُ بها يديه إلى مرفقيهِ ، (١) قال الحافظ ابن الملقن في ((خلاصة البدر المنير)) (٧١/١): (رواه مالك والشافعي والدارقطني بنحوه بأسانيد صحيحة ، وذكره البخاري بغير إسناد)، وانظر (( البدر المنير)) (٦٦٦/٢ ) . ٣٧٩ كبرة كتاب آداب السفر ربع العادات حر فإنْ لمْ يستوعبْ بضربةٍ واحدةٍ جميعَ يديهِ .. ضربَ ضربةً أخرى ، وكيفيَّةُ التلطُّفِ فيهِ ما ذكرناهُ في كتابِ الطهارةِ ، فلا نعيدُهُ . ثم إذا صلى بهِ فريضةٌ واحدةً . . فلهُ أنْ يتنقَّلَ ما شاءَ بذلكِ التيمُّمٍ ، وإن أرادَ الجمعَ بينَ فريضتينٍ .. فعليهِ أنْ يعيدَ التيمُمَ للصلاةِ الثانيةِ ، فلا يصلِّي فرضينٍ إلا بتيمُّمَينِ . G: ولا ينبغي أنْ يتيمَّمَ لصلاةٍ قبلَ دخولٍ وقتِها ، فإنْ فعلَ . . وجبَ علیهِ إعادةُ التيُمِ . ولينوٍ عندَ مسح الوجهِ استباحةَ الصلاةِ ، ولوْ وجدَ مِنَ الماءِ ما يكفيهِ لبعضٍ طهارتِهِ .. فليستعملُهُ ثمَّ ليتيمَّمَ بعدَهُ تيقُّماً تاماً . ٠١٧ الرخصةُ الثالثةُ : في الصلاةِ المفروضةِ القصرُ : ولهُ أنْ يقتصرَ في كلِّ واحدةٍ مِنَ الظهرِ والعصرِ والعشاءِ على ركعتينِ ، ولكنْ بشروطِ ثلاثةٍ : الأوَّلُ : أَنْ يؤديَها في أوقاتِها ، فلوْ صارَتْ قضاءً .. فالأظهرُ لزومُ الإتمامِ . ـرة الثاني : أنْ ينويَ القصرَ ، فلوْ نوى الإتمامَ .. لزمَهُ الإتمامُ ، ولوْ شكَّ في أنَّهُ نوى القصرَ أوِ الإتمامَ .. لزمَهُ الإتمامُ . الثالثُ : ألا يقتديَ بمقيمٍ ولا بمسافرٍ متمٍّ ، فإنْ فعلَ .. لزمَهُ الإتمامُ، ٣٨٠